(الْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ)
لَهُ عَلَى حَالِهِ أَسْهَلُ مِنْ الْحُكْمِ بِنَقْلِهِ عَنْهُ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالٍ مِنْ الِاسْتِعْمَالَاتِ مِنْ غَيْرِ كَثْرَةٍ فِيهِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْحُكْمَيْنِ وَلُزُومِ أَحَدِهِمَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ لِسَانِ أَهْلِ الْعُرْفِ الَّذِي يَدَّعِي نَقْلَهُ إلَيْهِ خِلَافُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقِيلَ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
فَرْعٌ
اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي بَدَنَةٍ فَقَلَّدَهَا أَحَدُهُمْ صَارُوا مُحْرِمِينَ إنْ كَانَ بِأَمْرِ الْبَقِيَّةَ وَسَارُوا مَعَهَا. وَيُسْتَحَبُّ التَّجْلِيلُ وَالتَّصَدُّقُ بِالْجِلِّ لِأَنَّهُ أَعْمَلُ فِي الْكَرَامَةِ، وَهَدَايَاهُ ﵊ كَانَتْ مُجَلَّلَةً مُقَلَّدَةً. وَقَالَ لِعَلِيٍّ ﵁ «تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا» وَالتَّقْلِيدُ أَحَبُّ مِنْ التَّجْلِيلِ لِأَنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي الْقُرْآنِ، إلَّا فِي الشَّاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀.
(بَابُ الْقِرَانِ)
الْمُحْرِمُ إنْ أَفْرَدَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ فَمُفْرِدٌ بِالْحَجِّ، وَإِنْ أَفْرَدَ بِالْعُمْرَةِ فَإِمَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا إلَّا أَنَّهُ أَوْقَعَ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ طَوَافِهَا فِيهَا أَوَّلًا. الثَّانِي مُفْرِدٌ بِالْعُمْرَةِ، وَالْأَوَّلُ أَيْضًا كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، أَوْ حَجَّ وَأَلَمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَهُمَا إلْمَامًا صَحِيحًا، وَإِنْ حَجَّ وَلَمْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَهُمَا إلْمَامًا صَحِيحًا فَمُتَمَتِّعٌ، وَسَيَأْتِي مَعْنَى الْإِلْمَامِ الصَّحِيحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ لَمْ يُفْرِدْ الْإِحْرَامَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا، أَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْحَجِّ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَقَارِنٌ بِلَا إسَاءَةٍ، وَإِنْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْقُدُومِ وَلَوْ شَوْطًا فَقَارِنٌ مُسِيءٌ، لِأَنَّ الْقَارِنَ مَنْ يَبْنِي الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي الْأَفْعَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْنِيَهُ أَيْضًا فِي الْإِحْرَامِ أَوْ يُوجِدَهُمَا مَعًا، فَإِذَا خَالَفَ أَسَاءَ وَصَحَّ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ يَبْنِيَ الْأَفْعَالَ إذَا لَمْ يَطُفْ شَوْطًا، فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْعُمْرَةِ حَتَّى طَافَ شَوْطًا رَفَضَ.
الْعُمْرَةَ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَدَمٌ لِلرَّفْضِ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّرْتِيبِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا طَوَافَ قُدُومٍ لِلْعُمْرَةِ. هَذَا كَلَامُهُمْ فِي الْقَارِنِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي الْقِرَانِ إيقَاعُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ طَافَ فِي رَمَضَانَ لِعُمْرَتِهِ فَهُوَ قَارِنٌ، وَلَكِنْ لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَسَيَأْتِيك تَحْقِيقُ الْمَقَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ التَّمَتُّعِ (قَوْلُهُ الْقِرَانُ أَفْضَلُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنْ يَأْتِيَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مُفْرِدًا خِلَافًا
[ ٢ / ٥١٨ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْإِفْرَادُ
لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِهِ: حَجَّةٌ كُوفِيَّةٌ وَعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْ الْقِرَانِ، أَمَّا مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى إحْدَاهُمَا فَلَا إشْكَالَ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ.
وَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ تَرْجِعُ إلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي حَجَّتِهِ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، فَاَلَّذِي يُهِمُّنَا النَّظَرُ فِي ذَلِكَ، وَلْنُقَدِّمْ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ لِنُوفِيَ بِتَقْرِيرِ الْكِتَابِ ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى تَحْرِيرِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ. اسْتَدَلَّ لِلْخُصُومِ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْقِرَانُ رُخْصَةٌ» وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ.
وَلِلْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِ ﷺ «يَا أَهْلَ مُحَمَّدٍ أَهِلُّوا بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدِهِ، وَسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ تَحْقِيقِ الْحَقِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَنَقُولُ: اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ فِي إحْرَامِهِ ﵊. فَذَهَبَ قَائِلُونَ إلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ مُفْرِدًا وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي سُفْرَتِهِ تِلْكَ، وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ أَفْرَدَ وَاعْتَمَرَ فِيهَا مِنْ التَّنْعِيمِ، وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَحِلَّ لِأَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَحَلَّ، وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ قَرَنَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ، وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ قَرَنَ فَطَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ لَهُمَا وَهَذَا مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا. وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَّةٍ» فَهَذَا التَّقْسِيمُ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ لَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ غَيْرَهُ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا «أَنَّهُ ﵊ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا». وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ» وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ» وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ «حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ،
[ ٢ / ٥١٩ ]
أَفْضَلُ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ لِأَنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي الْقُرْآنِ وَلَا ذِكْرَ لِلْقِرَانِ فِيهِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ
ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى، مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنْ الطَّوَافِ ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ».
فَهَذِهِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْرَدَ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مَعَ كَثْرَةِ مَا نُقِلَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ فَعَلَهُ، وَمَنْ ادَّعَاهُ فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى مَا رَأَى مِنْ فِعْلِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ اعْتِمَارِهِمْ بَعْدَ الْحَجِّ مِنْ التَّنْعِيمِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَمَّ بِهَذَا مَذْهَبُ الْإِفْرَادِ. وَجْهُ الْقَائِلِينَ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ يُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ» وَعَنْ عَائِشَةَ «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ» بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ: أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَلَكِنِّي كَرِهْت أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ فَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ ﵊ كَانَ مُتَمَتِّعًا. وَقَدْ عَلِمْت مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ الْإِفْرَادَ عَائِشَةُ، وَابْنُ عُمَرَ رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا.
وَأَمَّا رِوَايَةُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فَقَوْلُهُ فِي الْكُلِّ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، يَعْنِي ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إحْرَامُ الْحَجِّ يُفْعَلُ بِهِ عُمْرَةٌ بِفَسْخِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلُ تَرْكِ النَّاسِ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لِمَا عَلِمُوا مِنْ دَلِيلِ مَنْعِهِ مِمَّا أَسْلَفْنَاهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ إلَخْ. ثُمَّ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ بِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ أَحَلَّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ «قَصَّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ» قَالُوا: وَمُعَاوِيَةُ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَالنَّبِيُّ ﵊ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فِي الْفَتْحِ فَلَزِمَ كَوْنُهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَوْنُهُ عَنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ لِمَا زَادَهُ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَتِهِ مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَالتَّقْصِيرُ فِي الْحَجِّ إنَّمَا يَكُونُ فِي مِنًى.
فَدَفَعَهُ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَمِ إحْلَالِهِ جَاءَتْ مَجِيئًا مُتَظَافِرًا يَقْرُبُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ مِنْ الشُّهْرَةِ الَّتِي هِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ التَّوَاتُرِ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَسْخِ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الثَّابِتِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَكَثِيرٍ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْهَا فِي أَدِلَّةِ الْقِرَانِ.
وَلَوْ انْفَرَدَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى حَدِيث مُعَاوِيَةَ. فَكَيْفَ وَالْحَالُ مَا أَعْلَمْنَاك فَلَزِمَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الشُّذُوذُ عَنْ الْجَمِّ الْغَفِيرِ، فَإِمَّا هُوَ خَطَأٌ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ إذْ ذَاكَ، وَهِيَ عُمْرَةٌ خَفِيَتْ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَيْلًا عَلَى مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّهُ ﵊ خَرَجَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا، فَقَضَى عُمْرَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ» الْحَدِيثَ. قَالَ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَفِيَتْ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ الْحُكْمُ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ وَهِيَ قَوْلُهُ «فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ» بِالْخَطَإِ، وَلَوْ كَانَتْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، إمَّا لِنِسْيَانٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَوْ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: لَا شَكَّ أَنْ تَتَرَجَّحَ رِوَايَةُ تَمَتُّعِهِ لِتَعَارُضِ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ، وَسَلَامَةِ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ رَوَى التَّمَتُّعَ دُونَ الْإِفْرَادِ، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ بِلُغَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَعُرْفِ الصَّحَابَةِ
[ ٢ / ٥٢٠ ]
﵊ «الْقِرَانُ رُخْصَةٌ» وَلِأَنَّ فِي الْإِفْرَادِ زِيَادَةَ التَّلْبِيَةِ وَالسَّفَرَ وَالْحَلْقَ
أَعَمُّ مِنْ الْقِرَانِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَإِذَا كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْفَرْدُ الْمُسَمَّى بِالْقِرَانِ فِي الِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ وَهُوَ مُدَّعَانَا، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْفَرْدُ الْمَخْصُوصُ بِاسْمِ التَّمَتُّعِ فِي ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ أَوَّلًا فِي أَنَّهُ أَعَمُّ فِي عُرْفِ الصَّحَابَةِ أَوْ لَا، وَثَانِيًا فِي تَرْجِيحِ أَيِّ الْفَرْدَيْنِ بِالدَّلِيلِ، وَالْأَوَّلُ يَبِينُ فِي ضِمْنِ التَّرْجِيحِ وَثَمَّ دَلَالَاتٌ أُخَرُ عَلَى التَّرْجِيحِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ بَيَانِ عُمُومِهِ عُرْفًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ بِعُسْفَانَ فَكَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْهَى عَنْهُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْنَا مِنْك، فَقَالَ عَلِيٌّ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَك، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا. هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ فَقَالَ عَلِيٌّ مَا تُرِيدُ إلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُهِلًّا بِهِمَا، وَسَيَأْتِيك عَنْ عَلِيٍّ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَيُفِيدُ أَيْضًا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا تَمَتُّعٌ، فَإِنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَقَصَدَ عَلِيٌّ إظْهَارَ مُخَالَفَتِهِ تَقْرِيرًا لِمَا فَعَلَهُ ﵊، وَأَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ فَقَرَنَ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مُخَالَفَةً إذَا كَانَتْ الْمُتْعَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُثْمَانُ هِيَ الْقِرَانُ فَدَلَّ عَلَى الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ عَيَّنَاهُمَا وَتَضَمَّنَ اتِّفَاقُ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ مِنْ مُسَمَّى التَّمَتُّعِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى التَّمَتُّعِ الَّذِي نُسَمِّيهِ قِرَانًا» لَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ اللَّفْظَ، فَكَيْفَ وَقَدْ وُجِدَ عَنْهُ مَا يُفِيدُ مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ قَرَنَ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ بِلَفْظِ الْمُتْعَةِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْفَرْدُ الْمُسَمَّى بِالْقِرَانِ، وَكَذَا يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ» لَوْ لَمْ يُوجَدْ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَكَيْفَ وَقَدْ وُجِدَ، وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ لِمُطَرِّفٍ: أُحَدِّثُك حَدِيثًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَك بِهِ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ» وَكَذَا يَجِبُ مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، لَوْ لَمْ يُوجَدْ عَنْهَا مَا يُخَالِفُهُ فَكَيْفَ وَقَدْ وَجَدَ، مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَهُوَ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النُّفَيْلِيِّ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ.
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ، سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: «كَمْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَرَّتَيْنِ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَ بِحَجَّتِهِ.
وَكَذَا مَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ: يَعْنِي بِقِسْمَيْهَا. وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ لَهُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ: أَيْ فَعَلُوا مَا يُسَمَّى مُتْعَةً فَهُوَ ﵊ فَعَلَ النَّوْعَ الْمُسَمَّى بِالْقِرَانِ وَهُمْ فَعَلُوا النَّوْعَ الْمَخْصُوصَ بِاسْمِ الْمُتْعَةِ فِي عُرْفِنَا بِوَاسِطَةِ فَسْخِ الْحَجِّ إلَى عُمْرَةٍ. وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِرَافِ عُمَرَ بِهِ عَنْهُ ﷺ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي ﷿ فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ رَكْعَتَيْنِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ امْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ فِي مَنَامِهِ الَّذِي هُوَ وَحْيٌ.
وَمَا فِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ الْأَعْمَشِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ التَّغْلِبِيِّ
[ ٢ / ٥٢١ ]
وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «يَا آلَ مُحَمَّدٍ أَهِلُّوا بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا»
قَالَ: «أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ». وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: وَأَصَحُّهُ إسْنَادُ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ الصُّبَيّ عَنْ عُمَرَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، قَالَ بَكْرٌ فَحَدَّثْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَنَسٌ ﵁: مَا تَعُدُّونَا إلَّا صِبْيَانًا، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَجًّا وَعُمْرَةً» وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ إنَّ أَنَسًا كَانَ إذْ ذَاكَ صَبِيًّا لِقَصْدِ تَقْدِيمِ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ غَلَطٌ، بَلْ كَانَ سَنُّ أَنَسٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ أَوْ إحْدَى وَتِسْعِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، ذَكَرَ ذَلِكَ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعِبَرِ، وَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَسِنُّهُ عَشْرَ سِنِينَ فَكَيْفَ يَسُوغُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِسِنِّ الصِّبَا إذْ ذَاكَ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا بَيْنَ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ فِي السِّنِّ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ سَنَةٌ وَبَعْضُ سَنَةٍ.
ثُمَّ إنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﵊ الْإِفْرَادَ مُعَارَضَةٌ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ التَّمَتُّعَ كَمَا أَسْمَعْنَاك وَعَلِمْت أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّمَتُّعِ الْقِرَانُ كَمَا حَقَّقْته، وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِعْلُهُ وَنِسْبَتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى أَنَسٍ أَحَدٌ مِنْ الرُّوَاةِ فِي أَنَّهُ ﵊ كَانَ قَارِنًا، قَالُوا: اتَّفَقَ عَنْ أَنَسٍ سِتَّةَ عَشَرَ رَاوِيًا أَنَّهُ ﵊ قَرَنَ مَعَ زِيَادَةِ مُلَازَمَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ خَادِمَهُ لَا يُفَارِقُهُ، حَتَّى إنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ «كُنْتُ آخُذُ بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ تَقْصَعُ بِجَرَّتِهَا وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى يَدِي وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَحُمَيْدٍ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَسًا يَقُولُ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا».
وَرَوَى النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ» وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ.
وَذَكَرَ وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْت أَنَسًا مِثْلَهُ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرَ» فَذَكَرَهَا وَقَالَ «عُمْرَةً مَعَ حَجَّةٍ» وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَحُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ، فَهَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فَلَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فِي تَقْدِيمِ الْقِرَانِ.
وَفِي أَبِي دَاوُد عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ «كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْيَمِينِ» الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ فِيهِ: «قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَعْنِي عَلِيًّا فَقَالَ لِي: كَيْفَ صَنَعْتُ؟ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ بِإِسْنَادٍ كُلُّهُ ثِقَاتٌ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ: وَقَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ».
وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ «مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عُثْمَانَ فَسَمِعَ عَلِيًّا يُلَبِّي بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَقَالَ: أَلَمْ تَكُنْ
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَأَشْبَهَ الصَّوْمَ مَعَ الِاعْتِكَافِ وَالْحِرَاسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَالتَّلْبِيَةُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ
تَنْهَى عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي جَمِيعًا فَلَمْ أَدَعْ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِكَ»، وَهَذَا مَا وَعَدْنَاك مِنْ الصَّرِيحِ عَنْ عَلِيٍّ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ فِيهِ الْحُجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلَا يَنْزِلُ حَدِيثُهُ عَنْ الْحَسَنِ مَا لَمْ يُخَالِفْ أَوْ يَنْفَرِدْ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ أَعْرَفُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ مِنْهُ وَعِيبَ عَلَيْهِ التَّدْلِيسُ وَقَالَ: مَنْ سَلِمَ مِنْهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَهُوَ صَدُوقٌ يُدَلِّسُ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إذَا قَالَ حَدَّثَنَا فَهُوَ صَالِحٌ لَا يُرْتَابُ فِي حِفْظِهِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ لَا تُوجِبُ طَرْحَ حَدِيثِهِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ الْبَاهِلِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: إنَّمَا «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ عَامِهِ ذَلِكَ».
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا» وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَهِلُّوا يَا آلَ مُحَمَّدٍ بِعُمْرَةٍ فِي حَجٍّ» وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكِتَابِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ «حَفْصَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: إنِّي قَلَّدْتَ هَدْيِي» الْحَدِيثَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةٍ يَمْتَنِعُ مِنْهَا التَّحَلُّلُ قَبْلَ تَمَامِ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إلَّا لِلْقَارِنِ فَهَذَا وَجْهٌ إلْزَامِيٌّ، فَإِنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ عِنْدَ هُمَا لَا يَمْنَعُ الْمُتَمَتِّعَ عَنْ التَّحَلُّلِ، وَالِاسْتِقْصَاءُ وَاسِعٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا وَمِمَّا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِهِ بَيْنَ رِوَايَاتِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ رِوَايَاتِ الْإِفْرَادِ سَمَاعَ مَنْ رَوَاهُ تَلْبِيَتَهُ ﵊ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إفْرَادِ ذِكْرِ نُسُكٍ فِي التَّلْبِيَةِ وَعَدَمِ ذِكْرِ شَيْءٍ أَصْلًا وَجَمْعِهِ أُخْرَى مَعَ نِيَّةِ الْقِرَانِ فَهُوَ نَظِيرُ سَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَلْبِيَتِهِ ﵊ أَكَانَتْ دُبُرَ الصَّلَاةِ أَوْ اسْتِوَاءَ نَاقَتِهِ أَوْ حِينَ عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْإِحْرَامِ. هَذَا وَأَمَّا أَنَّهُ حِينَ قَرَنَ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَلْنَرْجِعْ إلَى تَقْرِيرِ التَّرْجِيحَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ ﵀ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْقِرَانَ (جَمَعَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَأَشْبَهَ الصَّوْمَ مَعَ الِاعْتِكَافِ وَالْحِرَاسَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي الْأَدَاءِ مُتَعَذِّرٌ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ مَعَ الِاعْتِكَافِ وَالْحِرَاسَةِ مَعَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةٌ فِي الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَرْكَانِ عِنْدَنَا بَلْ شَرْطٌ فَلَا يَتِمُّ التَّشْبِيهُ.
وَأَيْضًا عَلِمْت أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ مَا إذَا أَتَى بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لَكِنْ أَفْرَدَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ يَكُونُ الْقِرَانُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ إحْرَامَيْهِمَا أَفْضَلَ، فَمُلَاقَاةُ التَّشْبِيهِ تَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا صَامَ يَوْمًا بِلَا اعْتِكَافٍ ثُمَّ اعْتَكَفَ يَوْمًا آخَرَ بِلَا صَوْمٍ أَوْ حَرَسَ لَيْلَةً بِلَا صَلَاةٍ وَصَلَّى لَيْلَةً بِلَا حِرَاسَةٍ يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَفْضَلُ، وَهَذَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بِسَمْعٍ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْأَثْوِبَةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ.
(قَوْلُهُ وَالتَّلْبِيَةُ إلَخْ) دَفْعٌ لِتَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ بِزِيَادَةِ التَّلْبِيَةِ وَالسَّفَرِ وَالْحَلْقِ، فَقَالَ (التَّلْبِيَةُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ زِيَادَتُهَا فِي الْإِفْرَادِ عَلَى الْقِرَانِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وَالسَّفَرُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَالْحَلْقُ خُرُوجٌ عَنْ الْعِبَادَةِ فَلَا تَرْجِيحَ بِمَا ذُكِرَ.
وَالْمَقْصِدُ بِمَا رُوِيَ نَفْيُ قَوْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ. وَلِلْقِرَانِ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ. ثُمَّ فِيهِ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ وَاسْتِدَامَةُ إحْرَامِهِمَا مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى أَنْ
وَلَا مُقَدَّرَ لِكُلِّ نُسُكٍ قَدْرٌ مِنْهَا فَيَجُوزُ زِيَادَةُ تَلْبِيَةِ مَنْ قَرَنَ عَلَى مَنْ أَفْرَدَ كَمَا يَجُوز قَلْبُهُ (وَالسَّفَرُ غَيْرُ مَقْصُودٍ) إلَّا لِلنُّسُكِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ عِبَادَةٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَصِيرُ عِبَادَةً بِنِيَّةِ النُّسُكِ بِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْتَبَرَ نَفْسُ النُّسُكِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ سَفَرًا أَفْضَلَ مِنْ الْأَكْثَرِ سَفَرًا لِخُصُوصِيَّةٍ فِيهِ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ، فَإِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا وَإِلَّا حَكَمْنَا بِالْأَفْضَلِيَّةِ تَعَبُّدًا، وَقَدْ عَلِمْنَا الْأَفْضَلِيَّةَ بِالْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَرَنَ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْبُدَ اللَّهَ تَعَالَى هَذِهِ الْعِبَادَةَ الْوَاجِبَةَ الَّتِي لَمْ تَقَعْ لَهُ فِي عُمْرِهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً إلَّا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ فِيهَا (وَالْحَلْقُ خُرُوجٌ عَنْ الْعِبَادَةِ) فَلَا يُوجِبُ زِيَادَتُهُ بِالتَّكَرُّرِ زِيَادَةَ أَفْضَلِيَّةِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا قَبْلَهُ (وَالْمَقْصِدُ بِمَا رُوِيَ) أَيْ بِالرُّخْصَةِ فِيمَا رُوِيَ الْقِرَانُ رُخْصَةً لَوْ صَحَّ (نَفْيُ قَوْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ: الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ) فَكَانَ تَجْوِيزُ الشَّرْعِ إيَّاهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى وَقْتٍ آخَرَ أَلْبَتَّةَ رُخْصَةَ إسْقَاطٍ فَكَانَ أَفْضَلَ، فَإِنَّ رُخْصَةَ الْإِسْقَاطِ هِيَ الْعَزِيمَةُ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ كَانَتْ نَسْخًا لِلشَّرْعِ الْمَطْلُوبِ رَفْضُهُ، وَأَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الشَّرْعِ الْمَطْلُوبِ إظْهَارُهُ وَرَفْضِ الْمَطْلُوبِ رَفْضُهُ.
وَهُوَ أَقْوَى فِي الْإِذْعَانِ وَالْقَبُولِ مِنْ مُجَرَّدِ اعْتِقَادِ حَقِّيَّتِهِ وَعَدَمِ فِعْلِهِ، وَهَذَا مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ، وَكَثِيرٌ فِي هَذَا الشَّرْحِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلُهُ إذَا تُتُبِّعَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ (قَوْلُهُ وَلِلْقِرَانِ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ لِلتَّمَتُّعِ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ وَلَا ذِكْرَ لِلْقِرَانِ فِيهِ فَقَالَ بَلْ فِيهِ وَهُوَ
[ ٢ / ٥٢٤ ]
يَفْرُغَ مِنْهُمَا، وَلَا كَذَلِكَ التَّمَتُّعُ فَكَانَ الْقِرَانُ أَوْلَى مِنْهُ. وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ عِنْدَنَا يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، وَعِنْدَهُ طَوَافًا وَاحِدًا سَعْيًا وَاحِدًا.
قَالَ (وَصِفَةُ الْقِرَانِ أَنْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَقُولُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي) لِأَنَّ الْقِرَانَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ قَوْلِك قَرَنْت الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذَا جَمَعْت بَيْنَهُمَا، وَكَذَا إذَا أَدْخَلَ حَجَّةً عَلَى عُمْرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لِأَنَّ الْجَمْعَ قَدْ تَحَقَّقَ إذْ الْأَكْثَرُ مِنْهَا قَائِمٌ، وَمَتَى عَزَمَ عَلَى أَدَائِهِمَا يَسْأَلُ التَّيْسِيرَ فِيهِمَا وَقَدَّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ فِيهِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا لِأَنَّهُ يَبْدَأُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَكَذَلِكَ يَبْدَأُ بِذِكْرِهَا، وَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ، وَلَوْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي التَّلْبِيَةِ أَجْزَأَهُ اعْتِبَارًا بِالصَّلَاةِ (فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ ابْتَدَأَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ مِنْهَا، وَيَسْعَى بَعْدَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهَذِهِ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَيَسْعَى بَعْدَهُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْمُفْرِدِ) وَيُقَدِّمُ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وَالْقِرَانُ فِي مَعْنَى الْمُتْعَةِ. وَلَا
قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: إتْمَامُهَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك، وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِيَّةِ نَفْسُ ذِكْرِ التَّمَتُّعِ ذِكْرُ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ فَذِكْرُهُ ذِكْرُ كُلٍّ مِنْ أَنْوَاعِهِ ضِمْنًا، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ عَلَى هَذَا مَعْنَاهُ مَنْ تَرَفَّقَ بِالْعُمْرَةِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ تَرَفُّقًا غَايَتُهُ الْحَجُّ، وَسَمَّاهُ تَمَتُّعًا لِمَا قُلْنَا إنَّهَا كَانَتْ مَمْنُوعَةً عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ تَعْظِيمًا لِلْحَجِّ بِأَنْ لَا يُشْرَكَ مَعَهُ فِي وَقْتِهِ شَيْءٌ.
فَلَمَّا أَبَاحَهَا الْعَزِيزُ ﷻ فِيهِ كَانَ تَوْسِعَةً وَتَيْسِيرًا لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ مُؤْنَةِ سَفَرٍ آخَرَ أَوْ صَبَرَ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ وَقْتُ الْحَجِّ فَكَانَ الْآتِي بِهِ مُتَمَتِّعًا بِنِعْمَةِ التَّرَفُّقِ بِهِمَا فِي وَقْتِ أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُ طَوَافًا وَاحِدًا إلَخْ) فَلَمَّا كَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا نُقْصَانُ أَفْعَالٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى إفْرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَانَ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْلَى مِنْ الْجَمْعِ
(قَوْلُهُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ) أَيْ سُنَّةِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ وَالْقِرَانُ فِي مَعْنَى التَّمَتُّعِ) وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾
[ ٢ / ٥٢٥ ]
يَحْلِقُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ لِأَنَّ ذَلِكَ جِنَايَةٌ عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يَحْلِقُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا يَحْلِقُ الْمُفْرِدُ، وَيَتَحَلَّلُ بِالْحَلْقِ عِنْدَنَا لَا بِالذَّبْحِ كَمَا يَتَحَلَّلُ الْمُفْرِدُ ثُمَّ هَذَا مَذْهَبُنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا وَيَسْعَى سَعْيًا وَاحِدًا لِقَوْلِهِ ﵊ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَلِأَنَّ مَبْنَى الْقِرَانِ عَلَى التَّدَاخُلِ حَتَّى اكْتَفَى فِيهِ بِتَلْبِيَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَفَرٍ وَاحِدٍ وَحَلْقٍ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ فِي الْأَرْكَانِ
يُفِيدُ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ فِي الْقِرَانِ بِنَظْمِ الْآيَةِ لَا بِالْإِلْحَاقِ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ») تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ قَرَنَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا لَهُمَا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا طَافَ صُبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ. ثُمَّ حَمَلَ الدُّخُولَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْوَقْتِ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ اتِّفَاقًا، وَإِلَّا كَانَ دُخُولُهَا فِي الْحَجِّ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَى نِيَّةِ الْقِرَانِ بَلْ كُلُّ مَنْ حَجَّ يَكُونُ قَدْ حُكِمَ بِأَنَّ حَجَّهُ تَضَمَّنَ عُمْرَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا. بَقِيَ أَنْ يُرَادَ الدُّخُولُ وَقْتًا أَوْ تَدَاخَلُ الْأَفْعَالِ بِشَرْطِ نِيَّةِ الْقِرَانِ وَالدُّخُولُ وَقْتًا ثَابِتٌ اتِّفَاقًا وَهُوَ مُحْتَمَلُهُ وَهُوَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُحْتَمَلِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمُخَالِفٌ لِلْمَعْهُودِ الْمُسْتَقِرِّ شَرْعًا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ وَهُوَ كَوْنُهُ بِفِعْلِ أَفْعَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَلَا تَرَى أَنَّ شَفْعَيْ التَّطَوُّعِ لَا يَتَدَاخَلَانِ إذَا أَحْرَمَ لَهُمَا بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؟ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ صُبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَلَى النَّصِّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاَلَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَصْحِيحِهِ فِي أَدِلَّةِ الْقِرَانِ إنَّمَا نَصُّهُ عَنْ الصُّبَيّ قَالَ: أَهْلَلْت بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: كُنْت رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْت، فَأَتَيْت رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِي يُقَالُ لَهُ هُذَيْمُ بْن ثَرْمَلَةَ فَقُلْت: يَا هَنَاهُ إنِّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ وَإِنِّي وَجَدْت الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَتَيْنِ عَلَيَّ فَكَيْفَ لِي بِأَنْ أَجْمَعَ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ لِي: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، فَأَهْلَلْت فَلَمَّا أَتَيْت الْعُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَأَنَا أُهِلُّ
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا طَافَ صُبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ قَالَ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّك، وَلِأَنَّ الْقِرَانَ ضَمُّ عِبَادَةٍ إلَى عِبَادَةٍ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَدَاءِ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْكَمَالِ، وَلِأَنَّهُ لَا تَدَاخُلَ فِي الْعِبَادَاتِ.
بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخِرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أُلْقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ حَتَّى أَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي كُنْت رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا وَإِنِّي أَسْلَمْت وَإِنِّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْت الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَتَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْت رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَقَالَ لِي اجْمَعْهَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، وَإِنِّي أَهْلَلْت بِهِمَا جَمِيعًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: هُدِيَتْ لِسُنَّةِ نَبِيِّك ﷺ اهـ.
وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ عَقِيبَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ مَرَّتَيْنِ.
لَا جَرَمَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَذْهَبِ رَوَاهُ عَلَى النَّصِّ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ، وَإِنَّمَا قَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: أَقْبَلْت مِنْ الْجَزِيرَةِ حَاجًّا قَارِنًا فَمَرَرْت بِسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَهُمَا مُنِيخَانِ بِالْعُذَيْبِ، فَسَمِعَانِي أَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هَذَا أَضَلُّ مِنْ بَعِيرِهِ، وَقَالَ الْآخَرُ: هَذَا أَضَلُّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، فَمَضَيْت حَتَّى إذَا قَضَيْت نُسُكِي مَرَرْت بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ﵁، فَسَاقَهُ إلَى أَنْ قَالَ فِيهِ: قَالَ يَعْنِي عُمَرَ لَهُ: فَصَنَعْت مَاذَا؟ قَالَ: مَضَيْت فَطُفْت طَوَافًا لِعُمْرَتِي وَسَعَيْت سَعْيًا لِعُمْرَتِي ثُمَّ عُدْت فَفَعَلْت مِثْلَ ذَلِكَ لِحَجِّي، ثُمَّ بَقِيت حَرَامًا مَا أَقَمْنَا أَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ حَتَّى قَضَيْت آخِرَ نُسُكِي، قَالَ: هُدِيَتْ لِسُنَّةِ نَبِيِّك ﷺ. وَأَعَادَهُ، وَفِيهِ: كُنْت حَدِيثَ عَهْدٍ بِنَصْرَانِيَّةٍ فَأَسْلَمْت فَقَدِمْت الْكُوفَةَ أُرِيدُ الْحَجَّ، فَوَجَدْت سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ وَزَيْدَ بْنَ صُوحَانَ يُرِيدَانِ الْحَجَّ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَهَلَّ سَلْمَانُ وَزَيْدٌ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَأَهَلَّ الصُّبَيّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَقَالَا: وَيْحَك تُمْتِعُ وَقَدْ نَهَى عُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ، وَاَللَّهِ لَأَنْتَ أَضَلُّ مِنْ بَعِيرِك فَسَاقَهُ
، وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ التَّمَتُّعَ فِي عُرْفِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَتَابِعِيهِمْ يَعُمُّ الْقِرَانَ وَالتَّمَتُّعَ بِالْعُرْفِ الْوَاقِعِ الْآنَ. وَأَيْضًا الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَرِوَايَاتِهِمْ عَنْهُ ﵊ الِاكْتِفَاءَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ ثَابِتَةٌ، فَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ فِعْلًا وَرِوَايَةُ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِ.
وَصَحَّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَدَمُهُ، فَمِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَخْرَجَ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: «طُفْتُ مَعَ أَبِي وَقَدْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ عَلِيًّا ﵁ فَعَلَ ذَلِكَ، وَحَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ».
وَحَمَّادٌ هَذَا إنْ ضَعَّفَهُ الْأَزْدِيُّ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ فَلَا يَنْزِلُ حَدِيثُهُ عَنْ الْحَسَنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ أَبِي نَصْرٍ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: إذَا أَهْلَلْت بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطُفْ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَاسْعَ لَهُمَا سَعْيَيْنِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ مَنْصُورٌ. فَلَقِيت مُجَاهِدًا وَهُوَ يُفْتِي بِطَوَافٍ وَاحِدٍ لِمَنْ قَرَنَ، فَحَدَّثْته بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: لَوْ كُنْت سَمِعْته لَمْ أُفْتِ إلَّا بِطَوَافَيْنِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا أُفْتِي
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وَالسَّفَرُ لِلتَّوَسُّلِ، وَالتَّلْبِيَةُ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْحَلْقُ لِلتَّحَلُّلِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِمَقَاصِدَ، بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ شَفْعَيْ التَّطَوُّعِ لَا يَتَدَاخَلَانِ وَبِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ يُؤَدِّيَانِ وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعُمْرَةِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ
قَالَ (فَإِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ لِعُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ يُجْزِيهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ وَقَدْ أَسَاءَ بِتَأْخِيرِ سَعْيِ الْعُمْرَةِ
إلَّا بِهِمَا. وَلَا شُبْهَةَ فِي هَذَا السَّنَدِ مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ مُضَعَّفَةٍ تَرْتَقِي إلَى الْحَسَنِ، غَيْرَ أَنَّا تَرَكْنَاهَا وَاقْتَصَرْنَا عَلَى مَا هُوَ الْحُجَّةُ بِنَفْسِهِ بِلَا ضَمٍّ.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ وَقَالَ وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حِينَ يَقْدَمُ وَبِالصَّفَا وَبِالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لِلزِّيَارَةِ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ النَّصِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَقَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ: لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ كَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ» مَدْفُوعٌ بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ رَفَعَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَسْمَعْنَاك فَوَقَعَتْ الْمُعَارَضَةُ، فَكَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْيَسَ بِأُصُولِ الشَّرْعِ فَرَجَحَتْ وَثَبَتَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَيْضًا رَفْعُهُ.
وَهُوَ مَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْأَزْدِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلَالٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ»، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ثِقَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، غَيْرَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ نَسَبَ إلَيْهِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَهْمَ فَقَالَ: يُقَالُ إنَّ يَحْيَى حَدَّثَ بِهِ مِنْ حِفْظِهِ فَوَهِمَ، وَالصَّوَابُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ ﷺ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الطَّوَافِ وَلَا السَّعْيِ.
وَيُقَالُ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذِكْرِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْهُ بِهِ أَنَّهُ ﵊ قَرَنَ، قَالَ: وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الطَّوَافَ. ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد وَبِذَلِكَ الْإِسْنَادِ أَيْضًا أَنَّهُ قَرَنَ اهـ. وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ ثِقَةٌ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ. وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ مَرَّةً عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ رُجُوعَهُ وَاعْتِرَافَهُ بِالْخَطَإِ. فَكَثِيرًا يَقَعُ مِثْلُ هَذَا. وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ زِيَادِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَا فِي الْقِرَانِ: يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، فَهَؤُلَاءِ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ ﵃. فَإِنْ عَارَضَ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ رِوَايَةً وَمَذْهَبًا رِوَايَةَ غَيْرِهِمْ وَمَذْهَبَهُ كَانَ قَوْلُهُمْ وَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةً مَعَ مَا يُسَاعِدُ قَوْلَهُمْ وَرِوَايَتَهُمْ مِمَّا اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ مِنْ ضَمِّ عِبَادَةٍ إلَى أُخْرَى أَنَّهُ بِفِعْلِ أَرْكَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ
(قَوْلُهُ فَإِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ) أَيْ وَالَى بَيْنَ الْأُسْبُوعَيْنِ
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وَتَقْدِيمُ طَوَافِ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْمَنَاسِكِ لَا يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَهُ طَوَافُ التَّحِيَّةِ سُنَّةٌ وَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ الدَّمَ فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى. وَالسَّعْيُ بِتَأْخِيرِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ آخَرَ لَا يُوجِبُ الدَّمَ فَكَذَا بِالِاشْتِغَالِ بِالطَّوَافِ.
قَالَ (وَإِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ذَبَحَ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً أَوْ سُبُعَ بَدَنَةٍ فَهَذَا دَمُ الْقِرَانِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُتْعَةِ وَالْهَدْيُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِيهَا، وَالْهَدْيُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَرَادَ بِالْبَدَنَةِ هَاهُنَا الْبَعِيرَ وَإِنْ كَانَ اسْمُ الْبَدَنَةِ يَقَعُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْبَقَرَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَكَمَا يَجُوزُ سُبُعُ الْبَعِيرِ يَجُوزُ سُبُعُ الْبَقَرَةِ (فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَذْبَحُ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ
لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبَيْنَ سَعْيَيْنِ لَهُمَا
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُتْعَةِ وَالْهَدْيُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِيهَا) فَيَلْحَقُ بِهَا فِيهِ دَلَالَةً لِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي الْمُتْعَةِ لِشُكْرِ نِعْمَةِ إطْلَاقِ التَّرَفُّقِ بِهِمَا فِي وَقْتِ الْحَجِّ بِشَرْطِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَعَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ إيجَابُ الْهَدْي بِالنَّصِّ فِي الْمُتْعَةِ إيجَابٌ فِي الْقِرَانِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُتْعَةِ عُرْفًا، وَيَجِبُ الدَّمُ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ. فَإِنْ حَلَقَ قَبْلَهُ لَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (قَوْلُهُ فَإِنْ لِمَ يَكُنْ لَهُ مَا يَذْبَحُ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَخْ) شَرْطُ إجْزَائِهَا وُجُودُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ فِي شَوَّالٍ، وَكُلَّمَا أَخَّرَهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ لِرَجَاءِ أَنْ يُدْرِكَ الْهَدْيَ، وَلِذَا كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَهَا السَّابِعَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ. وَأَمَّا صَوْمُ السَّبْعَةِ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ مِنًى بَعْدَ إتْمَامِ أَعْمَالِ الْوَاجِبَاتِ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالرُّجُوعِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ تَقْدِيمٌ عَلَى وَقْتِهِ، بِخِلَافِ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ فِي الْحَجِّ، قَالَ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ وَالْمُرَادُ وَقْتُهُ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ أَعْمَالِهِ ظَرْفًا لَهُ، فَإِذَا صَامَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فَالنَّصُّ وَإِنْ وَرَدَ فِي التَّمَتُّعِ فَالْقِرَانُ مِثْلُهُ لِأَنَّهُ مُرْتَفِقٌ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِالْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقْتُهُ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ وَيَوْمَ التَّرْوِيَةَ وَيَوْمَ عَرَفَةَ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ رَجَاءَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْأَصْلِ (وَإِنْ صَامَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ جَازَ) وَمَعْنَاهُ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالرُّجُوعِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمَقَامَ فَحِينَئِذٍ يُجْزِيهِ لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ. وَلَنَا أَنَّ مَعْنَاهُ رَجَعْتُمْ عَنْ الْحَجِّ: أَيْ فَرَغْتُمْ، إذْ الْفَرَاغُ سَبَبُ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ فَكَانَ الْأَدَاءُ بَعْدَ السَّبَبِ فَيَجُوزُ
(فَإِنْ فَاتَهُ الصَّوْمُ حَتَّى أَتَى يَوْمَ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الدَّمُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀:
فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَدْ صَامَ فِي وَقْتِهِ فَيَجُوزُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ فِي خِلَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ وَسَقَطَ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ خُلْفٌ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ تَأْدِي الْحُكْمِ بِالْخُلْفِ بَطَلَ الْخُلْفُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ قَدْ حَصَلَ بِالْحَلْقِ، فَوُجُودُ الْأَصْلِ بَعْدَهُ لَا يَنْقُضُ الْخُلْفَ كَرُؤْيَةِ الْمُتَيَمِّمِ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الذَّبْحِ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ لِأَنَّ الذَّبْحَ مُؤَقَّتٌ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، فَإِذَا مَضَتْ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ إبَاحَةُ التَّحَلُّلِ بِلَا هَدْيٍ وَكَأَنَّهُ تَحَلَّلَ ثُمَّ وَجَدَهُ، وَلَوْ صَامَ فِي وَقْتِهِ مَعَ وُجُودِ الْهَدْيِ يُنْظَرُ، فَإِنْ بَقِيَ الْهَدْيُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ الذَّبْحِ جَازَ لِلْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ وَقْتَ التَّحَلُّلِ (قَوْلُهُ إذْ الْفَرَاغُ سَبَبُ الرُّجُوعِ) هَذَا تَعْيِينٌ لِلْعَلَاقَةِ فِي إطْلَاقِ الرُّجُوعِ عَلَى الْفَرَاغِ فِي الْآيَةِ فَذُكِرَ الْمُسَبِّبَ وَأُرِيدَ السَّبَبُ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكَافِي، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي دَلِيلِ إرَادَةِ الْمَجَازِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْإِقَامَةِ بِهَا حَتَّى تَحَقَّقَ رُجُوعُهُ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا وَطَنًا كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ بَلْ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا عَرَضَ الِاسْتِيطَانُ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الرُّجُوعِ ثُمَّ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا وَطَنًا رُجُوعٌ لِيَكُونَ رُجُوعًا إلَى وَطَنِهِ. وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا أَصْلًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ بَلْ مُسْتَمِرٌّ عَلَى السِّيَاحَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُهَا بِهَذَا النَّصِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ سِوَى الرُّجُوعِ عَنْ الْأَعْمَال.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرُّجُوعُ عَنْهَا. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَيَكُونُ أَدَاءً بَعْدَ السَّبَبِ فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا مَعْنَاهُ بَعْدَ سَبَبِ الرُّجُوعِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ تَرَتُّبَ الْجَوَازِ إنَّمَا هُوَ عَلَى وُجُودِ سَبَبِ الْحُكْمِ
[ ٢ / ٥٣٠ ]
يَصُومُ بَعْدَ هَذِهِ الْأَيَّامِ لِأَنَّهُ صَوْمٌ مُوَقَّتٌ فَيَقْضِي كَصَوْمِ رَمَضَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَصُومُ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ وَهَذَا وَقْتُهُ. وَلَنَا النَّهْيُ الْمَشْهُورُ عَنْ الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ النَّصُّ أَوْ يَدْخُلُهُ النَّقْصُ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ مَا وَجَبَ كَامِلًا، وَلَا يُؤَدِّي بَعْدَهَا لِأَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ وَالْأَبْدَالُ لَا تُنْصَبُ إلَّا شَرْعًا، وَالنَّصُّ خَصَّهُ بِوَقْتِ الْحَجِّ وَجَوَازُ الدَّمِ عَلَى الْأَصْلِ.
لَا سَبَبِ شَيْءٍ آخَرَ، وَالْحُكْمُ هُنَا وُجُوبُ الصَّوْمِ وَجَوَازُهُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَسَبَبُ الْأَوَّلِ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّوْمِ إنَّمَا هُوَ التَّمَتُّعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أَيْ كَامِلَةٌ فِي كَوْنِهَا قَائِمَةً مَقَامَ الْهَدْيِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي مُسَبَّبٌ عَنْ نَفْسِ الْأَدَاءِ فِي وَقْتِهِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْهَدْيِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ إذَا أَتَى بِهِ كَذَلِكَ يَثْبُتُ لَهُ صِفَةُ الْجَوَازِ وَانْتِفَاءُ الْكَرَاهَةِ بِنَفْسِ الْإِتْيَانِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ حَاجَةً إلَى ذِكْرِهِ، بَلْ إذَا أَتَى بِهِ بَعْدَ الْفَرَاغَ قَبْلَ الرُّجُوعِ فَقَدْ أَتَى بِهِ فِي وَقْتِهِ بِالنَّصِّ فَيَجُوزُ
(قَوْلُهُ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ) أَيْ بِالنَّهْيِ الْمَشْهُورِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ (النَّصُّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾: لِأَنَّ الْمَشْهُورَ يَتَقَيَّدُ إطْلَاقُ الْكِتَابِ بِهِ فَيَتَقَيَّدُ وَقْتُ الْحَجِّ الْمُطْلَقِ بِمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ (قَوْلُهُ أَوْ يَدْخُلُهُ النَّقْصُ)
[ ٢ / ٥٣١ ]
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ فِي مِثْلِهِ بِذَبْحِ الشَّاةِ، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهَدْيِ تَحَلَّلَ وَعَلَيْهِ دَمَانِ: دَمُ التَّمَتُّعِ، وَدَمُ التَّحَلُّلِ قَبْلَ الْهَدْيِ
(فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْقَارِنُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إلَى عَرَفَاتٍ فَقَدْ صَارَ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ بِالْوُقُوفِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ. وَلَا يَصِيرُ رَافِضًا بِمُجَرَّدِ التَّوَجُّهِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ
أَيْ يَدْخُلُ الصَّوْمَ النَّقْصُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الْمُطْلَقِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ دُخُولَ النَّقْصِ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالنَّهْيِ فَهُوَ الْمُقَيَّدُ. وَغَايَةُ مَا هُنَاكَ أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِعِلَّةِ دُخُولِ النَّقْصِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ؛ فَعَلَى هَذَا فَالْأَوْلَى إبْدَالُ " أَوْ " بِإِذْ فَيُقَالُ بِهِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ النَّصُّ إذْ يَدْخُلُهُ النَّقْصُ.
هَذَا وَأَمَّا مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَضْمَنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. قِيلَ: وَهَذَا شَبِيهٌ بِالْمُسْنَدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلًا.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوْمُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. فَعَلَى أَصْلِنَا لَوْ صَحَّ رَفْعُهُ لَمْ يُعَارِضْ النَّهْيَ الْعَامَّ لَوْ وَازَنَهُ فَكَيْفَ وَذَلِكَ أَشْهَرُ؟ وَعَلَى أَصْلِهِمْ لَا يُخَصُّ مَا لَمْ يُجْزَمْ بِرَفْعِهِ وَصِحَّتِهِ، الْمُرْسَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيلِ الضَّعِيفِ لَوْ تَحَقَّقَ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا وَغَيْرُهُ مَوْقُوفًا، وَلَوْ تَمَّ عَلَى أَصْلِهِمْ لَمْ يَلْزَمْنَا اعْتِبَارُهُ
(قَوْلُهُ فَقَدْ صَارَ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ) أَطْلَقَ فِيهِ، وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِيرُ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ اهـ. وَهُوَ حَقٌّ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ لَيْسَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ فَحُلُولُهُ بِهَا كَحُلُولِهِ بِغَيْرِهَا (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَرْفُضُهَا بِمُجَرَّدِ التَّوَجُّهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ فَيَرْتَفِضُ بِهِ كَمَا تَرْتَفِضُ الْجُمُعَةُ بَعْدَ الظُّهْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهَا عِنْدَهُ، وَالصَّحِيحُ
[ ٢ / ٥٣٢ ]
مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَيْضًا. وَالْفَرْقُ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهَا أَنَّ الْأَمْرَ هُنَالِكَ بِالتَّوَجُّهِ مُتَوَجِّهٌ بَعْدَ أَدَاءِ الظُّهْرِ، وَالتَّوَجُّهُ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ فَافْتَرَقَا. قَالَ (وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ) لِأَنَّهُ لَمَّا ارْتَفَضَتْ الْعُمْرَةُ لَمْ يَرْتَفِقْ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ (وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِ الْعُمْرَةِ) بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا (وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا) لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا فَأَشْبَهَ الْمُحْصَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ إقَامَةَ مَا هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الشَّيْءِ مَقَامَهُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَطْلُوبًا مَأْمُورًا بِهِ، وَهُنَا الْقَارِنُ مَأْمُورٌ بِضِدِّ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالرُّجُوعِ لِيُرَتِّبَ الْأَفْعَالَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَلَا يُقَامُ التَّوَجُّهُ مَقَامَ نَفْسِ الْوُقُوفِ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ احْتِيَاطًا لِإِثْبَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ، وَكَذَا إذَا وَقَفَ بَعْدَ أَنْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ، وَلَوْ كَانَ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لَمْ يَصِرْ رَافِضًا لِلْعُمْرَةِ بِالْوُقُوفِ وَأَتَمَّهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ قَارِنٌ.
وَإِنْ لَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ بَلْ طَافَ وَسَعَى يَنْوِي عَنْ حَجَّتِهِ ثُمَّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَكُنْ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ، وَكَانَ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ لَهَا وَهُوَ رَجُلٌ لَمْ يَطُفْ لِلْحَجِّ فَيَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مُتَلَبَّسٌ بِهِ فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ لَهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.
وَعَنْ هَذَا قَوْلُنَا: لَوْ طَافَ وَسَعَى لِلْحَجِّ ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَةٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْأَوَّلُ عَنْ الْعُمْرَةِ وَالثَّانِي عَنْ الْحَجِّ. وَهَذَا كَمَنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَنْوِي سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ عَلَيْهِ انْصَرَفَ إلَى سَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٥٣٣ ]