(إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً»؛ وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ.
قَالَ
(بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ)
(قَوْلُهُ إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ) الْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ الْعَجْزِ الْحَقِيقِيِّ حَتَّى لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، لَكِنْ يَخَافُ بِسَبَبِهِ إبْطَاءَ بُرْءٍ أَوْ كَانَ يَجِدُ أَلَمًا شَدِيدًا إذَا قَامَ جَازَ لَهُ تَرْكُهُ، فَإِنْ لَحِقَهُ نَوْعُ مَشَقَّةٍ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الْقِيَامِ بِسَبَبِهَا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ مُتَّكِئًا عَلَى عَصًا أَوْ خَادِمٍ. قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ مُتَّكِئًا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ لَا كُلِّهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ، حَتَّى لَوْ كَانَ إنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى قَدْرِ التَّحْرِيمَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَتَحَرَّمَ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدَ. وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا قَالَ «كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ
[ ٢ / ٣ ]
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) يَعْنِي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنْ قَدَرْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِئْ بِرَأْسِكَ» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ، فَإِنَّ وَضْعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِانْعِدَامِهِ
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» قَالَ (وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ فَأَوْمَأَ جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ
فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»، زَادَ النَّسَائِيّ «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾».
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِيمَاءَ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ إنْ قَدَرْتَ الْحَدِيثَ) رَوَى الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا، فَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إنْ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِئْ إيمَاءً وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكِ» قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ إلَّا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَعَطَاءٌ عَنْ الثَّوْرِيِّ. انْتَهَى. أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ ثِقَةٌ. وَرُوِيَ نَحْوَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمَرْجِعُ ضَمِيرِ لِانْعِدَامِهِ لِلْإِيمَاءِ
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ) يَعْنِي مُسْتَوِيًا وَلَا مُسْتَنِدًا فَإِنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مُسْتَنِدًا لَزِمَهُ الْقُعُودُ كَذَلِكَ عَلَى وِزَانِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقِيَامِ (قَوْلُهُ اسْتَلْقَى) أَيْ مُرْتَمِيًا عَلَى وِسَادَةٍ تَحْتَ كَتِفَيْهِ مَادًّا رِجْلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الِاسْتِلْقَاءِ تَمْنَعُ الصَّحِيحَ مِنْ الْإِيمَاءِ فَكَيْفَ الْمَرِيضُ. (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﷺ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا» إلَخْ) غَرِيبٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ ثُبُوتِهِ لَا يَنْتَهِضُ حَدِيثُ عِمْرَانَ حُجَّةً عَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّهُ خِطَابٌ لَهُ، وَكَانَ مَرَضُهُ الْبَوَاسِيرَ وَهُوَ يَمْنَعُ الِاسْتِلْقَاءَ فَلَا يَكُونُ خِطَابُهُ خِطَابًا لِلْأُمَّةِ، فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ تَقَعُ إشَارَتُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَبِهِ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِخِلَافِ الْآخَرِ، أَلَا تَرَى
[ ٢ / ٤ ]
إلَّا أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَوْلَى عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إشَارَةَ الْمُسْتَلْقِي تَقَعُ إلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ الْمُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ، وَبِهِ تَتَأَدَّى الصَّلَاةُ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ عَنْهُ، وَلَا يُومِئُ بِعَيْنِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلِأَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ مُمْتَنِعٌ، وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلَاةِ دُونَ الْعَيْنِ وَأُخْتَيْهَا. وَقَوْلُهُ أُخِّرَتْ عَنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانَ مُفِيقًا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
أَنَّهُ لَوْ حَقَّقَهُ مُسْتَلْقِيًا كَانَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا إلَى قِبْلَةٍ، وَلَوْ أَتَمَّهُ عَلَى جَنْبٍ كَانَ إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا، وَمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ ﷺ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» ضَعِيفٌ بِالْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، إلَّا أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ زِيَادَةِ النَّسَائِيّ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا» إنْ صَحَّتْ يُشْكِلُ عَلَى الْمُدَّعِي وَتُفِيدُ إنْ كَانَ الِاسْتِلْقَاءُ لِعِمْرَانَ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِزُفَرَ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ قَالَ: لَا أَشُكُّ أَنَّ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ يُجْزِئُهُ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّهُ بِقَلْبِهِ لَا يُجْزِئُهُ وَأَشُكُّ فِيهِ بِالْعَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يَثْبُتَ لُغَةً أَنَّ مُسَمَّى الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ لَيْسَ غَيْرُ. وَأَمَّا بِالْعَيْنِ وَالْحَاجِبِ فَإِشَارَةٌ وَنَحْوُهُ لَا إيمَاءٌ فَيَكُونُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَرَادَتْ كَلَامًا فَاتَّقَتْ مِنْ رَقِيبِهَا … فَلَمْ يَكُ إلَّا وَمْؤُهَا بِالْحَوَاجِبِ
مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ الْمَفْهُومُ كَذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لِمَا رَوَيْنَا مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِذَلِكَ الْمَرِيضِ «وَإِلَّا فَأَوْمِئْ بِرَأْسِكَ» وَعَلَى اللَّفْظِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْمُخَرَّجِ أَيْضًا الرَّأْسُ مُرَادٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ «وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ» وَلَا يَتَحَقَّقُ زِيَادَةُ الْخَفْضِ بِالْعَيْنِ بَلْ إذَا كَانَ الْإِيمَاءُ بِالرَّأْسِ. (قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا صَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا كَثُرَ، وَإِنْ كَانَ يُفْهَمُ مِنْ مَضْمُونِ الْخِطَابِ فَجَعَلَهُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَفِي الْمُحِيطِ مِثْلُهُ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ، وَاسْتَشْهَدَ قَاضِي خَانْ بِمَا عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ مِنْ الْمَرْفِقَيْنِ وَرِجْلَاهُ مِنْ السَّاقَيْنِ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٥ ]
قَالَ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إيمَاءً)؛ لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى السَّجْدَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ.
(وَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ يُتِمُّهَا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ)؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ.
(وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضٍ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: اسْتَقْبَلَ) بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءٍ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ
وَدُفِعَ بِأَنَّ ذَاكَ فِي الْعَجْزِ الْمُتَيَقَّنِ امْتِدَادُهُ إلَى الْمَوْتِ. وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا صَحَّ الْمَرِيضُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا فِيمَا إذَا مَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا الْإِيصَاءُ بِهِ، كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إذَا أَفْطَرَا فِي رَمَضَانَ وَمَاتَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَالصِّحَّةِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ تَعْلِيلَ الْأَصْحَابِ فِي الْأُصُولِ وَسَيَأْتِي لِلْمَجْنُونِ يُفِيقُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، وَلَوْ سَاعَةً يَلْزَمُهُ قَضَاءُ كُلِّ الشَّهْرِ، وَكَذَا الَّذِي جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَقْضِي وَفِيمَا دُونَهَا يَقْضِي، انْقَدَحَ فِي ذِهْنِهِ إيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْمَرِيضِ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِيصَاءُ بِهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ، وَسُقُوطُهُ إنْ زَادَ. ثُمَّ رَأَيْت عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إنْ كَانَتْ الْفَوَائِتُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ وَجَبَ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَدَرَ) أَيْ الْمَرِيضُ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَنْ كَانَ مَرَضُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ) الْمَنْفِيُّ اللُّزُومُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ أَوْمَأَ قَائِمًا جَازَ، إلَّا أَنَّ الْإِيمَاءَ قَاعِدًا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى السُّجُودِ. وَقَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ: يُومِئُ لِلرُّكُوعِ قَائِمًا وَلِلسُّجُودِ قَاعِدًا، ثُمَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ رُكْنِيَّةُ الْقِيَامِ لَيْسَ إلَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَى السُّجُودِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا بِقَوْلِهِ: لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ التَّعْظِيمِ: أَيْ السَّجْدَةُ عَلَى وَجْهِ الِانْحِطَاطِ مِنْ الْقِيَامِ فِيهَا نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَكَانَ طَلَبُ الْقِيَامِ لِتَحْقِيقِهِ، فَإِذَا سَقَطَ سَقَطَ مَا وَجَبَ لَهُ. وَقَدْ يَمْنَعُ أَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِهَذَا عَلَى وَجْهِ الْحَصْرِ بَلْ لَهُ وَلِمَا فِيهِ نَفْسِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ كَمَا يُشَاهَدُ فِي الشَّاهِدِ مِنْ اعْتِبَارِهِ كَذَلِكَ حَتَّى يُحِبَّهُ أَهْلُ التَّجَبُّرِ لِذَلِكَ، فَإِذَا فَاتَ أَحَدُ التَّعْظِيمَيْنِ صَارَ مَطْلُوبًا بِمَا فِيهِ نَفْسِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الدَّعْوَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا الْقِيَامِ وَجَبَ الْقُعُودُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السُّجُودِ عَقِيبَهُ تِلْكَ النِّهَايَةُ لِعَدَمِ مَسْبُوقِيَّتِهِ بِالْقِيَامِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ) هُوَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ. وَفِي النَّوَادِرِ: إذَا صَارَ إلَى الْإِيمَاءِ بَعْدَمَا افْتَتَحَ قَادِرًا عَلَيْهِمَا فَسَدَتْ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لَهُمَا. قُلْنَا لَا بَلْ لِلْمَقْدُورِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إذْ ذَاكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَلَزِمَا فَإِذَا صَارَ الْمَقْدُورُ الْإِيمَاءَ لَزِمَ، وَأَدَاءُ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِهِمَا أَوْلَى مِنْ أَدَاءِ كُلِّهَا بِالْإِيمَاءِ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ)
[ ٢ / ٦ ]
وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ، فَكَذَا الْبِنَاءُ
(وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ أَوْ يَقْعُدَ)؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ الِاتِّكَاءُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ. وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ. وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عِنْدَهُمَا فَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ (وَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ) وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّوَافِلِ
عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا) أَعْنِي الثَّلَاثَةَ، أَمَّا زُفَرُ فَيُجِيزُ بِنَاءً عَلَى إجَازَتِهِ اقْتِدَاءَ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ، وَلَوْ كَانَ يُومِئُ مُضْطَجِعًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْقُعُودِ أَقْوَى فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى الضَّعِيفِ. وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ: لَوْ افْتَتَحَهَا بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ قَدَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ بِالْإِيمَاءِ جَازَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَمَا أَوْمَأَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثُمَّ قَدَرَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ) وَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُكْرَهَ الْقُعُودُ، وَيُكْرَهَ الِاتِّكَاءُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ إسَاءَةَ أَدَبٍ دُونَ الْقُعُودِ إذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يُعَدُّ إسَاءَةً، وَلِذَا كَانَ الْأَصَحُّ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ. صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ الِاتِّكَاءَ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقُعُودُ لَا يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
[فُرُوعٌ]
رَجُلٌ بِحَلْقِهِ خُرَّاجٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ وَيَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِإِيمَاءٍ، وَكَذَا لَوْ
[ ٢ / ٧ ]
(وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ. وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ)؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِعِلَّةٍ. وَلَهُ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ، إلَّا أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَالْخُرُوجُ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ هُوَ الصَّحِيحُ.
كَانَ بِحَالٍ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَا يَسِيلُ لِمَا قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْمَعْذُورِ، فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ ثُمَّ قَعَدَ وَأَوْمَأَ لِلسُّجُودِ جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ صَلَّى قَائِمًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا قَدَرَ عَلَيْهَا صَلَّى قَاعِدًا.
مَرِيضٌ مَجْرُوحٌ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ وَهُوَ بِحَالٍ كُلَّمَا بُسِطَ تَحْتَهُ شَيْءٌ تَنَجَّسَ مِنْ سَاعَتِهِ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ لَا يَتَنَجَّسُ، وَلَكِنَّهُ يَزْدَادُ مَرَضُهُ أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِتَحْرِيكِهِ بِأَنْ نَزَعَ الْمَاءَ مِنْ عَيْنِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ) فِي الِاخْتِيَارِ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ) هِيَ السَّائِرَةُ. (قَوْلُهُ: وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ ثُمَّ أَطْلَقَ فِي كَوْنِ الْمَرْبُوطَةِ كَالشَّطِّ وَهُوَ مُقَيِّدٌ بِالْمَرْبُوطَةِ بِالشَّطِّ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مَرْبُوطَةً فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ فَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ الرِّيحُ يُحَرِّكُهَا شَدِيدًا فَهِيَ
[ ٢ / ٨ ]
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الْأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قَلَّتْ فَلَا حَرَجَ، وَالْكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ: كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ﵀، بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ نَادِرٌ فَيَلْحَقُ بِالْقَاصِرِ، ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ. مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ
كَالسَّائِرَةِ، وَإِلَّا فَكَالْوَاقِفَةِ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالنِّهَايَةِ وَالِاخْتِيَارِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْمَرْبُوطَةِ فِي الشَّطِّ مُطْلَقًا.
وَفِي الْإِيضَاحِ: فَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً فِي الشَّطِّ، وَهِيَ عَلَى قَرَارِ الْأَرْضِ فَصَلَّى قَائِمًا جَازَ؛ لِأَنَّهَا إذَا اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْأَرْضِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً وَيُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ فَهِيَ كَالدَّابَّةِ. انْتَهَى. بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَقَرَّتْ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ كَالسَّرِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ وَقْتَ صَلَاةٍ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ، وَاسْتَدَلَّا بِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهَا سَأَلَتْهُ ﵊ عَنْ الرَّجُلِ يُغْمَى عَلَيْهِ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ فَقَالَ: لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ إلَّا أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَيُفِيقَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا» وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، فَفِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَيْلِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ: أَحَادِيثُهُ مَوْضُوعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ وَكَذَّبَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَرَكُوهُ.
ثُمَّ بَقِيَّةُ السَّنَدِ إلَى الْحَكَمِ هَذَا مُظْلِمٌ كُلُّهُ. وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ: يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَتَوَسَّطَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سَقَطَ الْقَضَاءُ، وَإِلَّا وَجَبَ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا زَادَ عَلَى الدَّوْرَةِ سَاعَةٌ سَقَطَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلٌ سَقَطَ، وَإِلَّا لَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ تَخْرِيجًا عَلَى مَا مَرَّ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَالَ هُنَاكَ بِقَوْلِهِمَا فَكُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُطَالَبٌ بِالْفَرْقِ إلَّا أَنَّهُمَا يُجِيبَانِ هُنَا بِالتَّمَسُّكِ بِالْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
[ ٢ / ٩ ]
عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يُغْمَى عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، قَالَ: يَقْضِي، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ شَهْرًا فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ.
وَرَوَى إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَفَاقَ فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ وَاسْتَقْبَلَ. وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ عَنْهُ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَمْ يَقْضِ، وَفِي بَعْضِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فَقَالَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَقْضِ، فَقَدْ رَأَيْت مَا هُنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشَيْءٌ مِنْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الزِّيَادَةِ السَّاعَاتُ إلَّا مَا يَتَخَايَلُ مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَكُلٌّ مِنْ رِوَايَتَيْ الشَّهْرِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ يَصْلُحُ مُفَسِّرًا لِذَلِكَ الْأَكْثَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِهِ خَاصًّا مِنْ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ وَلَا عُمُومَ فِيهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى كَوْنِ الْأَكْثَرِيَّةِ بِالسَّاعَةِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ كَوْنِهَا وَقْتًا. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فَلَمْ تُعْرَفْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَالْمَذْكُورُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا عَنْ عَمَّارٍ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَأَفَاقَ نِصْفَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُنَّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَيْسَ هَذَا بِثَابِتٍ عَنْ عَمَّارٍ، وَلَوْ ثَبَتَ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ بِأَنَّهُ عَنْ اخْتِيَارٍ، بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ. وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ يَعْجِزُ بِهِ صَاحِبُ الْعَقْلِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ قِيَامِهِ حَقِيقَةً فَلَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ، بَلْ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْقُدْرَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّأْخِيرَ لَا سُقُوطَ أَصْلِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ لِفَائِدَةِ الْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ بِلَا حَرَجٍ وَلَمْ يَقَعْ بِالْإِغْمَاءِ وَلَا بِمُجَرَّدِ الْجُنُونِ الْيَأْسُ عَنْ الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ إلَّا إذَا امْتَدَّ امْتِدَادًا يُوقِعُ إلْزَامَ الْقَضَاءِ مَعَهُ فِي الْحَرَجِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ بِهِ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ لِظُهُورِ انْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ الْمُسْتَتْبِعَةِ لَهُ. هَذَا تَقْرِيرُ الْأُصُولِ وَسَيَرِدُ عَلَيْك بِأَوْفَى مِنْ هَذَا فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْقِيَاسُ السُّقُوطُ مُطْلَقًا، وَالْقِيَاسُ عَدَمُهُ مُطْلَقًا؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى الْقِيَاسِ الَّذِي يُقَابِلُونَهُ بِالِاسْتِحْسَانِ هُوَ الْوَجْهُ الْمُتَبَادَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَجْهِ الْخَفِيِّ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[ ٢ / ١٠ ]