- ﵊ وَالطَّوَافُ بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ﵊ خِلَافُ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ فَزِعُوا إلَى السُّؤَالِ فَعَذَرَهُمْ بِالْجَهْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَأَمَّا حَجُّ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ فَأَمْرٌ يَأْبَاهُ الْقِيَاسُ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ إذَا خَلَّى وَالنَّظَرُ فِي مَقْصُودِ التَّكَالِيفِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ فَلَمْ يَكُنْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِلَا سُؤَالٍ، ثُمَّ يَتَّفِقُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِالْحُكْمِ، بِخِلَافِهِ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ الْأَحْكَامُ وَعَرَفَ جَوَازَ النِّيَابَةِ بِاشْتِهَارِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ وَغَيْرِهِ بِعِلْمِ النَّاسِ لَهُ وَصَحَّ تَكْرَارُ ذَلِكَ فَهُوَ مَظِنَّةُ أَنْ يَعْلَمَ أَصْلَ جَوَازِ النِّيَابَةِ فَيَفْعَلَ بِلَا سُؤَالٍ فَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ رَأْيًا مِنْهُ وَلِأَنَّ ابْنَ الْمُفْلِسِ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ بِالْبَصْرَةِ فَيَجْعَلُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ كَانَ بِالْكُوفَةِ يُسْنِدُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا يُفِيدُ اشْتِبَاهَ الْحَالِ عَلَى سَعِيدٍ وَقَدْ عَنْعَنَهُ قَتَادَةُ وَنُسِبَ إلَيْهِ تَدْلِيسٌ فَلَا تُقْبَلُ عَنْعَنَتُهُ، وَلَوْ سَلِمَ فَحَاصِلُهُ أُمِرَ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّدْبَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ وَهُوَ إطْلَاقُهُ ﵊.
«قَوْلُهُ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ» مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارِهَا عَنْ حَجِّهَا لِنَفْسِهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عُمُومِ الْخِطَابِ فَيُفِيدُ جَوَازَهُ عَنْ الْغَيْرِ مُطْلَقًا. وَحَدِيثُ شُبْرُمَةَ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ حَجَّةِ نَفْسِهِ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْجَمْعُ وَيُثْبِتُ أَوْلَوِيَّةَ تَقْدِيمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ مَعَ جَوَازِهِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ حَجَّ الصَّرُورَةِ عَنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ بَعْدَ تَحْقِيقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالصِّحَّةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِأَنَّهُ يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي أَوَّلِ سَنَى الْإِمْكَانِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَا لَوْ تَنَفَّلَ لِنَفْسِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لَعَيْنِ الْحَجِّ الْمَفْعُولِ بَلْ لِغَيْرِهِ وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ لَا يُدْرِكَ الْفَرْضَ، إذْ الْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ.
فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﵊ «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» عَلَى الْوُجُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي الصِّحَّةَ وَيُحْمَلُ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ عَلَى عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَوَّلًا وَإِنْ لَمْ يَرْوِ لَنَا طَرِيقَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا: أَعْنِي دَلِيلَ التَّضْيِيقِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَحَدِيثِ شُبْرُمَةَ وَالْخَثْعَمِيَّةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْهَدْيِ)
هَذَا الْبَابُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَبْوَابُ السَّابِقَةُ، فَإِنَّ الْهَدْيَ إمَّا لِمُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ إحْصَارٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ كَفَّارَةِ جِنَايَةٍ أُخْرَى، فَأَخَّرَهُ عَنْهَا لِأَنَّ مَعْرِفَةَ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَكَذَا الْبَاقِي، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ
[ ٣ / ١٦٠ ]
(الْهَدْيُ أَدْنَاهُ شَاةٌ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْهَدْيِ فَقَالَ: أَدْنَاهُ شَاةٌ» قَالَ (وَهُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا جَعَلَ الشَّاةَ أَدْنَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَعْلَى وَهُوَ الْبَقَرُ وَالْجَزُورُ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ لِيُتَقَرَّبَ بِهِ فِيهِ، وَالْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى
(وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا إلَّا مَا جَازَ فِي الضَّحَايَا) لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ تَعَلَّقَتْ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ كَالْأُضْحِيَّةِ فَيَتَخَصَّصَانِ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ
(وَالشَّاةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: مَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا. وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إلَّا الْبَدَنَةُ) وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيمَا سَبَقَ
(وَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُضْحِيَّةَ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ هَدْيِهِ وَحَسَا مِنْ الْمَرَقَةِ» وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا لِمَا رَوَيْنَا، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُرِفَ فِي الضَّحَايَا (وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا) لِأَنَّهَا
حَالَاتٍ تَسْتَدْعِي سَبْقَ تَصَوُّرِهِ مَفْهُومَاتِ مُتَعَلِّقَاتِهَا وَتَصْدِيقَاتٍ بِبَعْضِ أَحْكَامٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ أَدْنَاهُ شَاةٌ) يُفِيدُ أَنَّ لَهُ أَعْلَى.
وَعِنْدَنَا أَفْضَلُهَا الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊) هَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ كَلَامِ عَطَاءٍ، أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: أَدْنَى مَا يُهْرَاقُ مِنْ الدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ شَاةٌ. وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ بَابِ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ فَأَفْتَانِي بِهَا، وَسَأَلْته عَنْ الْهَدْيِ فَقَالَ: فِيهِ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ الْحَدِيثَ فَخَاصٌّ بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ
(قَوْلُهُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ) تَقَدَّمَ ثَالِثٌ، وَهُوَ مَا إذَا طَافَتْ امْرَأَةٌ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) يَعْنِي قَبْلَ الْحَلْقِ عَلَى مَا أَسْلَفَهُ مِنْ أَنَّ الْجِمَاعَ بَعْدَهُ فِيهِ شَاةٌ (قَوْلُهُ فِيمَا سَبَقَ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ) يَعْنِي الْجِمَاعَ (أَعْلَى أَنْوَاعِ الارتفاقات) (قَوْلُهُ وَقَدْ صَحَّ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ «أَنَّهُ ﵊ أَكَلَ مِنْ الْكُلِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ» الْحَدِيثَ، فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَكَذَا أَزْوَاجُهُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَهَدْيُ الْقِرَانِ لَا يَسْتَغْرِقُ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ هَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا أَكَلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ بَعْدَمَا صَارَ إلَى الْحَرَمِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَبْلُغْ بِأَنْ عَطِبَ أَوْ ذَبَحَهُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ تَتِمُّ الْقُرْبَةُ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ، وَفِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَا يَحْصُلُ بِهِ بَلْ بِالتَّصَدُّقِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ضَمِنَ مَا أَكَلَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَكَلَ لُقْمَةً ضَمِنَهُ كُلَّهُ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لُحُومِ الْهَدَايَا وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، فَإِنْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ أَعْطَى الْجَزَّارَ أَجْرَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ، وَحَيْثُمَا جَازَ الْأَكْلُ لِلْمُهْدِي جَازَ أَنْ يَأْكُلَ الْأَغْنِيَاءُ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُرِفَ فِي الضَّحَايَا) وَهُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا وَكُلُّ دَمٍ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ
[ ٣ / ١٦١ ]
دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَبَعَثَ الْهَدَايَا عَلَى يَدَيْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ لَهُ: لَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَرُفْقَتُكَ مِنْهَا شَيْئًا»
(وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ (وَفِي الْأَصْلِ يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِي التَّطَوُّعَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا هَدَايَا وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِتَبْلِيغِهَا إلَى الْحَرَمِ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ جَازَ ذَبْحُهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَفْضَلُ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي إرَاقَةِ الدَّمِ فِيهَا أَظْهَرُ، أَمَّا دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾
التَّصَدُّقُ بَعْدَ الذَّبْحِ لِتَمَامِ الْقُرْبَةِ بِهِ. وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الدِّمَاءَ نَوْعَانِ: مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ الْأَكْلُ مِنْهُ وَهُوَ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ دَمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْإِحْصَارِ، وَكُلُّ دَمٍ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَبَطَلَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ بِالْأَكْلِ، وَكُلُّ دَمٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَلَوْ هَلَكَ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النَّوْعَيْنِ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْهَلَاكِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْفُقَرَاءِ لِتَعَدِّيهِ عَلَى حَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِبُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ.
وَلَوْ بَاعَ اللَّحْمَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فِي النَّوْعَيْنِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ إلَّا أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِثَمَنِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ) رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ نَاجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ وَقَالَ لَهُ: إنْ عَطِبَ فَانْحَرْهُ ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِيهِ «لَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا رُفْقَتُكَ» وَقَدْ أَسْنَدَ الْوَاقِدِيُّ فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَفِيهَا «أَنَّهُ ﵊ اسْتَعْمَلَ عَلَى هَدْيِهِ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيَّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ بِهَا، قَالَ: وَكَانَتْ سَبْعِينَ بَدَنَةً، فَذَكَرَهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: عَطِبَ مَعِي بَعِيرٌ مِنْ الْهَدْيِ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْأَبْوَاءِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: انْحَرْهَا وَاصْبُغْ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِكَ مِنْهَا شَيْئًا وَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ»
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سِنَانِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا الْخُزَاعِيَّ أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ بِالْبُدْنِ مَعَهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» وَأُعِلَّ بِأَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يُدْرِكْ سِنَانًا.
وَالْحَدِيثُ مُعَنْعَنٌ فِي مُسْلِمٍ وَابْنِ مَاجَهْ، إلَّا أَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَ لَهُ شَوَاهِدَ وَلَمْ يُسَمِّ ذُؤَيْبًا بَلْ قَالَ إنَّ رَجُلًا، وَإِنَّمَا نَهَى نَاجِيَةَ وَمَنْ ذُكِرَ عَنْ الْأَكْلِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ. قَالَ شَارِحُ الْكَنْزِ: لَا دَلَالَةَ لِحَدِيثِ نَاجِيَةَ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا عَطِبَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَوْ لَا اهـ.
وَقَدْ أَوْجَدْنَا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا ذُبِحَ فِي الطَّرِيقِ امْتِنَاعَ أَكْلِهِ مِنْهُ وَجَوَازَهُ بَلْ اسْتِحْبَابَهُ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ. وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَنَّهَا دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ يَسْتَقِلُّ بِالْمَطْلُوبِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّ دَمَ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَلَا يَجُوزُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ إلَّا فِيهَا، وَدَمُ الْإِحْصَارِ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ قَبْلَهَا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ أَمَّا دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الْآيَةَ، إلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قَدْ بَيَّنَّا فِي كَوْنِ وَقْتِ الطَّوَافِ وَقْتِ الذَّبْحِ مَا يُفِيدُ مِثْلُهُ وَجْهَ كَوْنِ وَقْتِ الذَّبْحِ وَقْتِ
[ ٣ / ١٦٢ ]
وَقَضَاءُ التَّفَثِ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالْأُضْحِيَّةِ (وَيَجُوزُ ذَبْحُ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ اعْتِبَارًا بِدَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ دَمُ جَبْرٍ عِنْدَهُ.
وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ فَلَا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ كَانَ التَّعْجِيلُ بِهَا أَوْلَى لِارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، بِخِلَافِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدَايَا إلَّا فِي الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فَصَارَ أَصْلًا فِي كُلِّ دَمٍ هُوَ كَفَّارَةٌ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى مَكَان وَمَكَانُهُ الْحَرَمُ. قَالَ ﷺ «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ»
(وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِمْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قُرْبَةٌ مَعْقُولَةٌ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى كُلِّ
قَضَاءِ التَّفَثِ فَارْجِعْ تَأَمَّلْهُ.
وَأَمَّا وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَنْفِيَ الْجَوَازَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ يُفِيدُ كَوْنَهُ فِيهَا فَيَلْزَمُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَالْمُرَادُ الِاخْتِصَاصُ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَّا لَوْ ذَبَحَ بَعْدَهَا أَجْزَأَ إلَّا أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَاجِبِ وَقَبْلَهَا لَا يُجْزِئُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا كَذَلِكَ فِي الْقِبْلِيَّةِ وَكَوْنُهُ فِيهَا هُوَ السُّنَّةُ، حَتَّى لَوْ ذَبَحَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ عَلَيْهِ دَمٌ، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ. وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَإِطْلَاقُ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فِيهِ نَوْعُ إيهَامٍ (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ ذَبْحُ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا) وَهِيَ هَدْيُ الْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ وَالْإِحْصَارِ عَلَى قَوْلِهِ، وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ فِي الْكِتَابِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدَايَا إلَّا فِي الْحَرَمِ) سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ غَيْرَهُ، قَالَ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فَكَانَ أَصْلًا فِي كُلِّ دَمٍ وَجَبَ كَفَّارَةً، وَقَالَ تَعَالَى فِي دَمِ الْإِحْصَارِ ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَقَالَ فِي الْهَدَايَا مُطْلَقًا ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى مَكَان فَالْإِضَافَةُ ثَابِتَةٌ فِي مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْحَرَمُ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَجُوزُ الذَّبْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمِنًى.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِمِنًى، وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا، قَالَ ﵊ «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الدِّمَاءَ قِسْمَانِ
[ ٣ / ١٦٣ ]
فَقِيرٍ قُرْبَةٌ.
قَالَ (وَلَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ بِالْهَدَايَا) لِأَنَّ الْهَدْيَ يُنْبِئُ عَنْ النَّقْلِ إلَى مَكَان لِيَتَقَرَّبَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فِيهِ لَا عَنْ التَّعْرِيفِ فَلَا يَجِبُ، فَإِنْ عُرِفَ بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ فَحَسَنٌ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَعَسَى أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُمْسِكُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُعَرِّفَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْهِيرِ بِخِلَافِ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَسَبَبُهَا الْجِنَايَةُ فَيَلِيقُ بِهَا السَّتْرُ.
قَالَ (وَالْأَفْضَلُ فِي الْبُدْنِ النَّحْرُ وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ الْجَزُورُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وَالذِّبْحُ مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ الْإِبِلَ وَذَبَحَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ» ثُمَّ إنْ شَاءَ نَحَرَ الْإِبِلَ فِي الْهَدَايَا قِيَامًا وَأَضْجَعَهَا، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْحَرَهَا قِيَامًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ نَحَرَ الْهَدَايَا قِيَامًا»، وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَنْحَرُونَهَا قِيَامًا مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى، وَلَا يَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ قِيَامًا لِأَنَّ فِي حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ الْمَذْبَحَ أَبْيَنُ فَيَكُونُ الذَّبْحُ أَيْسَرَ وَالذَّبْحُ هُوَ السُّنَّةُ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ إلَخْ) أَمَّا نَحْرُ الْإِبِلِ فَحَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِيهِ «فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ» الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا ذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ «فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالُوا: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ» وَأَخْرَجَ السِّتَّةُ حَدِيثَ التَّضْحِيَةِ بِالْغَنَمِ بِمَا يُفِيدُ الذَّبْحَ. وَمِنْ قَرِيبٍ سَمِعْتُ حَدِيثَ «ذَبْحِهِ ﵊ الْكَبْشَيْنِ الْأَمْلَحَيْنِ».
وَأَمَّا أَنَّهُ نَحَرَ الْإِبِلَ قِيَامًا وَأَصْحَابُهُ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ " أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَنْحَرُ بَدَنَةً وَهِيَ بَارِكَةٌ فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ " وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وَنَحْنُ مَعَهُ، إلَى أَنْ قَالَ: وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ بَدَنَاتٍ قِيَامًا» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا» وَأُبْعِدَ مَنْ قَالَ هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ بَلْ هُوَ مُسْنَدٌ عَنْ جَابِرٍ وَإِنْ كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ مَرَّةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ كَمَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ.
هَذَا وَإِنَّمَا سَنَّ النَّبِيُّ ﷺ النَّحْرَ قِيَامًا عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ وَالْوُجُوبُ السُّقُوطُ، وَتَحَقُّقُهُ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَظْهَرُ قَالَ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَبْحَهَا بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ ذَلِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَنَحَرَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ بِنَفْسِهِ، وَوَلَّى الْبَاقِيَ عَلِيًّا ﵁»، وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَالتَّوَلِّي فِي الْقُرُبَاتِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْخُشُوعِ، إلَّا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَهْتَدِي لِذَلِكَ وَلَا يُحْسِنُهُ فَجَوَّزْنَا تَوْلِيَتَهُ غَيْرَهُ.
قَالَ (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا
مَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَمَا يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ فَقَطْ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ بِالْهَدَايَا) سَوَاءٌ أُرِيدَ بِالتَّعْرِيفِ الذَّهَابُ بِهَا إلَى عَرَفَاتٍ أَوْ التَّشْهِيرُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ.
وَقَوْلُهُ (فَعَسَى أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُمْسِكُهُ) يُشِيرُ إلَى الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ (فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْهِيرِ) إلَى الثَّانِي
(قَوْلُهُ نَيِّفًا وَسِتِّينَ) ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ، وَالنَّيْفُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثٍ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الْإِنْسَانَ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةً: نَحَرْت بَدَنَةً قَائِمَةً فَكِدْت أُهْلِكُ
[ ٣ / ١٦٤ ]
وَخِطَامِهَا وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْجَزَّارِ مِنْهَا) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁ تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَبِخَطْمِهَا وَلَا تُعْطِ أَجْرَ الْجَزَّارِ مِنْهَا»
(وَمَنْ سَاقَ بَدَنَةً فَاضْطُرَّ إلَى رُكُوبِهَا رَكِبَهَا، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَرْكَبْهَا) لِأَنَّهُ جَعَلَهَا خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهَا أَوْ مَنَافِعِهَا إلَى نَفْسِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رُكُوبِهَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا مُحْتَاجًا وَلَوْ رَكِبَهَا فَانْتَقَصَ بِرُكُوبِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ
(وَإِنْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ لَمْ يَحْلُبْهَا) لِأَنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهَا فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ (وَيُنْضِحُ ضَرْعَهَا بِالْمَاءِ الْبَارِد حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ) وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ
فِئَامًا مِنْ النَّاسِ لِأَنَّهَا نَفَرَتْ فَاعْتَقَدْتُ أَنْ لَا أَنْحَرَ الْإِبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بَارِكَةً مَعْقُولَةً وَأَسْتَعِينَ بِمَنْ هُوَ أَقْوَى عَلَيْهِ مِنِّي.
وَفِي الْأَصْلِ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَذْبَحَهُ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، فَإِنْ ذَبَحَهُ جَازَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَهُ كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ» وَيَكْفِي عَنْ هَذَا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يَذْكُرَهُ قَبْلَ ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ ثُمَّ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٍّ) رَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» وَفِي لَفْظٍ «وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِجُلُودِهَا وَجِلَالِهَا» وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ الْبُخَارِيُّ «وَنَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» وَفِي لَفْظٍ «وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجِلَالَهَا وَجُلُودَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا»، قَالَ السَّرَقُسْطِيُّ: جِزَارَتُهَا بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا فَبِالْكَسْرِ الْمَصْدَرُ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْعُنُقِ، وَكَانَ الْجَزَّارُونَ يَأْخُذُونَهَا فِي أُجْرَتِهِمْ
(قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ ارْكَبْهَا، قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ ارْكَبْهَا، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ» قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: لَمْ نَرَ اسْمَ هَذَا الْمُبْهَمِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ؛ فَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِإِطْلَاقِ هَذَا الْأَمْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ مُجَانَبَةُ السَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي. وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَرْكَبْ هَدْيَهُ وَلَمْ يَرْكَبْهُ وَلَا أَمَرَ النَّاسَ بِرُكُوبِ هَدَايَاهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ تَمَسُّكًا بِإِطْلَاقِ هَذَا.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ ﵏: لَا يَرْكَبُهَا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ حَمْلًا لِلْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَمَّا رَأَى ﵊ مِنْ حَاجَةِ الرَّجُلِ إلَى ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ فَاحْتَمَلَ الْحَاجَةَ بِهِ وَاحْتَمَلَ عَدَمَهَا، فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُفِيدُ أَحَدَهُمَا حَمَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ وَجَدَ مِنْ الْمَعْنَى مَا يُفِيدُهُ وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَهَا كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَيَجْعَلَ مَحْمَلَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ.
ثُمَّ رَأَيْنَا اشْتِرَاطَ الْحَاجَةِ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ «أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذْ أُلْجِئْتَ إلَيْهَا» فَالْمَعْنَى يُفِيدُ مَنْعَ الرُّكُوبِ مُطْلَقًا وَالسَّمْعُ وَرَدَ بِإِطْلَاقِهِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ رُخْصَةً فَيَبْقَى فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى الْمَنْعِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْمَعْنَى لَا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ.
وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ: فَإِنْ رَكِبَهَا أَوْ حَمَلَ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ ضَمِنَ مَا نَقَصَهَا ذَلِكَ: يَعْنِي إنْ نَقَصَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَهُ
(قَوْلُهُ وَيُنْضِحُ ضَرْعَهَا) أَيْ يَرُشُّهُ بِالْمَاءِ وَهُوَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ
[ ٣ / ١٦٥ ]
فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ يَحْلُبُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِلَبَنِهَا كَيْ لَا يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ
(وَمَنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَطِبَ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِأَنَّ الْقُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذَا الْمَحَلِّ وَقَدْ فَاتَ (وَإِنْ كَانَ عَنْ وَاجِبٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ (وَإِنْ أَصَابَهُ عَيْبٌ كَبِيرٌ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ) لِأَنَّ الْمَعِيبَ بِمِثْلِهِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ غَيْرِهِ (وَصَنَعَ بِالْمَعِيبِ مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِ
(وَإِذَا عَطِبَتْ الْبَدَنَةُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا نَحَرَهَا وَصَبَغَ نَعْلَهَا بِدَمِهَا وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَةَ سَنَامِهَا وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ) مِنْهَا بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيَّ ﵁، وَالْمُرَادُ بِالنَّعْلِ قِلَادَتُهَا، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلُ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ.
قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذَا الْمَحَلِّ وَقَدْ فَاتَ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ لِمَ لَا يَكُونُ كَأُضْحِيَّةِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهَا تَطَوُّعٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَاهَا لِلتَّضْحِيَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِلْوَعْدِ مَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْغَنِيِّ، حَتَّى إنَّ الْغَنِيَّ إذَا اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَضَلَّتْ فَاشْتَرَى أُخْرَى ثُمَّ وَجَدَ الْأُولَى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِمَا.
أُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا أَوْجَبَ الْفَقِيرُ بِلِسَانِهِ فِي كُلٍّ مِنْ الشَّاتَيْنِ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا لِلْأُضْحِيَّةِ، أَمَّا لَوْ لَمْ يُوجِبْ بِلِسَانِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَاسْتَوْضَحَهُ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَوْ اشْتَرَى الْفَقِيرُ الْأُضْحِيَّةَ فَمَاتَتْ أَوْ بَاعَهَا لَا تَلْزَمُهُ أُخْرَى، وَكَذَا لَوْ ضَلَّتْ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْإِيرَادِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَسْأَلَةَ أُضْحِيَّةِ الْفَقِيرِ مُطْلَقَةً عَنْ الْإِيجَابِ بِلِسَانِهِ فَرَدُّهَا إلَى التَّقْيِيدِ بِهِ لَازِمٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى لِظُهُورِ عَدَمِ الْوُجُوبِ بِلَا إيجَابٍ مِنْ الشَّرْعِ أَوْ الْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْبَدَنَةُ عَنْ وَاجِبٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ شَاةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وَبِشِرَاءِ شَاةٍ لِلْإِسْقَاطِ لَا تَتَعَيَّنُ عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ مَا لَمْ تُذْبَحْ عَنْهُ وَالذِّمَّةُ مَا عَنْهُ يُثْبِتُ فِي الْآدَمِيِّ أَهْلِيَّةَ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَصَابَهُ عَيْبٌ كَبِيرٌ) بِأَنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ الْأُذُنِ مَثَلًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: إذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ وَإِذَا عَطِبَتْ الْبَدَنَةُ) أَيْ قَرُبَتْ مِنْ الْعَطَبِ حَتَّى خِيفَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ أَوْ امْتَنَعَ عَلَيْهَا السَّيْرُ لِأَنَّ النَّحْرَ بَعْدَ حَقِيقَةِ الْهَلَاكِ لَا يَكُونُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَطَبِ الْأَوَّلِ حَقِيقَتُهُ وَبِالثَّانِي الْقُرْبُ مِنْهُ، ذَكَرَهُ لِبَيَانِ مَا شَرَعَ فِيهِ إذَا بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَةَ (قَوْلُهُ وَبِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊) تَقَدَّمَ قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ) أَيْ فَائِدَةُ صَبْغِ نَعْلِهَا
[ ٣ / ١٦٦ ]
وَهَذَا لِأَنَّ الْإِذْنَ بِتَنَاوُلِهِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا، إلَّا أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ جَزَرًا لِلسِّبَاعِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَقَرُّبٍ وَالتَّقَرُّبُ هُوَ الْمَقْصُودُ (فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَقَامَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَالِحًا لِمَا عَيَّنَهُ وَهُوَ مِلْكُهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ
(وَيُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، وَفِي التَّقْلِيدِ إظْهَارُهُ وَتَشْهِيرُهُ فَيَلِيقُ بِهِ (وَلَا يُقَلِّدُ دَمَ الْإِحْصَارِ وَلَا دَمَ الْجِنَايَاتِ) لِأَنَّ سَبَبَهَا الْجِنَايَةُ وَالسَّتْرُ أَلْيَقُ بِهَا، وَدَمُ الْإِحْصَارِ جَابِرٌ فَيَلْحَقُ بِجِنْسِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْهَدْيَ وَمُرَادُهُ الْبَدَنَةُ لِأَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ الشَّاةَ عَادَةً. وَلَا يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا عِنْدَنَا لِعَدَمِ فَائِدَةِ التَّقْلِيدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِدَمِهَا وَضَرْبِ صَفْحَتِهَا بِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ (قَوْلُهُ جَزَرًا لِلسِّبَاعِ) الْجَزَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: اللَّحْمُ الَّذِي تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ … مَا بَيْنَ قُلَّةِ رَأْسِهِ وَالْمِعْصَمِ
وَقَالَ آخَرُ:
إنْ يَفْعَلَا فَلَقَدْ تَرَكْت أَبَاهُمَا … جَزَرَ الْخَامِعَةِ وَنَسْرَ قَشْعَمِ
(قَوْلُهُ وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَدَمُ الْإِحْصَارِ جَابِرٌ فَيَلْحَقُ بِجِنْسِهَا) أَيْ بِجِنْسِ الدِّمَاءِ الْجَابِرَةِ وَهِيَ دِمَاءُ الْجِنَايَاتِ فَلَا يُقَلِّدُهَا هَدْيُ الْإِحْصَارِ كَمَا لَا يُقَلِّدُ هَدْيَ الْجِنَايَاتِ (قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ يُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَهُوَ الْبَدَنَةُ فَيَدْخُلُ الْبَقَرُ دُونَ الشَّاةِ (قَوْلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) يُرِيدُ مَا ذَكَرَهُ قَبْلَ بَابِ الْقِرَانِ مِنْ قَوْلِهِ وَتَقْلِيدُ الشَّاةِ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ عَدَمَ الْفَائِدَةِ الَّتِي هِيَ عَدَمُ الضَّيَاعِ، فَإِنَّ الْغَنَمَ تَضِيعُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا صَاحِبُهَا.
[فُرُوعٌ مِنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ الْأَصْلِ مَشْرُوحَةٌ فِي الْمَبْسُوطِ] كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ مِنْ الْمَنَاسِكِ جَازَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ سِتَّةَ نَفَرٍ قَدْ وَجَبَ الدِّمَاءُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا مِنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَإِحْصَارٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ، فَإِنْ اشْتَرَى بَدَنَةً لِمُتْعَةٍ مَثَلًا ثُمَّ اشْتَرَكَ فِيهَا سِتَّةٌ بَعْدَمَا أَوْجَبَهَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَهَا صَارَ الْكُلُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَدْرَ مَا يَجْزِي فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ بِإِيجَابِهِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِمَّا أَوْجَبَهُ هَدْيًا، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ نَوَى أَنْ يَشْتَرِكَ مَعَهُ فِيهَا سِتَّةُ نَفَرٍ أَجْزَأَتْهُ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْكُلَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّرَاءِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ عِنْدَ الشِّرَاءِ وَلَكِنْ لَمْ يُوجِبْهَا حَتَّى أَشْرَكَ السِّتَّةَ جَازَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمْ بِأَمْرِ الْبَاقِينَ حَتَّى تَثْبُتَ الشَّرِكَةُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْبَدَنَةُ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا لِهَدْيِهِ ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصَةً وَالْوَلَدُ جُزْءٌ مِنْهَا ثُمَّ انْفَصَلَ بَعْدَمَا سَرَى إلَيْهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهُ مَعَهَا.
وَلَوْ بَاعَ الْوَلَدَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهَا هَدْيًا فَحَسَنٌ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا فَحَسَنٌ اعْتِبَارًا لِلْقِيمَةِ بِالْوَلَدِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُذْبَحَ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَذَلِكَ أَجْزَأَ فَكَذَلِكَ بِالْقِيمَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فَرَضِيَ وَارِثُهُ أَنْ يَنْحَرَهَا مَعَهُمْ عَنْ الْمَيِّتِ أَجْزَأَهُمْ اسْتِحْسَانًا
[ ٣ / ١٦٧ ]