(الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ مُعْتَبَرَةٌ) قَالَ ﷺ «أَلَا لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ، وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ»
مِنْهَا إلَيْهَا بِالصِّغَرِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا فِي الصِّغَرِ لِتَحْصِيلِ الْكُفْءِ وَفِي الْجُنُونِ لِذَلِكَ وَدَفْعِ الشَّهْوَةِ وَالْمُمَارَسَةِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ يَجْتَمِعُ فِيهِ أَبُوهُ وَابْنُهُ أَوْ جَدُّهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَيُّهُمَا مِنْ الْأَبِ وَالِابْنِ زَوَّجَ جَازَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى جَعَلَهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ، وَلَا يَبْعُدُ إذْ فِي الِابْنِ قُوَّةُ الْعُصُوبَةِ وَفِي الْأَبِ زِيَادَةُ الشَّفَقَةِ فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا جِهَةٌ.
(قَوْلُهُ) فِي وَجْهِ قَوْلِهِمَا (وَهَذِهِ الْوِلَايَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُصُوبَةِ) بِالنَّصِّ السَّابِقِ، وَالِابْنُ هُوَ الْمُقَدَّمُ فِي الْعُصُوبَةِ شَرْعًا لِانْفِرَادِهِ بِالْأَخْذِ بِالْعُصُوبَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِ مَعَهُ. ثُمَّ إذَا زَوَّجَ الْمَجْنُونَةَ أَوْ الْمَجْنُونَ الْكَبِيرَيْنِ أَبُوهُمَا أَوْ جَدُّهُمَا لَا خِيَارَ لَهُمَا إذَا أَفَاقَا لِتَمَامِ شَفَقَتِهِمَا، وَلَوْ زَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَجْنُونُ أَوْ الْمَرْأَةُ ابْنَهُمَا فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ وَالْجَدِّ وَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي تَزْوِيجِهِمَا فَالِابْنُ أَوْلَى.
(فَصْلٌ فِي الْكَفَاءَةِ)
الْكُفْءُ الْمُقَاوَمُ وَيُقَالُ لَا كِفَاءَ لَهُ بِالْكَسْرِ. وَلَمَّا كَانَتْ الْكَفَاءَةُ شَرْطَ اللُّزُومِ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا عَقَدَتْ بِنَفْسِهَا حَتَّى كَانَ لَهُ الْفَسْخُ عِنْدَ عَدَمِهَا كَانَتْ فَرْعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ وَهُوَ بِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ، فَقَدَّمَ بَيَانَ الْأَوْلِيَاءِ وَمَنْ تَثْبُتُ لَهُ ثُمَّ أَعْقَبَهُ فَصْلَ الْكَفَاءَةِ (قَوْلُهُ مُعْتَبَرَةٌ) قَالُوا: مَعْنَاهُ مُعْتَبَرَةٌ فِي اللُّزُومِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ حَتَّى إنَّ عِنْدَ عَدَمِهَا جَازَ لِلْوَلِيِّ الْفَسْخُ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَلَا لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ
[ ٣ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ» فَهَاهُنَا نَظَرَانِ فِي إثْبَاتِ حُجِّيَّتِهِ، ثُمَّ وَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى الدَّعْوَى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مِنْ مَعْنَاهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ مُبَشِّرَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْن أَرْطَاةَ وَالْحَجَّاجُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمُبَشِّرٌ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ نَسَبَهُ أَحْمَدُ إلَى الْوَضْعِ وَسَيَأْتِي تَخْرِيجُهُ لَكِنَّهُ حُجَّةٌ بِالتَّضَافُرِ وَالشَّوَاهِدِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهُ: «يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إذَا أَتَتْ، وَالْجِنَازَةُ إذَا حَضَرَتْ، وَالْأَيِّمُ إذَا وَجَدَتْ كُفُؤًا»، وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ لَا أَرَى إسْنَادَهُ مُتَّصِلًا مُنْتَفٍ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ. وَقَالَ فِي سَنَدِهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ مَكَانَ قَوْلِ الْحَاكِمِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ فَلْيُنْظَرْ فِيهِ.
وَمَا عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «تَخَيَّرُوا لَنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ» رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَعُمَرَ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ فَوَجَبَ ارْتِفَاعُهُ إلَى الْحُجِّيَّةِ بِالْحَسَنِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِصِحَّةِ الْمَعْنَى وَثُبُوتِهِ عَنْهُ ﷺ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ، ثُمَّ وَجَدْنَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ الْحَلَبِيِّ ذَكَرَ أَنَّ الْبَغَوِيّ قَالَ: إنَّهُ حَسَنٌ، وَقَالَ فِيهِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيِّ بِسَنَدِهِ ثُمَّ أَوْجَدَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا صُورَةَ السَّنَدِ عَنْ الْحَافِظِ قَاضِي الْقُضَاةِ الْعَسْقَلَانِيِّ الشَّهِيرِ بِابْنِ حَجَرٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْت جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «وَلَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ» مِنْ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ. قَالَ الْحَافِظُ: إنَّهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَسَنٌ وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ.
وَأَغْنَى عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَقَالَ: إذَا كَانَتْ الْكَفَاءَةُ مُعْتَبَرَةً فِي الْحَرْبِ وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ فَفِي النِّكَاحِ وَهُوَ لِلْعُمْرِ أَوْلَى. وَذَكَرَ «مَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَنَّهُ لَمَّا بَرَزَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَخَرَجَ إلَيْهِمْ عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ قَالُوا لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: أَبْنَاءُ قَوْمٍ كِرَامٍ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ ﷺ: صَدَقُوا، ثُمَّ أَمَرَ حَمْزَةَ وَعَلِيًّا وَعُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ» إلَخْ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ صَدَقُوا فَلَمْ أَرَهُ، وَاَلَّذِي فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُمْ: أَنْتُمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ بَنِي عَمِّنَا. وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ لَنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ ﷺ: قُمْ يَا حَمْزَةُ وَقُمْ يَا عَلِيُّ» إلَخْ.
وَنَحْنُ نَقْطَعُ أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ لَوْ بَرَزَ لِلْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ إطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَنْسَابِهِمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عَبْدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ كَانَ مَشْكُورًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ النَّسَبُ إلَّا بُعْدًا. نَعَمْ الْكَفَاءَةُ الْمَطْلُوبَةُ هُنَا كَفَاءَةُ الشِّدَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ كُفْؤُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نُصْرَةُ الدِّينِ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، وَكَلَامُهُ إنَّمَا يُفِيدُ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّمَا أَجَابَهُمْ ﷺ لِذَلِكَ إمَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ أَشَدُّ مِنْ الَّذِينَ خَرَجُوا إلَيْهِمْ أَوَّلًا أَوْ لِئَلَّا يُظَنَّ بِالْمَطْلُوبِينَ عَجْزٌ أَوْ جُبْنٌ، أَوْ دَفْعًا لِمَا قَدْ يَظُنُّ أَهْلُ النِّفَاقِ مِنْ أَنَّهُ يَضِنُّ بِقَرَابَتِهِ دُونَ الْأَنْصَارِ.
النَّظَرُ الثَّانِي لَا يُخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ «لَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ» أَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَوْلِيَاءِ نَهْيًا لَهُمْ أَنْ يُزَوِّجُوهُنَّ إلَّا
[ ٣ / ٢٩٢ ]
وَلِأَنَّ انْتِظَامَ الْمَصَالِحِ بَيْنَ الْمُتَكَافِئَيْنِ عَادَةً، لِأَنَّ الشَّرِيفَةَ تَأْبَى أَنْ تَكُونَ مُسْتَفْرَشَةً لِلْخَسِيسِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا، بِخِلَافِ جَانِبِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُسْتَفْرِشٌ فَلَا تَغِيظُهُ دَنَاءَةُ الْفِرَاشِ
مِنْ الْأَكْفَاءِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْفَسْخِ. فَإِنْ قُلْت: يُمْكِنُ كَوْنُ فَاعِلِ يُزَوَّجْنَ الْمَحْذُوفُ أَعَمَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يُزَوِّجَهُنَّ مُزَوِّجٌ هِيَ لِنَفْسِهَا أَوْ الْأَوْلِيَاءُ لَهَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا بِغَيْرِ الْكُفْءِ فَإِذَا بَاشَرَتْهُ لَزِمَتْهَا الْمَعْصِيَةُ وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ لِلْوَلِيِّ فَسْخَهُ إلَّا الْمَعْنَى الصِّرْفَ وَهُوَ أَنَّهَا أَدْخَلَتْ عَلَيْهِ ضَرَرًا فَلَهُ دَفْعُهُ، وَهَذَا لَيْسَ مَدْلُولَ النَّصِّ، وَلَوْ عَلَّلَ نَهْيَهَا التَّضَمُّنِيَّ لِلنَّصِّ بِإِدْخَالِهَا الضَّرَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فَسْخُهُ مَدْلُولَ النَّصِّ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا التَّضَمُّنِيَّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِهَا وَبِالْأَوْلِيَاءِ، فَبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ إنَّمَا يُعَلَّلُ بِتَرْكِ النَّظَرِ لَهَا، وَبِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَيْسَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ. وَلَا يُشْكِلُ عَلَى سَامِعٍ أَنَّ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ إذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَلِلْوَلِيِّ فَسْخُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُزَوِّجُهُنَّ أَحَدٌ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ» نَبْوَةٌ لِلدَّلِيلِ عَنْ الْمُدَّعِي. فَالْحَقُّ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى مُجَرَّدِ الِاعْتِبَارِ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ فِي الْكِتَابِ.
فَإِنْ قُلْت: كَوْنُ الشَّيْءِ مُعْتَبَرًا فِي الشَّرْعِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ: أَعْنِي مُعْتَبَرًا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ. قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّهُ لَمْ تُقْصَدْ الْخُصُوصِيَّةُ فَإِنْ قُلْت: فَمَا هُوَ؟ قُلْنَا: مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا الْوُجُوبُ: أَعْنِي وُجُوبَ نِكَاحِ الْأَكْفَاءِ وَتَعْلِيلُهَا بِانْتِظَامِ الْمَصَالِحِ يُؤَيِّدُهُ لَا يَنْفِيهِ.
ثُمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُهُ أَوَّلَ كُفْءٍ خَاطِبٍ إلَّا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» وَلَوْلَا أَنَّ شَرْطَ الْمَشْرُوعِ الْقَطْعِيِّ لَا يَثْبُتُ بِظَنِّيٍّ لَقُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ لِلصِّحَّةِ.
ثُمَّ هَذَا الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَوْلِيَاءِ حَقًّا لَهَا وَبِهَا حَقًّا لَهُمْ عَلَى مَا تَبَيَّنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، لَكِنْ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْمَعْصِيَةُ فِي حَقِّهِمْ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ كَبِيرَةً لَا يَنْفُذُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُهُمْ إلَّا بِرِضَاهَا: فَهِيَ تَارِكَةٌ لِحَقِّهَا، كَمَا إذَا رَضِيَ الْوَلِيُّ بِتَرْكِ حَقِّهِ حَيْثُ يَنْفُذُ. هَذَا كُلُّهُ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِهَا، وَعَلَى اعْتِبَارِهَا يُشْكِلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْأَبَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ الصَّغِيرَةَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ.
فَإِنْ قُلْت: خَطَبَ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ عَلَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَلَيْسَ قُرَشِيًّا، وَزُوِّجَتْ أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ بِلَالٍ وَهُوَ حَبَشِيٌّ، وَزَوَّجَ أَبُو حُذَيْفَةَ بِنْتَ أَخِيهِ مِنْ مَوْلَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمِ الصَّحَابَةِ وَبَعْضُهُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْجَوَابُ أَنَّ وُقُوعَ هَذِهِ لَيْسَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ تِلْكَ النِّسَاءِ صَغَائِرَ بَلْ الْعِلْمُ مُحِيطٌ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ خُصُوصًا بِنْتَ قَيْسٍ كَانَتْ ثَيِّبًا كَبِيرَةً حِينَ تَزَوَّجَهَا أُسَامَةُ، وَإِنَّمَا جَازَ لِإِسْقَاطِهِنَّ حَقَّ الْكَفَاءَةِ هُنَّ وَأَوْلِيَاؤُهُنَّ.
هَذَا وَفِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ خِلَافُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْكَرْخِيِّ مِنْ مَشَايِخِنَا لِمَا رَوَى عَنْهُ ﷺ «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إنَّمَا الْفَضْلُ بِالتَّقْوَى» قُلْنَا مَا رَوَيْنَاهُ يُوجِبُ حَمْلَ مَا رَوَوْهُ عَلَى حَالِ الْآخِرَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ انْتِظَامَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِيَّةِ النِّكَاحِ انْتِظَامُ مَصَالِحِ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخَرِ فِي مُدَّةِ الْعُمْرِ؛ لِأَنَّهُ
[ ٣ / ٢٩٣ ]
(وَإِذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا) دَفْعًا لِضَرَرِ الْعَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ
. (ثُمَّ الْكَفَاءَةُ تُعْتَبَرُ فِي النَّسَبِ)؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِهِ التَّفَاخُرُ
وُضِعَ لِتَأْسِيسِ الْقَرَابَاتِ الصِّهْرِيَّةِ لِيَصِيرَ الْبَعِيدُ قَرِيبًا عَضُدًا وَسَاعِدًا يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّكَ وَيَسُوءُهُ مَا يَسُوءُكَ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُوَافَقَةِ وَالتَّقَارُبِ، وَلَا مُقَارَبَةَ لِلنُّفُوسِ عِنْدَ مُبَاعَدَةِ الْأَنْسَابِ وَالِاتِّصَافِ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ رَأَيْنَا الشَّرْعَ فَسَخَ عَقْدَ النِّكَاحِ إذَا وَرَدَ مِلْكُ الْيَمِينِ لَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُعَلَّلًا أَيْضًا بِعِلَّةٍ أُخْرَى عَامَّةٍ لِلطَّرَفَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ فَعَقْدُهُ مَعَ غَيْرِ الْمُكَافِئِ قَرِيبُ الشَّبَهِ مِنْ عَقْدٍ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقَاصِدُهُ، وَإِذَا كَانَ إيَّاهُ فَسَدَ، وَإِذَا كَانَ طَرِيقَهُ كُرِهَ وَلَمْ يَلْزَمْ لِمُولِيهِ إذَا انْفَرَدَ بِهِ الْوَلِيُّ لِظُهُورِ الْإِضْرَارِ بِهَا
. (قَوْلُهُ وَإِذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَلِلْأَوْلِيَاءِ) وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَحَارِمَ كَابْنِ الْعَمِّ (أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلْعَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ) مَا لَمْ يَجِئْ مِنْ الْوَلِيِّ دَلَالَةُ الرِّضَا كَقَبْضِهِ الْمَهْرَ أَوْ النَّفَقَةَ أَوْ الْمُخَاصَمَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ وَكَالتَّجْهِيزِ وَنَحْوِهِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا عَلَى السَّكْتِ فَظَهَرَ عَدَمُهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَطَ الْعَاقِدُ الْكَفَاءَةَ أَوْ أَخْبَرَهُ الزَّوْجُ بِمَا حَيْثُ كَانَ لَهُ التَّفْرِيقُ، أَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ وَلَمْ يُخْبِرْهُ فَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِيمَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِمَّا لَا يُعْلَمُ حَالُهُ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ بَلْ لِلْأَوْلِيَاءِ، أَوْ زَوَّجَهَا الْأَوْلِيَاءُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُونَ وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ بِحُرِّيَّتِهِ وَرِقِّهِ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ لَهُمْ الْفَسْخُ.
وَلَوْ أَخْبَرَ بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ شَرَطُوا ذَلِكَ فَظَهَرَ بِخِلَافِهِ كَانَ لِلْعَاقِدِ الْفَسْخُ، وَلَا يَكُونُ سُكُوتُ الْوَلِيِّ رِضًا إلَّا إنْ سَكَتَ إلَى أَنْ وَلَدَتْ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ التَّفْرِيقُ. وَعَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ لَهُ التَّفْرِيقَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَيْضًا، وَهَذِهِ الْفُرْقَةُ فَسْخٌ لَا يُنْقِصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ وَلَا يَجِبُ عِنْدَهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ إنْ وَقَعَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ لَهَا الْمُسَمَّى، وَكَذَا بَعْدَ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً. وَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ إلَّا بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ وَكُلٌّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ يَتَشَبَّثُ بِدَلِيلٍ فَلَا يَنْقَطِعُ النِّزَاعُ إلَّا بِفَصْلِ الْقَاضِي، وَالنِّكَاحُ قَبْلَهُ صَحِيحٌ يَتَوَارَثَانِ بِهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ، هَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ أَصْلًا إذَا كَانَتْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ. وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْ أَنْ يَطَأَهَا؟ مُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ نَعَمْ.
قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: هَذَا وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّةِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُولَ: إنَّمَا تَزَوَّجْتُكَ عَلَى رَجَاءِ أَنْ يُجِيزَ الْوَلِيُّ وَعَسَى لَا يَرْضَى فَيُفَرِّقُ فَيَصِيرُ هَذَا وَطْئًا بِشُبْهَةٍ. وَرِضَا بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ فِي دَرَجَةٍ كَرِضَا كُلِّهِمْ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْكُلِّ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِرِضَا الْكُلِّ، كَالدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ، قُلْنَا: هُوَ حَقٌّ لَهُمْ لَكِنْ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ كَوِلَايَةِ الْأَمَانِ، فَإِذَا أَبْطَلَهُ أَحَدُهُمْ لَا يَبْقَى كَحَقِّ الْقِصَاصِ، أَمَّا لَوْ رَضِيَ الْأَبْعَدُ كَانَ لِلْأَقْرَبِ الِاعْتِرَاضُ. وَلَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بِإِذْنِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ ثَانِيًا كَانَ لِذَلِكَ الْوَلِيِّ التَّفْرِيقُ، وَلَا يَكُونُ الرِّضَا بِالْأَوَّلِ رِضًا بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْعُدُ رُجُوعُهُ عَنْ خُلَّةٍ دَنِيَّةٍ، وَكَذَا لَوْ زَوَّجَهَا هُوَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ غَيْرَ كُفْءٍ وَلَوْ تَزَوَّجَتْهُ ثَانِيًا فِي الْعِدَّةِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا لَزِمَهُ مَهْرٌ ثَانٍ وَاسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الثَّانِي، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْكَفَاءَةُ تُعْتَبَرُ فِي النَّسَبِ) جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ
[ ٣ / ٢٩٤ ]
(فَقُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊
مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ وَسَيُورِدُهُ، إلَّا الْكَفَاءَةَ فِي الْعَقْلِ ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا رِوَايَةَ فِي اعْتِبَارِ الْعَقْلِ فِي الْكَفَاءَةِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِعَدَمِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ عِنْدَنَا فِي السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا الْبَيْعُ كَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَالْبَرَصِ وَالْبَخَرِ وَالدَّفَرِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ: أَعْنِي الْجُنُونَ وَالْجُذَامَ وَالْبَرَصَ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَا تُطِيقُ الْمُقَامَ مَعَهُ فَالْحَقُّ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِي الْعَقْلِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، إلَّا أَنَّ الَّذِي لَهُ التَّفْرِيقُ وَالْفَسْخُ الزَّوْجَةَ لَا الْوَلِيَّ وَكَذَا فِي أَخَوَيْهِ عِنْدَهُ. [فَرْعٌ]
انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ نَسَبِهِ لِامْرَأَةٍ فَتَزَوَّجَتْهُ ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُكَافِئْهَا بِهِ كَقُرَشِيَّةٍ انْتَسَبَ لَهَا إلَى قُرَيْشٍ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ غَيْرُ قُرَشِيٍّ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَلَوْ رَضِيَتْ كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ التَّفْرِيقُ وَإِنْ كَافَأَهَا بِهِ كَعَرَبِيَّةٍ لَيْسَتْ قُرَشِيَّةً انْتَسَبَ لَهَا إلَى قُرَيْشٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ غَيْرُ قُرَشِيٍّ فَلَا حَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَلَهَا هِيَ الْخِيَارُ عِنْدَنَا إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ خِلَافًا لِزُفَرَ. وَلَنَا أَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ زِيَادَةَ مَنْفَعَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ابْنُهَا صَالِحًا لِلْخِلَافَةِ، فَإِذَا لَمْ تَنَلْ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ، كَشِرَاءِ الْعَبْدِ عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ فَظَهَرَ خِلَافُهُ. وَأَيْضًا الِاسْتِفْرَاشُ ذُلٌّ فِي جَانِبِهَا فَقَدْ تَرْضَى بِهِ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا لَا مِنْ مِثْلِهَا، فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ فَقَدْ غَرَّهَا وَتَبَيَّنَ عَدَمُ رِضَاهَا بِالْعَقْدِ فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الِانْتِسَابُ مِنْ جَانِبِهَا وَالْغُرُورُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ بِمَا ظَهَرَ مِنْ غُرُورِهَا وَلِتَخَلُّصِهِ مِنْهَا بِطَرِيقٍ يُمْكِنُهُ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْخِيَارِ وَيَحْتَاجُ بَعْدَ هَذَا إلَى فَضْلِ تَقْرِيرٍ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ إثْبَاتِ خِيَارِ الْبُلُوغِ لِلْغُلَامِ وَهُوَ سَهْلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ فَقُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ) رَوَى الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ، فَإِنَّ شُجَاعَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ إخْوَانِنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ وَرَجُلٌ بِرَجُلٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ وَرَجُلٌ بِرَجُلٍ إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا» وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ عِمْرَانُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْأَيْلِيُّ، وَضُعِّفَ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَأَنَّ عِمْرَانَ هَذَا يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنْ الْأَثْبَاتِ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «النَّاسُ أَكْفَاءٌ قَبِيلَةٌ لِقَبِيلَةٍ وَعَرَبِيٌّ لِعَرَبِيٍّ وَمَوْلًى لِمَوْلًى إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا» وَضُعِّفَ بِبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ مُخَيَّلٌ إنْ عَنْعَنَ الْحَدِيثَ لَيْسَ غَيْرُ، وَبِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ مَطْعُونٌ فِيهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعُمَرَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ هُوَ الطَّرَائِفِيُّ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ يَرْوِي الْمَجَاهِيلَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ اهـ كَلَامُهُ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يَرْفَعُهُ «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ» اهـ.
وَابْنُ مَعْدَانَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ، وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَمْ أَجِدْ لَهُ ذِكْرًا. وَبِالْجُمْلَةِ فَلِلْحَدِيثِ أَصْلٌ، فَإِذًا
[ ٣ / ٢٩٥ ]
«قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ بَطْنٌ بِبَطْنٍ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ،
ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فَيُمْكِنُ ثُبُوتُ تَفْصِيلِهَا أَيْضًا بِالنَّظَرِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ فِيمَا يَحْقِرُونَهُ وَيُعَيِّرُونَ بِهِ فَيُسْتَأْنَسُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي ذَلِكَ، خُصُوصًا وَبَعْضُ طُرُقِهِ كَحَدِيثِ بَقِيَّةَ لَيْسَ مِنْ الضَّعْفِ بِذَاكَ، فَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ مُعَظِّمًا لِبَقِيَّةِ وَنَاهِيكَ بِاحْتِيَاطِ شُعْبَةَ، وَأَيْضًا تَعَدُّدُ طُرُقِ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ يَرْفَعُهُ إلَى الْحَسَنِ، ثُمَّ الْقُرَشِيَّانِ مَنْ جَمَعَهُمَا أَبٌ هُوَ النَّضْرُ بْنُ كَنَانَةَ فَمَنْ دُونَهُ، وَمَنْ لَمْ يُنْسَبْ إلَّا إلَى أَبٍ فَوْقَهُ فَهُوَ عَرَبِيٌّ غَيْرُ قُرَشِيٍّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَوْلَادُ النَّضْرِ قُرَيْشًا تَشْبِيهًا لَهُمْ بِدَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ تُدْعَى قِرْشًا تَأْكُلُ دَوَابَّهُ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَعْظَمِ دَوَابِّ الْبَرِّ عِزَّةً وَفَخْرًا وَنَسَبًا، وَعَلَى هَذَا قَالَ اللِّهْبِيُّ:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ … الْبَحْرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا
وَقِيلَ؛ لِأَنَّ النَّضْرَ كَانَ يُسَمَّى قُرَيْشًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّعْبِيِّ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرِشُ عَنْ خِلَّةِ النَّاسِ لِيَسُدَّ حَاجَاتِهِمْ بِمَالِهِ وَالتَّقْرِيشُ التَّفْتِيشُ، قَالَ الْحَارِثُ:
أَيّهَا النَّاطِقُ الْمُقَرِّشُ عَنَّا … عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَنَا إبْقَاءُ
وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا عَلَى نَادِي قَوْمِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اُنْظُرْ إلَى النَّضْرِ كَأَنَّهُ جَمَلٌ قُرَيْشٌ، وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِقُرَيْشِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَخْلَدٍ كَانَ صَاحِبَ عِيرِهِمْ فَكَانُوا يَقُولُونَ قَدِمَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ وَخَرَجَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ وَلِهَذَا الرَّجُلِ ابْنٌ يُسَمَّى بَدْرًا وَهُوَ الَّذِي حَفَرَ بِئْرَ بَدْرٍ وَسُمِّيَتْ بِهِ، وَقِيلَ لِتِجَارَتِهِمْ وَالْقِرْشُ الْكَسْبُ.
وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ: قِيلَ إنَّ اسْمَهُ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا فِهْرٌ لَقَبُهُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قُرَشِيًّا إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ فِهْرٍ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْجَمْعِ، وَالتَّقْرِيشُ التَّجْمِيعُ؛ لِأَنَّ قُصَيًّا جَمَّعَ بَنِي النَّضْرِ فِي الْحَرَمِ مِنْ بَعْدِ تَفَرُّقِهِمْ، وَقِيلَ لَمَّا نَزَلَ قُصَيٌّ الْحَرَمَ فَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً فَقِيلَ لَهُ الْقِرْشُ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي كَوْنُ الْقُرَشِيِّينَ مَنْ جَمَعَهُمَا أَبٌ هُوَ قُصَيٌّ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيَكُونُ مِنْ التَّجَمُّعِ لَا التَّجْمِيعِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ قُصَيٍّ وَالتَّجَمُّعُ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ النَّضْرِ وَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ قَالَ: أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا بِهِ جَمَّعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرٍ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ غَيْرَ أَنَّ الْقَافِيَّةَ اتَّفَقَتْ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَبَعْدَ نَقْلِ أَنَّ قُصَيًّا سُمِّيَ مُجَمِّعًا لِجَمْعِهِ أَوْلَادَ النَّضْرِ عُرِفَ أَنَّ الْقُرَشِيِّينَ مَنْ جَمَعَهُمَا النَّضْرُ.
هَذَا وَقُرَيْشٌ عِمَارَةٌ تَحْتَهَا بُطُونٌ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ وَقُصَيٌّ وَعَدِيٌّ وَمِنْهُمْ الْفَارُوقُ ﵁.
وَمُرَّةُ وَمِنْ مُرَّةَ تَيْمٌ وَمِنْهُمْ الصِّدِّيقُ ﵁. وَمَخْزُومٌ وَمِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيُّ ﵁ وَهُمَا فَخْذَانِ.
وَهَاشِمٌ فَخْذٌ وَالْعَبَّاسُ فَصِيلَةٌ، وَأَعَمُّ الطَّبَقَاتِ الشُّعَبُ مِثْلُ حِمْيَرَ وَرَبِيعَةَ وَمُضَرَ ثُمَّ الْقَبِيلَةُ مِثْلُ كِنَانَةَ وَلِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فِي قُرَيْشٍ بَطْنٌ بِبَطْنٍ، وَفِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ» وَنَظَمَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ تَرْتِيبَ الطَّبَقَاتِ فَقَالَ:
قَبِيلَةٌ فَوْقَهَا شَعْبٌ وَبَعْدَهُمَا … عِمَارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ تَلُوهُ فَخِذُ
وَلَيْسَ يُؤْوِي الْفَتَى إلَّا فَصِيلَتُهُ … وَلَا سَدَادَ لِسَهْمٍ مَا لَهُ قُذَذُ
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ رَجُلٌ بِرَجُلٍ» وَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ لِمَا رَوَيْنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَسَبًا مَشْهُورًا كَأَهْلِ بَيْتِ الْخِلَافَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ تَعْظِيمًا لِلْخِلَافَةِ وَتَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْعَشِيرَةَ بَعْدَ الْفَصِيلَةِ فَقَالَ:
اقْصِدْ الشَّعْبَ فَهْوَ أَكْثَرُ حَيٍّ … عَدَدًا فِي الْجِوَاءِ ثُمَّ الْقَبِيلَهْ
ثُمَّ يَتْلُوهُمَا الْعِمَارَةُ ثُمَّ … الْبَطْنُ وَالْفَخِذُ بَعْدَهَا وَالْفَصِيلَهْ
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا الْعَشِيرَةُ لَكِنْ … هِيَ فِي جَنْبِ مَا ذَكَرْنَا قَلِيلَهْ
(قَوْلُهُ وَالْمَوَالِي) هُمْ الْعُتَقَاءُ، وَالْمُرَادُ هُنَا غَيْرُ الْعَرَبِ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُمْ رِقٌّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا ضَلُّوا أَنْسَابَهُمْ كَانَ التَّفَاخُرُ بَيْنَهُمْ بِالدِّينِ وَمَا نَذْكُرُهُ فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِي أَنْسَابِ قُرَيْشٍ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْهَاشِمِيَّ وَالْمُطَّلِبِيَّ أَكْفَاءٌ دُونَ غَيْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
قَالُوا: وَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بِنْتَيْهِ مِنْ عُثْمَانَ وَهُوَ أُمَوِيٌّ، وَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ عَدَوِيٌّ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ قَدْ يَقُولُ يَجُوزُ كَوْنُهُ لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فِي الْكَفَاءَةِ نَظَرًا إلَى مَصْلَحَةٍ أُخْرَى لَكِنَّهُ يَرَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي النَّسَبِ فَيَلْزَمُهُ مَا ذَكَرْنَا، وَعَلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ فِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ، وَعَلَى مُحَمَّدٍ فِي اعْتِبَارِهِ الزِّيَادَةَ بِالْخِلَافَةِ حَتَّى لَا يُكَافِئَ أَهْلُ بَيْتِ الْخِلَافَةِ غَيْرَهُمْ مِنْ الْقُرَشِيِّينَ، هَذَا إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ عَدَمَ الْمُكَافَأَةِ لَا إنْ قَصَدَ بِهِ تَسْكِينَ الْفِتْنَةِ.
وَفِي الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ: قَالُوا الْحَسِيبُ يَكُونُ كُفْئًا لِلنَّسِيبِ، فَالْعَالِمُ الْعَجَمِيُّ كُفْءٌ لِلْجَاهِلِ الْعَرَبِيِّ وَالْعَلَوِيَّةِ، لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ فَوْقَ شَرَفِ النَّسَبِ وَالْحَسَبِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ: الْحَسِيبُ هُوَ الَّذِي لَهُ جَاهٌ وَحِشْمَةٌ وَمَنْصِبٌ. وَفِي الْيَنَابِيعِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ كُفْئًا لِلْعَلَوِيَّةِ.
وَأَصْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ أُعْتِقَ إذَا أَحْرَزَ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا يُقَابِلُ بِهِ نَسَبَ الْآخَرِ كَانَ كُفْئًا لَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ بِالْبِلَادِ. فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْقَرَوِيَّ
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وَبَنُو بَاهِلَةَ لَيْسُوا بِأَكْفَاءَ لِعَامَّةِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْخَسَاسَةِ.
(وَأَمَّا الْمَوَالِي فَمَنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ فَصَاعِدًا فَهُوَ مِنْ الْأَكْفَاءِ) يَعْنِي لِمَنْ لَهُ آبَاءٌ فِيهِ. وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ كُفْئًا لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ النَّسَبِ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ، وَأَبُو يُوسُفَ أَلْحَقَ الْوَاحِدَ بِالْمُثَنَّى كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي التَّعْرِيفِ. وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ كُفْئًا لِمَنْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ فِيمَا بَيْنَ الْمَوَالِي بِالْإِسْلَامِ.
وَالْكَفَاءَةُ فِي الْحُرِّيَّةِ نَظِيرُهَا فِي الْإِسْلَامِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ وَفِيهِ مَعْنَى الذُّلِّ فَيُعْتَبَرُ فِي حُكْمِ الْكَفَاءَةِ
كُفْءٌ لِلْمَدَنِيِّ (قَوْلُهُ وَبَنُو بَاهِلَةَ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ، وَبَاهِلَةُ فِي الْأَصْلِ اسْمُ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ كَانَتْ تَحْتَ مَعْنِ بْنِ أَعَصْرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ فَنُسِبَ وَلَدُهُ إلَيْهَا وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْخَسَاسَةِ. قِيلَ كَانُوا يَأْكُلُونَ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ عِظَامَ الْمَيْتَةِ يَطْبُخُونَهَا وَيَأْخُذُونَ دُسُومَتَهَا فَلِذَا قِيلَ:
وَلَا يَنْفَعُ الْأَصْلُ مِنْ هَاشِمٍ … إذَا كَانَتْ النَّفْسُ مِنْ بَاهِلِهِ
وَقِيلَ:
إذَا قِيلَ لِلْكَلْبِ يَا بَاهِلِيُّ … عَوَى الْكَلْبُ مِنْ لُؤْمِ هَذَا النَّسَبِ
وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ، فَإِنَّ النَّصَّ لَمْ يُفَصِّلْ مَعَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَعْلَمَ بِقَبَائِل الْعَرَبِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَقَدْ أَطْلَقَ، وَلَيْسَ كُلُّ بَاهِلِيٍّ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِمْ الْأَجْوَادُ، وَكَوْنُ فَصِيلَةٍ مِنْهُمْ أَوْ بَطْنٍ صَعَالِيكَ فَعُلُوُّ ذَلِكَ لَا يَسْرِي فِي حَقِّ الْكُلِّ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمَوَالِي فَمَنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ فَصَاعِدًا فَهُوَ مِنْ الْأَكْفَاءِ: يَعْنِي لِمَنْ لَهُ آبَاءٌ فِيهِ، وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ كُفْئًا لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِيهِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ النَّسَبِ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ، وَأَلْحَقَ أَبُو يُوسُفَ الْوَاحِدَ بِالْمُثَنَّى كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي التَّعْرِيفِ) أَيْ فِي الشَّهَادَاتِ وَالدَّعَاوَى، قِيلَ كَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ
[ ٣ / ٢٩٨ ]
قَالَ (وَتُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي الدِّينِ) أَيْ الدِّيَانَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْلَى الْمَفَاخِرِ، وَالْمَرْأَةُ تُعَيَّرُ بِفِسْقِ الزَّوْجِ فَوْقَ مَا تُعَيَّرُ بِضَعَةِ نَسَبِهِ.
لَا يُعَدُّ كُفْرُ الْجَدِّ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا، وَهُمَا قَالَاهُ فِي مَوْضِعٍ يُعَدُّ عَيْبًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا جَمِيعًا إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَيْبًا فِي حَقِّ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَيَّرُونَ بِذَلِكَ وَهَذَا حَسَنٌ وَبِهِ يَنْتَفِي الْخِلَافُ،.
وَلَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَلَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَقَالَ وَلِيُّهَا لَيْسَ هَذَا كُفْئًا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا بَلْ هُمْ أَكْفَاءٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. قَالَ فِي الْأَصْلِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَسَبًا مَشْهُورًا كَبِنْتِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ خَدَعَهَا حَائِكٌ أَوْ سَائِسٌ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لَا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ بَلْ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِتَسْكِينِهَا بَيْنَهُمْ كَمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
(قَوْلُهُ وَالْكَفَاءَةُ فِي الْحُرِّيَّةِ نَظِيرُهَا فِي الْإِسْلَامِ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ حُرَّانِ كَافَأَ مَنْ كَانَ لَهُ آبَاءٌ أَحْرَارٌ، وَمَنْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ حُرٌّ لَا يُكَافِئُ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ حُرَّانِ، وَمَنْ عَتَقَ بِنَفْسِهِ لَا يُكَافِئُ مَنْ لَهُ أَبٌ حُرٌّ.
وَفِي التَّجْنِيسِ: لَوْ كَانَ أَبُوهَا مُعْتَقًا وَأُمُّهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ لَا يُكَافِئُهَا الْمُعْتَقُ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَثَرَ الرِّقِّ وَهُوَ الْوَلَاءُ، وَالْمَرْأَةُ لَمَّا كَانَتْ أُمُّهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ كَانَتْ هِيَ أَيْضًا حُرَّةَ الْأَصْلِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى: مُعْتَقَةُ الشَّرِيفِ لَا يُكَافِئُهَا مُعْتَقُ الْوَضِيعِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ كَوْنُ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ كُفْئًا لِمَنْ عَتَقَ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ وَتُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي الدِّينِ: أَيْ الدِّيَانَةُ) فَسَّرَ بِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّقْوَى لَا اتِّفَاقَ الدِّينِ؛ لِأَنَّ تَفَاصِيلَهُ تُعْرَفُ فِي نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَلَا كَوْنُهُ مُكَافِئًا بِإِسْلَامِ نَفْسِهِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَرَّ قَبْلَهُمَا (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) أَيْ أَنَّ الصَّحِيحَ اقْتِرَانُ قَوْلَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَرَجَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ وَقَالَ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَفَاءَةَ مِنْ حَيْثُ الصَّلَاحُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِر الْكَفَاءَةَ فِي الدِّينِ وَقَالَ: إذَا كَانَ الْفَاسِقُ ذَا مُرُوءَةٍ كَأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَالْمُبَاشِرِينَ الْمَكَسَةِ، وَكَذَا عَنْهُ إنْ كَانَ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ سِرًّا وَلَا يَخْرُجُ وَهُوَ سَكْرَانُ يَكُونُ كُفْئًا وَإِلَّا لَا، وَحِينَئِذٍ الْأَوْلَى كَوْنُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَمَّا رُوِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ، وَالْمَعْنَى هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ فَاسِقًا كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ فَسْخُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ مُبَاشِرِي السُّلْطَانِ
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا تُبْتَنَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا إذَا كَانَ يُصْفَعُ وَيُسْخَرُ مِنْهُ أَوْ يَخْرُجُ إلَى الْأَسْوَاقِ سَكْرَانَ وَيَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخَفٌّ بِهِ.
قَالَ (وَ) تُعْتَبَرُ (فِي الْمَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، حَتَّى إنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُهُمَا أَوْ لَا يَمْلِكُ أَحَدَهُمَا لَا يَكُونُ كُفْئًا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ بَدَلُ الْبُضْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ إيفَائِهِ وَبِالنَّفَقَةِ قِوَامُ الِازْدِوَاجِ وَدَوَامُهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَهْرِ قَدْرُ مَا تَعَارَفُوا تَعْجِيلَهُ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَهُ مُؤَجَّلٌ عُرْفًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقُدْرَةَ عَلَى النَّفَقَةِ دُونَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ تَجْرِي الْمُسَاهَلَةُ فِي الْمَهْرِ وَيُعَدُّ الْمَرْءُ قَادِرًا عَلَيْهِ بِيَسَارِ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُعْتَبَرُ إلَّا إذَا كَانَ يَسْخَرُ مِنْهُ وَيَخْرُجُ سَكْرَانَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَلَا تُبْنَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا) وَفِي كَوْنِ هَذَا قَاعِدَةً مُمَهَّدَةً نَظَرٌ إذْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الْمُلَازَمَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِيهِ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَعَدَمِهِ، عَلَى أَنَّا لَمْ نَبْنِ إلَّا عَلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُعَيَّرُ بِفِسْقِ الزَّوْجِ فَوْقَ مَا تُعَيَّرُ بِضَعْفِ نَسَبِهِ: يَعْنِي يُعَيِّرُهَا أَشْكَالُهَا إنْ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ. وَفِي الْمُحِيطِ: الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِاخْتِيَارِ السَّرَخْسِيِّ الرِّوَايَةَ الْمُوَافِقَةَ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ كُفْءٌ فِي الدِّيَانَةِ ثُمَّ صَارَ دَاعِرًا لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْكَفَاءَةِ وَقْتَ النِّكَاحِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِي الْمَالِ هُوَ (أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ) وَتَقْيِيدُهُ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ احْتِرَازٌ عَمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي الْكَفَاءَةِ فِي الْغِنَى بِمَا نَسَبَهُ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمَهْرِ مِلْكُ مَا تَعَارَفُوا تَعْجِيلَهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ حَالًّا. وَفِي الْمُجْتَبَى: قُلْت فِي عُرْفِ أَهْلِ خُوَارِزْمَ كُلُّهُ مُؤَجَّلٌ فَلَا تُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُرَادَ بِمِلْكِ النَّفَقَةِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ: قِيلَ الْمُعْتَبَرُ مِلْكُ نَفَقَةِ شَهْرٍ، وَقِيلَ نَفَقَةُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَفِي جَامِعِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ سَنَةٍ، وَفِي الْمُجْتَبَى: الصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى النَّفَقَةِ عَنْ طَرِيقِ الْكَسْبِ كَانَ كُفْئًا، وَمَعْنَاهُ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى إيفَاءِ مَا يُعَجِّلُ لَهَا بِالْيَدِ وَيَكْتَسِبُ مَا يُنْفِقُ لَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ كَانَ كُفْئًا لَهَا. وَفِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ لِلسَّيِّدِ أَبِي شُجَاعٍ جَعَلَ الْأَصَحَّ مِلْكَ نَفَقَةِ شَهْرٍ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: إنْ كَانَ يَجِدُ نَفَقَتَهَا وَلَا يَجِدُ نَفَقَةَ نَفْسِهِ فَهُوَ كُفْءٌ وَإِلَّا لَا يَكُونُ كُفْئًا وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ هَذَا إذَا كَانَتْ تُطِيقُ النِّكَاحَ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُهُ فَهُوَ كُفْءٌ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا (قَوْلُهُ وَيُعَدُّ الْمَرْءُ قَادِرًا بِيَسَارِ أَبِيهِ) وَأُمِّهِ وَجَدِّهِ
[ ٣ / ٣٠٠ ]
فَأَمَّا الْكَفَاءَةُ فِي الْغِنَى فَمُعْتَبَرَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى إنَّ الْفَائِقَةَ فِي الْيَسَارِ لَا يُكَافِئُهَا الْقَادِرُ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاخَرُونَ بِالْغِنَى وَيَتَعَيَّرُونَ بِالْفَقْرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَبَاتَ لَهُ إذْ الْمَالُ غَادٍ وَرَائِحٌ
(وَ) تُعْتَبَرُ (فِي الصَّنَائِعِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا أَنْ تَفْحُشَ كَالْحَجَّامِ وَالْحَائِكِ وَالدَّبَّاغِ.
وَجْهُ الِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاخَرُونَ بِشَرَفِ الْحِرَفِ وَيَتَعَيَّرُونَ بِدَنَاءَتِهَا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الْحِرْفَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ، وَيُمْكِنُ التَّحَوُّلُ عَنْ الْخَسِيسَةِ إلَى
وَجَدَّتِهِ وَلَا تُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَى النَّفَقَةِ بِيَسَارِ الْأَبِ
(قَوْلُهُ فَأَمَّا الْكَفَاءَةُ فِي الْغِنَى) يَعْنِي بَعْدَ مِلْكِهِ لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ هَلْ تُعْتَبَرُ مُكَافَأَتُهُ إيَّاهَا فِي غِنَاهَا، قَالَ: مُعْتَبَرَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لَكِنْ صَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ مَذْمُومَةٌ. وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ: لَا مُعْتَبَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْغِنَى هُوَ الصَّحِيحُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ مَنْ مَلَكَهُمَا لَا يَكُونُ كُفْئًا لِلْفَائِقَةِ فِي الْغِنَى وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ غَيْرُ رِوَايَةِ الْأُصُولِ، وَكَذَا فِي الدِّرَايَةِ قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ.
وَفِي كِتَابِ النِّكَاحِ: لَا تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ إلَّا عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ الْأَوَائِلِ، قَالَ: وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتَبَرُوا الْكَفَاءَةَ فِي الْمَالِ بَعْدَمَا صَرَّحَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِنَفْيِهِ
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ) أَظْهَرُهُمَا لَا تُعْتَبَرُ فِي الصَّنَائِعِ حَتَّى يَكُونَ الْبَيْطَارُ كُفْئًا لِلْعَطَّارِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْهُ فِي أُخْرَى: الْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ إلَّا الْحَائِكُ وَالْحَجَّامُ، وَكَذَا الدَّبَّاغُ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْكِتَابِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَصَارَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِوَايَتَانِ: الظَّاهِرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ الِاعْتِبَارِ، وَالظَّاهِرُ عَنْ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تُفْحِشَ وَهُوَ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا، مَا يُفِيدُ اعْتِبَارَهَا فِي الصَّنَائِعِ، لَكِنْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَهُوَ أَنَّ الصِّنَاعَاتِ الْمُتَقَارِبَةَ أَكْفَاءٌ كَالْبَزَّازِ وَالْعَطَّارِ، بِخِلَافِ الْمُتَبَاعِدَةِ، وَعَدَّ الْخَيَّاطَ مَعَ الدَّبَّاغِ وَالْحَجَّامِ وَالْكَنَّاسِ قَالَ: فَهَؤُلَاءِ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ وَلَا يُكَافِئُونَ سَائِرَ الْحِرَفِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فَكَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ قَالَ: وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ اعْتِبَارَهَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُعْتَبَرُ وَنَحْوُهُ فِي النَّافِعِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا لَكِنْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْكَفَاءَةِ فِي الصَّنَائِعِ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِكَوْنِهِمَا مِنْ صِنَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ: وَهَاهُنَا خَسَاسَةٌ هِيَ أَخَسُّ مِنْ الْكُلِّ وَهُوَ الَّذِي يَخْدُمُ الظَّلَمَةَ يُدْعَى شَاكِرْبَاهْ تَابِعًا وَإِنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وَمَالٍ. قِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُعَدُّ الدَّنَاءَةُ فِي الْحِرْفَةِ مَنْقَصَةً
[ ٣ / ٣٠١ ]
النَّفِيسَةِ مِنْهَا.
قَالَ (وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ وَنَقَصَتْ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلِلْأَوْلِيَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُتِمَّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا أَوْ يُفَارِقَهَا) وَقَالَا: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ. وَهَذَا الْوَضْعُ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ الْوَلِيِّ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ صَادِقَةٌ عَلَيْهِ. لَهُمَا أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ حَقُّهَا وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ كَمَا بَعْدَ التَّسْمِيَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يَفْتَخِرُونَ بِغَلَاءِ الْمَهْرِ وَيَتَعَيَّرُونَ بِنُقْصَانِهِ فَأَشْبَهَ الْكَفَاءَةَ،
فَلَا تُعْتَبَرُ، وَفِي زَمَنِهِمَا تُعَدُّ فَتُعْتَبَرُ. وَالْحَقُّ اعْتِبَارُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمَبْنِيُّ أَوَّلًا، فَإِنَّ الْمُوجِبَ هُوَ اسْتِنْقَاصُ أَهْلِ الْعُرْفِ فَيَدُورُ مَعَهُ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَائِكُ كُفْئًا لِلْعَطَّارِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِمَا هُنَاكَ مِنْ حُسْنِ اعْتِبَارِهَا وَعَدَمِ عَدِّهَا نَقْصًا أَلْبَتَّةَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ خَسَاسَةٌ غَيْرُهَا
. (قَوْلُهُ وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ وَنَقَصَتْ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلِلْأَوْلِيَاءِ الِاعْتِرَاضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَتِمَّ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا أَوْ يُفَارِقَهَا) فَالثَّابِتُ إلْزَامُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ فَرْعُ قِيَامِ مُكْنَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ فَعَنْ هَذَا مَا فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ: لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِتَكْمِيلِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ لَهُمْ لَيْسَ إلَّا أَنْ يَفْسَخَ أَوْ يُكْمِلَ، فَإِذَا امْتَنَعَ هُنَا عَنْ تَكْمِيلِ الْمَهْرِ لَا يُمْكِنُ الْفَسْخُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّسْمِيَةِ حَتَّى لَوْ سَمَّتْ مَهْرَ مِثْلِهَا وَلَمْ تَأْخُذْهُ بَلْ أَبْرَأَتْ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا الْوَضْعُ) أَيْ قَوْلُنَا إذَا تَزَوَّجَتْ وَنَقَصَتْ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلِلْأَوْلِيَاءِ الِاعْتِرَاضُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ يَجِبُ تَنْقِيَةُ الْعَقْدِ فَرْعَ صِحَّةِ عَقْدِ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا فَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْ مُحَمَّدٍ عَلَى اعْتِبَارِ رُجُوعِهِ إلَى ذَلِكَ؛ لِمَا أَنَّهُ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مُبَاشَرَتُهَا بِنَفْسِهَا بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ، قَالَ: وَهَذِهِ شَهَادَةٌ صَادِقَةٌ عَلَى رُجُوعِهِ.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَعَيَّرُ بِهِ.
(وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبُ بِنْتَه الصَّغِيرَةَ وَنَقَصَ مِنْ مَهْرِهَا أَوْ ابْنَهُ الصَّغِيرَ وَزَادَ فِي مَهْرِ امْرَأَتِهِ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الْحَطُّ وَالزِّيَادَةُ إلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَطَّ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَيْسَ مِنْ النَّظَرِ فِي شَيْءٍ كَمَا فِي الْبَيْعِ،
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ تَعَيَّنَ هَذَا الْوَضْعُ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا الْوَلِيُّ بِالتَّزْوِيجِ وَلَمْ يُسَمِّ مَهْرًا فَعَقَدَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَ السُّلْطَانُ امْرَأَةً وَوَلِيَّهَا عَلَى تَزْوِيجِهَا بِمَهْرٍ قَلِيلٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ وَرَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَرْضَ الْوَلِيُّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَضْعُ دَلَالَةً عَلَى رُجُوعِ مُحَمَّدٍ إلَى قَوْلِهِمَا اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَنَا إذَا تَزَوَّجَتْ وَنَقَصَتْ لَا يَنْقُصُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَامٌّ فِي الصُّوَرِ عَلَى مَا هُوَ حَالُ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ، فَبِاعْتِبَارِ عُمُومِهِ يَكُونُ شَهَادَةً صَادِقَةً وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ، وَبِاعْتِبَارِ حَمْلِهِ عَلَى بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ أَعَمُّ مِنْهَا لَا يَكُونُ شَهَادَةً وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُعْتَرِضُ، وَالْأَصْلُ خِلَافُهُ إلَّا أَنْ يُوجِبَ الْحَمْلُ عَلَى بَعْضِ الصُّوَرِ مُوجِبٌ وَتَمَامُ الِاعْتِرَاضِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. فَتَوْجِيهُ الِاعْتِرَاضِ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى كَذَا لِلصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا الْحَمْلُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرُجُوعُهُ مَرْوِيٌّ أَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَصْنِيفَهُ لِلْجَامِعِ قَبْلَ ذَلِكَ فَالْحَقُّ أَنَّهُ رَجَعَ وَلَا شَهَادَةَ فِي هَذِهِ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَنَقَصَ مِنْ مَهْرِهَا أَوْ ابْنَهُ الصَّغِيرَ وَزَادَ فِي مَهْرِ امْرَأَتِهِ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا) وَلَزِمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ أَوْ قَلِيلٍ وَثَبَتَ الْمَالُ كُلُّهُ فِي ذِمَّةِ الصَّغِيرَةِ فِي الثَّانِيَةِ لَا فِي ذِمَّةِ الْأَبِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فَيَقْضِيهِ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ (وَقَالَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ إلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ) وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ تَزْوِيجُ الْأَبِ ابْنَتَهُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى هَذَا عَدَمُ الْكَفَاءَةِ فِي غَيْرِ الدِّيَانَةِ. أَمَّا فِيهَا فَلَا، لِمَا قَالُوا: لَوْ كَانَ الْأَبُ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ مَجَانَةً وَفِسْقًا كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ زَوَّجَ بِنْتَهُ الصَّغِيرَةَ الْقَابِلَةَ لِلتَّخَلُّقِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ ظَهَرَ سُوءُ اخْتِيَارِهِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ النَّظَرِ هُنَا مَقْطُوعٌ بِهِ فَلَا يُعَارِضُهُ ظُهُورُ إرَادَةِ مَصْلَحَةٍ تَفُوقُ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى شَفَقَةِ الْأُبُوَّةِ.
وَمَا فِي النَّوَازِلِ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ مِمَّنْ يُنْكِرُ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَإِذَا هُوَ مُدْمِنٌ لَهُ وَقَالَتْ: لَا أَرْضَى بِالنِّكَاحِ: يَعْنِي بَعْدَمَا كَبِرَتْ إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ الْأَبُ بِشُرْبِهِ وَكَانَ غَلَبَةُ أَهْلِ بَيْتِهِ صَالِحِينَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ كُفْءٌ يُفِيدُ خِلَافَهُ إذْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ عَرَفَهُ الْأَبُ أَنَّهُ يَشْرَبُهُ فَالنِّكَاحُ نَافِذٌ، وَهُوَ يُنَافِي مَا قُرِّرَ مِنْ أَنَّ الْأَبَ إذَا عُرِفَ بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ لَا يَنْفُذُ تَزْوِيجُهُ مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ. وَالْجَوَابُ
[ ٣ / ٣٠٣ ]
وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ غَيْرُهُمَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ النَّظَرِ وَهُوَ قُرْبُ الْقَرَابَةِ، وَفِي النِّكَاحِ مَقَاصِدُ تَرْبُو عَلَى الْمَهْرِ. أَمَّا الْمَالِيَّةُ فَهِيَ الْمَقْصُودُ فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ وَالدَّلِيلُ عَدِمْنَاهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا.
(وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ عَبْدًا أَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ أَمَةً فَهُوَ جَائِزٌ) قَالَ ﵁ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا)؛ لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْكَفَاءَةِ لِمَصْلَحَةِ تَفَوُّقِهَا وَعِنْدَهُمَا هُوَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَلَا يَجُوزُ.
أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ ثُبُوتِ سُوءِ الِاخْتِيَارِ وَتَيَقُّنِهِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِهِ فَلَا يَلْزَمُ بُطْلَانُهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ سُوءِ الِاخْتِيَارِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِلنَّاسِ كَوْنُ الْأَبِ الْعَاقِدِ مَعْرُوفًا بِمِثْلِهِ (قَوْلُهُ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا) أَيْ قَوْلُهُمَا لَا يَجُوزُ هَلْ مَعْنَاهُ نَفْيُ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْ نَفْيُ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ فَيُزَادُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، قِيلَ بِالْأَوَّلِ وَقِيلَ بِالثَّانِي، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ فَعِنْدَ فَوَاتِهِ ظَاهِرًا بِإِيجَابِ الْمَالِ عِوَضُ نَفْسِهَا نَاقِصًا أَوْ إبْطَالُهُ بِدُونِ عِوَضٍ لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ كَالْمَأْمُورِ بِالْعَقْدِ بِشَرْطٍ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ إذَا لَمْ يَجْرِ عَلَى شَرْطِهِ؛ وَلِذَا لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فِي مَالِهِمَا، فَإِيجَابُ الْمَالِ عِوَضُ نَفْسِهَا نَاقِصًا أَوْلَى بِعَدَمِ النَّفَاذِ، وَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَجُوزُ فَتَزْوِيجُهَا كَذَلِكَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّظَرَ وَعَدَمَهُ فِي هَذَا الْعَقْدِ لَيْسَا مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ بَاطِنٍ، فَالضَّرَرُ كُلُّ الضَّرَرِ بِسُوءِ الْعِشْرَةِ وَإِدْخَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَكْرُوهَ عَلَى الْآخَرِ، وَالنَّظَرُ كُلُّ النَّظَرِ فِي ضِدِّهِ فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَأَمْرُ الْمَالِ سَهْلٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِيهِ بَلْ الْمَقْصُودُ فِيهِ مَا قُلْنَا، فَإِذَا كَانَ بَاطِنًا يُعْتَبَرُ دَلِيلُهُ فَيُعَلَّقُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ.
وَدَلِيلُ النَّظَرِ قَائِمٌ هُنَا وَهُوَ قُرْبُ الْقَرَابَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى وُفُورِ الشَّفَقَةِ مَعَ كَمَالِ الرَّأْيِ ظَاهِرًا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْعَصَبَاتِ وَالْأُمِّ لِقُصُورِ الشَّفَقَةِ فِي الْعَصَبَاتِ وَنُقْصَانِ الرَّأْيِ فِي الْأُمِّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَالدَّلِيلُ عَدِمْنَاهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُمْ لِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا انْبَنَى الْفَرْعُ الْمَعْرُوفُ: لَوْ زَوَّجَ الْعَمُّ الصَّغِيرَةَ حُرَّةَ الْجَدِّ مِنْ مُعْتَقِ الْجَدِّ فَكَبِرَتْ وَأَجَازَتْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَقْدًا مَوْقُوفًا
[ ٣ / ٣٠٤ ]