(السُّنَّةُ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ إزَارٍ وَقَمِيصٍ وَلِفَافَةٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كُفِّنَ
(فَصْلٌ فِي التَّكْفِينِ)
هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلِذَا قُدِّمَ عَلَى الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُوسِرًا وَجَبَ فِي مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَالْكَفَنُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إلَّا الزَّوْجَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَلَوْ تَرَكَتْ مَالًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَإِذَا تَعَدَّدَ مَنْ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي النَّفَقَاتِ فَالْكَفَنُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ كَمَا كَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ. وَلَوْ كَانَ مُعْتَقَ شَخْصٍ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وَتَرَكَ خَالَةً مُوسِرَةً يُؤْمَرُ مُعْتِقُهُ بِتَكْفِينِهِ؛ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَى خَالَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَكَفَنُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطَ ظُلْمًا أَوْ عَجْزًا فَعَلَى النَّاسِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْأَلُوا لَهُ، بِخِلَافِ الْحَيِّ إذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا يُصَلِّي فِيهِ لَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْأَلُوا لَهُ بَلْ يَسْأَلُ هُوَ؛ فَلَوْ جَمَعَ رَجُلٌ الدَّرَاهِمَ لِذَلِكَ فَفَضَلَ شَيْءٌ مِنْهَا إنْ عَرَفَ صَاحِبَ الْفَضْلِ رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كَفَّنَ مُحْتَاجًا آخَرَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهَا إلَى الْكَفَنِ يَتَصَدَّقُ بِهَا. وَلَوْ مَاتَ فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَلَا شَيْءَ لِلْمَيِّتِ؛ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ وَلَا يُكَفِّنَ بِهِ الْمَيِّتَ، وَإِذَا نُبِشَ الْمَيِّتُ وَهُوَ طَرِيٌّ كُفِّنَ ثَانِيًا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ قُسِّمَ مَالُهُ فَالْكَفَنُ عَلَى الْوَارِثِ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَأَصْحَابِ الْوَصَايَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغُرَمَاءُ قَبَضُوا دُيُونَهُمْ بُدِئَ بِالْكَفَنِ، وَإِنْ كَانُوا قَبَضُوا لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَلَا يَخْرُجُ الْكَفَنُ عَنْ مِلْكِ الْمُتَبَرِّعِ بِهِ، فَلِذَا لَوْ كَفَّنَ رَجُلًا ثُمَّ رَأَى الْكَفَنَ مَعَ شَخْصٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَكَذَا إذَا افْتَرَسَ الْمَيِّتَ سَبُعٌ كَانَ الْكَفَنُ لِمَنْ كَفَّنَهُ لَا لِلْوَرَثَةِ
(قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ) فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» وَسَحُولُ: قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ، وَفَتْحُ السِّينِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنْ الْأَزْهَرِيِّ الضَّمُّ. فَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ لُبْسَ الْقَمِيصِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بَلْ خَارِجٌ عَنْهَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَزِمَ كَوْنُ السُّنَّةِ أَرْبَعَةَ أَثْوَابٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: «فِي كَمْ ثَوْبٍ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ» وَإِنْ عُورِضَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ «كُفِّنَ
[ ٢ / ١١٣ ]
فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ» وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَلْبَسُهُ عَادَةً فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ (فَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ جَازَ، وَالثَّوْبَانِ إزَارٌ وَلِفَافَةٌ) وَهَذَا كَفَنُ الْكِفَايَةِ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، وَلِأَنَّهُ أَدْنَى لِبَاسِ
النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٍ، وَإِزَارٍ، وَلِفَافَةٍ» فَهُوَ ضَعِيفٌ بِنَاصِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وَلَيَّنَهُ النَّسَائِيّ، ثُمَّ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لَا يُوَازِي حَدِيثَ عَائِشَةَ. وَمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي حُلَّةٍ يَمَانِيَةٍ وَقَمِيصٍ» مُرْسَلٌ، وَالْمُرْسَلُ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً عِنْدَنَا لَكُمْ مَا وَجْهُ تَقْدِيمِهِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُعَادَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِحَدِيثِ الْقَمِيصِ بِسَبَبِ تَعَدُّدِ طُرُقِهِ مِنْهَا الطَّرِيقَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا. وَمَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُهُ مُرْسَلًا. وَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَحُلَّةٍ نَجْرَانِيَّةٍ» وَهُوَ مُضَعَّفٌ بِيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ. ثُمَّ تَرَجَّحَ بَعْدَ الْمُعَادَلَةِ بِأَنَّ الْحَالَ فِي تَكْفِينِهِ أَكْشَفُ لِلرِّجَالِ ثُمَّ الْبَحْثُ وَإِلَّا فَفِيهِ تَأَمُّلٌ. وَقَدْ ذَكَرُوا «أَنَّهُ ﵊ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ» فَكَيْفَ يُلْبِسُونَهُ الْأَكْفَانَ فَوْقَهُ وَفِيهِ بَلَلُهَا؟ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَالْحُلَّةُ فِي عُرْفِهِمْ مَجْمُوعُ ثَوْبَيْنِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَلَيْسَ فِي الْكَفَنِ عِمَامَةٌ عِنْدَنَا، وَاسْتَحْسَنَهَا بَعْضُهُمْ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُعَمِّمُهُ وَيَجْعَلُ الْعَذَبَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَأَحَبُّهَا الْبَيَاضُ وَلَا بَأْسَ بِالْبُرُودِ وَالْعَصَبِ وَالْكَتَّانِ لِلرِّجَالِ، وَيَجُوزُ لِلنِّسَاءِ الْحَرِيرُ وَالْمُزَعْفَرُ وَالْمُعَصْفَرُ اعْتِبَارًا لِلْكَفَنِ بِاللِّبَاسِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمُرَاهِقُ فِي التَّكْفِينِ كَالْبَالِغِ، وَالْمُرَاهِقَةُ كَالْبَالِغَةِ
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ) أَيْ عَدَدَ الثَّلَاثِ أَكْثَرُ مَا يَلْبَسُهُ عَادَةً فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَأَفَادَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الرَّجُلُ ثَلَاثَةٌ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الرَّجُلُ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ وَاحِدِ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ. وَقَدْ يُقَالُ: مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ سِوَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ هُوَ لَابِسُهَا لَيْسَ غَيْرُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ يُعْطَى لِرَبِّ الدَّيْنِ ثَوْبٌ مِنْهَا لِأَنَّ الْأَكْثَرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ الْمَسْنُونُ، وَقَدْ قَالُوا: إذَا كَانَ بِالْمَالِ كَثْرَةٌ وَبِالْوَرَثَةِ قِلَّةٌ فَكَفَنُ السُّنَّةِ أَوْلَى مِنْ كَفَنِ الْكِفَايَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَفَنَ الْكِفَايَةِ وَهُوَ الثَّوْبَانِ جَائِزٌ فِي حَالَةِ السَّعَةِ، فَفِي حَالِ عَدَمِهَا وَوُجُودِ الدَّيْنِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ تَقْدِيمًا لِلْوَاجِبِ، وَهُوَ الدَّيْنُ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ، لَكِنَّهُمْ سَطَّرُوا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ مِنْهُ شَيْءٌ لِلدَّيْنِ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ إذَا أَفْلَسَ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ هُوَ لَابِسُهَا لَا يُنْزَعُ عَنْهُ شَيْءٌ فَيُبَاعُ وَلَا يَبْعُدُ الْجَوَابُ
(قَوْلُهُ فَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ جَازَ) إلَّا أَنَّهُ كَانَ بِالْمَالِ قِلَّةٌ وَبِالْوَرَثَةِ كَثْرَةٌ فَهُوَ أَوْلَى، وَعَلَى الْقَلْبِ كَفَنُ السُّنَّةِ أَوْلَى، وَكَفَنُ الْكِفَايَةِ أَقَلُّ مَا يَجُوزُ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، وَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِحَسَبِ مَا يُوجَدُ
(قَوْلُهُ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ) رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيِّ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اُحْتُضِرَ ﵁ تَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:
أَعَاذِلُ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنْ الْفَتَى … إذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ قُولِي ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ثُمَّ اُنْظُرُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ فَاغْسِلُوهُمَا ثُمَّ كَفِّنُونِي فِيهِمَا فَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ كَانَ يُمْرَضُ فِيهِمَا: اغْسِلُوهُمَا وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا نَشْتَرِي لَك جَدِيدًا؟ قَالَ لَا، الْحَيُّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ ". وَفِي الْفُرُوعِ: الْغَسِيلُ وَالْجَدِيدُ سَوَاءٌ فِي الْكَفَنِ.
[ ٢ / ١١٤ ]
الْأَحْيَاءِ، وَالْإِزَارُ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ، وَاللِّفَافَةُ كَذَلِكَ، وَالْقَمِيصُ مِنْ أَصْلِ الْعُنُقِ إلَى الْقَدَمِ
(فَإِذَا أَرَادُوا لَفَّ الْكَفَنِ ابْتَدَءُوا بِجَانِبِهِ الْأَيْسَرِ فَلَفُّوهُ عَلَيْهِ ثُمَّ بِالْأَيْمَنِ) كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَبَسْطُهُ أَنْ تُبْسَطَ اللِّفَافَةُ أَوَّلًا ثُمَّ يُبْسَطَ عَلَيْهَا الْإِزَارُ ثُمَّ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ وَيُوضَعَ عَلَى الْإِزَارِ ثُمَّ يُعْطَفَ الْإِزَارُ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ ثُمَّ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ، ثُمَّ اللِّفَافَةُ كَذَلِكَ (وَإِنْ خَافُوا أَنْ يَنْتَشِرَ الْكَفَنُ عَنْهُ عَقَدُوهُ بِخِرْقَةٍ) صِيَانَةً عَنْ الْكَشْفِ.
(وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ دِرْعٍ وَإِزَارٍ وَخِمَارٍ وَلِفَافَةٍ وَخِرْقَةٍ تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا) لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى اللَّوَاتِي غَسَّلْنَ
ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ. هَذَا وَفِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لَهَا «فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، قَالَ فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قُلْتُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْتُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قَالَ أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ فَنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يَمْرَضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ: إنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ الْحَيُّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إنَّمَا هُوَ الْمُهْلَةُ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ». وَالرَّدْعُ بِالْمُهْمَلَاتِ الْأَثَرُ، وَالْمُهْلَةُ مُثَلَّثُ الْمِيمِ: صَدِيدُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا حَتَّى وَجَبَ تَرْكُهُ لِأَنَّ سَنَدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ لَا يَنْقُصُ عَنْ سَنَدِ الْبُخَارِيِّ، فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ قَالَ فِيهِ ﵊ " وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ " وَفِي لَفْظٍ " وَفِي ثَوْبَيْهِ " وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ، فَلَا يُتْرَكُ بِأَنْ يُحْمَلُ مَا فِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ. عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ الْمَتْنِ دُونَ كُلِّهِ بِخِلَافِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الشَّاهِدَ، لَكِنَّ رِوَايَةَ ثَوْبَيْهِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعَهُ غَيْرُهُمَا فَلَا يُفِيدُ كَوْنُهُ كَفَنَ الْكِفَايَةِ، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى ثَوْبَيْنِ حَالَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ، إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْأُولَى كَمَا هُوَ كَفَنُ الْكِفَايَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ وَالْإِزَارُ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ، وَاللِّفَافَةُ كَذَلِكَ) لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ اللِّفَافَةَ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِزَارِ كَذَلِكَ فَفِي نُسَخٍ مِنْ الْمُخْتَارِ وَشَرْحِهِ اخْتِلَافٌ فِي بَعْضِهَا: يُقَمَّصُ أَوَّلًا وَهُوَ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْقَدَمِ، وَيُوضَعُ عَلَى الْإِزَارِ وَهُوَ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ، وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ إلَى آخِرِهِ. وَفِي بَعْضِهَا: يُقَمَّصُ وَيُوضَعُ عَلَى الْإِزَارِ وَهُوَ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُعْطَفُ، وَأَنَا لَا أَعْلَمُ وَجْهَ مُخَالَفَةِ إزَارِ الْمَيِّتِ إزَارَ الْحَيِّ مِنْ السُّنَّةِ، وَقَدْ قَالَ ﵊ فِي ذَلِكَ الْمُحْرِمِ " كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ " وَهُمَا ثَوْبَا إحْرَامِهِ إزَارُهُ وَرِدَاؤُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إزَارَهُ مِنْ الْحَقْوِ، وَكَذَا أَعْطَى اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ حَقْوَهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ (قَوْلُهُ وَالْقَمِيصُ مِنْ أَصْلِ الْعُنُقِ) بِلَا جَيْبٍ وَدِخْرِيصٍ وَكُمَّيْنِ وَكَذَا فِي الْكَافِي، وَكَوْنُهُ بِلَا جَيْبٍ بَعِيدًا، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْجَيْبِ الشِّقُّ النَّازِلُ عَلَى الصَّدْرِ
(قَوْلُهُ ابْتَدَءُوا بِجَانِبِهِ الْأَيْسَرِ) لِيَقَعَ الْأَيْمَنُ فَوْقَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِمَامَةَ، وَكَرِهَهَا بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْكَفَنُ بِهَا شَفْعًا، وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُعَمِّمُ الْمَيِّتَ وَيَجْعَلُ ذَنَبَ الْعِمَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ
(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ) قِيلَ الصَّوَابُ لَيْلَى بِنْتُ قَانِفٍ قَالَتْ: «كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا الْحِقَاءَ ثُمَّ الدِّرْعَ ثُمَّ الْخِمَارَ ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى حَقْوَهُ فِي حَدِيثِ غُسْلِ زَيْنَبَ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَقْعَدُ الْإِزَارِ وَجَمْعُهُ أَحَقٌّ وَأَحْقَاءُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْإِزَارُ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ إزَارَ الْمَيِّتِ كَإِزَارِ الْحَيِّ مِنْ الْحَقْوِ فَيَجِبُ كَوْنُهُ فِي الذِّكْرِ كَذَلِكَ
[ ٢ / ١١٥ ]
ابْنَتَهُ خَمْسَةَ أَثْوَابٍ» وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ فِيهَا حَالَةَ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ.
(ثُمَّ هَذَا بَيَانُ كَفَنِ السُّنَّةِ، وَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ جَازَ) وَهِيَ ثَوْبَانِ وَخِمَارٌ (وَهُوَ كَفَنُ الْكِفَايَةِ، وَيُكْرَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الرَّجُلِ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ إلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ) لِأَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ﵁ حِينَ اُسْتُشْهِدَ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَهَذَا كَفَنُ الضَّرُورَةِ (وَتَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الدِّرْعَ أَوَّلًا ثُمَّ يُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الدِّرْعِ، ثُمَّ الْخِمَارُ فَوْقَ ذَلِكَ تَحْتَ الْإِزَارِ، ثُمَّ الْإِزَارُ ثُمَّ اللِّفَافَةُ. قَالَ: وَتُجْمَرُ الْأَكْفَانُ قَبْلَ أَنْ يُدْرَجَ فِيهَا وِتْرًا) «لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِإِجْمَارِ أَكْفَانِ ابْنَتِهِ وِتْرًا»، وَالْإِجْمَارُ هُوَ التَّطْيِيبُ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْهُ صَلَّوْا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ.
لِعَدَمِ الْفَرْقِ فِي هَذَا، وَقَدْ حَسَّنَهُ النَّوَوِيُّ وَإِنْ أَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِجَهَالَةِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ حُضُورِ أُمِّ عَطِيَّةَ غُسْلَ أُمِّ كُلْثُومٍ بَعْدَ زَيْنَبَ، وَقَوْلُ الْمُنْذِرِيِّ: أُمُّ كُلْثُومٍ تُوُفِّيَتْ وَهُوَ ﵊ غَائِبٌ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ: إنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ زَيْنَبَ بِسَنَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا ﵊، قَالَ: وَهِيَ الَّتِي غَسَّلَتْهَا أُمُّ عَطِيَّةَ، وَيَشُدُّهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إلَيْنَا حَقْوَهُ وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ» وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَيْنَبَ لَا يُنَافِيهِ لِمَا قُلْنَاهُ آنِفًا
(قَوْلُهُ وَهِيَ ثَوْبَانِ وَخِمَارٌ) لَمْ يُعَيِّنْ الثَّوْبَيْنِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: كَفَنُ الْكِفَايَةِ لَهَا ثَلَاثَةٌ: قَمِيصٌ، وَإِزَارٌ، وَلِفَافَةٌ. فَلَمْ يَذْكُرْ الْخِمَارَ، وَمَا فِي الْكِتَابِ مِنْ عَدِّ الْخِمَارِ أَوْلَى، وَيُجْعَلُ الثَّوْبَانِ قَمِيصًا وَلِفَافَةً، فَإِنَّ بِهَذَا يَكُونُ جَمِيعُ عَوْرَتِهَا مَسْتُورَةً بِخِلَافِ تَرْكِ الْخِمَارِ
(قَوْلُهُ وَتَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الدِّرْعَ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ مَوْضِعَ الْخِرْقَةِ. وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ: فَوْقَ الْأَكْفَانِ كَيْ لَا يَنْتَشِرَ، وَعَرْضُهَا مَا بَيْنَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إلَى السُّرَّةِ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الثَّدْيِ إلَى الرُّكْبَةِ كَيْ لَا يَنْتَشِرَ الْكَفَنُ عَنْ الْفَخِذَيْنِ وَقْتَ الْمَشْيِ. وَفِي التُّحْفَةِ: تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْأَكْفَانِ عِنْدَ الصَّدْرِ فَوْقَ الْيَدَيْنِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ) أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: «هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ»
(قَوْلُهُ «لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِإِجْمَارِ أَكْفَانِ ابْنَتِهِ») غَرِيبٌ، وَقَدَّمْنَا مِنْ الْمُسْتَدْرَكِ عَنْهُ ﵊ «إذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ " فَأَوْتِرُوا " وَفِي لَفْظِ الْبَيْهَقِيّ «جَمِّرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا» قِيلَ سَنَدُهُ صَحِيحٌ.