قَالَ ﵀: (صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ مَالِكًا لِمِقْدَارِ النِّصَابِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَثِيَابِهِ
إلَى كُلِّ فَقِيرٍ صَرْفٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْتَحِقُّ فَيَجُوزُ، وَصَارَ نَظِيرُ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً بِمَكَّةَ فَصَامَ وَصَلَّى فِي غَيْرِهَا حَيْثُ يَجُوزُ عِنْدَنَا.
(بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ)
الْكَلَامُ فِي كَيْفِيَّتِهَا وَكَمِّيَّتِهَا وَشَرْطِهَا وَسَبَبِهَا وَسَبَبِ شَرْعِيَّتِهَا وَرُكْنِهَا وَوَقْتِ وُجُوبِهَا وَوَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ نَفْسُ الْأَدَاءِ إلَى الْمَصْرِفِ، وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مَجْرُوحٌ وَالْبَاقِي يَأْتِي فِي الْكِتَابِ بَحْثًا بَحْثًا.
فَالْأَوَّلُ وَهُوَ كَيْفِيَّةُ الْوُجُوبِ لِحَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعَدَوِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَمُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فِي الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ وَالْمَتْنِ، فَالْأَوَّلُ: أَهُوَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي صُعَيْرٍ أَوْ هُوَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالثَّانِي: أَهُوَ الْعَدَوِيُّ أَوْ الْعُذْرِيُّ فَقِيلَ الْعَدَوِيُّ نِسْبَةً إلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ عَدِيٍّ وَقِيلَ: الْعُذُرِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ فِي تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ: الْعُذُرِيُّ بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ أَبُو مُحَمَّدٍ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَالْعَدَوِيُّ تَصْحِيفُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ.
وَالثَّالِثُ: أَهُوَ أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ، أَوْ هُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ. قَالَ فِي الْإِمَامِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحَرَّفَ لَفْظُ رَأْسٍ إلَى اثْنَيْنِ اهـ. لَكِنْ تُبْعِدُهُ رِوَايَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهِيَ مِنْ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا رَيْبَ فِيهَا طَرِيقُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ
[ ٢ / ٢٨١ ]
وَأَثَاثِهِ وَفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ وَعَبِيدِهِ) أَمَّا وُجُوبُهَا فَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي خُطْبَتِهِ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» رَوَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ صُعَيْرٍ الْعَدَوِيُّ أَوْ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَبِمِثْلِهِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ الْقَطْعِ
وَشَرْطُ الْحُرِّيَّةِ لِيَتَحَقَّقَ التَّمْلِيكُ وَالْإِسْلَامُ لِيَقَعَ قُرْبَةً، وَالْيَسَارُ لِقَوْلِهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَقَالَ: أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ.
وَفِي غَيْرِ هَذِهِ مِنْ أَيْنَ يُجَاءُ بِالرَّاءِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى نَفْسِ الْوُجُوبِ لَا عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَسَيَأْتِي اسْتِدْلَالُهُ فِي قَدْرِهِ بِحَدِيثٍ آخَرَ، وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى الِافْتِرَاضِ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» فَإِنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُتَعَيِّنٌ مَا لَمْ يَقُمْ صَارِفٌ عَنْهُ، وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْفَرْضِ غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّقْدِيرِ خُصُوصًا وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ وَمَعْنَى لَفْظِ " فَرَضَ " هُوَ مَعْنَى " أَمَرَ " أَمْرَ إيجَابٍ، وَالْأَمْرُ الثَّابِتُ بِظَنِّي إنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ الِافْتِرَاضَ الَّذِي يُثْبِتُونَهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ الَّذِي نَقُولُ بِهِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْفَرْضَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ أَعَمُّ مِنْ الْوَاجِبِ فِي عُرْفِنَا فَأَطْلَقُوهُ عَلَى أَحَدِ جُزْأَيْهِ وَمِنْهُ مَا فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ صَارِخًا بِبَطْنِ مَكَّةَ يُنَادِي: أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ» الْحَدِيثَ.
فَإِنْ قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْفَرْضِ مَا هُوَ عُرْفُنَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى الْوُجُوبِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ إذَا نُقِلَ الْإِجْمَاعُ تَوَاتُرًا لِيَكُونَ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَوْ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ كَالْخَمْسِ عِنْدَ كَثِيرٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَ إنَّمَا يَظُنُّ الْإِجْمَاعَ ظَنًّا فَلَا، وَلِذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ مُنْكِرَ وُجُوبِهَا لَا يُكَفَّرُ فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ الْوُجُوبَ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَشَرَطَ الْحُرِّيَّةَ لِيَتَحَقَّقَ التَّمْلِيكُ) إذْ لَا يَمْلِكُ إلَّا الْمَالِكُ وَلَا مِلْكَ لِغَيْرِ الْحُرِّ فَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الرُّكْنُ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّهَا عَلَى الْعَبْدِ وَيَتَحَمَّلُهُ السَّيِّدُ، لَيْسَ بِذَاكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ التَّكْلِيفِ أَنْ يَصْرِفَ الْمُكَلَّفُ نَفْسَ مَنْفَعَتِهِ لِمَالِكِهِ وَهُوَ الرَّبُّ تَعَالَى ابْتِلَاءً لَهُ لِتَظْهَرَ طَاعَتُهُ مِنْ عِصْيَانِهِ، وَلِذَا لَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، فَإِذَا فُرِضَ كَوْنُ الْمُكَلَّفِ لَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا صَرْفُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِعْلُ الْإِعْطَاءِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ شَخْصًا آخَرَ لَزِمَ انْتِفَاءُ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ، وَثُبُوتُ الْفَائِدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْآخَرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِيجَابِ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الَّذِي لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَابِ وَالْإِعْدَامِ تَعَالَى يُمْكِنُ أَنْ يُكَلِّفَ ابْتِدَاءً السَّيِّدَ بِسَبَبِ عَبْدِهِ الَّذِي مَلَّكَهُ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَوَجَبَ لِهَذَا
[ ٢ / ٢٨٢ ]
﵊ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: تَجِبُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَقَدْرُ الْيَسَارِ بِالنِّصَابِ لِتَقْدِيرِ الْغِنَى فِي الشَّرْعِ بِهِ فَاضِلًا عَمَّا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ
الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ لُزُومُ انْتِفَاءِ مَقْصُودِ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ لَفْظِ " عَلَى " فِي نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ عَلَى مَعْنَى كَقَوْلِهِ:
إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ … لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
وَهُوَ كَثِيرٌ، وَيَطَّرِدُ بَعْدَ أَلْفَاظٍ وَهِيَ خَفِيَ عَلَيَّ، وَبَعُدَ عَلَيَّ، وَاسْتَحَالَ عَلَيَّ، وَغَضِبَ عَلَيَّ، كُلُّهَا بِمَعْنَى عَنِّي هَذَا لَوْ لَمْ يَجِئْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ " عَنْ " كَيْ لَا يُنَافِيه الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ، فَكَيْفَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ صَرَّحَ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ، عَلَى أَنَّ الْمُتَأَمِّلَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: كُلِّفَ بِكَذَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ يَجُرُّ إلَى التَّنَاقُضِ فَضْلًا عَنْ انْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى») رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مُقْتَصِرًا عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَقَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَتَعْلِيقَاتُهُ الْمَجْزُومَةُ لَهَا حُكْمُ الصِّحَّةِ. وَرَوَاهُ مَرَّةً مُسْنَدًا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَفْظَةُ الظَّهْرِ مَقْحَمَةٌ كَظَهْرِ الْقَلْبِ، وَظَهْرِ الْغَيْبِ فِي الْمُغْرِبِ (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قَوْلِهِ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ).
وَمَا رَوَى أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ نُعْمَانَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَدُّوا صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ شَكَّ حَمَّادٌ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، وَأَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِي» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بِالنُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ وَجَهَالَةِ ابْنِ أَبِي صُعَيْرٍ، وَلَوْ صَحَّ لَا يُقَاوَمُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي الصِّحَّةِ مَعَ أَنَّ مَا لَا يَنْضَبِطُ كَثْرَةً مِنْ الرِّوَايَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِيهَا الْفَقِيرُ فَكَانَتْ تِلْكَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ فَلَا تُقْبَلُ خُصُوصًا مَعَ نُبُوٍّ عَنْ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْمَعْدُومِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النُّمُوُّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا النِّصَابِ حِرْمَانُ الصَّدَقَةِ وَوُجُوبُ الْأُضْحِيَّةِ وَالْفِطْرَةِ.
قَالَ (يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى» الْحَدِيثَ (وَ) يُخْرِجُ عَنْ (أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ) لِأَنَّ السَّبَبَ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ يُقَالُ زَكَاةُ الرَّأْسِ، وَهِيَ أَمَارَةُ السَّبَبِيَّةِ،
قَوَاعِدِ الصَّدَقَاتِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهَا (قَوْلُهُ وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا النِّصَابِ إلَخْ) وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا وُجُوبُ نَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذَا النِّصَابِ، وَحَدِيثُ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ.
(قَوْلُهُ وَالسَّبَبُ رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ) الْمُفِيدُ لِسَبَبِيَّةِ الرَّأْسِ الْمَذْكُورِ لَفْظُ " عَنْ " فِي قَوْلِهِ «عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى» وَكَذَا لَفْظُ " عَلَى " بَعْدَ مَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَعْنَى عَنْ اسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِسَبَبِ هَؤُلَاءِ، وَالْقَطْعُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي مُؤْنَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِسَبَبِ عَبْدِ غَيْرِهِ وَوَلَدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي آخِرِهِ «مِمَّنْ تَمُونُونَ» وَلَوْ مَانَ صَغِيرًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ إجْمَاعًا فَلَزِمَ أَنَّهُمْ السَّبَبُ إذَا كَانُوا بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَالْمُصَنِّفُ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِمْ زَكَاةُ الرَّأْسِ وَتَمَامُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ هَذَا التَّرْكِيبِ مَسْمُوعًا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِوَضْعِهِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، وَبِمَا ذُكِرَ فِي ضِمْنِ تَأْوِيلِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِمْ: زَكَاةُ الرَّأْسِ أَوْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ بِأَنَّهَا إلَى الشَّرْطِ لِمَا أَوْجَبَهُ مِنْ تَعَدُّدِ الْوَاجِبِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْيَوْمِ وَتَعَدُّدِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارُ الشَّارِعِ السَّبَبِيَّةَ لِلرَّأْسِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِتَعَدُّدِ الْوَاجِبِ مَعَ اتِّحَادِ الرَّأْسِ وَتَعَدُّدِ الْوَقْتِ بِاعْتِبَارِ تَكَرُّرِ السِّنِينَ، فَلَوْ كَانَ السَّبَبُ الرَّأْسَ لَمْ يَتَكَرَّرْ عِنْدَ تَكَرُّرِهَا، كَالْحَجِّ لَمَّا اتَّحَدَ سَبَبُهُ وَهُوَ الْبَيْتُ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِهِ وَإِسْنَادِهِ بِتَكَرُّرِ الْوَاجِبِ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ وَتَكَرُّرِ الْوَقْتِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنَّ السَّبَبَ فِيهَا الْمَالُ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَالَ لَمْ يُعْتَبَرْ سَبَبًا إلَّا بِاعْتِبَارِ النَّمَاءِ وَلَوْ تَقْدِيرًا، وَالنَّمَاءُ مُتَكَرِّرٌ نَظَرًا إلَى
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وَالْإِضَافَةُ إلَى الْفِطْرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَقْتُهُ، وَلِهَذَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الرَّأْسِ مَعَ اتِّحَادِ الْيَوْمِ، وَالْأَصْلُ فِي الْوُجُوبِ رَأْسُهُ وَهُوَ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ فَيَلْحَقُ بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لِأَنَّهُ يُمَوِّنُهُمْ وَيَلِي عَلَيْهِمْ (وَمَمَالِيكِهِ) لِقِيَامِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ، وَهَذَا إذَا كَانُوا لِلْخِدْمَةِ وَلَا مَالَ لِلصِّغَارِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْمُؤْنَةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ.
(وَلَا يُؤَدِّي عَنْ زَوْجَتِهِ)
دَلِيلِهِ وَهُوَ الْحَوْلُ، فَكَانَ السَّبَبُ وَهُوَ الْمَالُ النَّامِي مُتَكَرِّرًا لِأَنَّهُ بِنَمَاءِ هَذَا الْحَوْلِ غَيَّرَهُ بِالنَّمَاءِ الْآخَرِ فِي الْحَوْلِ الْآخَرِ، بَلْ الْحَقُّ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْمُدَّعِي أَنَّ تَضَاعُفَ الْوَاجِبِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عِنْدَ تَعَدُّدِ شَيْءٍ دَلِيلُ سَبَبِيَّةِ الْمُتَعَدِّدِ، وَأَيْنَ هُوَ مِنْ التَّكَرُّرِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَكَرِّرَةٍ فَالثَّابِتُ هُنَاكَ وَاجِبٌ وَاحِدٌ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ مَعَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَأَنَّى يَكُونُ هَذَا نَقْضًا مُحْوِجًا لِلْجَوَابِ؟ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إثْبَاتُ سَبَبِيَّةِ شَيْءٍ لِهَذَا مِثْلُ الِاسْتِدْلَالِ بِالدَّوَرَانِ عَلَى عِلِّيَّةِ شَيْءٍ بِلَا فَرْقٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَنَا فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ.
فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِ السَّبَبِيَّةِ حِينَئِذٍ مَا سَلَكْنَاهُ مِنْ إفَادَةِ السَّمْعِ، ثُمَّ إعْطَاءِ الضَّابِطِ بِأَنَّهُ رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ، يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ السَّبَبِ فِي الْجَدِّ إذَا كَانَتْ نَوَافِلُهُ صِغَارًا فِي عِيَالِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ عَنْهُمْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَدَفَعَهُ بِادِّعَاءِ انْتِفَاءِ جُزْءِ السَّبَبِ بِسَبَبِ أَنَّ وِلَايَةَ الْجَدِّ مُنْتَقِلَةٌ مِنْ الْأَبِ إلَيْهِ، فَكَانَتْ كَوِلَايَةِ الْوَصِيِّ غَيْرِ قَوِيٍّ إذْ الْوَصِيُّ لَا يَمُونُهُ إلَّا مِنْ مَالِهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، بِخِلَافِ الْجَدِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ مَالٌ فَكَانَ كَالْأَبِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ انْتِقَالِ الْوِلَايَةِ وَلَا أَثَرَ لَهُ كَمُشْتَرِي الْعَبْدِ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْحَسَنِ، أَنَّ عَلَى الْجَدِّ صَدَقَةَ فِطْرِهِمْ.
وَهَذِهِ مَسَائِلُ يُخَالِفُ فِيهَا الْجَدُّ الْأَبَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَا يُخَالِفُهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ هَذِهِ وَالتَّبَعِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ وَجَرُّ الْوَلَاءِ وَالْوَصِيَّةِ لِقَرَابَةِ فُلَانٍ (قَوْلُهُ فَيَلْحَقُ بِهِ) هَذَا بَيَانُ حُكْمِهِ الْمَنْصُوصِ يَعْنِي إنَّمَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِالْإِخْرَاجِ عَنْ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَاهُ بِمَا قُلْنَا لَا أَنَّهُ إلْحَاقٌ لِإِفَادَةِ حُكْمِهِمْ، إذْ حُكْمُهُمْ ذَلِكَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ يُؤَدِّي مِنْ مَالِهِمْ) الْأَبُ كَالْوَصِيِّ، وَكَذَا يُؤَدِّي عَنْ مَمَالِيكِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُؤَدِّي عَنْ مَمَالِيكِهِ أَصْلًا، وَالْمَجْنُونُ كَالصَّغِيرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْمُؤْنَةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ) هَذَا دَلِيلُ قَوْلِهِمَا وَنَفَقَةُ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ لَهُ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَلَا فِي غَيْرِ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلَا يُمَوِّنُهَا فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ كَالْمُدَاوَاةِ. (وَلَا عَنْ أَوْلَادِ الْكِبَارِ وَإِنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ) لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ وَلَوْ أَدَّى عَنْهُمْ أَوْ عَنْ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا لِثُبُوتِ الْإِذْنِ عَادَةً.
(وَلَا) يُخْرِجُ (عَنْ مُكَاتَبِهِ) لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ وَلَا الْمُكَاتَبِ عَنْ نَفْسِهِ لِفَقْرِهِ. وَفِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وِلَايَةُ الْمَوْلَى ثَابِتَةٌ فَيُخْرِجُ عَنْهُمَا.
(وَلَا) يُخْرِجُ (عَنْ مَمَالِيكِهِ لِلتِّجَارَةِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّ عِنْدَهُ وُجُوبَهَا عَلَى الْعَبْدِ وَوُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا تَنَافِي، وَعِنْدَنَا وُجُوبُهَا عَلَى الْمَوْلَى بِسَبَبِهِ كَالزَّكَاةِ
مَالٌ فِي مَالِهِ فَكَذَا هَذَا، وَالْأَوْلَى كَوْنُ الْمُرَادِ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ لِأَنَّ وَجْهَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا عِبَادَةٌ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَالزَّكَاةِ، وَقَدْ وَجَبَ إخْرَاجُ الْأَبِ عَنْهُ فَيَكُونُ فِي مَالِهِ، فَيَقُولَانِ فِي جَوَابِهِ، هِيَ عِبَادَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» إذْ قَدْ قَبِلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، أَوْ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «مِمَّنْ تَمُونُونَ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَأَلْحَقَهَا بِالْمُؤْنَةِ فَكَانَتْ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ تَجِبُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ غَنِيًّا لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَةً.
(قَوْلُهُ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ. وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ فِيمَا فِيهِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ. بِخِلَافِ مَا هُوَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ كَالزَّكَاةِ لَا تَسْقُطُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنِهَا صَرِيحًا إذْ لَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الطَّاعَةِ وَالِابْتِلَاءِ إلَّا بِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ لَا يَنْفِي مَا فِيهِ الْعِبَادَةُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَنْ الِابْتِلَاءِ وَاخْتِيَارِ الطَّاعَةِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مَنَعْنَاهُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْغَالِبَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ. نَعَمْ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُوَجَّهَ هَكَذَا بِأَنَّ الثَّابِتَ عَادَةً لَمَّا كَانَ كَالثَّابِتِ نَصًّا كَانَ أَدَاؤُهُ مُتَضَمِّنًا اخْتِيَارَهَا وَنِيَّتَهَا، وَبِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا لَا عَادَةَ فِيهَا، وَلَوْ قُدِّرَ فِيهَا عَادَةٌ قُلْنَا بِالْإِجْزَاءِ فِيهَا أَيْضًا لَكِنَّهَا مُنْتَفِيَةٌ فِيهَا
[ ٢ / ٢٨٦ ]
فَيُؤَدِّي إلَى الثَّنْيِ
(وَالْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَا فِطْرَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَكَذَا الْعَبِيدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَقَالَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الرُّءُوسِ دُونَ الْأَشْقَاصِ
ثُمَّ الْوَجْهُ وَإِلَّا فَلَا
(قَوْلُهُ فَيُؤَدِّي إلَى الثَّنْيِ) هُوَ مَكْسُورُ الْمُثَلَّثَةِ مَقْصُورًا، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّنْيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَثْنِيَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ لِاخْتِلَافِ الْوَاجِبِينَ كَمًّا وَسَبَبًا فَإِنَّهُ فِي الْفِطْرِ الرَّأْسُ، وَفِي الزَّكَاةِ مَالِيَّتُهَا لَا هِيَ نَفْسُهَا وَمَحَلًّا، فَفِي الْفِطْرِ الذِّمَّةُ حَتَّى لَا تَسْقُطَ بِعُرُوضِ الْفَقْرِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَفِي الزَّكَاةِ الْمَالُ حَتَّى تَسْقُطَ بِهِ بِأَنْ هَلَكَ الْمَالُ فَلَا ثَنْيَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَزِمَ قَبُولُهُ بَعْدَ لُزُومِهِ شَرْعًا بِثُبُوتِهِ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلزَّكَاةِ مُطْلَقًا، وَالدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرَةِ مُطْلَقًا وَعَدَمِ ثُبُوتِ نَافِيهِ.
وَقِيلَ فِي الْوَجْهِ غَيْرُ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّ الِانْتِفَاءَ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَأْسًا أُعِدَّ لِلْمُؤْنَةِ بَلْ مِنْ ضَرُورَةِ بَقَائِهِ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِنْ الرِّبْحِ فِي التِّجَارَةِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ سِوَى عَلَى أَنَّ السَّبَبَ رَأْسٌ يَمُونُهُ. . . إلَخْ لَا يُفِيدُ كَوْنَهُ أُعِدَّ لَأَنْ يُمَانَ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الرَّأْسَ الْوَاحِدَ جُعِلَتْ سَبَبًا فِي الزَّكَاةِ بِاعْتِبَارِ مَالِيَّتِهَا وَفِي صَدَقَةٍ أُخْرَى بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ عَلَيْهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ) يَعْنِي أَنَّ السَّبَبَ هُوَ رَأْسٌ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، لِأَنَّ الْمُفَادَ بِالنَّصِّ مِنْ قَوْلِهِ «مِمَّنْ تَمُونُونَ» مِمَّنْ عَلَيْكُمْ مُؤْنَتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُؤْنَتُهُ، بَلْ بَعْضُهَا وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَيْسَ إيَّاهُ، وَلَا سَبَبَ إلَّا هَذَا فَعِنْدَ انْتِفَائِهِ يَبْقَى عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ لَا أَنَّ الْعَدَمَ يُؤَثِّرُ شَيْئًا.
(قَوْلُهُ وَقَالَا) هَذَا بِنَاءً عَلَى كَوْنِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ بَلْ الْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ قِسْمَةِ الرَّقِيقِ جَبْرًا وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِوَاحِدٍ مَا يُسَمَّى رَأْسًا، وَمُحَمَّدٌ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي الْقِسْمَةِ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْقِسْمَةِ بِنَاءً عَلَى الْمَالِكِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ بِاعْتِبَارِ الْمُؤْنَةِ عَنْ وِلَايَةٍ لَا بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ، وَلِذَا تَجِبُ عَنْ الْوَالِدِ وَلَا مِلْكَ وَلَا تَجِبُ عَنْ الْآبِقِ مَعَ الْمِلْكِ فِيهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَجَوَازُ الْقِسْمَةِ لَيْسَ عِلَّةً تَامَّةً لِثُبُوتِهَا، وَكَلَامُنَا فِيمَا قَبْلَهَا وَقَبْلَهَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي مِلْكِ أَحَدٍ رَأْسٌ كَامِلٌ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْعَبْدِ وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحَالُ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْعَبْدِ الْوَاحِدِ فَكَانَ
[ ٢ / ٢٨٧ ]
بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ وَهُمَا يَرَيَانِهِمَا، وَقِيلَ: هُوَ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ النَّصِيبُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَمْ تَتِمَّ الرَّقَبَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَيُؤَدِّي الْمُسْلِمُ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ» الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَحَقَّقَ وَالْمَوْلَى مِنْ أَهْلِهِ،
يَجِبُ عَلَى سَيِّدَيْ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ هَذَا قِيلَ: هُوَ أَعْنِي عَدَمَ الْوُجُوبِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبِيدِ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ كَانَ لَهُمَا جَارِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَيَاهُ أَوْ ادَّعَيَا لَقِيطًا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا عَنْ الْأُمِّ لِمَا قُلْنَا وَتَجِبُ عَنْ الْوَلَدِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِطْرَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ ثَابِتَةٌ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمُلَا إذْ ثُبُوتُ النَّسَبِ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا كَانَ وَلَدًا لِلْبَاقِي مِنْهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِمَا صَدَقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُمَا وَالْمُؤْنَةَ عَلَيْهِمَا فَكَذَا الصَّدَقَةُ لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلتَّجَزُّؤِ وَالْمُؤْنَةِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا أَوْ مَيِّتًا فَعَلَى الْآخَرِ صَدَقَةٌ تَامَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ آبِقٌ أَوْ مَأْسُورٌ أَوْ مَغْصُوبٌ مَجْحُودٌ وَلَا بَيِّنَةَ فَحَلَفَ لِلْغَاصِبِ فَعَادَ الْآبِقُ، وَرُدَّ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ كَانَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ مَا مَضَى، وَيُؤَدِّي عَنْ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ: يَعْنِي وَلَهُ نِصَابٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ حَتَّى يَفْتَكَّهُ فَإِذَا افْتَكَّهُ أَعْطَى لِمَا مَضَى، وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ عَبْدِهِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمَأْذُونِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَقًا بِالدَّيْنِ، وَلَا تَجِبُ عَنْ عَبْدِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ دَيْنٌ لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى عَبْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ لِلتِّجَارَةِ، فَلَوْ اشْتَرَاهُ الْمَأْذُونُ لِلْخِدْمَةِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَعَلَى الْمَوْلَى فِطْرَتُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى لِلْإِكْسَابِ وَعَدَمِهِ وَفِي الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ، وَكَذَا الْعَبْدُ الْمُسْتَعَارُ الْوَدِيعَةُ وَالْجَانِي عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ، وَالْعَبْدُ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِإِنْسَانٍ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ مِنْ سَهْوِ الْقَلَمِ، وَلَوْ بِيعَ الْعَبْدُ بَيْعًا فَاسِدًا فَمَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ قَبْلَ قَبْضِهِ ثُمَّ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَأَعْتَقَهُ فَالْفِطْرَةُ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَا لَوْ مَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ وَهُوَ مَقْبُوضُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْبَائِعُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَهُ فَالصَّدَقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ.
(قَوْلُهُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا) اسْتَدَلَّ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ فَلَا وُجُوبَ بِالِاتِّفَاقِ.
(وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَدُهُمَا بِالْخِيَارِ فَفِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ) مَعْنَاهُ إذَا مَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْخِيَارُ بَاقٍ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ لِأَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِهِ كَالنَّفَقَةِ، وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ
بِأَمْرَيْنِ ثَانِيهِمَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ فَيَبْقَى الْأَوَّلُ سَالِمًا، أَمَّا الْحَدِيثُ، فَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﵊ «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ» وَهُوَ ضَعِيفٌ بَلْ عُدَّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ قِبَلِ سَلَّامٍ الطَّوِيلِ فَإِنَّهُ مَتْرُوكٌ مَرْمِيٌّ بِالْوَضْعِ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَلَفْظُهُ مَجُوسِيٌّ لَمْ تُعْلَمْ مَرْوِيَّةٌ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْعَبْدِ فِي الصَّحِيحِ يُوجِبُهَا فِي الْكَافِرِ وَالتَّقْيِيدُ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُعَارِضُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَدَمِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْأَسْبَابِ لِأَنَّهُ تَزَاحُمٌ فِيهَا فَيُمْكِنُ بِهِمَا فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ سَبَبًا بِخِلَافِ وُرُودِهِمَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ إفْرَادَ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ لَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ تَعْلِيقَ حُكْمٍ بِمُطْلَقٍ ثُمَّ تَعْلِيقَهُ بِعَيْنِهِ بِمُقَيَّدٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْمُطْلَقَ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، نَعَمْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِهِمَا صُيِّرَ إلَيْهِ ضَرُورَةً.
(قَوْلُهُ: وَأَحَدُهُمَا بِالْخِيَارِ) أَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَمَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْخِيَارُ بَاقٍ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ الْعَبْدُ لَهُ فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ فُسِخَ فَعَلَى الْبَائِعِ، وَقَالَ زُفَرُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ كَيْفَمَا كَانَ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ،
[ ٢ / ٢٨٩ ]
لِأَنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَوْ أُجِيزَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ فَيَتَوَقَّفُ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ لِأَنَّهَا لِلْحَاجَةِ النَّاجِزَةِ فَلَا تَقْبَلُ التَّوَقُّفَ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.