(الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ) وَالْأَخْبَارُ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ حَتَّى قِيلَ إنَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
(قَوْلُهُ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ) لِيُفِيدَ أَنَّ لَيْسَ مَشْرُوعِيَّتُهُ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ خِلَافًا لِمَنْ حَمَلَ قِرَاءَةَ الْجَرِّ فِي (أَرْجُلَكُمْ) عَلَيْهِ لِمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَجِبُ إلَى الْكَعْبَيْنِ اتِّفَاقًا. وَقَوْلُهُ جَائِزٌ يَعْنِي لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِلْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ وَالْأَخْبَارُ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ.
وَعَنْهُ أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ شَيْءٌ فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا رَفَعُوا وَمَا وَقَفُوا.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي آخَرِينَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ ﷺ «أَنَّهُ ﵊ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» وَمِمَّنْ رَوَى الْمَسْحَ عَنْهُ ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعْدٌ وَالْمُغِيرَةُ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَبُو أَيُّوبَ وَأَبُو أُمَامَةَ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو سَعِيدٍ وَبِلَالٌ وَصَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ وَسَلْمَانُ وَثَوَبَانُ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَيَعْلَى بْنُ مُرَّةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَبُرَيْدَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إنْكَارُ الْمَسْحِ إلَّا ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَ
[ ١٤٣ ]
لَكِنَّ مَنْ رَآهُ ثُمَّ لَمْ يَمْسَحْ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا، وَيَجُوزُ
عَنْهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الْحِسَانِ خِلَافُ ذَلِكَ وَمُوَافَقَةُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا عَائِشَةُ ﵂ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهَا أَحَالَتْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمِ عَلِيٍّ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: وَسُئِلْت عَنْهُ أَعْنِي الْمَسْحَ مَالِي بِهَذَا عِلْمٌ. وَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْبَغْدَادِيُّ عَنْهَا: لَأَنْ أَقْطَعُ رِجْلِي بِالْمُوسَى أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَدِيثٌ بَاطِلٌ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحُفَّاظُ (قَوْلُهُ لَكِنْ مَنْ رَآهُ ثُمَّ لَمْ يَمْسَحْ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا) لَفْظُ كَانَ مَأْجُورًا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَسْحَ مِنْ النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ الرُّخْصَةِ وَهُوَ مَا لَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ مَعَهُ مَشْرُوعَةً كَالرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ لِلْمُسَافِرِ، وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ الرَّابِعِ مَا دَامَ الْمُكَلَّفُ لَابِسَ الْخُفِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ نَزْعُهُ، فَإِذَا نَزَعَهُ سَقَطَتْ الرُّخْصَةُ فِي حَقِّهِ فَيَغْسِلُ، وَإِنَّمَا يُثَابُ بِتَكَلُّفِ النَّزْعِ وَالْغَسْلِ فَيَصِيرُ كَتَرْكِ السَّفَرِ لِقَصْدِ الْأَحْمَزَ.
وَقَوْلُ الرُّسْتُغْفَنِيِّ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَمْسَحَ، إمَّا لَنَفِي التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الرَّوَافِضَ لَا يَرَوْنَهُ، وَإِمَّا لِلْعَمَلِ بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ مَدْفُوعٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ الثَّانِي عَلَى مَا عَلِمْت وَعَدَمُ تَأَتِّي الْأَوَّلِ فِي مَوْضِعٍ يُعْلَمُ أَنَّ الْحَاضِرِينَ لَا يَتَّهِمُونَهُ لِعِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ أَوْ جَهْلِهِمْ وُجُودَ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ، فَلَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ الْجَوَابِ بَلْ إنْ كَانَ مَحِلَّ تُهْمَةٍ، هَذَا وَمَبْنَى السُّؤَالِ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ، وَمَنَعَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ وَخَطَّأَهُمْ فِي تَمْثِيلِهِمْ بِهِ فِي الْأُصُولِ لَهَا لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ خَاضَ مَاءً بِخُفِّهِ فَانْغَسَلَ أَكْثَرُ قَدَمَيْهِ بَطَلَ الْمَسْحُ، وَكَذَا لَوْ تُكَلَّفَ غَسْلَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ
[ ١٤٤ ]
(مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ) خَصَّهُ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا مَسْح مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا، وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا لَبِسَتْ عَلَى السَّيَلَانِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ
بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَشْرُوعَةٌ مَعَ الْخُفِّ اهـ.
وَمَبْنَى هَذِهِ التَّخْطِئَةِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْفَرْعِ وَهُوَ مَنْقُولٌ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَكِنْ فِي صِحَّته نَظَرٌ، فَإِنَّ كَلِمَتَهُمْ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْخُفَّ اُعْتُبِرَ شَرْعًا مَانِعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَتَبْقَى الْقَدَمُ عَلَى طَهَارَتِهَا، وَيَحِلُّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ فَيُزَالُ بِالْمَسْحِ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ مَنْعَ الْمَسْحِ لِلْمُتَيَمِّمِ وَالْمَعْذُورَيْنِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ فِي الْخُفِّ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ إذَا لَمْ يَبْتَلَّ مَعَهُ ظَاهِرُ الْخُفِّ فِي أَنَّهُ لَمْ يُزَلْ بِهِ الْحَدَثُ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ حَدَثٍ وَاجِبِ الرَّفْعِ، إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلِ جَازَتْ الصَّلَاةُ بِلَا غَسْلٍ وَلَا مَسْحٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَرَكَ ذِرَاعَيْهِ وَغَسْلَ مَحَلًّا غَيْرَ وَاجِبِ الْغَسْلِ كَالْفَخِذِ، وَوِزَانَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِلَا فَرْقٍ، وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ وَلَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْحَدَثِ.
وَالْأَوْجَهُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ كَوْنُ الْإِجْزَاءِ إذَا خَاضَ النَّهْرَ لِابْتِلَالِ الْخُفِّ، ثُمَّ إذَا نُقِضَتْ الْمُدَّةُ إنَّمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِهَا لِحُصُولِ الْغَسْلِ بِالْخَوْضِ، وَالنَّزْعُ إنَّمَا وَجَبَ لِلْغَسْلِ وَقَدْ حَصَلَ.
(قَوْلُهُ مُوجِبٌ لِلْوُضُوءِ) إسْنَادُ الْمُوجِبِيَّةِ لِلْحَدَثِ إمَّا تَجَوُّزٌ أَوْ لِاعْتِقَادِ أَنَّ سَبَبَ الْوُضُوءِ الْحَدَثُ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْبَعْضِ (قَوْلُهُ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ) يُفِيدُ أَنَّ مَنْعَهَا مِنْ الْمَسْحِ بَعْدَ الْوَقْتِ فَقَطْ فَتَمْسَحُ فِي الْوَقْتِ كُلَّمَا تَوَضَّأْت لِحَدَثٍ
[ ١٤٥ ]
وَالْمُتَيَمِّمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ كَانَ رَافِعًا. وَقَوْلُهُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكَمَالِ وَقْتَ اللِّبْسِ بَلْ وَقْتَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ
غَيْرِ الَّذِي اُبْتُلِيت بِهِ، وَهَذَا أَعْنِي مَنْعُهَا بَعْدَهُ إذَا كَانَ السَّيَلَانُ مُقَارِنًا لِلْوُضُوءِ وَاللِّبْسُ. أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الِانْقِطَاعِ فَهِيَ كَغَيْرِهَا فَتَمْسَحُ بَعْدَ الْوَقْتِ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ هُنَاكَ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ تَصِيرُ مُحْدِثَةً بِالسَّابِقِ، وَكَذَا الْمُتَيَمِّمُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَإِضَافَةُ الْحَدَثِ إلَى خُرُوجِهِ وَالرُّؤْيَةُ لِلْمَاءِ مَجَازٌ، فَلَوْ جَازَ الْمَسْحُ بَعْدَ اللِّبْسِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ الْمُقَارَنِ هُوَ أَوْ اللِّبْسِ لِلْحَدَثِ بَعْدَ الْوَقْتِ كَانَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الَّذِي حَلَّ بِالْقَدَمِ لِأَنَّ الْحَدَثَ الَّذِي يَظْهَرُ هُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ حَلَّ بِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ أَوْ حَالَ ذَلِكَ الْوُضُوءِ، لَكِنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يُزِيلُ مَا حَلَّ بِالْمَمْسُوحِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْخُفِّ مَانِعًا شَرْعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ الَّذِي يَطْرَأُ بَعْدَهُ إلَى الْقَدَمَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ عَلَى حَدَثٍ بِالْقَدَمَيْنِ لَا يَمْسَحُ، فَلَوْ اُعْتُبِرَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ رَافِعًا لِمَا بِالْقَدَمِ لَجَازَ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِهِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ الْمَنْعَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ بِكَوْنِ التَّيَمُّمِ لَيْسَ طَهَارَةً كَامِلَةً لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا كَاَلَّتِي بِالْمَاءِ مَا بَقِيَ الشَّرْطُ.
(قَوْلُهُ لَا يُفِيدُ) لَيْسَ الْمُرَادُ لَا يُفِيدُ اللَّفْظَ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ لَهُ بَلْ الْقُدُورِيُّ لَا يُفِيدُ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى بَلْ قَصَدَ بِهِ إلَى إفَادَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَّصِلًا بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ، وَالتَّقْدِيرُ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ إذَا لَبِسَهُمَا ثُمَّ أَحْدَثَ، وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ: أَيْ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ كَائِنًا أَوْ حَادِثًا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ
[ ١٤٦ ]
فَيُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْمَنْعِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا (وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» قَالَ (وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ) لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ.
الشَّافِعِيِّ بِاشْتِرَاطِ الْكَمَالِ وَقْتَ اللِّبْسِ، وَقَوْلُهُ حَتَّى لَوْ غَسَلَ إلَخْ تَفْرِيعٌ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ تَمْتَنِعُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِوَجْهَيْنِ: لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ، وَلِعَدَمِ كَمَالِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ اللِّبْسِ.
وَاَلَّذِي يَمْتَنِعُ عِنْدَهُ لِلثَّانِي فَقَطْ مَا لَوْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ خُفَّهَا. عِنْدَنَا إذَا أَحْدَثَ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ.
وَعِنْدَهُ لَا لِعَدَمِ الْكَمَالِ وَقْتَ اللَّبْسِ (قَوْلُهُ فَيُرَاعِي كَمَالَ الطَّهَارَةِ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ عَمَلِهِ، وَالْأَنْسَبُ أَنْ يُرَاعِيَ مُدَّتَهُ مِنْ وَقْتِ أَثَرِهِ (قَوْلُهُ يَمْسَحُ الْمُقِيمُ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» (قَوْلُهُ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ) لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ طَهَارَةُ الْوُضُوءِ وَلَا تَقْدِيرَ فِيهَا إنَّمَا التَّقْدِيرُ
[ ١٤٧ ]
(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ، يَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْمَسْحِ عَلَى خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ»
فِي التَّحْقِيقِ تَقْدِيرُ مُدَّةِ مَنْعِهِ شَرْعًا وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ.
(قَوْلُهُ يَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ إلَخْ) صُورَتُهُ أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَأَصَابِعَ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ الْأَيْسَرِ وَيَمُدُّهُمَا إلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ وَيُفْرَجُ أَصَابِعَهُ، هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْمَسْنُونُ. وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ مَرَّةٍ بِمَاءِ جَدِيدٍ عَلَى مَوْضِعٍ جَدِيدٍ جَازَ وَإِلَّا لَا يَجُوزُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ وَضَعَ الْكَفَّ وَمَدّهَا مَعَ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا حَسَنٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَمْسَحَ بِجَمِيعِ الْيَدِ: يَعْنِي بِأَصَابِعِهَا.
وَلَوْ مَسَحَ بِظَاهِرِ كَفِيهِ جَازَ، وَكَذَا بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ إذَا بَلَغَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ. وَيَجُوزُ بِبَلَلٍ بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ غَسْلِ عُضْوٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَاطِرًا لَا بِمَا بَقِيَ مِنْ مَسْحٍ، وَعَلَّلَهُ قَاضِي خَانْ بِأَنَّهَا بَلَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ) وَفِيهِ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ فَأَخَذُوا مِنْهُ أَنَّ تَكْرَارَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَأَيْضًا بِالتَّكَرُّرِ لَا يَبْقَى خُطُوطًا لَكِنْ قِيلَ إنَّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يُعْرَفُ. وَاَلَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا» وَحَسَّنَهُ لَكِنْ فِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدَرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ خُفَّيْهِ فَنَخَسَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا السُّنَّةُ أُمِرْنَا بِالْمَسْحِ هَكَذَا، وَأَمَرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَفِي لَفْظِ ثُمَّ أَرَاهُ بِيَدِهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفَّيْنِ إلَى أَصْلِ السَّاقِ مَرَّةً وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَا يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
وَفِي الْإِمَامِ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ حَتَّى رُئِيَ آثَارَ أَصَابِعِهِ عَلَى خُفَّيْهِ خُطُوطًا وَرُئِيَ آثَارَ أَصَابِعِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ
[ ١٤٨ ]
ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ حَتَّى لَا يَجُوزَ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَعَقِبِهِ وَسَاقِهِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَالْبُدَاءَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ اسْتِحْبَابٌ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ (وَفَرْضُ ذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ) وَقَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ.
عَلَى الْخُفِّ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ ظَاهِرِ مَحِلِّ الْفَرْضِ وَهُوَ مُقَدَّمُ الرِّجْلِ إذَا وُجِدَ مِنْهُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَوْ قُطِعَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَبَقِيَ مِنْهَا أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ بَقِيَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ لَكِنْ مِنْ الْعَقِبِ لَا مِنْ مَوْضِعِ الْمَسْحِ فَلَبِسَ عَلَى الصَّحِيحَةِ وَالْمَقْطُوعَةِ لَا يَمْسَحُ لِوُجُوبِ غَسْلِ ذَلِكَ الْبَاقِي كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْكَعْبِ حَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يُمْسَحُ (قَوْلُهُ فَيُرَاعِي جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ) يَعْنِي فِي الْمَحَلِّ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ أَوْلَى مِنْ ظَاهِرِهِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ: وَلِأَنَّ بَاطِنَهُ لَا يَخْلُو عَنْ لَوَثٍ عَادَةً فَيُصِيبُ يَدَهُ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِنِ عِنْدَهُمْ مَحِلُّ الْوَطْءِ لَا مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ، لَكِنْ بِتَقْدِيرِهِ لَا تَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةُ مَسْحِ بَاطِنِهِ لَوْ كَانَ بِالرَّأْيِ، بَلْ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ ذَلِكَ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلِ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ لِإِزَالَةِ الْخَبَثِ بَلْ لِلْحَدَثِ، وَمَحِلُّ الْوَطْءِ مِنْ بَاطِنِ الرِّجْلِ فِيهِ كَظَاهِرِهِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ بِلَفْظِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ يَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَسْفَلِ الْوَجْهُ الَّذِي يُلَاقِي الْبَشَرَةَ لِأَنَّهُ أَسْفَلَ مِنْ الْوَجْهِ الْأَعْلَى الْمُحَاذِي لِلسَّمَاءِ لِمَا ذَكَرنَا.
ثُمَّ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَجِبْ مُرَاعَاةُ جَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ فِي مَحِلِّ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيقَاعُ الْبَلَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحِلِّ حَتَّى جَازَ الْبُدَاءَةُ مِنْ أَصْلِ السَّاقِ إلَى رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، لَكِنْ يَجِبُ فِي حَقِّ الْكَمِّيَّةِ نَظَرًا إلَى ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ إلَّا بِنَصٍّ (قَوْلُهُ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ) فِي كُلِّ رِجْلٍ، فَلَوْ مَسَحَ عَلَى رِجْلٍ أُصْبُعَيْنِ وَعَلَى الْأُخْرَى قَدْرَ خَمْسَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَوْ بِإِصَابَةِ مَطَرٍ أَوْ مِنْ حَشِيشٍ مَشَى فِيهِ مُبْتَلٌّ وَلَوْ بِالطَّلِّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالطَّلِّ لِأَنَّهُ نَفَسُ دَابَّةٍ لَا مَاءً، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ تَفْرِيعٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ، خِلَافًا لِمَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ لِلْعَتَّابِيِّ حَيْثُ شَرَطَهَا.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ الْخُفَّ وَنَوَى بِهِ
[ ١٤٩ ]
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ يُبَيِّنُ مِنْهُ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ الْبَادِي وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي. وَلَنَا أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ عَادَةً فَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ وَتَخْلُو عَنْ الْكَبِيرِ فَلَا حَرَجَ، وَالْكَبِيرُ أَنْ يَنْكَشِفَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَصْغَرُهَا
التَّعْلِيمَ دُونَ الطَّهَارَةِ يَصِحُّ
(قَوْلُهُ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ يَبِينُ مِنْهُ إلَخْ) يَعْنِي إذَا كَانَ فِي مَحِلِّ الْفَرْضِ مُنْفَرِجًا أَوْ يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ، فَإِنْ كَانَ شَقًّا لَا يَظْهَرُ مَا تَحْتَهُ، إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ يَظْهَرُ مِنْهُ دُونَهَا وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا لَا يُمْنَعُ، وَلَوْ كَانَ فِي الْكَعْبِ لَمْ يُمْنَعْ وَإِنْ كَثُرَ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ. وَفِي الْفَتَاوَى: فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي مَوْضِعِ الْعَقِبِ إنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْعَقِبِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ: يُمْسَحُ حَتَّى يَبْدُوَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْعَقِبِ.
ثُمَّ قَيَّدَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ كَوْنَهَا أَصْغَرَ الْأَصَابِعَ بِمَا إذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْأَصَابِعِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ اُعْتُبِرَ ثَلَاثٌ مِنْهَا، فَلَوْ انْكَشَفَ الْأَكْبَرُ وَمَا يَلِيه لَا يُمْنَعُ وَإِنْ كَانَ قَدْرَ الثَّلَاثِ الْأُخَرِ، وَلَوْ كَانَ الْخَرْقُ تَحْتَ الْقَدَمِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ الْقَدَمِ مُنِعَ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
وَذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ بِلَفْظِ قِيلَ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ مَوْضِعَ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهَا فَكَذَا الْقَدَمُ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا التَّعْلِيلُ لَزِمَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَصْغَرَهَا إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَ أَصْغَرِهَا لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ حِينَئِذٍ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصَابِعُ اُعْتُبِرَ بِأَصَابِعِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ بِأَصَابِعِهِ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْخِفَافَ إلَخْ) لَازِمُهُ إذَا تَأَمَّلْت مَنْعَ وُجُوبِ غَسْلِ الْبَادِي فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ عَدَمًا لِقِلَّتِهِ وَلُزُومِ الْحَرَجِ فِي اعْتِبَارِهِ إذْ غَالِبُ الْخِفَافِ لَا تَخْلُو عَنْهُ عَادَةً، وَالشَّرْعُ عَلَّقَ الْمَسْحَ بِمُسَمَّى الْخُفِّ وَهُوَ السَّاتِرُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي تُقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةُ وَالِاسْمُ مُطْلَقًا يُطْلَقُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِ الْخُفِّ تَقْيِيدَهُ بِمَخْرُوقٍ فَهُوَ مُرَادٌ فَلَيْسَ بِخُفِّ مُطْلَقٍ وَلِأَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْمَسَافَةُ بِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ
[ ١٥٠ ]
هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَدَمِ هُوَ الْأَصَابِعُ وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا فَيُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَاعْتِبَارُ الْأَصْغَرِ لِلِاحْتِيَاطِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِدُخُولِ الْأَنَامِلِ إذَا كَانَ لَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ، وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَةٍ فَيُجْمَعُ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا يُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ لِأَنَّ الْخَرْقَ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخِرِ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلْكُلِّ وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ نَظِيرُ النَّجَاسَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ)
فِيهِ وَالْخُفُّ مُطْلَقًا مَا يُقْطَعُ بِهِ فَلَيْسَ بِهِ (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ ثَلَاثُ أَصَابِعِ الْيَدِ، وَعَمَّا مَالَ إلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ مِنْ أَنَّ ظُهُورَ قَدْرِ ثَلَاثِ أَنَامِلَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ يَمْنَعُ (قَوْلُهُ وَتُجْمَعُ الْخُرُوقُ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا دَاعِيَ إلَى جَمْعِهَا وَهُوَ اعْتِبَارُهَا كَأَنَّهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ لَمَنْعِ الْمَسْحِ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمَكَانُ حَقِيقَةٌ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْخُفِّ بِامْتِنَاعِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ بِهِ لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِذَاتِ الِانْكِشَافِ مِنْ حَيْثُ هُوَ انْكِشَافٌ، وَإِلَّا لَوَجَبَ الْغَسْلُ فِي الْخَرْقِ الصَّغِيرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ عِنْدَ تُفَرِّقْهَا صَغِيرَةً كَقَدْرِ الْحِمَّصَةِ والْفُولَةِ لِإِمْكَانِ قَطْعِهَا مَعَ ذَلِكَ وَعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ الْبَادِي.
(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ) قِيلَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ النَّفْيِ فَلَا
[ ١٥١ ]
لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا إلَّا عَنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ» وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تُكَرَّرُ عَادَةً فَلَا حَرَجَ فِي النَّزْعِ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ.
(وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ الْخُفِّ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ حَيْثُ زَالَ الْمَانِعُ، وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِهِمَا لِتَعْذِرْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ
حَاجَةَ إلَى التَّصْوِيرِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَجْنَبَ وَقَدْ لَبِسَ عَلَى وُضُوءٍ وَجَبَ نَزْعُ خُفَّيْهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ.
وَقِيلَ صُورَتُهُ مُسَافِرٌ أَجْنَبَ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُ فَتَيَمَّمَ وَلَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَوَجَدَ مَاءً يَكْفِي وُضُوءَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ، وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا، فَإِذَا فَعَلَ وَلَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي الْوُضُوءَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَثَ يَمْنَعُهُ الْخُفُّ السِّرَايَةَ لِوُجُودِهِ بَعْدَ اللِّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، فَلَوْ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ كَثِيرٍ عَادَ جُنُبًا، فَإِذَا لَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى فَقْدَهُ تَيَمَّمَ لَهُ، فَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا، فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ فَقَطْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ، وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْمَسَائِلُ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ إنَّمَا تَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا بِإِفَادَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ كَوْنُ اللِّبْسِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ لَا طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَيْسَتْ كَامِلَةً، فَإِنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ كَمَالِهَا عَدَمُ الرَّفْعِ عَنْ الرِّجْلَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ إصَابَةِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوَظِيفَةِ حِسًّا فَيَمْنَعُ تَأْثِيرُهُ فِي نَفْيِ الْكَمَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي يُعْقِبُهَا اللِّبْسُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ مَنْ فَعَلَهُ ﵊ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ مَا يُوَسِّعُ مَوْرِدَهُ فَيَلْزَمُ فِيهِ الْمَاءُ قَصْرًا عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ صَرِيحُ مَنْعِهِ لِلْجَنَابَةِ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) رَوَى النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا
[ ١٥٢ ]
(وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَإِذَا تَمُتْ الْمُدَّةُ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَصَلَّى وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ) وَكَذَا إذَا نَزَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ يَسْرِي الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ كَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا، وَحُكْمُ النَّزْعِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ لِأَنَّهُ
سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ».
(قَوْلُهُ وَإِذَا تَمَّتْ الْمُدَّةُ نَزَعَ خُفَّيْهِ) لِسَرَيَانِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلَيْنِ (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْوُضُوءِ فَيَنْضَمُّ غَسْلُهُمَا إلَى الْغَسْلِ السَّابِقِ لِلْأَعْضَاءِ فَيَكْمُلُ الْوُضُوءُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا حَدَثَ لِيَسْرِيَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَّ بِالْخُفِّ ثُمَّ زَالَ بِالْمَسْحِ فَلَا يَعُودُ إلَّا بِسَبَبِهِ مِنْ الْخَارِجِ النَّجِسِ وَنَحْوِهِ، قُلْنَا: جَازَ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّرْعُ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ بِمَسْحِ الْخُفِّ مُقَيَّدًا بِمُدَّةِ مَنْعِهِ، ثُمَّ عَلِمْنَا وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ فِي ارْتِفَاعِهِ بِاسْتِعْمَالِ الصَّعِيدِ تَقَيُّدَهُ بِمُدَّةِ اعْتِبَارِهِ عَامِلًا: أَعْنِي مُدَّةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ، وَيُنَاسِبُ أَنَّ ذَلِكَ لِوَصْفِ الْبَدَلِيَّةِ وَهُوَ فِي الْمَسْحِ ثَابِتٌ بَلْ هُوَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَإِنَّ الْمَسْحَ وَإِنْ كَانَ بِالْمَاءِ لَكِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ وَظِيفَةِ الْغَسْلِ وَالْخُفُّ عَنْ الرِّجْلِ فَوَجَبَ تَقَيُّدُ الِارْتِفَاعِ فِيهِ بِمُدَّةِ اعْتِبَارِهِ بَدَلًا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَيَّدَ فِي التَّيَمُّمِ بِمُدَّةِ كَوْنِهِ بَدَلًا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْأَصْلُ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الِاحْتِيَاطِ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَوْ تَمَّتْ الْمُدَّةُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَاءَ يَمْضِي عَلَى الْأَصَحِّ فِي صَلَاتِهِ
[ ١٥٣ ]
لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْحِ، وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ هُوَ الصَّحِيحُ.
(وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
إذْ لَا فَائِدَةَ فِي النَّزْعِ لِأَنَّهُ لِلْغُسْلِ وَلَا مَاءَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ تَفْسُدُ انْتَهَى. لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ صِحَّةُ هَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ مَنْعَ الْخُفِّ بِمُدَّةٍ فَيَسْرِي الْحَدَثُ بَعْدَهَا إذْ لَا بَقَاءَ لَهَا مَعَ الْحَدَثِ، فَكَمَا يَقْطَعُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لِيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ يَقْطَعُ عِنْدَ عَدَمِهِ لِيَتَيَمَّمَ لَا لِلرِّجْلَيْنِ فَقَطْ لِيَلْزَمَ رَفْوُ الْأَصْلِ بِالْخَلَفِ بَلْ لِلْكُلِّ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَصِيرُ مُحْدِثًا بِحَدَثِ الْقَدَمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِهِمَا ارْتَفَعَ كَمَنْ غَسَلَ ابْتِدَاءً الْأَعْضَاءَ إلَّا رِجْلَيْهِ وَفَنِيَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَا لِلرِّجْلَيْنِ فَقَطْ وَإِلَّا لَكَانَ جَمْعُ الْخَلَفِ وَالْأَصْلِ ثَابِتًا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ بَلْ لِلْحَدَثِ الْقَائِمِ بِهِ فَإِنَّهُ عَلَى حَالِهِ مَا لَمْ يُتِمَّ الْكُلَّ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنْ لَمْ يُصِبْ الرِّجْلَ حِسًّا لَكِنَّهُ يُصِيبُهَا حُكْمُ الطَّهَارَةِ عِنْدَهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا يَصْلُحُ عَدَمُ الْمَاءِ مَانِعًا السِّرَايَةَ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا غَايَةً لَمَنْعِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا ذُكِرَ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَالْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِعُ إذَا تَمَّتْ إذَا لَمْ يَخَفْ ذَهَابَهُمَا مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَإِنْ خَافَهُ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ خَوْفَ الْبَرْدِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ السِّرَايَةِ، كَمَا أَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُهَا، فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَا يَنْزِعُ لَكِنْ لَا يَمْسَحُ بَلْ يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ هَذَا نَقَلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ تَأْوِيلَ الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مَسْحُ جَبِيرَةٍ لَا كَمَسْحِ الْخُفِّ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَوْعِبَ الْخُفَّ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى أَوْ أَكْثَرُهُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَفْهُومِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُؤَوَّلِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ مُسَمَّى الْجَبِيرَةِ يَصْدُقُ عَلَى سَاتِرٍ لَيْسَ تَحْتَهُ مَحَلُّ وَجَعٍ بَلْ عُضْوٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخَافُ مِنْ كَشْفِهِ حُدُوثَ الْمَرَضِ لِلْبَرْدِ، وَيَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ كُلِّيَّةِ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ بِخَوْفِ الْبَرْدِ عَلَى عُضْوٍ وَاسْوِدَادِهِ، وَيَقْتَضِي أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ تَرْكِهِ رَأْسًا وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ إعْطَاؤُهُمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ، هَذَا وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ أَيْضًا غَسْلُ أَكْثَرِ الرِّجْلِ، وَفِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مَا سَمِعْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ هُوَ الصَّحِيحُ) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَعَنْهُ فِي الْإِمْلَاءِ بِخُرُوجِ نِصْفِهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْبَاقِي قَدْرَ مَحِلِّ الْفَرْضِ: أَعْنِي ثَلَاثَةَ أَصَابِعِ الْيَدِ لَا يُنْتَقَضُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ خَرَجَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ: يَعْنِي إذَا أَخْرَجَهُ قَاصِدًا إخْرَاجَ الرِّجْلِ بَطَلَ الْمَسْحُ حَتَّى لَوْ بَدَا لَهُ إعَادَتُهَا
[ ١٥٤ ]
مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا) عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَكْمَلَ الْمُدَّةَ لِلْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ وَالْخُفُّ لَيْسَ بِرَافِعٍ (وَلَوْ أَقَامَ وَهُوَ مُسَافِرٌ إنْ اسْتَكْمَلَ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ نَزَعَ) لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ أَتَمَّهَا) لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ.
قَالَ (وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ.
فَأَعَادَهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَعْرَجُ يَمْشِي عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَقَدْ ارْتَفَعَ عَقِبُهُ عَنْ مَوْضِعِ عَقِبِ الْخُفِّ إلَى السَّاقِ لَا يَمْسَحُ، وَإِلَى مَا دُونَهُ يَمْسَحُ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْخُفُّ وَاسِعًا يَرْتَفِعُ الْعَقِبُ بِرَفْعِ الرِّجْلِ إلَى السَّاقِ وَيَعُودُ بِوَضْعِهَا فَلَا يُمْنَعُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ الْبَاقِي بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ فَكَذَلِكَ لَا يُنْتَقَضُ، وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ هُوَ مَرْمَى نَظَرِ الْكُلِّ، فَمَنْ نَقَضَ بِخُرُوجِ الْعَقِبِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَعَ حُلُولِ الْعَقِبِ بِالسَّاقِ لَا يُمْكِنُهُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ وَقَطْعُ الْمَسَافَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَعُودُ إلَى مَحِلِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ، وَمَنْ قَالَ بِالْأَكْثَرِ فَلِظَنِّهِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مَنُوطٌ بِهِ وَكَذَا مَنْ قَالَ بِكَوْنِ الْبَاقِي قَدْرَ الْفَرْضِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ إنَّمَا تُبْنَى عَلَى الْمُشَاهَدَةِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْلَى لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ فِي السَّاقِ يُقْلِقُ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْمَشْيِ دَوْسًا عَلَى السَّاقِ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) سَوَاءٌ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ، وَفِي الثَّانِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ. لَنَا الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ» الْحَدِيثَ، وَهَذَا مُسَافِرٌ فَيَمْسَحُهَا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ كَمَالُ مُدَّةِ الْمُقِيمِ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ، وَإِنَّمَا يُمْسَحُ عَلَى خُفِّ رِجْلٍ لَا حَدَثَ فِيهَا إجْمَاعًا، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ اُبْتُدِئَتْ حَالَةَ الْإِقَامَةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا حَالَةُ الِابْتِدَاءِ كَصَلَاةٍ ابْتَدَأَهَا مُقِيمًا فِي سَفِينَةٍ فَسَافَرَتْ وَصَوْمٍ شَرَعَ فِيهِ مُقِيمًا فَسَافَرَ حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ فَغَنِيٌّ عَنْ تُكَلِّفْ الْفَرْقِ لِعَدَمِ ظُهُورِ وَجْهِ الْجَمْعِ بِالْمُشْتَرِكِ الْمُؤَثَّرِ فِي الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ) إذَا لَبِسَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ، فَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَهُ وَهُوَ لَابِسٌ الْخُفَّ
[ ١٥٥ ]
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ» وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا فَصَارَا كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَبِسَ الْجُرْمُوقَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ لِأَنَّ الْحَدَثَ حَلَّ بِالْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ إلَّا أَنْ تَنْفُذَ الْبَلَّةُ إلَى الْخُفِّ.
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ،
لَا يَجُوزُ لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْمَسْحِ اسْتَقَرَّتْ لِلْخُفِّ لِحُلُولِ الْحَدَثِ بِهِ فَلَا يُزَالُ بِمَسْحِ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ لَبِسَ الْمُوقَيْنِ قَبْلَ الْحَدَثِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ خُفَّيْهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَسَحَ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْحَدَثِ، وَلَوْ نَزَعَ أَحَدَ مُوقَيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا وَجَبَ مَسْحُ الْخُفِّ الْبَادِي وَإِعَادَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْمُوقِ لِانْتِقَاضِ وَظِيفَتِهِمَا كَنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْأَصْلِ: يُنْزَعُ الْآخَرُ وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ لَبِسَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخُفِّ الْآخَرَ، فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ فَمَسَحَ عَلَى الْعُلْيَا ثُمَّ نَزَعَهَا لَيْسَ عَلَيْهِ مَسْحُ السُّفْلَى لِلْوِحْدَةِ الْحَقِيقَةِ فَهُوَ كَقِشْرِ جَلْدَةِ خُفٍّ مَسَحَ عَلَيْهَا أَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ) فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ بِلَالٍ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ» وَلِأَبِي دَاوُد «كَانَ يَخْرُجُ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمُطَرِّزِيُّ: الْمُوقُ خُفٌّ قَصِيرٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعْرَبٌ، ثُمَّ أَلْحَقَهُ بِخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ.
وَأَجَابَ عَنْ اعْتِبَارِهِ بَدَلَ الْخُفِّ الْمُسْتَلْزِمِ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ، وَوَجْهُ الْإِلْحَاقِ بِالْخُفِّ وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ فِي الْكِتَابِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ)
[ ١٥٦ ]
وَقَالَا: يَجُوزُ إذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ لَا يَشِفَّانِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ»، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْبَطَ بِشَيْءٍ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ. وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَعَّلًا وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالرُّخْصَةُ لَدَفْعِ الْحَرَجِ.
(وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ
وَلَا يُعَارَضُ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ حِكَايَةُ حَالِ لَا تَعُمُّ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُوقِ الصَّالِحِ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ لِكَوْنِهِ كَالْخُفِّ فِي الْمَقْصُودِ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ) لَا شَكَّ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَصْلُحُ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَاهُ، وَمَعْنَاهُ السَّاتِرُ لِمَحِلِّ الْفَرْضِ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فِيهِ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْمَسْحِ بِالْخُفِّ لَيْسَ لِصُورَتِهِ الْخَاصَّةِ بَلْ لِمَعْنَاهُ لِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي النَّزْعِ الْمُتَكَرِّرِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ خُصُوصًا مَعَ آدَابِ السَّيْرِ، فَإِذَا جَازَ بِالِاتِّفَاقِ الْمَسْحُ عَلَى الْمُكَعَّبِ السَّاتِرِ لِلْكَعْبِ، وَفِي الِاخْتِيَارِ: وَكَذَا إذَا كَانَتْ مُقَدَّمَتُهُ مَشْقُوقَةً إذَا كَانَتْ مَشْدُودَةً أَوْ مَزْرُورَةً لِأَنَّهَا كَالْمَخْرُوزَةِ، فَوَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمُنَعَّلِ مِنْ الْجَوْرَبِ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، هَذَا إنْ صَحَّ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ
[ ١٥٧ ]
وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ، وَلِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهِ فَوْقَ الْحَرَجِ فِي نَزْعِ الْخُفِّ فَكَانَ أَوْلَى بِشَرْعِ الْمَسْحِ، وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ ﵁،
فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّهُ ﵊ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» وَإِلَّا فَقَدْ نُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَهْدِي وَمُسْلِمٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: كُلٌّ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَعَ أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ وَوَقَعَ عِنْدَهُمَا أَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ بِلَا نَعْلٍ مَعَ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَحَقَّقَ كَذَلِكَ، فَتَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِوُجُودِ النَّعْلِ حِينَئِذٍ قَصْرٌ لِلدَّلِيلِ، أَعْنِي الْحَدِيثَ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى مُقْتَضَاهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَلِذَا رَجَعَ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ) أَمَّا فَعَلَهُ فَرِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ» وَضَعَّفَهُ بِأَبِي عُمَارَةَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: وَلَا يَصِحُّ هَذَا، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِصَابَةِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَسَاقَ بِسَنَدِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ وَكَفُّهُ مَعْصُوبَةٌ فَمَسَحَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْعِصَابَةِ وَغَسَلَ سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ: هُوَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ، وَالْمَوْقُوفُ فِي هَذَا كَالْمَرْفُوعِ لِأَنَّ الْأَبْدَالَ لَا تُنْصَبُ بِالرَّأْيِ، وَأَمَّا أَمْرُهُ عَلِيًّا بِهِ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» فِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ مَتْرُوكٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ.
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيِّ عَلِيٍّ صَوَابُهُ كُسِرَ أَحَدُ زَنْدَيْهِ لِأَنَّ الزَّنْدَ مُذَكَّرٌ وَالزَّنْدَانِ عَظْمًا السَّاعِدِ. ثُمَّ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ، فَقِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُ لِأَنَّ الْعُذْرَ أَسْقَطَ وَظِيفَةَ الْمَحِلِّ، وَقِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا لِانْتِقَالِ الْوَظِيفَةِ إلَى الْحَائِلِ.
وَلَهُ أَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَهَا فِي مَحِلٍّ فَلَا تَجُوزُ فِي آخَرَ إلَّا بِنَصٍّ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهِ كَخَبَرِ مَسْحِ الْخُفِّ وَلَيْسَ ذَاكَ فِي مَسْحِ الْجَبِيرَةِ فَاعْتُبِرْنَاهُ
[ ١٥٨ ]
وَلَا يَتَوَقَّتُ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ بِالتَّوْقِيتِ (وَإِنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ) لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا (وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ دُونَ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ. وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْمَجْرُوحِ، أَمَّا الْمَكْسُورُ فَيَجِبُ فِيهِ اتِّفَاقًا وَكَأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمَسْحِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمَكْسُورِ.
وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، فَقَوْلُهُمَا بِعَدَمِ جَوَازِ تَرْكِهِ فِيمَنْ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ، وَقَوْلُهُ بِجَوَازِهِ فِيمَنْ يَضُرُّهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهِ فَوْقَ الْحَرَجِ فِي نَزْعِ الْخُفِّ فَكَانَ أَوْلَى بِشَرْعِيَّةِ الْمَسْحِ أَنَّهُ مِمَّا يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ فَرْضًا لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ فَرْضٌ إنْ لَمْ يُنْزَعْ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ السُّقُوطِ رَأْسًا بِالْعُذْرِ كَمَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ بِهِ لَوْلَا الْوَارِدُ فِي هَذَا مِنْ الْآحَادِ الْمُوجِبَةِ لِانْتِقَالِ الْوَظِيفَةِ إلَى الْحَائِلِ مَسْحًا وَغَايَتُهُ الْوُجُوبُ، فَعَدَمُ الْفَسَادِ بِتَرْكِهِ أَقْعَدُ بِالْأُصُولِ، فَلِذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي التَّجْرِيدِ الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا لَمْ يَشْتَهِرْ شُهْرَةَ نَقِيضِهِ عَنْهُ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعْنَى مَا قِيلَ إنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَشَرْحِ الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ، ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إنَّمَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَضُرُّهُ الْغَسْلُ أَوْ الْمَسْحُ عَلَى نَفْسِ الْقُرْحَةِ وَالْجِرَاحَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَضُرَّهُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِذَا زَادَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى نَفْسِ الْجِرَاحَةِ فَإِنْ ضَرَّهُ الْحَلُّ وَالْمَسْحُ مَسَحَ عَلَى الْكُلِّ تَبَعًا مَعَ الْقُرْحَةِ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّاهُ غَسَلَ مَا حَوْلِهَا وَمَسَحَهَا نَفْسَهَا، وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ لَا الْحَلُّ يَمْسَحُ عَلَى الْخِرْقَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ وَيَغْسِلُ مَا حَوْلَهَا تَحْتَ الْخِرْقَةِ الزَّائِدَةِ إذْ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مَا إذَا ضَرَّهُ الْحَلُّ لَا الْمَسْحُ لِظُهُورِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي الْعِصَابَةِ إنْ ضَرَّهُ مَسَحَ عَلَيْهَا كُلَّهَا، وَمِنْ ضَرَرِ الْحَلِّ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَى رَبْطِهَا بِنَفْسِهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَرْبِطُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْقُرْحَةِ وَالْكَيِّ وَالْكَسْرِ، وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً أَوْ عَلْكًا أَوْ أَدْخَلَهُ جَلْدَةَ مَرَارَةٍ أَوْ مَرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ نَزْعُهُ مَسَحَ عَلَيْهِ وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ بِأَعْضَائِهِ شُقُوقٌ أَمَرَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا مَسَحَ عَلَيْهَا إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا تَرَكَهَا وَغَسَلَ مَا حَوْلَهَا (قَوْلُهُ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ قَائِمًا) وَلِهَذَا لَوْ مَسَحَ عَلَى عِصَابَةٍ فَسَقَطَتْ فَأَخَذَ أُخْرَى لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ الْأَحْسَنُ نَقَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَلِهَذَا أَيْضًا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرَقِ رِجْلِهِ الْمَجْرُوحَةِ وَغَسَلَ الصَّحِيحَةَ وَلَبِسَ الْخُفَّ عَلَيْهَا ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَنْزِعُ الْخُفَّ لِأَنَّ الْمَجْرُوحَةَ مَغْسُولَةٌ حُكْمًا، وَلَا تَجْتَمِعُ الْوَظِيفَتَانِ فِي الرِّجْلَيْنِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَرْكَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَهُوَ
[ ١٥٩ ]