(وَإِذَا تَزَوَّجَ النَّصْرَانِيُّ نَصْرَانِيَّةً عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ وَذَلِكَ فِي دِينِهِمْ
الَّتِي كَانَتْ فِيهَا فَصَارَ عَلَى قَوْلِهِمَا الْوَاجِبُ مَهْرَانِ وَنِصْفُ مَهْرٍ، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ صَارَ مُرَاجِعًا فَلَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ شَيْءٌ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ثَالِثًا لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ وَنِكَاحُ الْمَنْكُوحَةِ لَا يَصِحُّ. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِالتَّزَوُّجِ الْأَوَّلِ وَالطَّلَاقِ عَقِيبَهُ يَجِبُ نِصْفٌ وَبِالدُّخُولِ بَعْدَ مَهْرٌ كَامِلٌ وَبِالتَّزَوُّجِ، وَالدُّخُولُ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ عَقِيبَهُ أَيْضًا مَهْرٌ وَنِصْفٌ، وَكَذَا بِالتَّزَوُّجِ الثَّالِثِ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى قَوْلِهِ أَرْبَعَةُ مُهُورٍ وَنِصْفُ مَهْرٍ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُرَاجِعًا بِالْوَطْءِ عَقِيبَ النِّكَاحِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ لَمْ يَقَعْ عَلَى مَدْخُولٍ بِهَا. وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الدُّخُولُ فِي الْأَوَّلِ دُخُولًا فِي الثَّانِي كَانَ الطَّلَاقُ عَقِيبَ الثَّانِي عَقِيبَ الدُّخُولِ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ الدُّخُولَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحٍ بَلْ لَيْسَ إلَّا وَطْئًا بِشُبْهَةٍ فَاقْتَضَى قَوْلَهُمَا عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجْعَةَ تَثْبُتُ بِالْوَطْءِ فِي عِدَّةٍ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْعِدَّةُ عَنْ غَيْرِ طَلَاقٍ بَلْ عَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا بِطَلَاقٍ. وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا بَانَتْ بِثَلَاثٍ وَعَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفُ مَهْرٍ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمَا وَأَرْبَعَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٍ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَتَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ لِكُلٍّ، فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٍ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ آنِفًا ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا وَجْهُ مَا ذَكَرْنَا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَالدُّخُولِ بَعْدَهُ يَجِبُ مَهْرٌ وَنِصْفٌ، وَبِالنِّكَاحِ الثَّانِي طَلُقَتْ بَائِنًا وَلَهَا مَهْرٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ بَعْدَ الدُّخُولِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَمَهْرٌ آخَرُ بِالدُّخُولِ بَعْدَهُ لِلشُّبْهَةِ وَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُرَاجِعًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَائِنٌ، وَبِالنِّكَاحِ الثَّالِثِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَلَهَا مَهْرٌ، وَبِالدُّخُولِ بَعْدَ مَهْرٍ آخَرَ فَصَارَتْ خَمْسَةَ مُهُورٍ وَنِصْفًا، ثَلَاثَةٌ بِالدُّخُولِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَنِصْفُ مَهْرٍ بِالتَّزَوُّجِ الْأَوَّلِ، وَمَهْرَانِ بِالتَّزَوُّجَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ بَعْدَهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ عَلَى قَوْلِهِمَا.
(فَصْلٌ)
لَمَّا ذَكَرَ مُهُورَ الْمُسْلِمِينَ شَرَعَ فِي ذِكْرِ مُهُورِ الْكُفَّارِ (قَوْلُهُ وَإِذَا تَزَوَّجَ نَصْرَانِيٌّ) الْمُرَادُ إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ كِتَابِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ وَذَلِكَ فِي دِينِهِمْ جَائِزٌ وَدَخَلَ بِهَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهَا مَهْرٌ، وَلَوْ أَسْلَمَا أَوْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا إلَيْنَا أَوْ تَرَافَعَا وَهَذَا إذَا لَمْ يُدِينُوا مَهْرَ الْمِثْلِ بِالنَّفْيِ وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى دَمٍ؛ لِأَنَّهُمْ
[ ٣ / ٣٨٤ ]
جَائِزٌ فَدَخَلَ بِهَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهَا مَهْرٌ، وَكَذَلِكَ الْحَرْبِيَّانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا فِي الْحَرْبِيَّيْنِ. وَأَمَّا فِي الذِّمِّيَّةِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ مَاتَ عَنْهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا وَالْمُتْعَةُ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا. وَقَالَ زُفَرُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْحَرْبِيَّيْنِ أَيْضًا. لَهُ أَنَّ الشَّرْعَ مَا شَرَعَ ابْتِغَاءَ النِّكَاحِ إلَّا بِالْمَالِ، وَهَذَا الشَّرْعُ وَقَعَ عَامًّا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَى الْعُمُومِ. وَلَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ مُنْقَطِعَةٌ لِتَبَايُنِ الدَّارِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ كَالرِّبَا وَالزِّنَا، وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ مُتَحَقِّقَةٌ لِاتِّحَادِ الدَّارِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَنَا فِي الدِّيَانَاتِ وَفِيمَا يَعْتَقِدُونَ خِلَافَهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ بِالسَّيْفِ وَبِالْمُحَاجَّةِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ عَنْهُمْ بِاعْتِبَارِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ،
اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ الْمَهْرِ وَهُمْ يُدِينُونَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَوَّلُونَ الْمَيْتَةَ حَتْفَ أَنْفِهَا بِخِلَافِ الْمَوْقُوذَةِ، وَكَذَا فِي الْحَرْبِيَّيْنِ (هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ قَالَا فِي الْحَرْبِيَّيْنِ) أَيْ لَوْ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا (أَمَّا فِي الذِّمِّيَّةِ فَلَهَا عِنْدَ هُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَالْمُتْعَةُ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) لِوُقُوعِهِ فِي نِكَاحٍ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ، وَبِهَذَا قَالَ زُفَرُ فِي الْحَرْبِيَّيْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَشْرَعْ ابْتِغَاءَ النِّكَاحِ إلَّا بِالْمَالِ، وَهَذَا الشَّرْعُ وَقَعَ عَامًّا فَيَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْمُعَامَلَاتِ وَالنِّكَاحُ مِنْهَا، غَيْر أَنَّهُ يَصِيرُ عِبَادَةً بِالنِّيَّةِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَتَمَحَّضَ مُعَامَلَةً فِي حَقِّهِ (وَلَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ الْأَحْكَامَ) وَلَيْسَ لَنَا عَلَيْهِمْ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ لِلتَّبَايُنِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمِّيَّةِ فَإِنَّهُمْ الْتَزَمُوهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ ثَابِتَةٌ فَنُعَزِّرُهُ إذَا زَنَى وَنَنْهَاهُ عَنْ الرِّبَا وَنَحْكُمُ بِفَسَادِهِ وَالنِّكَاحُ مِنْهَا، وَلِذَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُهُ مِنْ لُزُومِ النَّفَقَةِ وَالْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَالتَّوَارُثِ بِهِ وَثُبُوتِ خِيَارِ الْبُلُوغِ وَحُرْمَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ.
وَقَدْ يُقَالُ مِنْ طَرَفِ زُفَرَ عَدَمُ الْتِزَامِهِمْ وَقُصُورُ الْوِلَايَةِ مِنَّا عَنْهُمْ لَا يَنْفِي تَحَقُّقَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ لِعُمُومِ الْخِطَابِ، حَتَّى إذَا تَرَافَعَا إلَيْنَا نَقْضِي عَلَيْهِمَا بِمَا لَزِمَهُمَا حَالَ كَوْنِهِمَا حَرْبًا وَإِنَّا إنَّمَا أَخَّرْنَا الْوُجُوبَ لِيَظْهَرَ عِنْدَ إمْكَانِ إلْزَامِهِمْ أَثَرُهُ.
(قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ) حَاصِلُهُ مَنْعُ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ إنَّهُمْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ بَلْ لَيْسُوا مُلْتَزِمِينَ
[ ٣ / ٣٨٥ ]
بِخِلَافِ الزِّنَا لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَالرِّبَا مُسْتَثْنًى عَنْ عُقُودِهِمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «إلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ» وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْمَهْرِ وَيَحْتَمِلُ السُّكُوتَ. وَقَدْ قِيلَ: فِي الْمَيْتَةِ وَالسُّكُوتِ رِوَايَتَانِ،
بِعَقْدِ الذِّمَّةِ مَا يَعْتَقِدُونَ خِلَافَهُ مِنْهَا إلَّا مَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ وَلِذَا لَا نَمْنَعُهُمْ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ، كَذَا فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَفِي بَعْضِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَحَارِمِ عَلَيْهِمْ وَلَا تَنَافِيَ، فَمَحْمَلُ أَحَدِهِمَا مَنْ تَدَيَّنَ بِحُرْمَتِهِنَّ وَمَحْمَلُ الْآخَرِ مَنْ لَا يَتَدَيَّنُ بِحُرْمَتِهِنَّ كَالْمَجُوسِ فَلَمْ يَلْتَزِمُوا وَلَمْ نُؤْمَرْ بِإِلْزَامِهِمْ بَلْ نَتْرُكُهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فَصَارَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِيهِمْ الْمَنَعَةُ الْحِسِّيَّةُ وَأُمِرْنَا بِهَدْمِهَا، وَالْمَانِعُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمَنَعَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَأُمِرْنَا بِتَقْرِيرِهَا. بِخِلَافِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُقُودِهِمْ. قَالَ ﷺ «إلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ» رَوَى مَعْنَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ بِسَنَدِهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا وَسَاقَهُ، وَفِيهِ: وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا فَمَنْ أَكَلَ مِنْهُمْ الرِّبَا فَذِمَّتِي مِنْهُمْ بَرِيئَةٌ» وَفِي مُصَنِّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ إلَى الشَّعْبِيِّ «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى نَجْرَانَ وَهُمْ نَصَارَى أَنَّ مَنْ بَايَعَ مِنْكُمْ بِالرِّبَا فَلَا ذِمَّةَ لَهُ» وَهُوَ مُرْسَلٌ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا. وَإِذَا مُنِعْنَا مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا يَدِينُونَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ إلَّا الْمُسْتَثْنَى فَبَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْمُرَافَعَةِ حَالَ بَقَاءِ النِّكَاحِ وَالْمَهْرِ لَيْسَ شَرْطًا لِبَقَائِهِ.
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْمُعَامَلَاتِ إنْ تَمَّ الْمَطْلُوبُ لِزُفَرَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ لِذِمَّتِهِمْ لَا يَقْتَضِي سِوَى أَنْ لَا يُتَعَرَّضَ لَهُمْ مَا لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِنَا أَوْ يُسَلِّمُوا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ قِيَامِ لُزُومِ الْمَهْرِ شَرْعًا فِي ذِمَّتِهِمْ. وَحَالَةُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَتْ حَالَةَ الْبَقَاءِ وَالْمَهْرُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا وَلَا حُكْمًا لَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالتَّقَرُّرِ فِي الذِّمَّةِ أَوَّلَ الْوُجُودِ لَمَّا ارْتَفَعَ مَنْعُ الشَّرْعِ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَيْتَةِ وَالسُّكُوتِ) عَنْ الْمَهْرِ (رِوَايَتَانِ) بِخِلَافِ نَفْيِهِ صَرِيحًا، فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالنَّفْيِ. وَوَجْهُهُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ تَمَلُّكَ الْبُضْعِ فِي حَقِّهِمْ كَتَمَلُّكِ الْمَالِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجِبُ الْعِوَضُ فِيهِ إلَّا بِالشَّرْطِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ النِّكَاحَ مُعَاوَضَةٌ، فَمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى نَفْيِ الْعِوَضِ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لَهَا وَالْمَيْتَةُ كَالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا عِنْدَهُمْ فَذِكْرُهَا
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْكُلَّ عَلَى الْخِلَافِ.
(فَإِنْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَلَهَا الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ) وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَا بِأَعْيَانِهِمَا وَالْإِسْلَامُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا فَلَهَا فِي الْخَمْرِ الْقِيمَةُ وَفِي الْخِنْزِيرِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا الْقِيمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقَبْضَ مُؤَكِّدٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمَقْبُوضِ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ فَيَمْتَنِعُ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ كَالْعَقْدِ وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَا
لَغْوٌ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْكُلَّ عَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ
. (قَوْلُهُ فَإِنْ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ بِأَعْيَانِهِمَا ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) قَبْلَ قَبْضِ الصَّدَاقِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْخَمْرُ أَوْ الْخِنْزِيرُ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا) وَأَسْلَمَا قَبْلَهُ (فَلَهَا فِي الْخَمْرِ الْقِيمَةُ وَفِي الْخِنْزِيرِ مَهْرُ الْمِثْلِ) وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا الْقِيمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، وَلَمَّا اشْتَرَكَ قَوْلُهُمَا فِي عَدَمِ إيجَابِ عَيْنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا كَانَا بِأَعْيَانِهِمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي دَلِيلِهِ فَقَالَ (وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقَبْضَ مُؤَكِّدٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمَقْبُوضِ) الْمُعَيَّنِ، وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ تَعَيَّبَ عَيْبًا فَاحِشًا يَهْلِكُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ حَتَّى يَلْزَمَهُ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ يَهْلِكُ مِنْ مَالِ الْمَرْأَةِ وَيَتَّنَصَّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يَتَنَصَّفُ إلَّا بِقَضَاءٍ أَوْ تَرَاضٍ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْمَهْرِ فِي عِتْقِ الْجَارِيَةِ الْمَهْرَ، وَكَذَا الزَّوَائِدُ تَتَنَصَّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا بَعْدَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (فَيَكُونُ لَهُ شَبَهًا بِالْعَقْدِ) لِثُبُوتِ أَثَرِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْمِلْكِ فَيَمْتَنِعُ الْقَبْضُ بِالْإِسْلَامِ كَمَا يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ التَّمْلِيكِ بِالْعَقْدِ إلْحَاقًا لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ بِحَقِيقَتِهِ
[ ٣ / ٣٨٧ ]
بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا. وَإِذَا الْتَحَقَتْ حَالَةُ الْقَبْضِ بِحَالَةِ الْعَقْدِ، فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فَكَذَا هَاهُنَا، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى مَالًا عِنْدَهُمْ، إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ التَّسْلِيمُ لِلْإِسْلَامِ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ، كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ الْمُسَمَّى قَبْلَ الْقَبْضِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ يَتِمُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَبِالْقَبْضِ يَنْتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ إلَى ضَمَانِهَا وَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ كَاسْتِرْدَادِ الْخَمْرِ الْمَغْصُوبَةِ، وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الْقَبْضُ يُوجِبُ مِلْكَ الْعَيْنِ فَيَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ مِلْكَ التَّصَرُّفِ فِيهِ إنَّمَا
فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَلَيْسَ يُرِيدُ كَمَا يَمْتَنِعُ الْعَقْدُ بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا لَا يَمْتَنِعُ بَلْ يَصِحُّ وَيَبْطُلُ الْعِوَضُ (وَإِذَا الْتَحَقَتْ حَالَةُ الْقَبْضِ بِحَالَةِ الْعَقْدِ) فَامْتَنَعَ فَقَدْ افْتَرَقَا (فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ) فَعَقَدَا عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ) فَكَذَا إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَقْتَ الْقَبْضِ (وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى مَالًا عِنْدَهُمْ ثُمَّ امْتَنَعَ التَّسْلِيمُ بِالْإِسْلَامِ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ كَمَا لَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ الْمُسَمَّى قَبْلَ الْقَبْضِ) تَجِبُ الْقِيمَةُ لِامْتِنَاعِ إعْطَاءِ مِثْلِ الْخَمْرِ.
(قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ يَتِمُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ) قَبْلَ الْقَبْضِ بِبَدَلٍ وَبِغَيْرِ بَدَلٍ؛ فَقَبْضُهُ لَيْسَ مُوجِبًا لِمِلْكِهِ وَلَا لَمِلْكِ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَلَيْسَ مُؤَكِّدًا بَلْ نَاقِلًا لِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ مِنْ الزَّوْجِ إلَى الْمَرْأَةِ فِي الْهَلَاكِ (وَذَلِكَ) أَيْ انْتِقَالُ الضَّمَانِ (لَا يَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ)؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ صُورَةُ الْيَدِ وَصُورَتُهَا لَا تَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ كَالْمُسْلِمِ إذَا تَخَمَّرَ عَصِيرُهُ وَالذِّمِّيُّ إذَا غُصِبَ مِنْهُ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ ثُمَّ أَسْلَمَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْ الْغَاصِبِ، فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقْبِضُ الْخَمْرَ فَيُخَلِّلُهُ أَوْ يُرِيقُهُ وَالْخِنْزِيرَ فَيُسَيِّبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُكُمْ مِنْ كَوْنِ الْقَبْضِ مُؤَكِّدًا غَيْرَ هَذَا مَنَعْنَا كَوْنَهُ مُؤَكِّدًا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا سَلَّمْنَا كَوْنَهُ مُؤَكِّدًا وَمَنَعْنَا مُنَافَاةَ الْإِسْلَامِ إيَّاهُ.
وَفِي الْأَسْرَارِ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَبْضَ مُؤَكِّدٌ لِلْمِلْكِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَمْنَعُ تَأَكُّدَ الْمِلْكِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا بِخَمْرٍ وَقَبَضَ الْخَمْرَ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ وَاهٍ لِجَوَازِ أَنْ يُمْلَكَ الْعَبْدُ عِنْدَهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَبِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ يَتَقَرَّرُ الْمِلْكُ، وَهَذَا التَّسْلِيمُ لَا يَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَأَكُّدُ الْمِلْكِ فِي الْخَمْرِ، وَلَوْ اشْتَرَى خَمْرًا وَقَبَضَهَا وَبِهَا عَيْبٌ ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَ خِيَارُ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ فِي سُقُوطِ تَأَكُّدِ مِلْكِ الْخَمْرِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَمْنَعُ تَأَكُّدَ الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يَتِمُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ: أَيْ أَنَّ الْمِلْكَ
[ ٣ / ٣٨٨ ]
يُسْتَفَادُ بِالْقَبْضِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَا تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَكُونُ أَخْذُ قِيمَتِهِ كَأَخْذِ عَيْنِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْخَمْرُ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ بِالْقِيمَةِ، قَبْلَ الْإِسْلَامِ تُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ فِي الْخِنْزِيرِ دُونَ الْخَمْرِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَمَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْجَبَ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ أَوْجَبَ نِصْفَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ يَتِمُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا نَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَبِخِلَافِ الْمُشْتَرِي لَا يَتِمُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَالْقَبْضُ فِيهِ هُوَ الْمُفِيدُ لِمِلْكِ التَّصَرُّفِ وَالْإِسْلَامُ مَانِعٌ مِنْهُ، فَلِذَا لَوْ بَاعَ الذِّمِّيُّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ أَوْ اشْتَرَاهُمَا ثُمَّ أَسْلَمَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ لِامْتِنَاعِ إفَادَةِ مِلْكٍ فِيهِمَا مَعَ الْإِسْلَامِ، وَخَصَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ بِالْإِجْمَاعِ.
وَظَنَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي النِّهَايَةِ وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ ضَمَانُ مِلْكٍ حَتَّى لَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ عَلَى مِلْكِهِ فَقَبْضُ الْمُشْتَرِي نَاقِلٌ لِضَمَانِ الْمِلْكِ وَضَمَانُ الْمَهْرِ فِي يَدِ الزَّوْجِ لَيْسَ ضَمَانَ مِلْكٍ حَتَّى لَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ عَلَى مِلْكِهَا يُنَافِي قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَبِالْقَبْضِ يَنْتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ إلَى ضَمَانِهَا وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ بِالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْبَائِعِ يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا هَلَكَ عَلَى مِلْكِهِ لَا يَضْمَنُ لِأَحَدٍ شَيْئًا بَلْ يَسْقُطُ الثَّمَنُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ يَهْلِكُ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ. وَأَمَّا هَلَاكُ الْمَهْرِ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَلَيْسَ هَلَاكُ مِلْكِهِ بَلْ هَلَاكُ مِلْكِهَا فِي يَدِهِ فَيَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ كَهَلَاكِ الْمَغْصُوبِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ يَهْلِكُ عَلَى مِلْكِهَا بِأَنْ قَالَ: وَلِهَذَا وَجَبَ لَهَا الْقِيمَةُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا) فَفِي الْمُعَيَّنِ لَهَا نِصْفُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فِي الْخَمْرِ لَهَا نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَفِي الْخِنْزِيرِ الْمُتْعَةُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهَا نِصْفُ الْقِيمَةِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ فَتَتَنَصَّفُ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِمَهْرِ الْمِثْلِ لَهَا الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا يَتَنَصَّفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٣ / ٣٨٩ ]