(وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ وَقَضَى) فَهَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. هُمَا يَقُولَانِ: إنَّهُ نَذْرٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ. وَلَنَا أَنَّهُ نَذَرَ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَصِحُّ نَذْرُهُ لَكِنَّهُ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ ثُمَّ يَقْضِي إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ، وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ.
فَصْلٌ فِيمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)
وَجْهُ تَقْدِيمِ بَيَانِ أَحْكَامِ الْوَاجِبِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً عَلَى الْوَاجِبِ عِنْدَ إيجَابِ الْعَبْدِ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ فَهَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ) رَتَّبَهُ بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ قَوْلِهِ: قَضَى: أَيْ لَمَّا لَزِمَ الْقَضَاءُ كَانَ النَّذْرُ صَحِيحًا (قَوْلُهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِوَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي النُّسْخَةِ الْأُخْرَى مُشَارٌ بِهِ إلَى مَعْهُودٍ فِي الذِّهْنِ بِنَاءً عَلَى شُهْرَةِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صِيَامِهَا، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَالْعِيدَيْنِ، وَيُنَاسِبُ النُّسْخَةَ الْأُولَى الِاسْتِدْلَال بِمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْخُدْرِيِّ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْأَضْحَى وَصِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ».
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ «لَا يَصِحُّ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ يَوْمُ الْأَضْحَى وَيَوْمُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» وَيُنَاسِبُ النُّسْخَةَ الْأُخْرَى الِاسْتِدْلَال بِمَا
[ ٢ / ٣٨١ ]
(وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) يَعْنِي. إذَا أَفْطَرَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ سِتَّةٍ: إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى النَّذْرَ لَا غَيْرَ، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا لِأَنَّهُ نَذَرَ بِصِيغَتِهِ. كَيْفَ وَقَدْ قَرَّرَهُ بِعَزِيمَتِهِ؟ وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ مُحْتَمِلٌ كَلَامَهُ وَقَدْ عَيَّنَهُ وَنَفَى غَيْرَهُ، وَإِنْ نَوَاهُمَا يَكُونُ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَكُونُ نَذْرًا، وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَكُونُ يَمِينًا. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَالْيَمِينَ مَجَازٌ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ الْأَوَّلُ عَلَى النِّيَّةِ، وَيَتَوَقَّفَ الثَّانِي فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا، ثُمَّ الْمَجَازُ يَتَعَيَّنُ بِنِيَّتِهِ، وَعِنْدَ نِيَّتِهِمَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ.
سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «أَلَا لَا تَصُومُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ» إلَخْ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُجَرَّدَ عَنْ الصَّوَارِفِ لَيْسَ مُوجِبُهُ بَعْدَ طَلَبِ التَّرْكِ سِوَى كَوْنِ مُبَاشَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعْصِيَةً سَبَبًا لِلْعِقَابِ لَا الْفَسَادِ، أَمَّا لُغَةً فَظَاهِرٌ لِظُهُورِ حُدُوثِ مَعْنَى الْفَسَادِ، وَأَمَّا شَرْعًا: فَكَذَلِكَ بَلْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ فِي الْعِبَادَاتِ وَلَا الْمُعَامَلَاتِ لِتَحَقُّقِ مُوجِبِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا: أَعْنِي الْمَنْعَ الْمُنْتَهِضَ سَبَبًا لِلْعِقَابِ مَعَ الصِّحَّةِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَعَ الْعَبَثِ الَّذِي لَا يَصِلُ إلَى إفْسَادِ الصَّلَاةِ، وَكَثِيرٍ.
فَعُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ الْفَسَادِ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَاهُ بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ لِأَمْرٍ آخَرَ هُوَ كَوْنُهُ لِأَمْرٍ فِي ذَاتِهِ، فَمَا لَمْ يُعْقَلْ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ كَانَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ مُتَّصِلٍ بِهِ لَا يُوجِبُ فِيهِ الْفَسَادَ، وَإِلَّا لَكَانَ إيجَابًا بِغَيْرِ مُوجِبٍ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ مُوجِبِهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ أَوْ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ بِحَسَبِ حَالِهِ مِنْ الظَّنِّيَّةِ وَالْقَطْعِيَّةِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدْ أَثْبَتْنَا فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ تَمَامَ مُوجِبِ النَّهْيِ حَتَّى قُلْنَا إنَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْفَسَادُ لَوْ فَعَلَ لِعَدَمِ مُوجِبِهِ لِعَقْلِيَّةِ أَنَّهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ لِاعْتِبَارِهِ لَا لِنَفْسِ الْفِعْلِ أَوْ لِمَا فِي نَفْسِهِ فَيَصِحُّ النَّذْرُ أَثَرًا لِتَصَوُّرِ الصِّحَّةِ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ لِلْمَعْصِيَةِ فَيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ الصِّحَّةَ بِالِانْتِهَاضِ سَبَبًا لِلْآثَارِ الشَّرْعِيَّةِ وَمِنْهَا هَذَا، وَكَمْ مَوْضِعٍ يَثْبُتُ فِيهِ الْوُجُوبُ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْقَضَاءِ لَا الْأَدَاءِ لِحُرْمَتِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ يُوجِدُكَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ.
فَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ التَّحْقِيقِيَّةِ، وَغَايَةُ مَا بَقِيَ بَيَانُ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَلَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ أَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي هُوَ مَنْعُ النَّفْسِ مُشْتَهَاهَا لَا يُعْقَلُ فِي نَفْسِهِ سَبَبًا لِلْمَنْعِ، بَلْ كَوْنُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَسْتَلْزِمُ الْإِعْرَاضَ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَضْيَافُ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: نَذَرَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَهُوَ
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْن الْجِهَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ إلَّا أَنَّ النَّذْرَ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ وَالْيَمِينَ لِغَيْرِهِ،
مَنْفِيٌّ شَرْعًا فَلَا وُجُودَ لَهُ فَلَا يَنْعَقِدُ، أَمَّا الْأُولَى: فَظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِمَا فِي سُنَنِ الثَّلَاثَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْهُ ﵊ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» قُلْنَا: الْمُرَادُ نَفْيُ جَوَازِ الْإِيفَاءِ بِهِ نَفْسِهِ لَا نَفْيُ انْعِقَادِهِ، لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ النَّسَائِيّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «النَّذْرُ نَذْرَانِ، فَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ لِلَّهِ فِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ فَلَا وَفَاءَ وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ» فَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ فِي النَّصِّ يُفِيدُ أَنَّهُ انْعَقَدَ وَلَمْ يُلْغَ، وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ الْوَفَاءُ بِهِ بِعَيْنِهِ، فَكَذَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فَكَانَ وِزَانَ قَوْلِهِ ﵊ «لَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ» مَعَ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ لِلْكَفَّارَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الِانْعِقَادَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَكُونُ لِأَمْرَيْنِ: لِلْقَضَاءِ فِيمَا إذَا كَانَ جِنْسُ الْمَنْذُورِ مِمَّا يَخْلُو بَعْضُ أَفْرَادِهِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ كَمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ وَهُوَ الْجِنْسُ كَذَلِكَ فَيَجِبُ الْفِطْرُ وَالْقَضَاءُ فِي يَوْمٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَلِلْكَفَّارَةِ إنْ كَانَ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْهَا كَالنَّذْرِ بِالزِّنَا وَبِالسُّكْرِ إذَا قَصَدَ الْيَمِينَ فَيَنْعَقِدُ لِلْكَفَّارَةِ، وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ وَإِلَّا فَيَلْغُو ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي انْعِقَادِهِ، وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَنْعَقِدَ مُطْلَقًا لِلْكَفَّارَةِ إذَا تَعَذَّرَ الْفِعْلُ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْمَشَايِخُ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ ﵀: لَوْ أَضَافَ النَّذْرَ إلَى سَائِرِ الْمَعَاصِي كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ فُلَانًا كَانَ يَمِينًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ اهـ.
وَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُ الْيَمِينُ بِلَفْظِ النَّذْرِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فِي نَذْرِ الطَّاعَةِ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، فَلَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ عَنْ الْفِعْلِ.
وَبِهِ أَفْتَى السُّغْدِيُّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَهَذَا اخْتِيَارِي لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. قَالَ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ فِي فَتَاوَاهُ الصُّغْرَى، وَبِهِ يُفْتَى. وَعَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ يَصُومُ يَوْمَ النَّحْرِ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا ذُكِرَ لِدَلِيلٍ عِنْدَهُمْ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّ شَرْطَ النَّذْرِ كَوْنُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ كَوْنُ الْمَعْصِيَةِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ عَنْهَا، وَإِذَا صَحَّ النَّذْرُ فَلَوْ فَعَلَ نَفْسَ الْمَنْذُورِ عَصَى وَانْحَلَّ النَّذْرُ كَالْحَلِفِ بِالْمَعْصِيَةِ يَنْعَقِدُ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَوْ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا سَقَطَتْ وَأَثِمَ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ) الْكَائِنَتَيْنِ لِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا جِهَةُ الْيَمِينِ وَجِهَةُ النَّذْرِ (لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْيَمِينَ وَالنَّذْرَ (يَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ) أَيْ وُجُوبَ مَا تَعَلَّقَا بِهِ، لَا فَرْقَ سِوَى.
(أَنَّ النَّذْرَ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ) وَهُوَ وَفَاءُ الْمَنْذُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (وَالْيَمِينَ لِغَيْرِهِ) وَهُوَ صِيَانَةُ اسْمِهِ تَعَالَى،
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ التَّبَرُّعِ وَالْمُعَاوَضَةِ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ.
(وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ
وَلَا تَنَافِيَ لِجَوَازِ كَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ وَلِغَيْرِهِ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ ظُهْرَ هَذَا الْيَوْمِ.
(فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ التَّبَرُّعِ وَالْمُعَاوَضَةِ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ) حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ لِجِهَةِ التَّبَرُّعِ، الْبُطْلَانُ بِالشُّيُوعِ وَعَدَمُ جَوَازِ تَصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهَا. وَاشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ، وَالثَّلَاثَةُ لِجِهَةِ الْمُعَاوَضَةِ الرَّدُّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ، وَالرُّؤْيَةُ، وَاسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُ التَّنَافِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْيَمِينُ وُجُوبٌ يَلْزَمُ بِتَرْكِ مُتَعَلِّقِهِ الْكَفَّارَةُ، وَالْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ النَّذْرَ لَيْسَ يَلْزَمُ بِتَرْكِ مُتَعَلِّقِهِ ذَلِكَ، وَتَنَافِي اللَّوَازِمِ أَقَلُّ مَا يَقْتَضِي التَّغَايُرَ فَلَا بُدَّ أَنْ لَا يُرَادَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَنُخْبَةُ مَا قَرَّرَ بِهِ كَلَامَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ هُنَا أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ وَهُوَ مَعْنَى الْيَمِينِ لَازِمٌ لِمُوجَبِ صِيغَةِ النَّذْرِ، وَهُوَ إيجَابُ الْمُبَاحِ فَيَثْبُتُ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا لِلصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَادَ هُوَ بِهَا وَيُسْتَعْمَلَ فِيهِ، وَلُزُومُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ إنَّمَا هُوَ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيهِمَا، وَالِاسْتِعْمَالُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْمُوجَبُ فَقَطْ، وَيُلَازِمُ الْمُوجَبَ الثَّابِتَ دُونَ اسْتِعْمَالٍ فِيهِ الْيَمِينُ، فَلَا جَمْعَ فِي الْإِرَادَةِ بِاللَّفْظِ إلَّا أَنَّ هَذَا يَتَرَاءَى مَغْلَطَةً، إذْ مَعْنَى ثُبُوتُ الِالْتِزَامِيِّ غَيْرُ مُرَادٍ لَيْسَ إلَّا خُطُورَةً عِنْدَ فَهْمِ مَلْزُومِهِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ مَحْكُومًا بِنَفْيِ إرَادَتِهِ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَالْحُكْمُ بِذَلِكَ يُنَافِيهِ إرَادَةُ الْيَمِينِ بِهِ، لِأَنَّ إرَادَةَ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ إرَادَةُ تَحْرِيمِ الْمُبَاحِ هِيَ إرَادَةُ الْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ عَلَى وَجْهٍ أَخَصَّ مِنْهُ حَالَ كَوْنِهِ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا، فَإِنَّهُ أُرِيدَ عَلَى وَجْهٍ تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِخُلْفِهِ، وَعَدَمُ إرَادَةِ الْأَعَمِّ تُنَافِيهِ إرَادَةُ الْأَخَصِّ، أَعْنِيَ تَحْرِيمَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ مَعْنًى.
نَعَمْ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا فُرِضَ عَدَمُ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ عِنْدَ التَّلَفُّظِ سِوَى النَّذْرِ، ثُمَّ بَعْدَ التَّلَفُّظِ عَرَضَ لَهُ إرَادَةُ ضَمِّ الْآخَرِ عَلَى فَوْرِهِ، لَكِنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ لُزُومُهُمَا لَا يَخُصُّ هَذِهِ الصُّورَةَ، فَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَدَلَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَالَ: النَّذْرُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الصِّيغَةِ وَالْيَمِينُ مِنْ الْمُوجَبِ، قَالَ: فَإِنَّ إيجَابَ الْمُبَاحِ يَمِينٌ كَتَحْرِيمِهِ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلَى أَنْ قَالَ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ لَمَّا حَرَّمَ ﵊ عَلَى نَفْسِهِ مَارِيَةَ ﵂ أَوْ الْعَسَلَ، فَأَفَادَ أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِاللَّفْظِ مُوجَبُهُ وَهُوَ إيجَابُ الْمُبَاحِ، وَأُرِيدَ بِنَفْسِ إيجَابِ الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الْمُوجَبِ كَوْنُهُ يَمِينًا قَالَ: وَمَعَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ لَا جَمْعَ، يَعْنِي حَيْثُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ إيجَابُ الْمُبَاحِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَبِالْإِيجَابِ نَفْسِهِ كَوْنُهُ يَمِينًا لَا جَمْعَ فِي الْإِرَادَةِ بِاللَّفْظِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ مَتَى أُرِيدَ الِالْتِزَامِيُّ لِيُرَادَ بِهِ الْيَمِينُ لَزِمَ الْجَمْعُ فِي الْإِرَادَةِ بِاللَّفْظِ، إذْ لَيْسَ مَعْنَى الْجَمْعِ إلَّا أَنَّهُ أُرِيدَ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ، ثُمَّ لَا يُخَالُ أَنَّهُ قِيَاسٌ لِتَعْدِيَةِ الِاسْمِ لِلْمُتَأَمِّلِ.
وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ لِأَنَّ إرَادَةَ الْإِيجَابِ عَلَى أَنَّهُ يَمِينُ إرَادَتِهِ عَلَى وَجْهٍ هُوَ أَنْ يَسْتَعْقِبَ الْكَفَّارَةَ بِالْخُلْفِ وَإِرَادَتُهُ مِنْ اللَّفْظِ نَذْرًا إرَادَتُهُ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ لَا يَسْتَعْقِبَهَا بَلْ الْقَضَاءُ وَذَلِكَ تَنَافٍ، فَيَلْزَمُ إذَا أُرِيدَ يَمِينًا وَثَبَتَ حُكْمُهَا شَرْعًا وَهُوَ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِالْخُلْفِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ نَذْرًا إذْ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ) سَوَاءٌ أَرَادَهُ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ صَوْمُ يَوْمٍ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ سَنَةً، وَكَذَلِكَ إذْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ كَلَامًا فَجَرَى
[ ٢ / ٣٨٤ ]
أَفْطَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا) لِأَنَّ النَّذْرَ بِالسَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ نَذْرٌ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَكِنَّهُ شَرَطَ التَّتَابُعَ، لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَعْرَى عَنْهَا لَكِنْ يَقْضِيهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مَوْصُولَةً تَحْقِيقًا لِلتَّتَابُعِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ،
عَلَى لِسَانِهِ النَّذْرُ لَزِمَهُ لِأَنَّ هَذِهِ النَّذْرِ جِدٌّ كَالطَّلَاقِ (أَفْطَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا) وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ قَالَتْهُ قَضَتْ مَعَ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيَّامَ حَيْضِهَا، لِأَنَّ تِلْكَ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْ الْحَيْضِ فَصَحَّ الْإِيجَابُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ فَإِنَّهُ مَنْصُوصٌ عَنْهُ فِي قَوْلِهَا أَنْ أَصُومَ غَدًا فَوَافَقَ حَيْضَهَا لَا تَقْضِي.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَقْضِيهِ لِأَنَّهَا لَمْ تُضِفْهُ نَذْرًا إلَى يَوْمِ حَيْضِهَا، بَلْ إلَى الْمَحَلِّ غَيْرَ أَنَّهُ اتَّفَقَ عُرُوضُ الْمَانِعِ، فَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْإِيجَابِ حَالَ صُدُورِهِ فَتَقْضِي، وَكَذَا إذَا نَذَرَتْ صَوْمَ الْغَدِ وَهِيَ حَائِضٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ: يَوْمَ حَيْضِي لَا قَضَاءَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ لِإِضَافَتِهِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَصَارَ كَالْإِضَافَةِ إلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ عِبَارَةُ الْكِتَابِ تُفِيدُ الْوُجُوبَ لِمَا عُرِفَ.
وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ الْأَفْضَلُ فِطْرُهَا، حَتَّى لَوْ صَامَهَا خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ تَسَاهُلٌ، بَلْ الْفِطْرُ وَاجِبٌ لِاسْتِلْزَامِ صَوْمِهَا الْمَعْصِيَةَ، وَلِتَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ الْفِطْرَ بِهَا، فَإِنْ صَامَهَا أَثِمَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا الْتَزَمَهَا نَاقِصَةً، لَكِنْ قَارَنَ هَذَا الِالْتِزَامُ وَاجِبًا آخَرُ وَهُوَ لُزُومُ الْفِطْرِ تَرَكَهُ فَتَحَمَّلَ إثْمَهُ ثُمَّ.
هَذَا إذَا قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ فَإِنْ قَالَهُ فِي شَوَّالٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَلْ صِيَامُ مَا بَقِيَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: هَذَا سَهْوٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ السَّنَةِ عِبَارَةٌ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ وَقْتِ النَّذْرِ إلَى وَقْتِ النَّذْرِ، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لَا تَخْلُو عَنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَيَكُونُ نَذْرًا بِهَا اهـ وَهَذَا سَهْوٌ، بَلْ الْمَسْأَلَةُ كَمَا هِيَ فِي الْغَايَةِ مَنْقُولَةٌ فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهَذَا الشَّهْرِ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَنَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عِبَارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهَا مَبْدَأٌ وَمَخْتَمٌ خَاصَّانِ عِنْدَ الْعَرَبِ، مَبْدَؤُهَا الْمُحَرَّمُ وَآخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ، فَإِذَا قَالَ: هَذِهِ فَإِنَّمَا يُفِيدُ الْإِشَارَةَ إلَى الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَحَقِيقَةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ نَذْرٌ بِالْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُدَّةُ الْمَاضِيَةُ الَّتِي مَبْدَؤُهَا الْمُحَرَّمُ إلَى وَقْتِ التَّكَلُّمِ فَيَلْغُو فِي حَقِّ الْمَاضِي كَمَا يَلْغُو فِي قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، وَهَذَا فَرْعٌ يُنَاسِبُ هَذَا، لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ الْيَوْمَ أَوْ الْيَوْمَ أَمْسِ لَزِمَ صَوْمُ الْيَوْمِ، وَلَوْ قَالَ: غَدًا هَذَا الْيَوْمَ أَوْ هَذَا الْيَوْمَ غَدًا لَزِمَهُ صَوْمُ أَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ تَفَوَّهَ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ: شَهْرًا لَزِمَهُ شَهْرٌ كَامِلٌ، وَلَوْ قَالَ: الشَّهْرَ وَجَبَتْ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الشَّهْرَ مُعَيَّنًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودِ بِالْحُضُورِ، فَإِنْ نَوَى شَهْرًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ كَلَامَهُ ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ، وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا فِي الْغَايَةِ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ: صَوْمُ يَوْمَيْنِ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا صَوْمُ يَوْمِهِ، بِخِلَافِ عَشْرِ حَجَّاتٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ فِي الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْفَصْلِ) احْتِرَازٌ مِنْ الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ مَا إذَا عَيَّنَ السَّنَةَ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ مَوْصُولَةً لِأَنَّ التَّتَابُعَ هُنَاكَ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلَا مُلْتَزَمٌ قَصْدًا، بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ ضَرُورَةَ فِعْلِ صَوْمِهَا، فَإِذَا قَطَعَهَا بِإِذْنِ الشَّرْعِ انْتَفَى التَّتَابُعُ الضَّرُورِيُّ بِخِلَافِ التَّتَابُعِ هُنَا، فَإِنَّهُ الْتَزَمَهُ قَصْدًا، فَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ شَرْعًا وَجَبَ تَوْفِيرُهُ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَلِهَذَا إذَا أَفْسَدَ يَوْمًا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُتَتَابِعِ قَصْدًا كَصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ وَالْمَنْذُورِ مُتَتَابِعًا لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ، وَفِي الْمُتَتَابِعِ ضَرُورَةً كَمَا إذَا نَذَرَ صَوْمَ هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ رَجَبَ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى مَا أَفْسَدَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ الْإِفْسَادِ، كَمَا إذَا أَفْسَدَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ وَاجِبُ التَّتَابُعِ ضَرُورَةً لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ غَيْرِهِ مَعَ الْمَأْثَمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَهْرٍ
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وَيَتَأَتَّى فِي هَذَا خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِلنَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا لَا تَصُومُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ وَالْعُذْرَ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ
رَمَضَانَ فِي الْفَصْلَيْنِ، أَيْ هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ سَنَةٍ مُتَتَابِعَةٍ، لِأَنَّ هَذِهِ السَّنَةَ وَالسَّنَةَ الْمُتَتَابِعَةَ لَا تَخْلُو عَنْهُ، فَإِيجَابُهَا إيجَابُهُ وَغَيْرُهُ، فَيَصِحُّ فِي غَيْرِهِ وَيَبْطُلُ فِيهِ لِوُجُوبِهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً.
(قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ) رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ أَيَّامَ مِنًى صَائِحًا يَصِيحُ: أَنْ لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» أَيْ وِقَاعٍ.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ هُذَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى. أَلَا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» وَفِي مُسْنَدِهِ سَعِيدُ بْنُ سَلَّامٍ كَذَّبَهُ أَحْمَدُ.
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَذَاقَةَ السَّهْمِيِّ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَةٍ أَيَّامَ مِنًى أُنَادِي: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» وَضَعَّفَهُ بِالْوَاقِدِيِّ، وَفِي الْوَاقِدِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي مَبَاحِثِ الْمِيَاهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْحَجِّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلَدَةَ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يُنَادِي: أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ﵊ قَالَ «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» زَادَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ «وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى».
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّتَابُعُ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ فَعَلَيْهِ صَوْمُ سَنَةٍ بِالْأَهِلَّةِ وَلَمْ يُجْزِهِ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّ الْمُنَكَّرَةَ اسْمٌ لِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لَا بِقَيْدِ كَوْنِ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ النَّذْرُ بِهَا نَذْرًا بِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثَلَاثِينَ لِرَمَضَانَ، وَيَوْمَيْ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَهَلْ يَجِبُ وَصْلُهَا بِمَا مَضَى؟ قِيلَ نَعَمْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي التَّجْنِيسِ: هَذَا غَلَطٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِيَهُ، وَلَوْ قَالَ: شَهْرًا لَزِمَهُ كَامِلًا أَوْ رَجَبَ لَزِمَهُ هُوَ بِهِلَالِهِ، وَلَوْ قَالَ: جُمُعَةً إنْ أَرَادَ أَيَّامَهَا لَزِمَهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمَهَا لَزِمَهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ تَلْزَمُهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ لِأَنَّهَا تُذْكَرُ لِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَفِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ أَغْلَبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَيَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إلَيْهِ.
وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَيَّنَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَوْ قَالَ: كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ أَوْ اثْنَيْنِ فَلَمْ يَصُمْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَقَطْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَوْ الْيَمِينَ وَالنَّذْرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي إفْطَارِ الْخَمِيسِ الْأَوَّلِ أَوْ الِاثْنَيْنِ، وَمَا أَفْطَرَ مِنْهُمَا بَعْدُ فَفِيهِ الْقَضَاءُ لَيْسَ غَيْرُ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ بِالْحِنْثِ الْأَوَّلِ، وَبَقَاءِ النَّذْرِ عَلَى الْخِلَافِ، وَلَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى صَارَ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ كَانَ نَذَرَ بِصِيَامِ الْأَبَدِ فَعَجَزَ لِذَلِكَ أَوْ بِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ لِكَوْنِ صِنَاعَتِهِ شَاقَّةً لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لِعُسْرَتِهِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الْغَنِيُّ الْكَرِيمُ، وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ لِشِدَّةِ الزَّمَانِ كَالْحَرِّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَنْتَظِرَ الشِّتَاءَ فَيَقْضِيَ، هَذَا.
وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ النَّذْرِ كَأَنْ يَقُولَ: إذَا جَاءَ زَيْدٌ أَوْ شُفِيَ فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، فَلَوْ صَامَ شَهْرًا عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ الشَّرْطِ لَا يَجُوزُ عَنْهُ، وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى وَقْتٍ جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، لِأَنَّ
[ ٢ / ٣٨٦ ]
لَمْ يُجْزِهِ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا يَلْتَزِمُهُ الْكَمَالُ، وَالْمُؤَدَّى نَاقِصٌ لِمَكَانٍ النَّهْيِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَهَا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِوَصْفِ النُّقْصَانِ فَيَكُونُ الْأَدَاءُ بِالْوَصْفِ الْمُلْتَزَمِ. قَالَ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا) وَقَدْ سَبَقَتْ وُجُوهُهُ.
(وَمَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ) لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ، وَصَارَ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ يُسَمَّى صَائِمًا حَتَّى يَحْنَثَ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى
الْمُعَلَّقَ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا فِي الْحَالِ بَلْ عِنْدَ الشَّرْطِ فَالصَّوْمُ قَبْلَهُ صَوْمٌ قَبْلَ السَّبَبِ فَلَا يَجُوزُ، وَالْمُضَافُ يَنْعَقِدُ فِي الْحَالِ، فَالصَّوْمُ قَبْلَ الْوَقْتِ صَوْمٌ بَعْدَ السَّبَبِ فَيَجُوزُ، وَمِنْهُ: أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَجَبٍ فَصَامَ قَبْلَهُ عَنْهُ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ نَذْرِهِ، وَأَصْلُ هَذَا مَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ أَنَّ التَّعْجِيلَ بَعْدَ السَّبَبِ جَائِزٌ أَصْلُهُ الزَّكَاةُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، غَيْرَ أَنَّ زُفَرَ لَمْ يُجِزْهُ فِيمَا إذَا كَانَ الزَّمَانُ الْمُعَجَّلُ فِيهِ أَقَلَّ فَضِيلَةً مِنْ الْمَنْذُورِ، وَمُحَمَّدًا ﵀ لِلتَّعْجِيلِ.
وَعِنْدَنَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لُزُومَ الْمَنْذُورِ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ فَقَطْ، وَجَوَازُ التَّعْجِيلِ بَعْدَ السَّبَبِ بِدَلِيلِ الزَّكَاةِ فَابْتَنَى عَلَى هَذَا إلْغَاءُ تَعْيِينِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْمُتَصَدِّقِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ رَجَبًا فَصَامَ عَنْهُ قَبْلَهُ شَهْرًا أَحَطَّ فَضِيلَةً مِنْهُ جَازَ خِلَافًا لَهُمَا، وَكَذَا إذَا نَذَرَ صَلَاةً فِي زَمَانٍ فَضِيلٍ فَصَلَّاهَا قَبْلَهُ فِي أَحَطَّ مِنْهُ جَازَ، أَوْ نَذَرَ رَكْعَتَيْنِ بِمَكَّةَ فَصَلَّاهُمَا فِي غَيْرِهَا جَازَ، أَوْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ غَدًا عَلَى فُلَانٍ الْفَقِيرِ فَتَصَدَّقَ بِغَيْرِهِ فِي الْيَوْمِ عَلَى غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ، خِلَافًا لِزُفَرَ فِي الْكُلِّ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ بَعْدَمَا أَكَلَ أَوْ بَعْدَمَا حَاضَتْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَلَوْ قَدِمَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ فَقَدِمَ فُلَانٌ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْبِرِّ وَهُوَ الصَّوْمُ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ، وَلَوْ قَدِمَ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ فَنَوَى بِهِ الشُّكْرَ لَا عَنْ رَمَضَانَ بَرَّ بِالنِّيَّةِ وَأَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا نَذَرَ الْمَرِيضُ صَوْمَ شَهْرٍ فَمَاتَ قَبْلَ الصِّحَّةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَحَّ يَوْمًا، تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَتَحْقِيقُهَا وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ أَوْ يَوْمَ كَذَا شَهْرًا أَوْ سَنَةً لَزِمَهُ مَا تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ.
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَصَامَ ذَلِكَ مَرَّةً كَفَاهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْأَبَدَ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِهِ لَزِمَهُ صِيَامُ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ، وَكُلُّ صَوْمٍ أَوْجَبَهُ وَنَصَّ عَلَى تَفْرِيقِهِ فَصَامَهُ مُتَتَابِعًا خَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ وَعَلَى الْقَلْبِ لَا يُجْزِيهِ، وَلَوْ قَالَ: بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ، أَوْ دَهْرًا فَعَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ الدَّهْرَ فَعَلَى الْعُمْرِ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ مِثْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ إنْ أَرَادَ مِثْلَهُ فِي الْوُجُوبِ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ أَوْ فِي التَّتَابُعِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ. رَجُلٌ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَصَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَقَدْ أَفْطَرَ يَوْمًا وَلَا يَدْرِي أَيَّ يَوْمٍ هُوَ قَضَى خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ بِتَأَمُّلٍ يَسِيرٍ.
(قَوْلُهُ مَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَخْ) الْمَقْصُودُ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ كَيَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ لَيْسَ مُوجِبًا لِلْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ، بِخِلَافِ نَذْرِهَا فَإِنَّهُ يُوجِبُهُ فِي غَيْرِهَا، وَبِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَإِنَّ إفْسَادَهَا
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الصَّوْمِ فَيَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ، فَيَجِبُ إبْطَالُهُ فَلَا تَجِبُ صِيَانَتُهُ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَيْهِ، وَلَا يَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِنَفْسِ النَّذْرِ وَهُوَ الْمُوجِبُ، وَلَا بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّ رَكْعَةً، وَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى الصَّلَاةِ فَتَجِبُ صِيَانَةُ الْمُؤَدَّى وَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقَضَاءِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لَيْسَ مُوجِبًا لِلْقَضَاءِ كَالشُّرُوعِ فِي صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ وَهُوَ التَّفْصِيلُ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الْإِتْمَامِ فَإِذَا فَوَّتَهُ وَجَبَ جَبْرُهُ بِالْقَضَاءِ، وَوُجُوبُ الْإِتْمَامِ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مُنْتَفٍ، بَلْ الْمَطْلُوبُ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ قَطْعُهُ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ مُرْتَكِبٌ لِلنَّهْيِ لِصِدْقِ اسْمِ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ وَالصِّيَامِ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ بِنِيَّةٍ. وَلِذَا حَنِثَ بِهِ فِي يَمِينِهِ لَا يَصُومُ، وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ فِي يَمِينِهِ لَا يَصُومُ صَوْمًا، وَلَا يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَلَا بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْقَطْعِ، لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ الصَّلَاةُ، وَالصَّلَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أَرْكَانٍ مَعْلُومَةٍ فَمَا لَمْ يَفْعَلْهَا لَا تَتَحَقَّقُ، لِأَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ بِوُجُودِ جَمِيعِ حَقِيقَتِهِ، فَإِذَا قَطَعَهَا فَقَدْ قَطَعَ مَا لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ بَعْدَ قَطْعِهِ فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِلْعَمَلِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْإِبْطَالِ فَيَلْزَمُ بِهِ الْقَضَاءُ إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ بَعْدَ السَّجْدَةِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَالْجَوَابُ مُطْلَقٌ فِي الْوُجُوبِ.
[ ٢ / ٣٨٨ ]