(وَإِذَا مَا أَرَادُوا غُسْلَهُ
فِي التَّلْقِينِ حَالَةَ الِاحْتِضَارِ، إذْ لَا يُرَادُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا وَلَا مَجَازِيَّانِ، وَلَيْسَ يَظْهَرُ مَعْنَى يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْمَجَازِيَّ يُعْتَبَرُ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ؛ لِيَكُونَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ لِلتَّضَادِّ، وَشَرْطُ إعْمَالِهِ فِيهِمَا أَنْ لَا يَتَضَادَّا.
ثُمَّ يَنْبَغِي فِي التَّلْقِينِ فِي الِاحْتِضَارِ أَنْ يُقَالَ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ وَلَا يُقَالُ لَهُ قُلْ. قَالُوا: وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُ كَلِمَاتٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ وَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ، وَلِذَا اخْتَارَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنْ يَذْهَبَ عَقْلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِهَذَا الْخَوْفِ، وَبَعْضُهُمْ اخْتَارُوا قِيَامَهُ حَالَ الْمَوْتِ، وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ مُؤْلِفُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَوَّضَ أَمْرَهُ إلَى الرَّبِّ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ طَالِبًا مِنْهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ أَنْ يَرْحَمَ عَظِيمَ فَاقَتِي بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْإِيقَانِ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ يَقُولُ مُغْمِضُهُ بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك، وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ.
(فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ)
غُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ خُنْثَى مُشْكِلًا فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: قِيلَ يُيَمَّمُ، وَقِيلَ يُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَسَنَدُ الْإِجْمَاعِ فِي السُّنَّةِ: قِيلَ وَنَوْعٌ مِنْ الْمَعْنَى. أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ آدَم رَجُلًا أَشْعَرَ طُوَالًا كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ نَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ بِحَنُوطِهِ وَكَفَنِهِ مِنْ الْجَنَّةِ» فَلَمَّا مَاتَ ﵇ غَسَّلُوهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ثَلَاثًا وَجَعَلُوا فِي الثَّالِثَةِ كَافُورًا، وَكَفَّنُوهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ، وَحَفَرُوا لَهُ لَحْدًا وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَقَالُوا: هَذِهِ سُنَّةُ وَلَدِ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ عَنْ عَتِيِّ بْنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ، وَفِيهِ قَالُوا «يَا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ فَكَذَاكُمْ فَافْعَلُوا» وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ؛ لِأَنَّ عَتِيَّ بْنَ ضَمْرَةَ لَيْسَ لَهُ رَاوٍ غَيْرُ الْحَسَنِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَضَعُوهُ عَلَى سَرِيرٍ) لِيَنْصَبَّ الْمَاءُ عَنْهُ (وَجَعَلُوا عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً) إقَامَةً لِوَاجِبِ السَّتْرِ، وَيَكْتَفِي بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ
رَاحِلَتُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِيهِ «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُنَّ فِي ابْنَتِهِ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَدْ غُسِّلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَالنَّاسُ يَتَوَارَثُونَهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَرْكُهُ إلَّا فِي الشَّهِيدِ. وَمَا فِي الْكَافِي عَنْهُ ﵇ «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَمَانِيَةُ حُقُوقٍ» وَذَكَرَ مِنْهَا غُسْلَ الْمَيِّتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﵇ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» فَزَادَ «وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ».
ثُمَّ عَقَلَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ أَنَّ إيجَابَهُ لِقَضَاءِ حَقِّهِ فَكَانَ عَلَى الْكِفَايَةِ لِصَيْرُورَةِ حَقِّهِ مَقْضِيًّا بِفِعْلِ الْبَعْضِ. وَأَمَّا الْمَعْنَى؛ فَلِأَنَّهُ كَإِمَامِ الْقَوْمِ حَتَّى لَا تَصِحَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، وَطَهَارَةُ الْإِمَامِ شَرْطٌ فَكَذَا طَهَارَتُهُ فَهُوَ فَرْعُ ثُبُوتِ وُجُوبِ غُسْلِهِ سَمْعًا فَلَيْسَ هُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ فِي إفَادَةِ وُجُوبِ الْغُسْلِ. هَذَا وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ وُجُوبِهِ قِيلَ لَيْسَ لِنَجَاسَةٍ تَحِلُّ بِالْمَوْتِ بَلْ لِلْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ لِلِاسْتِرْخَاءِ وَزَوَالِ الْعَقْلِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْحَيِّ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِيهِ لِلْحَرَجِ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِ سَبَبِ الْحَدَثِ مِنْهُ.
فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ سَبَبُ الْحَرَجِ فِي الْمَيِّتِ عَادَ الْأَصْلُ؛ وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْحَدَثِ تَزُولُ بِالْغُسْلِ لَا نَجَاسَةُ الْمَوْتِ لِقِيَامِ مُوجِبِهَا بَعْدَهُ. وَقِيلَ وَهُوَ الْأَقْيَسُ سَبَبُهُ نَجَاسَةُ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ حَيَوَانٌ دَمَوِيٌّ فَيَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَلِذَا لَوْ حَمَلَ مَيِّتًا قَبْلَ غُسْلِهِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَلَوْ كَانَ لِلْحَدَثِ لَصَحَّتْ كَحَمْلِ الْمُحْدِثِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْآدَمِيَّ الْمُسْلِمَ خُصَّ بِاعْتِبَارِ نَجَاسَتِهِ الْمَوْتِيَّةِ زَائِلَةً بِالْغُسْلِ تَكْرِيمًا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ حَامِلِهِ بَعْدَهُ. وَقَوْلُكُمْ نَجَاسَةُ الْمَوْتِ لَا تَزُولُ لِقِيَامِ مُوجِبِهَا مُشْتَرِكَ الْإِلْزَامِ فَإِنَّ سَبَبَ الْحَدَثِ أَيْضًا قَائِمٌ بَعْدَ الْغُسْلِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» فَإِنْ صَحَّتْ وَجَبَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لِلْحَدَثِ. وَهَلْ يُغَسَّلُ الْكَافِرُ إنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ، وَهُوَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ؟ غَسَّلَهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْغُسْلِ بَلْ كَغَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يُغَسَّلُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِلْغُسْلِ النِّيَّةُ؟. الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِإِسْقَاطِ وُجُوبِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا لِتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ هُوَ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَيِّتِ إذَا أَصَابَهُ الْمَطَرُ أَوْ جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ. انْتَهَى.
وَلِأَنَّا لَمْ نَقْضِ حَقَّهُ بَعْدُ. وَقَالُوا فِي الْغَرِيقِ: يُغَسَّلُ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةٍ: إنْ نَوَى الْغُسْلَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْمَاءِ يُغَسَّلُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَثَلَاثًا. جَعَلَ حَرَكَةَ الْإِخْرَاجِ بِالنِّيَّةِ غَسْلَةً، وَعَنْهُ يُغَسَّلُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَأَنَّ هَذِهِ ذَكَرَ فِيهَا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ (قَوْلُهُ: وَضَعُوهُ عَلَى سَرِيرٍ) قِيلَ طِوَالًا إلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ عَرْضًا. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ (قَوْلُهُ: وَوَضَعُوا عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً)؛ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ لَا يَسْقُطُ حُكْمُهَا بِالْمَوْتِ، قَالَ ﵇ لِعَلِيٍّ «لَا تَنْظُرْ إلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَلِذَا لَا يَجُوزُ تَغْسِيلُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَا
[ ٢ / ١٠٦ ]
هُوَ الصَّحِيحُ تَيْسِيرًا (وَنَزَعُوا ثِيَابَهُ) لِيُمْكِنَهُمْ التَّنْظِيفُ.
(وَوُضُوءُهُ مِنْ غَيْرِ مَضْمَضَةٍ وَلَا اسْتِنْشَاقٍ)؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةُ
يَجِبُ عَلَى الْغَاسِلِ فِي اسْتِنْجَاءِ الْمَيِّتِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنْ يَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِيَغْسِلَ سَوْءَتَهُ، وَكَذَا عَلَى الرِّجَالِ إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَا امْرَأَةً تُغَسِّلُهَا أَنْ يُيَمِّمَهَا رَجُلٌ وَيَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِذَلِكَ، وَلَا يُسْتَنْجَى الْمَيِّتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّهُ يُسْتَرُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ، وَصَحَّحَهَا فِي النِّهَايَةِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ آنِفًا (وَقَوْلُهُ وَنَزَعُوا عَنْهُ ثِيَابَهُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: السُّنَّةُ أَنْ يُغَسَّلَ فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ أَوْ يُشْرَطُ كُمَّاهُ؛ لِأَنَّهُ ﵊ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ.
قُلْنَا: ذَاكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ ﵇ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا نُجَرِّدُهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ؟ فَسَمِعُوا هَاتِفًا يَقُولُ: لَا تُجَرِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ: اغْسِلُوهُ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ الْمُسْتَمِرَّةَ فِي زَمَنِهِ ﷺ التَّجْرِيدُ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَيَتَنَجَّسُ الْمَيِّتُ بِهِ وَيَشِيعُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إلَّا طِيبٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ) وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَلُفَّ الْغَاسِلُ عَلَى أَصَابِعِهِ خِرْقَةً يَمْسَحُ بِهَا أَسْنَانَهُ وَلَهَاتَهُ وَشَفَتَيْهِ وَمَنْخِرَيْهِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَهَلْ يُمْسَحُ رَأْسُهُ فِي رِوَايَةِ صَلَاةِ الْأَثَرِ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُمْسَحَ وَلَا يُؤَخَّرُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ عَنْ الْغُسْلِ وَلَا يُقَدَّمُ غَسْلُ يَدَيْهِ بَلْ يُبْدَأُ بِوَجْهِهِ، وَبِخِلَافِ الْجُنُبِ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَهَّرُ بِهِمَا، وَالْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِيَدِ غَيْرِهِ.
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْوُضُوءِ
[ ٢ / ١٠٧ ]
الِاغْتِسَالِ، غَيْرَ أَنَّ إخْرَاجَ الْمَاءِ مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَيُتْرَكَانِ (ثُمَّ يُفِيضُونَ الْمَاءَ عَلَيْهِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الْحَيَاةِ.
(وَيُجَمَّرُ سَرِيرُهُ وِتْرًا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يُوتَرُ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ».
(وَيَغْلِي الْمَاءَ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالْحَرَضِ) مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَاءُ الْقَرَاحُ) لِحُصُولِ أَصْلِ الْمَقْصُودِ
فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الصَّلَاةَ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَعْقِلُهَا فَيُغَسَّلُ وَلَا يُوَضَّأُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يُصَلِّي (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ) فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ الْغُسْلَ الْمَسْنُونَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَيُجَمَّرُ سَرِيرُهُ وِتْرًا) أَيْ يُبَخَّرُ، وَهُوَ أَنْ يَدُورَ مَنْ بِيَدِهِ الْمِجْمَرَةُ حَوْلَ سَرِيرِهِ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَإِنَّمَا يُوتَرُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﵇ «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَوْتِرُوا» وَجَمِيعُ مَا يُجَمَّرُ فِيهِ الْمَيِّتُ ثَلَاثٌ: عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَعِنْدَ غُسْلِهِ وَعِنْدَ تَكْفِينِهِ، وَلَا يُجَمَّرُ خَلْفَهُ وَلَا فِي الْقَبْرِ؛ لِمَا رُوِيَ «لَا تُتْبِعُوا الْجِنَازَةَ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ».
(قَوْلُهُ: وَيَغْلِي الْمَاءُ بِالسِّدْرِ إلَخْ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُغْلِي، وَحَدِيثُ غُسْلِ آدَمَ وَقَوْلِ الْمَلَائِكَةِ: كَذَلِكَ فَافْعَلُوا، ثُمَّ تَقْرِيرُهُ فِي شَرِيعَتِنَا بِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِبَقَاءِ ذَلِكَ وَهُوَ وَقَوْلُهُ ﵇ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» وَفِي ابْنَتِهِ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا» يُفِيدُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ لَا أَصْلُ التَّطْهِيرِ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ كَافٍ فِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَسْخِينَهُ كَذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُ فِي تَحْقِيقِ الْمَطْلُوبِ فَكَانَ مَطْلُوبًا شَرْعًا، وَحَقِيقَةُ هَذَا الْوَجْهِ إلْحَاقُ التَّسْخِينِ بِخَلْطِهِ بِالسِّدْرِ فِي حُكْمٍ هُوَ الِاسْتِحْبَابُ بِجَامِعِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْظِيفِ، وَمَا يُخَالُ مَانِعًا وَهُوَ كَوْنُ سُخُونَتِهِ تُوجِبُ انْحِلَالَ مَا فِي الْبَاطِنِ فَيَكْثُرُ الْخَارِجُ هُوَ عِنْدَنَا دَاعٍ لَا مَانِعٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَتِمُّ إذْ يَحْصُلُ بِاسْتِفْرَاغِ مَا فِي الْبَاطِنِ تَمَامُ النَّظَافَةِ وَالْأَمَانُ مِنْ تَلْوِيثِ الْكَفَنِ عِنْدَ حَرَكَةِ
[ ٢ / ١٠٨ ]
(وَيُغْسَلُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ بِالْخِطْمِيِّ) لِيَكُونَ أَنْظَفَ لَهُ.
(ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ حَتَّى يُرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ حَتَّى يُرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ هُوَ الْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ (ثُمَّ يُجْلِسُهُ وَيُسْنِدُهُ إلَيْهِ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ مَسْحًا رَفِيقًا) تَحَرُّزًا عَنْ تَلْوِيثِ الْكَفَنِ.
(فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ وَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ وَلَا وُضُوءَهُ)؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَقَدْ حَصَلَ مَرَّةً
الْحَامِلِينَ، وَالْحَرَضُ أُشْنَانٌ غَيْرُ مَطْحُونٍ، وَالْمَاءُ الْقَرَاحُ الْخَالِصُ وَإِنَّمَا يُغْسَلُ رَأْسُهُ بِالْخِطْمِيِّ: أَيْ خِطْمِيِّ الْعِرَاقِ إذَا كَانَ فِيهِ شَعْرٌ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْمَيَامِنِ سُنَّةٌ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «لَمَّا غَسَّلْنَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» وَهُوَ دَلِيلُ تَقْدِيمِ وُضُوءِ الْمَيِّتِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ غَسَلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالْخِطْمِيِّ مِنْ غَيْرِ تَسْرِيحٍ، ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ لِتَكُونَ الْبُدَاءَةُ فِي الْغُسْلِ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغَسَّلُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ حَتَّى يُنَقِّيَهُ وَيَرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ خَلَصَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ وَهُوَ الْجَانِبُ الْأَيْسَرُ، وَهَذِهِ غَسْلَةٌ، ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ بِالْمَاءِ الْمَغْلِيِّ فِيهِ سِدْرٌ أَوْ حَرَضٌ إنْ كَانَ حَتَّى يُنَقِّيَهُ وَيَرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ وَهُوَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ وَهَذِهِ ثَانِيَةٌ، ثُمَّ تُقْعِدُهُ وَتُسْنِدُهُ إلَيْك وَتَمْسَحُ بَطْنَهُ مَسْحًا رَفِيقًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلْت ذَلِكَ الْمَحَلَّ الْمُصَابَ ثُمَّ تُضْجِعُهُ عَلَى الْأَيْسَرِ فَتَصُبُّ غَاسِلًا بِالْمَاءِ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ وَقَدْ تَمَّتْ الثَّلَاثُ. وَلَمْ يَفْصِلْ الْمُصَنِّفُ فِي مِيَاهِ الْغَسَلَاتِ بَيْنَ الْقَرَاحِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الْحَاكِمِ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْقَرَاحِ أَوَّلًا لِيَبْتَلَّ مَا عَلَيْهِ الدَّرَنُ بِالْمَاءِ أَوَّلًا فَيَتِمُّ قَلْعُهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، ثُمَّ يَحْصُلُ تَطْيِيبُ الْبَدَنِ بَعْدَ النَّظَافَةِ بِمَاءِ الْكَافُورِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُغْسَلَ الْأُولَيَانِ بِالسِّدْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ هُنَا. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، يُغْسَلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ وَالثَّالِثَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ» وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، ثُمَّ يُنَشَّفُ ثُمَّ يُقَمَّصُ ثُمَّ يُبْسَطُ الْكَفَنُ عَلَى مَا نَذْكُرُ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهِ، فَإِذَا وُضِعَ مُقَمَّصًا عَلَيْهِ وُضِعَ حِينَئِذٍ الْحَنُوطُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ، وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ وَمَا تَيَسَّرَ مِنْ الطِّيبِ إلَّا مَا سَنَذْكُرُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْغُسْلَ) أَيْ الْمَفْعُولَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ عُرِفَ
[ ٢ / ١٠٩ ]
(ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) كَيْ لَا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ (وَيَجْعَلُهُ) أَيْ الْمَيِّتَ (فِي أَكْفَانِهِ وَيَجْعَلُ الْحَنُوطَ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَالْكَافُورَ عَلَى مَسَاجِدِهِ)؛ لِأَنَّ التَّطَيُّبَ سُنَّةٌ وَالْمَسَاجِدُ أَوْلَى بِزِيَادَةِ الْكَرَامَةِ.
(وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُ الْمَيِّتِ وَلَا لِحْيَتُهُ وَلَا يُقَصُّ ظُفُرُهُ وَلَا شَعْرُهُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: عَلَامَ تَنْصُونَ مَيِّتَكُمْ،
وُجُوبُهُ بِالنَّصِّ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ قِيَامِ سَبَبِ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ وَهُوَ الْمَوْتُ مَرَّةً وَاحِدَةً أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ قَبْلَ خُرُوجِ شَيْءٍ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يُعَادُ الْوُضُوءُ وَلَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بَعْدَ إعَادَتِهِ هُوَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ. وَالْحَنُوطُ عِطْرٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَشْيَاءَ طَيِّبَةٍ، وَمَسَاجِدُهُ مَوَاضِعُ سُجُودِهِ جَمْعُ مَسْجَدٍ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَهِيَ الْجَبْهَةُ وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالرِّجْلَانِ، وَلَا بَأْسَ بِسَائِرِ الطِّيبِ إلَّا الزَّعْفَرَانَ وَالْوَرْسَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ لَا الْمَرْأَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ مِسْكٌ فَأَوْصَى أَنْ يُحَنَّطَ بِهِ وَقَالَ: هُوَ فَضْلُ حَنُوطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
[ ٢ / ١١٠ ]
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِلزِّينَةِ وَقَدْ اسْتَغْنَى الْمَيِّتُ عَنْهَا، وَفِي الْحَيِّ كَانَ تَنْظِيفًا لِاجْتِمَاعِ الْوَسَخِ وَصَارَ كَالْخِتَانِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إسْنَادٌ حَسَنٌ.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: عَلَامَ تَنْصُونَ مَيِّتَكُمْ) تَنْصُونَ بِوَزْنِ تَبْكُونَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصَوْت الرَّجُلَ إذَا مَدَدْت نَاصِيَتَهُ، فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْرِيحِ الرَّأْسِ، وَعَبَّرَتْ بِالْأَخْذِ بِالنَّاصِيَةِ تَنْفِيرًا عَنْهُ، وَبَنَتْ عَلَيْهِ الِاسْتِعَارَةَ التَّبَعِيَّةَ فِي الْفِعْلِ وَالْأَثَرِ.
رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا رَأَتْ امْرَأَةً يَكُدُّونَ رَأْسَهَا بِمُشْطٍ فَقَالَتْ: عَلَامَ تَنْصُونَ مَيِّتَكُمْ " وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِهِ وَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي كِتَابِهِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ الْمَيِّتِ يُسَرَّحُ رَأْسُهُ فَقَالَتْهُ.
[فُرُوعٌ] لَا يُغَسِّلُ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَلَا أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْأَوَّلِ وَلِزُفَرَ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ، وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ لِلِاسْتِبْرَاءِ لَا أَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْوَصْلَةِ الشَّرْعِيَّةِ، بِخِلَافِ عِدَّةِ الزَّوْجَةِ فَلِذَا تُغَسِّلُ هِيَ زَوْجَهَا وَإِنْ كَانَتْ مُحْرِمَةً أَوْ صَائِمَةً أَوْ مُظَاهَرًا مِنْهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مُعْتَدَّةً عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ بِأَنْ تَزَوَّجَتْ الْمَنْكُوحَةُ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَرُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ فَمَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّةِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَلَوْ انْقَضَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ غَسَّلَتْهُ، وَإِلَّا إنْ كَانَتْ أُخْتَانِ أَقَامَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَدَخَلَ بِهَا وَلَا يُدْرَى الْأُولَى مِنْهُمَا، أَوْ كَانَ قَالَ لِنِسَائِهِ إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَلَا تُغَسِّلُهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ.
وَلَوْ بَانَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ بِرِدَّتِهَا أَوْ تَمْكِينِهَا ابْنَهُ
[ ٢ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَوْ طَلَاقِهِ لَا تُغَسِّلُهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ. وَلَوْ ارْتَدَّتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ غُسْلِهِ لَا تُغَسِّلُهُ، خِلَافًا لِزُفَرَ فِي هَذَا. هُوَ يَقُولُ: الرِّدَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تَرْفَعُ النِّكَاحَ لِارْتِفَاعِهِ بِالْمَوْتِ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ بِالْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ بِخِلَافِهَا قَبْلَهُ، وَالْعِدَّةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِبْرَاءِ حَتَّى تُقَدَّرَ بِالْأَقْرَاءِ. قُلْنَا: النِّكَاحُ قَائِمٌ لِقِيَامِ أَثَرِهِ فَارْتَفَعَ بِالرِّدَّةِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَا مَجُوسِيَّيْنِ فَأَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمْ هِيَ حَتَّى مَاتَ لَا تُغَسِّلُهُ. فَإِنْ أَسْلَمَتْ غَسَّلَتْهُ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ أَيْضًا مِثْلَهُ فِيمَنْ وَطِئَ أُخْتَ زَوْجَتِهِ بِشُبْهَةٍ حَتَّى حُرِّمَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ فَمَاتَ فَانْقَضَتْ لَا تُغَسِّلُهُ زَوْجَتُهُ. وَذَكَرَ فِي الْمَنْظُومَةِ وَالشَّرْحِ فِي هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْمَجُوسِيَّةِ أَنْ يَحِلَّ لَهَا غُسْلُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، فَالْمُعْتَبَرُ فِي حِلِّهِ عِنْدَنَا حَالَةُ الْغُسْلِ وَعِنْدَهُ حَالَةُ الْمَوْتِ. وَكَذَا لَوْ أَنَّ نَفْسَ الزَّوْجَةِ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَاعْتَدَّتْ فَمَاتَ زَوْجُهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِأَثَرِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ وَلَا رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ لَا تُغَسِّلُهُ بِنْتُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، بَلْ تُيَمِّمُهُ إحْدَاهُنَّ أَوْ أَمَتُهُ أَوْ أَمَةُ غَيْرِهِ بِغَيْرِ ثَوْبٍ، وَلَا تُيَمِّمُهُ مَنْ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ إلَّا بِثَوْبٍ، وَالصَّغِيرُ وَالصَّغِيرَةُ إذَا لَمْ يَبْلُغَا حَدَّ الشَّهْوَةِ يُغَسِّلُهُمَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَقَدَّرَهُ فِي الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَالْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ كَالْفَحْلِ.
وَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَا امْرَأَةَ، فَإِنْ كَانَ مَحْرَمٌ مِنْ الرِّجَالِ يَمَّمَهَا بِالْيَدِ، وَالْأَجْنَبِيُّ بِالْخِرْقَةِ وَيَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، وَالزَّوْجِ فِي امْرَأَتِهِ أَجْنَبِيٌّ إلَّا فِي غَضِّ الْبَصَرِ.
وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ فَيَمَّمُوا الْمَيِّتَ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدُوهُ غَسَّلُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ثَانِيًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَعَنْهُ يُغَسَّلُ وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَفَّنُوهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ عُضْوٌ لَمْ يُغْسَلْ يُغْسَلُ ذَلِكَ الْعُضْوُ، وَلَوْ بَقِيَ نَحْوُ الْأُصْبُعِ لَا يُغْسَلُ.
وَلَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَأَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَلَا يُنْبَشُ، هَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ فَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ.
وَإِذَا وُجِدَ أَطْرَافُ مَيِّتٍ أَوْ بَعْضُ بَدَنِهِ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ بَلْ يُدْفَنُ إلَّا إنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ مِنْ بَدَنِهِ فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، أَوْ وُجِدَ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فَحِينَئِذٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ مَشْقُوقًا نِصْفَيْنِ طُولًا فَوُجِدَ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا وُجِدَ مَيِّتٌ لَا يُدْرَى أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ؟ فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ سِيمَاهُمْ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الْكُفْرِ وَعَلَيْهِ سِيمَاهُمْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِي الْغُسْلِ اسْتِعْمَالُ الْقُطْنِ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُجْعَلُ الْقُطْنُ الْمَحْلُوجُ فِي مَنْخِرَيْهِ وَفَمِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي صِمَاخَيْهِ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي دُبُرِهِ أَيْضًا. قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَاسْتَقْبَحَهُ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ.
وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْحَمْلِ وَالدَّفْنِ، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْغُسْلِ أَيْضًا.
وَيُكْرَهُ لِلْغَاسِلِ أَنْ يُغَسِّلَ وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ حَائِضٌ.
وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ.
[ ٢ / ١١٢ ]