(الْفِطْرَةُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، الزَّبِيبُ بِمَنْزِلَةِ الشَّعِيرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ،
وَالزَّوَالَ فِي اخْتِيَارِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حُكْمٍ عَلَيْهِ كَالْمُقِيمِ إذَا سَافَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حَيْثُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ إنْشَاءَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ لِأَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِهِ كَالنَّفَقَةِ. وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ وَالْوِلَايَةَ مَوْقُوفَانِ فَيَتَوَقَّفُ مَا يُبْنَى عَلَيْهِمَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فُسِخَ يَعُودُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَوْ أُجِيزَ يَسْتَنِدُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِهِ الزَّوَائِدَ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْفَصِلَةَ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ عَلَى هَذَا بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَتَمَّ الْحَوْلُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَعِنْدَنَا يُضَمُّ إلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ فَيُزَكِّيهِ مَعَ نِصَابِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ، وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى مَضَى يَوْمُ الْفِطْرِ فَقَبَضَهُ فَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا صَدَقَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِقُصُورِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَعَوْدُهُ إلَى الْبَائِعِ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَكَانَ كَالْآبِقِ بَلْ أَشَدَّ، وَلَوْ رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِخِيَارِ عَيْبٍ أَوْ رُؤْيَةٍ بِقَضَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ وَتَأَكُّدِهِ.
(فَصْلٌ فِي مِقْدَارِ الْوَاجِبِ وَوَقْتِهِ)
(قَوْلُهُ: أَوْ دَقِيقٍ أَوْ سَوِيقٍ) أَيْ دَقِيقِ الْبُرِّ وَسَوِيقِهِ، أَمَّا دَقِيقُ الشَّعِيرِ وَسَوِيقُهُ فَمُعْتَبَرٌ بِالشَّعِيرِ (قَوْلُهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) رَوَاهَا الْحَسَنُ عَنْهُ وَصَحَّحَهَا أَبُو الْيُسْرِ لِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَقْدِيرِهَا بِصَاعٍ كَمَا سَتَقِفُ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ صَاعٌ لِحَدِيثِ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَهُوَ مَذْهَبُ
عَلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَدَفْعُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِعِزَّةِ الزَّبِيبِ فِي زَمَانِهِ كَالْحِنْطَةِ لَا يَقْوَى لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَى قَدْرٍ فِيهِ لَا يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ فِيهِ نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ.
(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ تَعَارَضَتْ فِي مِقْدَارِ الْحِنْطَةِ وَلَا بَأْسَ بِسَوْقِ نُبْذَةٍ مِنْهَا لِنُطْلِعكَ عَلَى الْحَالِ، أَمَّا مَا مِنْ طَرَفِنَا فَسَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا مَا مِنْ طَرَفِ الْمُخَالِفِ لَنَا فَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كُنَّا نَخْرُجُ إذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْت أُخْرِجُهُ. رَوَاهُ السِّتَّةُ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِلَفْظَةِ طَعَامٍ فَإِنَّهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَبَادَرُ مِنْهَا الْبُرُّ، وَأَيْضًا فَقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ هُنَا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَغَيْرُهُمَا فَلَمْ يَبْقَ مُرَادُهُ مِنْهُ إلَّا الْحِنْطَةُ، وَلِأَنَّهُ أَبَى أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ وَقَالَ: لَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْت أُخْرِجُهُ، فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ مِنْهُ صَاعًا، وَأَيْضًا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ عَنْهُ «صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ»، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ أَيْضًا عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَذَكَرَ عِنْدَهُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ فَقَالَ: لَا أُخْرِجُ إلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، فَقَالَ: لَا تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْمَلُ بِهَا وَصَحَّحَهُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ» الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَيُّوبَ إلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵊ فَرَضَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ صَدَقَةَ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي الْمُشْكِلِ عَنْ ابْنِ شَوْذَبٍ عَنْ أَيُّوبَ يَبْلُغُ بِهِ إلَى ابْنِ عُمَرَ فَرَضَ ﵊ صَدَقَةَ الْفِطْرِ إلَى أَنْ قَالَ: أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ، قَالَ: ثُمَّ عَدَلَ النَّاسُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِصَاعٍ مِمَّا سِوَاهُ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّ عَلَى صَدَقَةِ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ» وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ أُمِرْنَا ﵊ أَنْ نُعْطِيَ صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، مَنْ أَدَّى بُرًّا قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَدَّى شَعِيرًا قُبِلَ مِنْهُ» الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَفِيهِ أَوْ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ».
وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ ﵊ «أَخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» قَالَ: وَطَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الْبُرُّ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْهُ ﵊ «فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَاعُ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ» (قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَلَنَا مَا رَوَيْنَا إلَخْ) يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ، وَأَنَّهُ
[ ٢ / ٢٩١ ]
جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -،
يُفِيدُ أَنَّ الْوَاجِبَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. وَالْجَوَابُ عَمَّا أَوْرَدَ، أَمَّا الْأَخِيرُ فَالْحَارِثُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَفِي رِوَايَتِهِ «أَوْ نِصْفَ صَاعٍ» وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّحَاوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُك نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ فَانْدَفَعَ.
وَأَمَّا مَا يَلِيهِ فَضَعِيفٌ جِدًّا بِعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَهْبَانَ مَتْرُوكٌ، قَالَهُ النَّسَائِيّ وَالرَّازِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا يُسَاوِي فَلْسًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ فَانْدَفَعَ. وَأَمَّا مَا يَلِيهِ فَضَعِيفٌ جِدًّا بِكَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَجْمَعٌ عَلَى تَضْعِيفِهِ.
وَنَفْسُ الشَّافِعِيِّ قَالَ: فِيهِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ فَانْدَفَعَ، وَأَمَّا مَا يَلِيهِ فَمُنْقَطِعٌ لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ فِيهِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَهُمْ يُضَعِّفُونَ بِمِثْلِ هَذَا. وَأَمَّا مَا يَلِيهِ فَفِيهِ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَضْعِيفِهِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
وَأَمَّا مَا يَلِيهِ فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ أَيُّوبَ تَابَعَ بْنَ شَوْذَبٍ عَلَى زِيَادَةِ الْبُرِّ فِيهِ، وَقَدْ خَالَفَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ وَقَدْ اجْتَمَعَا، وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ وَهُوَ قَوْلُ: ثُمَّ عَدَلَ النَّاسُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِصَاعٍ مِمَّا سِوَاهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلُوا صِنْفًا مَفْرُوضًا بِبَعْضِ صِنْفٍ مَفْرُوضٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ الْمَفْرُوضُ بِمَا لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ اهـ.
لَكِنْ قَدْ تَابَعَهُ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ أَيُّوبَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَهِيَ الَّتِي تَلِي رِوَايَةَ الطَّحَاوِيِّ فِيمَا كَتَبْنَاهُ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْفَسَادِ، لَكِنَّ مُبَارَكًا لَا يَعْدِلُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَوَثَّقَهُ عَفَّانَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: يُدَلِّسُ كَثِيرًا فَإِذَا قَالَ: حَدَّثَنَا فَهُوَ ثِقَةٌ، وَاَلَّذِي رَأَيْته هَكَذَا عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَيُّوبَ. وَأَمَّا مَا يَلِيهِ: أَعْنِي رِوَايَةَ الْحَاكِمِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ، لَكِنْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ إلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كَانَ يَهِمُ فِي الشَّيْءِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَحَدِيثُهُ، هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى الْخَطَأِ فِيهِ، لَا أَعْنِي خَطَأَهُ هُوَ بَلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُنْشِئِهِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ.
فَصَرَّحَ بِأَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ إنَّمَا عَلِمَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ تَعْدِيلِ النَّاسِ بِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا لَرَفَعَهُ، وَبِنَفْسِ هَذَا رَدَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَا رَوَاهُ هُوَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ «أَمَرَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ» فَقَالَ كَيْفَ يَصِحُّ؟ وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَعْدِيلَ الصَّاعِ بِمُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَرِوَايَةُ الْحَاكِمِ فِيهِ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ لَيْسَتْ صَحِيحَةً، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا أَبُو دَاوُد حَيْثُ قَالَ: وَذُكِرَ فِيهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ أَوْ صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ وَلَيْسَ بِمَحْظُوظٍ، وَذَكَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ أَوْ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فَذِكْرُ الْحِنْطَةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ الْوَهْمُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَهُ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ أَوَّلَ الْخَبَرِ خَطَأٌ إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ مَعْنًى اهـ. وَأَمَّا بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ فَدَلِيلٌ لَنَا فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي مُوَافَقَةِ النَّاسِ لِمُعَاوِيَةَ وَالنَّاسُ إذْ ذَاكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقْدِيرُ الْحِنْطَةِ بِصَاعٍ لَمْ يَسْكُتْ،
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزِّيَادَةِ تَطَوُّعًا.
وَلَمْ يُعَوِّلْ عَلَى رَأْيِهِ أَحَدٌ، إذْ لَا يُعَوَّلُ عَلَى الرَّأْيِ مَعَ مُعَارِضَةِ النَّصِّ لَهُ فَدَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ أَحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ حَضَرَهُ خِلَافَهُ، وَيَلْزَمُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ مَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ " مَعَ بَعْضِهِمْ " مِنْ إخْرَاجِ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ وَلَا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ، بَلْ إمَّا مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ أَوْ مَعَ وُجُودِهِ وَعِلْمِهِ بِأَنْ فَعَلَ الْبَعْضُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ تَطَوُّعًا، هَذَا بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ الْحِنْطَةَ فِي زَمَانِهِ ﵊، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
فَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلٍ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمْ تَكُنْ الصَّدَقَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالشَّعِيرُ وَلَمْ تَكُنْ الْحِنْطَةُ» وَمِمَّا يُنَادِي بِهِ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَفْسِهِ كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ»
، فَلَوْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ مِنْ طَعَامِهِمْ الَّذِي يُخْرَجُ لَبَادَرَ إلَى ذِكْرِهِ قَبْلَ الْكُلِّ إذْ فِيهِ صَرِيحُ مُسْتَنَدِهِ فِي خِلَافِ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ كَوْنُ الطَّعَامِ فِي حَدِيثِهِ الْأَوَّلِ مُرَادًا بِهِ الْأَعَمَّ لَا الْحِنْطَةَ بِخُصُوصِهَا فَيَكُونُ الْأَقِطُ وَمَا بَعْدَهُ فِيهِ عَطْفُ الْخَاصِرِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ دَعَا إلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ خِلَافُ الظَّاهِرِ هَذَا الصَّرِيحَ عَنْهُ، وَيَلْزَمُهُ كَوْنُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ لَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ إلَخْ لَا أَزَالُ أُخْرِجُ الصَّاعَ: أَيْ كُنَّا إنَّمَا نُخْرِجُ مِمَّا ذَكَرْته صَاعًا وَحِينَ كَثُرَ هَذَا الْقُوتُ الْآخَرُ فَإِنَّمَا أُخْرِجُ مِنْهُ أَيْضًا ذَلِكَ الْقَدْرُ.
وَحَاصِلُهُ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ التَّقْوِيمَ بَلْ أَنَّ الْوَاجِبَ صَاعٌ، غَيْرَ أَنَّهُ اُتُّفِقَ أَنَّ مَا مِنْهُ الْإِخْرَاجُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ غَيْرَ الْحِنْطَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا لَأُخْرِجَ صَاعٌ، ثُمَّ يَبْقَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعٌ مِمَّا سِوَاهُ مِنْ الطَّعَامِ» وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ اهـ. وَهُوَ مُرْسَلٌ، فَإِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ فِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ فِي الْمُرْسَلِ.
وَمَا رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ صَارِخًا بِمَكَّةَ: إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَقٌّ وَاجِبٌ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَتَمْرٍ» وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ: «أَوْ صَاعٌ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَعَلَّهُ غَيْرُهُ بِيَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ. وَقَالَ الْأَزْدِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَهُوَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وَمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ صَائِحًا فَصَاحَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ» وَإِعْلَانُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَهُ بِعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: ضَعَّفُوهُ.
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: هَذَا خَطَأٌ مِنْهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ضَعَّفَهُ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورِ الْحَالِ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَكِّيٌّ مَعْرُوفٌ أَحَدُ الْعُبَّادِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ رَوَوْا عَنْهُ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ وَقَالَ: يُعْرَفُ اهـ. فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا إرْسَالٌ وَهُوَ حُجَّةٌ بِانْفِرَادِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا اعْتَضَدَ بِمُرْسَلٍ آخَرَ يَرْوِي مِنْ غَيْرِ شُيُوخِ الْآخَرِ كَانَ حُجَّةً، وَقَدْ اعْتَضَدَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْحَسَنِ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ خَطَبَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ بِالْبَصْرَةِ إلَى أَنْ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَلَهُمَا فِي الزَّبِيبِ أَنَّهُ وَالتَّمْرُ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَقْصُودِ، وَلَهُ أَنَّهُ
شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعِ قَمْحٍ» الْحَدِيثَ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ مُرْسَلٌ فَإِنَّهُ يَعْرِفُ أَهْلُ الْأُصُولِ يَعُمُّ نَحْوَ هَذَا، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُزَنِيّ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ» قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَالشَّمْسِ، وَكَوْنُهُ مُرْسَلًا لَا يَضُرُّ فَإِنَّهُ مُرْسَلُ سَعِيدٍ وَمَرَاسِيلُهُ حُجَّةٌ اهـ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ مُدَّيْنِ خَطَأٌ حَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الثَّابِتَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْدِيلَ بِمُدَّيْنِ كَانَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ رَجَّحَ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَهُوَ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ الْقَدْرُ اللَّازِمُ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَمُعَاوِيَةَ أَوْ حَضَرَ وَقْتَ خُطْبَتِهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ فَرْضِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحِنْطَةِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ عِلْمِ أُولَئِكَ عَنْهُ ﵊ عَدَمُهُ عَنْهُ فِي الْوَاقِعِ، نَعَمْ قَدْ يَكُونُ مَظِنَّةُ ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَجِبُ الْبَقَاءُ مَعَ عَدَمِهِ مَا لَمْ يُنْقَلْ وُجُودُهُ مِنْهُ ﵊ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فَيَجِبُ قَبُولُهُ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ فَإِنَّ الْأَخْبَارَ تُفِيدُ أَنَّ فَرْضَهُ فِي الْحِنْطَةِ كَانَ بِمَكَّةَ بِإِرْسَالِ الْمُنَادَى بِهِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَمِنْ الْجَائِزِ غَيْبَتُهُ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ أَوْ شُغْلُهُ عَنْهُ خُصُوصًا وَهُمْ إنَّمَا كَانُوا فِيهَا عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ آخِذِينَ فِي أُهْبَتِهِ.
وَمِمَّا رُوِيَ فِيهِ مِمَّا يَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ بِهِ مَا أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَعَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا نُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ بِالْمُدِّ الَّذِي يَقْتَاتُونَ بِهِ».
وَحَدِيثُ ابْنِ لَهِيعَةَ صَالِحٌ لِلْمُتَابَعَاتِ سِيَّمَا وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إمَامٍ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ، ثُمَّ قَدْ رَوَى عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ، وَأَنَّ رَجُلًا أَدَّى إلَيْهِ صَاعًا بَيْنَ اثْنَيْنِ. وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ ﷺ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ زَبِيبٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ ﵁ وَكَثُرَتْ الْحِنْطَةُ جَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ». وَأُعِلَّ سَنَدُهُ بِابْنِ أَبِي رَوَّادٍ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ، وَمَتْنُهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّعْدِيلَ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا هُوَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُك نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَرَوَى أَيْضًا حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَقِيرٍ أَوْ غَنِيٍّ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، قَالَ مَعْمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَرْفَعُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ صَاحِبُ
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وَالْبُرُّ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلُّهُ، بِخِلَافِ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُؤْكَلُ وَيُلْقَى مِنْ التَّمْرِ النَّوَاةُ وَمِنْ الشَّعِيرِ النُّخَالَةُ، وَبِهَذَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْبُرِّ وَالتَّمْرِ، وَمُرَادُهُ مِنْ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْبُرِّ، أَمَّا دَقِيقُ الشَّعِيرِ فَكَالشَّعِيرِ، الْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِمَا الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ نَصَّ عَلَى الدَّقِيقِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ.
وَالْخُبْزُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ هُوَ الصَّحِيحُ،
الْإِمَامِ: هَذَا الْخَبَرُ الْوَقْفُ فِيهِ مُتَحَقِّقٌ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَإِنَّهُ بَلَاغٌ لَمْ يُبَيِّنْ مَعْمَرٌ فِيهِ مَنْ حَدَّثَهُ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ سِوَى الْحِنْطَةِ فَفِيهِ صَاعٌ وَفِي الْحِنْطَةِ نِصْفُ صَاعٍ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ طَاوُسٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ وَقَالَ: مَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَوَى عَنْهُ خِلَافَ ذَلِكَ اهـ.
كَأَنَّ إخْرَاجَ أَبِي سَعِيدٍ ظَاهِرٌ فَلَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهُ، وَلَوْ تَنَزَّلْنَا إلَى ثُبُوتِ التَّكَافُؤِ فِي السَّمْعِيَّاتِ كَانَ ثُبُوتُ الزِّيَادَةِ عَلَى مُدَّيْنِ مُنْتَفِيًا إذْ لَا يُحْكَمُ بِالْوُجُوبِ مَعَ الشَّكِّ (قَوْلُهُ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَقْصُودِ) وَهُوَ التَّفَكُّهُ وَالِاسْتِحْلَاءُ، وَقَوْلُهُ: يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَعْنَى: هُوَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُؤْكَلُ كُلُّهُ (قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِمَا) أَيْ فِي الدَّقِيقِ (الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ جَمِيعًا احْتِيَاطًا وَإِنْ نَصَّ عَلَى الدَّقِيقِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ) وَهُوَ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ سُلْتٍ» وَالْمُرَادُ دَقِيقُ الشَّعِيرِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ بِأَنْ يُعْطِيَ نِصْفَ صَاعٍ دَقِيقَ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعًا دَقِيقَ شَعِيرٍ يُسَاوِيَانِ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ وَصَاعِ شَعِيرٍ لَا أَقَلَّ مِنْ نِصْفٍ يُسَاوِي نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ أَوْ أَقَلَّ مِنْ صَاعٍ يُسَاوِي صَاعَ شَعِيرٍ، وَلَا نِصْفٌ لَا يُسَاوِي نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ لَا يُسَاوِي صَاعَ شَعِيرٍ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ) أَيْ وُجُوبَ الِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ (فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اعْتِبَارٌ لِلْغَالِبِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ نِصْفِ صَاعِ دَقِيقٍ لَا يُنْقِصُ قِيمَتَهُ نِصْفَ صَاعٍ مَا هُوَ دَقِيقُهُ بَلْ يَزِيدُ حَتَّى لَوْ فُرِضَ نَقْصُهُ كَمَا قَدْ يَتَّفِقُ فِي أَيَّامِ الْبِدَارِ كَانَ الْوَاجِبُ مَا قُلْنَا.
(قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازً كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، يُرَاعَى فِيهِ الْقَدْرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَنَوَيْنِ مِنْ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ثُمَّ يُعْتَبَرُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَزْنًا فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَيْلًا وَالدَّقِيقُ أَوْلَى مِنْ الْبُرِّ، وَالدَّرَاهِمُ أَوْلَى مِنْ الدَّقِيقِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ ﵀ لِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ وَأَعْجَلُ بِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ تَفْضِيلُ الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْخِلَافِ إذْ فِي الدَّقِيقِ وَالْقِيمَةِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ (وَالصَّاعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْعِرَاقِيِّ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﵊ «صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ».
الْخُبْزِ، لِأَنَّهُ لَمَّا رُوعِيَ الْقَدْرُ فِيمَا هُوَ أَصْلُهُ فَفِيهِ، وَأَنَّهُ يَزْدَادُ ذَلِكَ الْقَدْرُ صَنْعَةً وَقِيمَةً أَوْلَى، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لَمَّا أَنَّ الْقَدْرَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْمَكِيلِ، وَالْخُبْزُ لَيْسَ مِنْهُ فَكَانَ إخْرَاجُهُ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ. (وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُعْتَبَرُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَجْهُهُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ وَثُلُثٌ كَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ، إذْ لَا مَعْنَى لِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ إلَّا إذَا اُعْتُبِرَ بِهِ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالْكَيْلِ لَوْ وَزَنَ أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ فَدَفَعَهَا إلَى الْقَوْمِ لَا يَجْزِيهِ لِجَوَازِ كَوْنِ الْحِنْطَةِ ثَقِيلَةً لَا تَبْلُغُ نِصْفَ صَاعٍ وَإِنْ وُزِنَتْ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ عَنْ الْخِلَافِ) أُجِيبَ: بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحِنْطَةِ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي قَدْرِهَا أَيْضًا لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ أَقَلُّ شُبْهَةً.
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ) وَالرِّطْلُ زِنَةُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وَيُعْتَبَرُ وَزْنُ ذَلِكَ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ كَيْلُهُ وَوَزْنُهُ وَهُوَ الْعَدَسُ وَالْمَاشُّ، فَمَا وَسِعَ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ أَوْ خَمْسَةً وَثُلُثًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الصَّاعُ كَذَا قَالُوا. وَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ آنِفًا فِي تَقْدِيرِ الصَّاعِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا إذَا تُؤُمِّلَ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ») وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافٌ فِي قَدْرِ
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ رِطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ» وَهَكَذَا كَانَ صَاعُ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْهَاشِمِيِّ، وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الْهَاشِمِيَّ.
قَالَ (وَوُجُوبُ الْفِطْرَةِ يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى إنَّ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ وُلِدَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَجِبُ، وَعَلَى عَكْسِهِ مَنْ مَاتَ فِيهَا مِنْ مَمَالِيكِهِ أَوْ وَلَدِهِ.
صَاعِهِ ﵊ إلَّا مَا قَالَهُ الْحِجَازِيُّونَ وَالْعِرَاقِيُّونَ وَمَا قَالَهُ الْحِجَازِيُّونَ أَصْغَرُ فَهُوَ الصَّحِيحُ، إذْ هُوَ أَصْغَرُ الصِّيعَانِ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ وَمُدُّنَا أَكْبَرُ الْأَمْدَادِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي قَلِيلِنَا وَكَثِيرِنَا وَاجْعَلْ لَنَا مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ» اهـ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَفِي تَرْكِهِ إنْكَارُ كَوْنِهِ أَصْغَرَ الصِّيعَانِ بَيَانُ أَنَّ صَاعَ الْمَدِينَةِ كَذَلِكَ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَوَاضِعِ كَوْنِ السُّكُوتِ حُجَّةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ حَتَّى يَلْزَمَ رَدُّهُ إنْ كَانَ خَطَأً، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو يُوسُفَ ﵀ مِنْ الْحَجِّ فَقَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفْتَحَ عَلَيْكُمْ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ أَهَمَّنِي، فَفَحَصْت عَنْهُ فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ فَسَأَلْت عَنْ الصَّاعِ فَقَالُوا: صَاعُنَا هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قُلْت لَهُمْ: مَا حُجَّتُكُمْ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: نَأْتِيك بِالْحُجَّةِ غَدًا، فَلَمَّا أَصْبَحْت أَتَانِي نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ شَيْخًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الصَّاعُ تَحْتَ رِدَائِهِ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَنَّ هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرْت فَإِدَا هِيَ سَوَاءُ، قَالَ فَعَيَّرْته فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَنُقْصَانٌ يَسِيرٌ. قَالَ: فَرَأَيْت أَمْرًا قَوِيًّا فَتَرَكْت قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الصَّاعِ.
وَرُوِيَ أَنَّ مَالِكًا نَاظَرَهُ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالصِّيعَانِ الَّتِي جَاءَ بِهَا أُولَئِكَ فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى قَوْلِهِ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمُدِّ يَقْتَاتُونَ بِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ اهـ وَصَحَّحَهُ (وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ رِطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ») هَكَذَا وَقَعَ مُفَسَّرًا عَنْ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ فِي ثَلَاثَةِ طُرُقٍ رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهَا.
وَعَنْ جَابِرٍ أَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْهُ وَضَعَّفَهُ بِعُمَرَ بْنِ مُوسَى
[ ٢ / ٢٩٧ ]
لَهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْفِطْرِ وَهَذَا وَقْتُهُ. وَلَنَا أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَالِاخْتِصَاصُ الْفِطْرُ بِالْيَوْمِ دُونَ اللَّيْلِ
وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَيْسَ فِيهِ الْوَزْنُ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاعِ عُمَرَ كَذَلِكَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: سَمِعْت حَسَنَ بْنَ صَالِحٍ يَقُولُ: صَاعُ عُمَرَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ.
وَقَالَ شَرِيكٌ: أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ وَأَقَلُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: الْحَجَّاجِيُّ صَاعُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. وَهَذَا الثَّانِي أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: عَيَّرْنَا صَاعًا فَوَجَدْنَاهُ حَجَّاجِيًّا، وَالْحَجَّاجِيُّ عِنْدَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْبَغْدَادِيِّ. وَعَنْهُ قَالَ: وَضَعَ الْحَجَّاجُ قَفِيزَهُ عَلَى صَاعِ عُمَرَ. قَالُوا: كَانَ الْحَجَّاجُ يَفْتَخِرُ بِإِخْرَاجِ صَاعِ عُمَرَ، وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ مَا رَوَوْهُ أَوَّلًا لَا يَلْزَمُ كَوْنُ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ صَاعَهُ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ، بَلْ الْحَاصِلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ صَاعَهُ كَانَ أَصْغَرَ الصِّيعَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الْهَاشِمِيَّ، وَهُوَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا. ثُمَّ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْأَصْغَرَ مَا قَدْرُهُ ثَابِتٌ فَلَا يَلْزَمُ صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: تَقْدِيرُهُ أَقَلُّ، إذْ خَصْمُهُ يُنَازِعُهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ هُوَ الَّذِي كَانَ الصَّاعُ الْأَصْغَرُ إذْ ذَاكَ، وَلَا أَعْجَبَ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ شَيْءٌ، وَالْجَمَاعَةُ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ أَبُو يُوسُفَ لَا تَقُومُ بِهِمْ حُجَّةٌ لِكَوْنِهِمْ نَقَلُوا عَنْ مَجْهُولِينَ، وَقِيلَ: لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمَّا حَرَّرَهُ وَجَدَهُ خَمْسَةً وَثُلُثًا بِرِطْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ رِطْلِ أَهْلِ بَغْدَادَ لِأَنَّهُ ثَلَاثُونَ إسْتَارًا، وَالْبَغْدَادِيُّ عِشْرُونَ، وَإِذَا قَابَلْت ثَمَانِيَةً بِالْبَغْدَادِيِّ بِخَمْسَةٍ وَثُلُثٍ بِالْمَدَنِيِّ وَجَدْتهمَا سَوَاءً، وَهُوَ أَشْبَهُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ كَانَ لِذِكْرِهِ عَلَى الْمُعْتَادِ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَصْلُ كَوْنُ الصَّاعِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا بِالِاسْتِصْحَابِ إلَى أَنْ يَثْبُتَ خِلَافًا، وَلَمْ يَثْبُتْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَهِيَ لَفْظُ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ وَرِطْلَانِ صَحِيحَةٌ اجْتِهَادًا.
وَإِنْ كَانَ فِيمَنْ فِي طَرِيقِهَا ضَعْفٌ إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ضَعْفِ الرَّاوِي سِوَى ضَعْفِهَا ظَاهِرًا لَا الِانْتِفَاءُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَرْوِيهِ الضَّعِيفُ خَطَأً. وَهَذَا لِتَأَيُّدِهَا بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحُكْمِ الِاجْتِهَادِيِّ بِكَوْنِ صَاعِ عُمَرَ هُوَ صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ، هَذَا وَلَا يَخْفَى مَا فِي تَضْعِيفِ وَاقِعَةِ أَبِي يُوسُفَ بِكَوْنِ النَّقْلِ عَنْ مَجْهُولِينَ مِنْ النَّظَرِ بَلْ الْأَقْرَبُ مِنْهُ عَدَمُ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ لِخِلَافِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلَ ضَعْفِ أَصْلِ وُقُوعِ الْوَاقِعَةِ لِأَبِي يُوسُفَ وَلَوْ كَانَ رَاوِيهَا ثِقَةً لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْهُ لِعَامَّةِ النَّاسِ وَمُشَافَهَتِهِ إيَّاهُمْ بِهِ مِمَّا يُوهِمُ شُهْرَةَ رُجُوعِهِ، وَلَوْ كَانَ لَمْ يَعُمَّهُ مُحَمَّدٌ فَهُوَ عِلَّةٌ بَاطِنَةٌ.
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ) يَعْنِي إضَافَةَ صَدَقَةٍ إلَى الْفِطْرِ، وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا يَقُولُ كَذَلِكَ. لَكِنَّ إضَافَةَ الصَّدَقَةِ إلَى الْفِطْرِ إنَّمَا تُفِيدُ اخْتِصَاصَ الْفِطْرِ بِهَا، أَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ الْفِطْرِ فِطْرَ الْيَوْمِ لَا فِطْرَ لَيْلَتِهِ فَلَا دَلَالَةَ لِهَذِهِ الْإِضَافَةِ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ أَمْرٍ آخَرَ فَيُقَالُ: لَمَّا أَفَادَتْ اخْتِصَاصًا بِالْفِطْرِ وَتَعَلُّقَهَا بِهِ كَانَ جَعْلُ ذَلِكَ الْفِطْرِ الْفِطْرَ الْمُخَالِفِ لِلْعَادَةِ، وَهُوَ فِطْرُ النَّهَارِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ الْمُوَافِقَ لَهَا لِأَنَّ فِطْرَ اللَّيْلِ لَمْ يُعْهَدْ فِيهِ زَكَاةٌ وَلِذَا لَمْ يَجِبْ فِي فِطْرِ اللَّيَالِي السَّابِقَةِ صَدَقَةٌ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ فِطْرَ آخِرِ لَيْلَةٍ يَتِمُّ بِهِ صَوْمُ الشَّهْرِ وَوُجُوبُ الْفِطْرَةِ إنَّمَا كَانَ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ عَمَّا عَسَاهُ يَقَعُ فِي صَوْمِهِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِتَعْلِيقِهَا بِفِطْرِ لَيْلَةِ
[ ٢ / ٢٩٨ ]
(وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ النَّاسُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى) «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُخْرِجُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْمُصَلَّى»، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِغْنَاءِ كَيْ لَا يَتَشَاغَلَ الْفَقِيرُ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ بِالتَّقْدِيمِ (فَإِنْ قَدَّمُوهَا عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ فَأَشْبَهَ التَّعْجِيلَ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا تَفْصِيلَ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمُدَّةٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَقِيلَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ (وَإِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ لَمْ تَسْقُطْ وَكَانَ عَلَيْهِمْ إخْرَاجُهَا) لِأَنَّ وَجْهَ الْقُرْبَةِ فِيهَا مَعْقُولٌ
شَوَّالٍ إذْ بِهِ يَتِمُّ الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُخْرِجُ الْفِطْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمُصَلَّى، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِغْنَاءِ كَيْ لَا يَتَشَاغَلَ الْفَقِيرُ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ) يَتَضَمَّنُ فِعْلُهُ ﵊ وَقَوْلُهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِهِ [عُلُومُ الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْأَحَادِيثِ] الَّتِي انْفَرَدَ بِزِيَادَةٍ فِيهَا رَاوٍ وَاحِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمُرِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ، وَكَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَسِّمُهَا قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى الْمُصَلَّى وَيَقُولُ: أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (قَوْلُهُ فَإِنْ قَدَّمُوهَا عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ جَازَ لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ) يَعْنِي الرَّأْسَ الَّذِي يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ.
(فَأَشْبَهَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ) يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْقِيَاسُ، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّبَبِ هُوَ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَسُقُوطِ مَا سَيَجِبُ إذَا وَجَبَ بِمَا يُعْمَلُ قَبْلَ الْوُجُوبِ خِلَافُ الْقِيَاسِ فَلَا يَتِمُّ فِي مِثْلِهِ إلَّا السَّمْعُ، وَفِيهِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ إلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِهِ وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ» وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ بِإِذْنٍ سَابِقٍ فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ قَبْلَ الْوُجُوبِ مِمَّا لَا يُعْقَلُ فَلَمْ يَكُونُوا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إلَّا بِسَمْعٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ خَلَفٍ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَلَا فِطْرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَعَمَّا قِيلَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ لَا قَبْلَهُ، وَمَا قِيلَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ لَا قَبْلَهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ أَصْلًا (قَوْلُهُ لِأَنَّ وَجْهَ الْقُرْبَةِ فِيهَا مَعْقُولٌ إلَخْ) ظَاهِرٌ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهَا تَسْقُطُ كَالْأُضْحِيَّةِ بِمُضِيِّ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ مِنْ
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فَلَا يَتَقَدَّرُ وَقْتُ الْأَدَاءِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.