كِتَابُ الْحَجِّ
أَخَّرَهُ عَنْ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ عِبَادَةُ قَهْرِ النَّفْسِ، إذْ لَيْسَ حَقِيقَتُهُ سِوَى مَنْعِ شَهَوَاتِهَا وَمَحْبُوبَاتِهَا الَّتِي هِيَ أَعْظَمُهَا عِنْدَهَا، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا أَفْعَالٌ هِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدْ تَحْرُمُ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَقَدْ لَا إلَّا فِي الْبَعْضِ كَالْحَجِّ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ. وَأَيْضًا فَالْحَجُّ يَشْتَمِلُ عَلَى السَّفَرِ. وَقَدْ يَكُونُ السَّفَرُ مُشْتَهَاهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيحِهَا وَتَفْرِيجِ الْهُمُومِ اللَّازِمَةِ فِي الْمَقَامِ، وَأَيْضًا فَالْحَجُّ وُجُوبُهُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا أَمَسَّ، وَوَجْهٌ آخَرُ لِلْأَمْسِيَةِ وَهُوَ أَنَّ شُرُوطَ لُزُومِ الْحَجِّ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِكَثْرَةِ شُرُوطِ الشَّيْءِ تَكْثُرُ مُعَانَدَاتُهُ، وَعَلَى قَدْرِ مُعَانَدَاتِ الشَّيْءِ يَقِلُّ وُجُودُهُ وَتَقْدِيمُ الْأَظْهَرِ وُجُوبًا أَظْهَرُ. وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَتَبَرَّكَ فِي افْتِتَاحِ هَذَا الرُّكْنِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ. فَإِنَّهُ أَصْلٌ كَبِيرٌ أَجْمَعُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ، ثُمَّ نَذْكُرُ مُقَدِّمَةً فِي آدَابِ السَّفَرِ، وَالْمَقْصُودُ إعَانَةُ الْإِخْوَانِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ تَامَّةً فَنَقُولُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ كَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارِمِيُّ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ فَسَأَلَ عَنْ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. فَأَهْوَى بِيَدِهِ إلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيِي وَأَنَا يَوْمئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِك يَا ابْنَ أَخِي. سَلْ عَمَّا شِئْت فَسَأَلْته وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ فَصَلَّى بِنَا فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَأَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ حَتَّى إذَا صَعِدَهَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى فَقَالَ: دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ بِالْعِرَاقِ يَقُولُ: فَذَهَبْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ الْيَمَنِ، وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةٍ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةٍ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ
[ ٢ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دِمَائِنَا دَمَ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النَّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فَقَالَ: بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلَى السَّمَاءِ وَيُنَكِّثُهَا إلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ. ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنْ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ وَصَرَفَ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ». وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: «نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ يَوْمئِذٍ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً فَنَحَرَ لِكُلِّ سَنَةٍ بَدَنَةً ثُمَّ أَمَرَ عَلِيًّا بِالْبَاقِي فَنَحَرَهَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ الْمَوْعُودَةُ] يُكْرَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ إذَا كَرِهَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى خِدْمَتِهِ، لَا إنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ كَالْأَبَوَيْنِ عِنْدَ فَقْدِهِمَا
وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ لِلْحَجِّ وَالْغَزْوِ لِمَدْيُونٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَقْضِي بِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْغَرِيمُ، فَإِنْ كَانَ بِالدَّيْنِ كَفِيلٌ بِإِذْنِهِ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَإِنْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَبِإِذْنِ الطَّالِبِ وَحْدَهُ، وَيُشَاوِرُ ذَا رَأْيٍ فِي سَفَرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا فِي نَفْسِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ خَيْرٌ، وَكَذَا يَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ. وَسُنَنُهَا أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِسُورَتَيْ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ، وَيَدْعُو بِالدُّعَاءِ الْمَعْرُوفِ لِلِاسْتِخَارَةِ عَنْهُ ﵊ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِكَ» إلَخْ. أَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْهُ ﵊ «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ تَعَالَى» ثُمَّ يَبْدَأُ بِالتَّوْبَةِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالِاسْتِحْلَالِ مِنْ خُصُومِهِ، وَمِنْ كُلِّ مَنْ عَامَلَهُ، وَيَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ نَفَقَةٍ حَلَالٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْحَجُّ بِالنَّفَقَةِ الْحَرَامِ مَعَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ مَعَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً. وَلَا تَنَافِي بَيْنَ سُقُوطِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ فَلَا يُثَابُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ وَلَا يُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ عِقَابَ تَارِكِ الْحَجِّ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَفِيقٍ صَالِحٍ يُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ، وَيُصَبِّرُهُ إذَا جَزِعَ، وَيُعِينُهُ إذَا عَجَزَ، وَكَوْنُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ أَوْلَى مِنْ الْأَقَارِبِ عِنْدَ بَعْضِ الصَّالِحِينَ تَبَعُّدًا مِنْ سَاحَةِ الْقَطِيعَةِ، وَيُرِي الْمُكَارِيَ مَا يَحْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُ أَكْثَرَ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَيُجَرِّدُ سَفَرَهُ عَنْ التِّجَارَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ، وَلِذَا كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الرُّكُوبَ فِي الْمَحْمَلِ. وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ قَصْدِ ذَلِكَ، وَرُكُوبُ الْجَمَلِ أَفْضَلُ،
وَيُكْرَهُ الْحَجُّ عَلَى الْحِمَارِ، وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ لِمَنْ يُطِيقُهُ، وَلَا يُسِيءُ خُلُقُهُ، وَلَا يُمَاكِسُ فِي شِرَاءِ الْأَدَوَاتِ، وَلَا يُشَارِكُ فِي الزَّادِ، وَاجْتِمَاعُ الرُّفْقَةِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ أَفْضَلُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ اقْتِدَاءً بِهِ ﵊، وَإِلَّا فَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَالشَّهْرِ، وَيُوَدِّعُ أَهْلَهُ وَإِخْوَانَهُ وَيَسْتَحِلُّهُمْ وَيَطْلُبُ دُعَاءَهُمْ، وَيَأْتِيهِمْ لِذَلِكَ وَهُمْ يَأْتُونَهُ إذَا قَدِمَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ لِقَزَعَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. قَالَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ: إنَّ اللَّهَ إذَا اُسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَهُ: مَنْ يُوَدِّعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ: فِي حِفْظِ اللَّهِ وَكَنَفِهِ زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَجَنَّبَكَ الرَّدَى، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ» وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﵊ قَالَ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ فَلْيَقُلْ لِمَنْ يَخْلُفُهُ أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا يُضِيعُ وَدَائِعَهُ» وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُشَيَّعَ الْمُسَافِرُ بِالْمَشْيِ مَعَهُ وَالدُّعَاءِ لَهُ. «وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ حِينَ وَجَّهَهُمْ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ» وَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ وَبَعْدَهُ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ، وَأَقَلُّهُ شُبْعَةٌ فَإِنَّهُ سَبَبُ السَّلَامَةِ. وَإِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ فَلْيَقُلْ " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ "
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى السَّفَرِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الضَّيْعَةِ فِي السَّفَرِ، وَالْكَآبَةِ فِي الْمُنْقَلَبِ، اللَّهُمَّ اقْبِضْ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْهُ ﵊ «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَيُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فَيَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ» الْحَدِيثَ. وَمِنْ الْآثَارِ «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ
[ ٢ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ حَتَّى يَرْجِعَ» قِيلَ وَلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَا خَلَّفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُمَا عِنْدَهُمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَرًا» فَإِذَا بَلَغَ بَابَ دَارِهِ قَرَأَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوبَ سَمَّى اللَّهَ، فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى دَابَّتِهِ قَالَ: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» وَإِذَا أَتَى بَلْدَةً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَإِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ وَاذَا حَطَّ رَحْلَهُ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا خَيْرَ هَذَا الْمُنْزَلِ وَخَيْرَ مَا فِيهِ، وَاكْفِنَا شَرَّهُ وَشَرَّ مَا فِيهِ، وَيَقُولُ فِي رَحِيلِهِ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا فِي مُنْقَلَبِنَا وَمَثْوَانَا، اللَّهُمَّ كَمَا أَخْرَجْتنَا مِنْ مَنْزِلِنَا هَذَا سَالِمِينَ بَلِّغْنَا غَيْرَهُ آمِنِينَ، وَإِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ فَلْيَقُلْ مَا فِي أَبِي دَاوُد «كَانَ ﵊ إذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ وَمِنْ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ». وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «كَانَ ﵊ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ فِيهِ أَبُو دَاوُد «بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَزَادَ فِيهِ: «يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ» وَسَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيمِ خَفِيفَةٌ أَيْ شَهِدَ شَاهِدٌ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا مُشَدَّدَةً: أَيْ بَلَّغَ سَامِعٌ قَوْلِي هَذَا لِغَيْرِهِ تَنْبِيهًا عَلَى طَلَبِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ
، هَذَا وَلِلْحَجِّ مَفْهُومٌ لُغَوِيٌّ وَفِقْهِيٌّ، وَسَبَبٌ وَشُرُوطٌ وَأَرْكَانٌ وَوَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ وَمُسْتَحَبَّاتٌ.
[فَمَفْهُومُهُ] لُغَةً: الْقَصْدُ إلَى مُعَظَّمٍ لَا الْقَصْدُ الْمُطْلَقُ. قَالَ:
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ أَسْعَدَ أَنَّمَا … تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لَأَكْبَرَا
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
أَيْ يَقْصِدُونَهُ مُعَظِّمِينَ إيَّاهُ. وَفِي الْفِقْهِ: قَصْدُ الْبَيْتِ لِأَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، أَوْ قَصْدُ زِيَارَتِهِ لِذَلِكَ. فَفِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ الطَّوَافِ الْفَرْضِ، وَالْوُقُوفِ فِي وَقْتِهِ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ الْحَجِّ، سَابِقًا. لِأَنَّا نَقُولُ: أَرْكَانُهُ اثْنَانِ: الطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَلَا وُجُودَ لِلشَّخْصِ إلَّا بِأَجْزَائِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَمَاهِيَّتِهِ
[ ٢ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْكُلِّيَّةِ إنَّمَا هِيَ مُنْتَزِعَةٌ مِنْهَا؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرُوا مَفْهُومَ الِاسْمِ فِي الْعُرْفِ، وَقَدْ وُضِعَ لِغَيْرِ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ فَيَكُونُ تَعْرِيفًا اسْمِيًّا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ الْفِقْهِيِّ وَضَعُوا لَهُ الِاسْمَ لِغَيْرِ الْمَاهِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَإِنَّ مُعَرَّفَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا نَقْلَ عَنْ خُصُوصٍ نَاقِلٍ لِلِاسْمِ إلَى ذَلِكَ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْأَعْمَالُ الْمَخْصُوصَةُ لَا نَفْسَ الْقَصْدِ لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ الْمُخْرَجِ لَهَا عَنْ الْمَفْهُومِ مَعَ أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْحَجَّ النَّفَلَ لِتَقْيِيدِهِ بِأَدَاءِ رُكْنِ الدِّينِ فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَجِّ مُطْلَقًا لِيَنْطَبِقَ عَلَى فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ كَمَا هُوَ تَعْرِيفُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يُخَالِفُ سَائِرَ أَسْمَاءِ الْعِبَادَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْأَفْعَالِ كَمَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَخْ، وَالصَّوْمُ هُوَ الْإِمْسَاكُ إلَخْ، وَهُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ. وَالزَّكَاةُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْسِ أَدَاءِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ. فَلْيَكُنْ الْحَجُّ أَيْضًا عِبَارَةً عَنْ الْأَفْعَالِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ كَعَرَفَةَ، وَقَدْ انْدَرَجَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيَانُ أَرْكَانِهِ. .
[وَسَبَبُهُ] الْبَيْتُ، لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ.
[وَشَرَائِطُهُ نَوْعَانِ] شَرْطُ الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ. وَالثَّانِي الْإِحْرَامُ وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ الْمَخْصُوصُ حَتَّى لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ بَدَلَ الْإِحْرَامِ النِّيَّةَ، وَهَذَا أَوْلَى لِاسْتِلْزَامِهِ النِّيَّةَ وَغَيْرَهَا عَلَى مَا سَيَظْهَرُ لَك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الْإِسْلَامُ، حَتَّى لَوْ مَلَكَ مَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ حَالَ كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَمَا افْتَقَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَهُ مُسْلِمًا فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى افْتَقَرَ حَيْثُ يَتَقَرَّرُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْوَقْتُ أَيْضًا، فَلَا يَجِبُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، حَتَّى لَوْ مَلَكَ مَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَهَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ صَرْفِهَا إلَى غَيْرِهِ، وَأَفَادَ هَذَا قَيْدًا فِي صَيْرُورَتِهِ دَيْنًا إذَا افْتَقَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ قَادِرًا وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ، أَوْ قَادِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى افْتَقَرَ تَقَرَّرَ دَيْنًا، وَإِنْ مَلَكَ فِي غَيْرِهَا وَصَرَفَهَا إلَى غَيْرِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْيَنَابِيعِ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: وَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَادِرِ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ، فَإِنْ مَلَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّبَ أَهْلُ بَلَدِهِ لِلْخُرُوجِ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ صَرْفِهَا حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّأَهُّبُ فِي الْحَالِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ فِي أَوَائِلِ الْأَشْهُرِ وَهُمْ يَخْرُجُونَ فِي أَوَاخِرِهَا جَازَ لَهُ إخْرَاجُهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَبْسُوطِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْوَقْتَ شَرْطُ الْأَدَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُ نَقَلَ مِنْ اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ: أَنَّ نَصْرَانِيًّا لَوْ أَسْلَمَ وَصَبِيًّا لَوْ بَلَغَ فَمَاتَا قَبْلَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ، وَأَوْصَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَوَصِيَّتُهُمَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ زُفَرَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُمَا قَبْلَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: تَصِحُّ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي حَقِّهِمَا، وَالْوَقْتُ شَرْطُ الْأَدَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ نَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[وَوَاجِبَاتُهُ] إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مَا فَوْقَهُ مَا لَمْ يَخْشَ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورِهِ لِكَثْرَةِ الْبُعْدِ، وَمَدُّ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى الْغُرُوبِ، وَالْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالسَّعْيُ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَطَوَافُ الصَّدْرِ لِلْآفَاقِيِّ.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
(الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ الْأَصِحَّاءِ إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا)
وَأَمَّا سُنَنُهُ] فَطَوَافُ الْقُدُومِ، وَالرَّمَلُ فِيهِ، أَوْ فِي الطَّوَافِ الْفَرْضِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ جَرْيًا، وَالْبَيْتُوتَةُ بِمِنًى لَيَالِي أَيَّامِ مِنًى، وَالدَّفْعُ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى قَبْلَهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ.
[وَأَمَّا مَحْظُورَاتُهُ فَنَوْعَانِ] مَا يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ، وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ، وَالتَّطَيُّبُ، وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلُبْسُ الْمَخِيطِ. وَمَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ حَلْقُ رَأْسِ الْغَيْرِ، وَالتَّعَرُّضُ لِلصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَنْقُولًا فَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لَا تُعَلَّقُ بِالْحَجِّ وَلَا الْإِحْرَامِ
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَحْرَارِ إلَخْ) وَفِي النِّهَايَةِ: إنَّمَا ذَكَرَ الْأَحْرَارَ وَمَا بَعْدَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّهُ مُحَلًّى بِاللَّامِ وَالْمُحَلَّى يَبْطُلُ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ، وَلَمْ يُفْرِدْ كَمَا أَفْرَدَ فِي قَوْلِهِ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ، إخْرَاجًا لِلْكَلَامِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ فِي إرَادَةِ الْجَمْعِيَّةِ، إذْ الْعَادَةُ جَرَتْ وَقْتَ خُرُوجِهِمْ بِالْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ مِنْ الرُّفَقَاءِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْإِخْفَاءَ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْإِبْدَاءِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أَوْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا أَعَمُّ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ نَظَرًا إلَى السَّبَبِ، فَإِنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْوُجُوبِ عَلَى كُلِّ صَحِيحٍ مُكْتَسِبٍ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ سَبَبَهَا النِّصَابُ النَّامِي، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فَكَانَتْ إرَادَةُ زِيَادَةِ التَّعْمِيمِ هُنَا أَوْفَقَ، فَلِذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ حَرْفِ الِاسْتِغْرَاقِ اهـ.
وَحَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَى الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ مَعَ اللَّامِ، وَالدَّاعِي إلَى ذَلِكَ اجْتِمَاعُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْخُرُوجِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لَا يُفَادُ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ إذْ لَيْسَ الِاجْتِمَاعُ مِنْ أَجْزَاءِ مَفْهُومِ لَفْظِ الْجَمْعِ وَلَا لَوَازِمِهِ، بَلْ مُجَرَّدُ الْمُتَعَدِّدِ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، وَلِذَا لَا يَلْزَمُ فِي قَوْلِك جَاءَنِي الرِّجَالُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْمَجِيءِ فَانْتَفَى هَذَا الدَّاعِي، ثُمَّ قَوْلُهُ: إنَّ الْإِخْفَاءَ فِي الزَّكَاةِ أَفْضَلُ يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ الْإِخْفَاءُ، وَالْمَفْرُوضَةِ كَالزَّكَاةِ الْإِظْهَارُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَثُبُوتُ السَّبَبِ فِي حَقِّ الْكُلِّ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ فَالنِّصَابُ أَيْضًا ثَابِتٌ لِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ سَبَبِيَّتِهِ فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ، فَإِنَّ سَبَبِيَّتَهُ بِمُوجِبِيَّتِهِ الْحُكْمَ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْكُلِّ بَلْ فِي حَقِّ مَنْ اتَّصَفَ بِالشُّرُوطِ مَعَ تَحَقُّقِ بَاقِي الشُّرُوطِ الَّتِي يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَأَمْنِ الطَّرِيقِ، فَحَقِيقَةُ الْوُجُوبِ شَرْطُ سَبَبِيَّةِ السَّبَبِ لِلْمُتَأَمِّلِ، فَكَانَ كَالنِّصَابِ بَلْ مَحَلُّ الْوُجُوبِ فِي الزَّكَاةِ أَوْسَعُ، لِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي الْحَجِّ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الزَّكَاةِ، وَتَوْسِعَةُ التَّفْصِيلِ مِمَّا يُوجِبُ التَّطْوِيلَ، وَبِالْمُتَأَمِّلِ غِنًى عَنْهُ بَعْدَ فَتْحِ بَابِ التَّأَمُّلِ لَهُ، فَكَانَ عَلَى هَذَا إرَادَةُ زِيَادَةِ التَّعْمِيمِ فِي الزَّكَاةِ أَوْلَى. ثُمَّ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كُلُّ ذَلِكَ فَزِيَادَةُ التَّعْمِيمِ بِالْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ عَلَى الْمُفْرَدِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ مَمْنُوعٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ، وَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِغْرَاقِ الِاجْتِمَاعَ فَفِيهِ مَا عَلِمْت مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ.
(قَوْلُهُ إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ) بِنَفَقَةِ وَسَطٍ لَا إسْرَافَ فِيهَا وَلَا تَقْتِيرَ (وَالرَّاحِلَةِ) أَيْ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ أَوْ الْإِجَارَةِ دُونَ الْإِعَارَةِ، وَالْإِبَاحَةُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ. وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ لِيَحُجَّ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاهِبُ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ مِنَّتُهُ كَالْأَجَانِبِ، أَوْ لَا تُعْتَبَرُ كَالْأَبَوَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ بِالْمِلْكِ هِيَ الْأَصْلُ فِي تَوْجِيهِ الْخِطَابِ فَقَبْلَ الْمِلْكِ لِمَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (قَوْلُهُ فَاضِلًا) حَالٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ (عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِهِ كَفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ وَثِيَابِهِ
[ ٢ / ٤١٠ ]
(وَلَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ ﵊ قِيلَ لَهُ «الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ.
ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ
مَرَّتَيْنِ خُصُوصًا، وَفِي ضِمْنِ الْعُمُومِ، وَعَلَى الْإِيضَاحِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ الْمُفِيدِ لِلتَّفْخِيمِ، وَكَذَا وَضْعُ مَنْ كَفَرَ مَكَانَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ إلَى آخِرِ مَا عُرِفَ فِي الْكَشَّافِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ﵊ إلَخْ) كَانَ يَكْفِي لِنَفْيِ التَّكَرُّرِ كَوْنُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ لَا يُفِيدُهُ فَلَا مُوجِبَ لِلتَّكَرُّرِ، لَكِنَّ حَاصِلَهُ نَفْيُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ التَّكَرُّرِ لِنَفْيِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ وَإِنْ كَفَى فِي نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَكِنْ إثْبَاتُ النَّفْيِ مُقْتَضَى النَّفْيِ أَقْوَى فَلِذَا أَثْبَتَهُ بِالدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ﵊ قِيلَ لَهُ «الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ» إلَخْ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» فَقَوْلُهُ «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ وُجُوبِ التَّكَرُّرِ مِنْ وَجْهَيْنِ لِإِفَادَةِ لَوْ هُنَا امْتِنَاعَ نَعَمْ، فَيَلْزَمُهُ ثُبُوتُ نَقِيضِهِ وَهُوَ لَا، وَالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الِاسْتِطَاعَةِ أَيْضًا.
وَقَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا وَمُبَيَّنًا فِيهِ الرَّجُلَ الْمُبْهَمَ. أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ، فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ وَصَحَّحَهُ (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ) وَأَمَّا تَكَرُّرُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَالِ فَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ النَّامِي تَقْدِيرًا وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ دَائِرٌ مَعَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ إذَا كَانَ الْمَالُ مُعَدًّا لِلِاسْتِنْمَاءِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ الثَّابِتِ فِي هَذَا الْحَوْلِ غَيْرُ تَقْدِيرِ نَمَاءٍ فِي حَوْلٍ آخَرَ، فَالْمَالُ مَعَ هَذَا النَّمَاءِ غَيْرُ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ النَّمَاءِ الْآخَرِ فَيَتَعَدَّدُ حُكْمًا فَيَتَعَدَّدُ الْوُجُوبُ لِتَعَدُّدِ النِّصَابِ
[ ٢ / ٤١١ ]
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَكَانَ الْعُمْرُ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُخَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ، وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي مِثْلِهِ نَادِرٌ.
كَانَ لَهُ مَالٌ يَكْفِي لِلْحَجِّ وَلَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ أَوْ خَافَ الْعُزُوبَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ إلَى ذَلِكَ، إنْ كَانَ قَبْلَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إلَى الْحَجِّ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ الْأَدَاءُ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْخُرُوجِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مُطْلَقٌ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ وُقُوعَ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْخُرُوجِ فَهُوَ خِلَافُ مَا فِي التَّجْنِيسِ وَإِلَّا فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِشْهَادُ الْمَقْصُودُ، ثُمَّ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ، فَلَوْ حَجَّ بَعْدَهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ وَوَقَعَ أَدَاءً، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، فَلَا يَأْثَمُ إذَا حَجَّ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ آثِمٌ، وَقِيلَ: لَا يَأْثَمُ.
وَقِيلَ: إنْ خَافَ الْفَوْتَ بِأَنْ ظَهَرَتْ لَهُ مَخَايِلُ الْمَوْتِ فِي قَلْبِهِ فَأَخَّرَهُ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ، وَإِنْ فَجَأَهُ الْمَوْتُ لَا يَأْثَمُ، وَصِحَّةُ الْأَوَّلِ غَنِيَّةٌ عَنْ الْوَجْهِ. وَعَلَى اعْتِبَارِهِ قِيلَ يَظْهَرُ الْإِثْمُ مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى، وَقِيلَ الْأَخِيرَةُ، وَقِيلَ مِنْ سَنَةِ رَأَى فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ، وَقِيلَ يَأْثَمُ فِي الْجُمْلَةِ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِمُعَيَّنٍ بَلْ عِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى الْفَوْرِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْنَى، فَالْأَوَّلُ حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ قَابِلٍ مُتَعَارَفٌ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ السَّنَةَ، وَإِلَّا فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ، وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَتَأْخِيرُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِي وَقْتِهِ
[ ٢ / ٤١٣ ]
وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ بِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ بِأَسْرِهَا مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ
تَعْرِيضٌ لَهُ عَلَى الْفَوَاتِ فَلَا يَجُوزُ، وَلِذَا يَفْسُقُ بِتَأْخِيرِهِ وَيَأْثَمُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، فَحَقِيقَةُ دَلِيلِ وُجُوبِ الْفَوْرِ هُوَ الِاحْتِيَاطُ فَلَا يَدْفَعُهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ جَوَازُ التَّأْخِيرِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَلَّى الْعُمْرُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ ﵊ حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ، وَفَرْضِيَّةُ الْحَجِّ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ هُوَ إلَى الْقَابِلَةِ، أَوْ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ، عَلَى مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ «بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ﵊ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ: الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ».
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٌ فَقَالَ: فِيهِ «بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ ضِمَامًا وَافِدًا فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ فَذَكَرَ لَهُ ﷺ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ: الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالْحَجَّ، أَوْ سَنَةَ سِتٍّ» فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ ﵊ لَيْسَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ تَعْرِيضُ الْفَوَاتِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَوْرِ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَحُجَّ وَيُعَلِّمُ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ تَكْمِيلًا لِلتَّبْلِيغِ، وَلَيْسَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ جَوَازُ التَّأْخِيرِ وَلَا الْفَوْرُ حَتَّى يُعَارِضَهُ مُوجِبُ الْفَوْرِ وَهُوَ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَقْوَى قُوَّتَهُ، بَلْ مُجَرَّدُ طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَبْقَى كُلٌّ مِنْ الْفَوْرِ وَالتَّأْخِيرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ يَخْرُجُ عَنْهَا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَارِيخٍ، وَأَمَّا بِالتَّارِيخِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّمَا وَجَدْتُ مُعْضَلَةً فِي ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٌ فَقَالَ فِيهِ: وَذَكَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: لَا أَعْرِفُ لَهَا سَنَدًا، وَاَلَّذِي نَزَلَ سَنَةَ سِتٍّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَهُوَ افْتِرَاضُ الْإِتْمَامِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ شَرَعَ فِيهِمَا. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ وَاجِبَةٌ، وَالْحَجُّ مُطْلَقًا هُوَ الْفَرْضُ فَيَقَعُ أَدَاءً إذَا أَخَّرَهُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَى نَظِيرِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ سَوَاءً، فَارْجِعْ إلَيْهِ وَقِسْ بِهِ
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ أَيُّمَا عَبْدٍ) رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا أَعْرَابِيٍّ حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَانُوا يَحُجُّونَ فَنَفَى إجْزَاءَ ذَلِكَ الْحَجِّ عَنْ الْحَجِّ الَّذِي وَجَبَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَتَفَرَّدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ بِرَفْعِهِ، بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ لَا يَضُرُّ إذْ الرَّفْعُ زِيَادَةٌ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِمُرْسَلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ فَإِنْ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» وَهَذَا حُجَّةٌ عِنْدَنَا.
وَبِمَا هُوَ شَبِيهُ الْمَرْفُوعِ أَيْضًا فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْفَظُوا عَنِّي وَلَا تَقُولُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ " إلَخْ، وَعَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ الْإِجْمَاعُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِوَجْهَيْنِ كَوْنُهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالْمَالِ غَالِبًا بِخِلَافِهِمَا،
[ ٢ / ٤١٤ ]
وَالْعَقْلُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ. وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْعَجْزَ دُونَهَا لَازِمٌ.
وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَوَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْمُقْعَدُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَلَا مِلْكَ لِلْعَبْدِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَمَلُّكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ فَلِذَا لَا يَجِبُ عَلَى عَبِيدِ أَهْلِ مَكَّةَ، بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ لَا لِلْأَهْلِيَّةِ فَوَجَبَ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ.
وَالثَّانِي أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى يَفُوتُ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لِافْتِقَارِ الْعَبْدِ وَغِنَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا شَرَعَ مَا شَرَعَ إلَّا لِتَعُودَ الْمَصَالِحُ إلَى الْمُكَلَّفِينَ إرَادَةً مِنْهُ لِإِفَاضَةِ الْجُودِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْمَوْلَى فِي اسْتِثْنَاءِ مُدَّتِهِمَا
(قَوْلُهُ وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ) حَتَّى إنَّ الْمُقْعَدَ وَالزَّمِنَ وَالْمَفْلُوجَ وَمَقْطُوعَ الرِّجْلَيْنِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ إذَا مَلَكُوا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَلَا الْإِيصَاءُ بِهِ فِي الْمَرَضِ، وَكَذَا الشَّيْخُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ: يَعْنِي إذَا لَمْ يَسْبِقْ الْوُجُوبُ حَالَةَ الشَّيْخُوخَةِ بِأَنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا يُوصِلُهُ إلَّا بَعْدَهَا، وَكَذَا الْمَرِيضُ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْحَجِّ بِالْبَدَنِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْمُبْدَلُ لَا يَجِبُ الْبَدَلُ.
وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى هَؤُلَاءِ إذَا مَلَكُوا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَمُؤْنَةَ مَنْ يَرْفَعُهُمْ وَيَضَعُهُمْ وَيَقُودُهُمْ إلَى الْمَنَاسِكِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا الْمُقْعَدُ إلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْمُقْعَدَ، وَيُقَابِلُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا مَا نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ إلَى مُحَمَّدٍ بِقَوْلِهِ: فَرَّقَ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمُقْعَدِ وَالْأَعْمَى.
وَإِذَا وَجَبَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْإِحْجَاجُ لِلُزُومِهِمْ الْأَصْلَ وَهُوَ الْحَجُّ بِالْبَدَنِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْبَدَلُ، فَلَوْ أَحَجُّوا عَنْهُمْ وَهُمْ آيِسُونَ مِنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ ثُمَّ صَحُّوا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَظَهَرَتْ نَفْلِيَّةُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ خُلْفٌ ضَرُورِيٌّ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، كَالشَّيْخِ الْفَانِي إذَا فَدَى ثُمَّ قَدَرَ، وَكَذَا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ عَدُوٌّ فَأَحَجَّ عَنْهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْعَدُوُّ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَوْتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ جَازَ الْحَجُّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَاتَ لَا يَجُوزُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَيَجِبُ الْأَصْلُ وَهُوَ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ،
وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَسَفَرِ قَائِدِهِ فَفِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَعَنْهُمَا فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عِنْدَهُمَا عَلَى قِيَاسِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَا يَلْزَمُهُ فَرْقًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ بِأَنَّ وُجُودَ الْقَائِدِ فِي الْجُمُعَةِ غَيْرُ نَادِرٍ بِخِلَافِهِ فِي الْحَجِّ وَالْمَرِيضُ وَالْمَحْبُوسُ وَالْخَائِفُ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ، كَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهِمْ.
وَفِي التُّحْفَةِ: أَنَّ الْمُقْعَدَ وَالزَّمِنَ وَالْمَرِيضَ وَالْمَحْبُوسَ وَالْخَائِفَ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَزَوَالِ الْمَوَانِعِ حَتَّى تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ التَّكَالِيفُ،
[ ٢ / ٤١٥ ]
أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَطِيعَ بِالرَّاحِلَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ لَوْ هَدَى يُؤَدِّي بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الضَّالَّ عَنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ أَوْ رَأْسَ زَامِلَةٍ، وَقَدْرَ النَّفَقَةِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا،
وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ إذَا مَلَكُوا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ فِي اخْتِيَارِ قَوْلِهِمَا، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا بِطَرِيقِ الْمِلْكِ أَوْ اسْتَأْجَرَ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ؟ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ فِي مَالِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ اهـ.
وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ «إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِي عَنْهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قَيَّدَ الْإِيجَابَ بِهِ، وَالْعَجْزُ لَازِمٌ مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا الِاسْتِطَاعَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِطَاعَةُ ثَابِتَةٌ إذَا قَدَرُوا عَلَى اتِّخَاذِ مَنْ يَرْفَعُهُمْ وَيَضَعُهُمْ وَيَقُودُهُمْ بِالْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِئْجَارِ. قُلْنَا: مُلَاءَمَةُ الْقَائِدِ وَالْخَادِمِ وَحُصُولُ الْمَقْصُودِ مَعَهُ مِنْهُمْ مِنْ الرِّفْقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالْعَجْزُ ثَابِتٌ لِلْحَالِ. فَلَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ بِالشَّكِّ، عَلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ بِالْبَدَنِ هِيَ الْأَصْلُ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِنَا فَلَأَنْ يَسْتَطِيعَ عَمَلَ كَذَا فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ مَا فِي النَّصِّ، إلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ لَا مُطْلَقًا تَوَسُّطًا بَيْنَ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ، لِتَوَسُّطِهَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا سَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْوُجُوبُ دَائِرٌ مَعَ فَائِدَتِهِ عَلَى مَا تَحَقَّقَ فِي الصَّوْمِ فَيَثْبُتُ عِنْدَ قُدْرَةِ الْمَالِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْإِحْجَاجِ وَالْإِيصَاءِ.
وَمِنْ الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ هَؤُلَاءِ الْحَجَّ بِأَنْفُسِهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ لَوْ صَحُّوا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْوُجُوبِ عَنْهُمْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ فَإِذَا تَحَمَّلُوهُ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ. هَذَا وَفِي الْفَتَاوَى تَكَلَّمُوا فِي أَنَّ سَلَامَةَ الْبَدَنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَأَمْنَ الطَّرِيقِ. وَوُجُودَ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَدَاءِ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ لَا يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ يَلْزَمُهُ اهـ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَمْ يَثْبُتَا تَنْصِيصًا بَلْ تَخْرِيجًا، أَوْ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ اخْتَارُوا رِوَايَةً.
وَإِذَا آلَ الْحَالُ إلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ تَخْرِيجِهِمَا فَلَنَا نَحْنُ أَيْضًا أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ. وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا شُرُوطَ الْأَدَاءِ بِمَا قُلْنَاهُ آنِفًا إنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ مِمَّا تَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ إلَخْ.
وَعَلَى هَذَا فَجَعْلُ عَدَمِ الْحَبْسِ وَالْخَوْفِ مِنْ السُّلْطَانِ شَرْطَ الْأَدَاءِ أَوْلَى، وَمَنْ قَدَرَ حَالَ صِحَّتِهِ وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى أُقْعِدَ أَوْ زَمِنَ أَوْ فَلَجَ أَوْ قُطِعَتْ رِجْلَاهُ تَقَرَّرَ فِي ذِمَّتِهِ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ، وَهُنَا قَيْدٌ حَسَنٌ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ، وَهُوَ
[ ٢ / ٤١٦ ]
«لِأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ إلَيْهِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عَقَبَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا يَتَعَاقَبَانِ لَمْ تُوجَدْ الرَّاحِلَةُ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَعَمَّا
أَنَّ وُجُوبَ الْإِيصَاءِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحَجِّ حَتَّى مَاتَ، فَأَمَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْحَجِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَعْدَ الْإِيجَابِ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ) رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ فِي «قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَتَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا فِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا السَّبِيلُ؟ قَالُوا: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا مَنْصُور عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ.
وَمِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃. وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ قَالَ فِي الْإِمَامِ: وَهِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، وَمَحَلُّهُ الصِّدْقُ مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ بِطُرُقِهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ لَا يَسْلَمُ مِنْ ضَعْفٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ صَحِيحٌ ارْتَفَعَ بِكَثْرَتِهَا إلَى الْحَسَنِ فَكَيْفَ وَمِنْهَا الصَّحِيحُ. هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ شِقَّ مَحْمَلٍ أَوْ رَأْسَ زَامِلَةٍ عَلَى التَّوْزِيعِ لِيَكُونَ الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ قَدَرَ عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ آخَرِينَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَنْ قَدَرَ عَلَى شِقِّ مَحْمَلِ هَذَا، لِأَنَّ حَالَ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَجَلْدًا وَرَفَاهِيَةً، فَالْمُرَفَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ عَلَى رَأْسِ زَامِلَةٍ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ فِي عُرْفِنَا رَاكِبٌ مُقَتَّبٌ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ السَّفَرَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَهْلَكُ بِهَذَا الرُّكُوبِ فَلَا يَجِبُ فِي حَقِّ هَذَا لَا إذَا قَدَرَ عَلَى شِقِّ مَحْمَلٍ، وَمِثْلُ هَذَا يَتَأَتَّى فِي الزَّادِ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَا يَكْفِيهِ مِنْ خُبْزٍ وَجُبْنٍ دُونَ لَحْمٍ وَطَبِيخٍ قَادِرًا عَلَى الزَّادِ، بَلْ رُبَّمَا يَهْلَكُ مَرَضًا بِمُدَاوَمَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إذَا كَانَ مُتَرَفِّهًا مُعْتَادَ اللَّحْمِ وَالْأَغْذِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، بَلْ لَا يَجِبُ عَلَى مِثْلِ هَذَا إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَى مَا يَصْلُحُ مَعَهُ بَدَنُهُ.
وَقَوْلُهُ ﵊ «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا الزَّادُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ وَالرَّاحِلَةُ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى آحَادِ النَّاسِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مَا يُبَلِّغُ كُلَّ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ إلَخْ) الْعَقَبَةُ أَنْ يَكْتَرِيَ الِاثْنَانِ رَاحِلَةً يَعْتَقِبَانِ عَلَيْهَا يَرْكَبُ أَحَدُهُمَا مَرْحَلَةً وَالْآخَرُ مَرْحَلَةً، وَلَيْسَ يَلْزَمُ لِمَا فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ
[ ٢ / ٤١٧ ]
لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْخَادِمِ وَأَثَاثِ الْبَيْتِ وَثِيَابِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَشْغُولَةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَرْأَةِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ الرَّاحِلَةُ، لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ فِي الْأَدَاءِ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَهُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ
يَمْلِكَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ وَقْتِ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَنَقَلْنَا مَا فِي الْيَنَابِيعِ فَارْجِعْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ الرَّاحِلَةُ) قَدَّمْنَا فَائِدَةَ اقْتِصَارِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَكَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِي الْيَنَابِيعِ فَارْجِعْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ) أَيْ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُخِيفًا فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ.
وَمَا أَفْتَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ: لَا أَقُولُ الْحَجُّ فَرِيضَةٌ فِي زَمَانِنَا قَالَهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَقَوْلُ الثَّلْجِيِّ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ حَجٌّ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً كَانَ وَقْتُ غَلَبَةِ النَّهْبِ وَالْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ، وَكَذَا أَسْقَطَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ حِينِ خَرَجَتْ الْقَرَامِطَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ، وَكَانُوا يَغْلِبُونَ عَلَى أَمَاكِنَ وَيَتَرَصَّدُونَ لِلْحُجَّاجِ، وَقَدْ هَجَمُوا فِي بَعْضِ السِّنِينَ عَلَى الْحَجِيجِ فِي نَفْسِ مَكَّةَ فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا فِي نَفْسِ الْحَرَمِ، وَأَخْذُو أَمْوَالَهُمْ، وَدَخَلَ كَبِيرُهُمْ بِفَرَسِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَوَقَعَتْ أُمُورٌ شَنِيعَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ عَافَى مِنْهُمْ.
وَقَدْ سُئِلَ الْكَرْخِيُّ عَمَّنْ لَا يَحُجُّ خَوْفًا مِنْهُمْ فَقَالَ: مَا سَلِمَتْ الْبَادِيَةُ مِنْ الْآفَاتِ: أَيْ لَا تَخْلُو عَنْهَا كَقِلَّةِ الْمَاءِ، وَشِدَّةِ الْحَرِّ وَهَيَجَانِ السَّمُومِ، وَهَذَا إيجَابٌ مِنْهُ ﵀، وَمَحْمَلُهُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْغَالِبَ انْدِفَاعُ شَرِّهِمْ عَنْ الْحَاجِّ، وَرَأَى الصَّفَّارُ عَدَمَهُ فَقَالَ: لَا أَرَى الْحَجَّ فَرْضًا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ حِينِ خَرَجَتْ الْقَرَامِطَةُ، وَمَا ذَكَرَ سَبَبًا لِذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِإِرْشَادِهِمْ فَتَكُونَ الطَّاعَةُ سَبَبَ الْمَعْصِيَةِ، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إنَّمَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ مَا ذَكَرْته، ثُمَّ الْإِثْمُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْآخِذِ لَا الْمُعْطِي عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ تَقْسِيمِ الرِّشْوَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَكَوْنُ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ لَا يُتْرَكُ الْفَرْضُ لِمَعْصِيَةِ عَاصٍ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَدَمُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ حَتَّى إذَا غَلَبَ الْخَوْفُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمُحَارِبِينَ لِوُقُوعِ النَّهْبِ وَالْغَلَبَةِ مِنْهُمْ مِرَارًا أَوْ سَمِعُوا أَنَّ طَائِفَةً تَعَرَّضَتْ لِلطَّرِيقِ وَلَهَا شَوْكَةٌ وَالنَّاسُ يَسْتَضْعِفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُمْ لَا يَجِبُ. وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ، فَقِيلَ: الْبَحْرُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الْبَحْرِ السَّلَامَةَ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَسَيْحُونُ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ أَنْهَارٌ لَا بِحَارٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ قِيلَ هُوَ) أَيْ أَمْنُ الطَّرِيقِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجِبُ الْإِيصَاءُ ابْنُ شُجَاعٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ
[ ٢ / ٤١٨ ]
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرَ.
قَالَ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجُّ بِهِ أَوْ زَوْجٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا
الْوُصُولَ بِدُونِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَصَارَ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ وَهِيَ شَرْطُ الْوُجُوبِ. وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ شَرْطُ الْأَدَاءِ فَيَجِبُ الْإِيصَاءُ الْقَاضِي أَبُو خَازِمٍ، لِأَنَّهُ ﵊ إنَّمَا فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْهَا، فَلَوْ كَانَ أَمْنُ الطَّرِيقِ مِنْهَا لَذَكَرَهُ وَإِلَّا كَانَ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْعِبَادِ وَلَا يُسْقِطُ الْعِبَادَةَ الْوَاجِبَةَ كَالْقَيْدِ مِنْ الظَّالِمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ بِالْحَجِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ حُصُولِ الْأَمْنِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْوُجُوبِ تَقَدَّمَ لَنَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ، وَأَنَّ عَدَمَ الْخَوْفِ مِنْ السُّلْطَانِ وَالْحَبْسِ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ أَيْضًا فَيَجِبُ عَلَى الْخَائِفِ وَالْمَحْبُوسِ الْإِيصَاءُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُ. وَقَالُوا لَوْ تَحَمَّلَ الْعَاجِزُ عَنْهُمَا فَحَجَّ مَاشِيًا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ، حَتَّى لَوْ اسْتَغْنَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَهُوَ مُعَلَّلٌ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ عَدَمَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ كَالْعَبْدِ، بَلْ لِلتَّرْفِيهِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ، فَإِذَا تَحَمَّلَهُ وَجَبَ ثُمَّ يَسْقُطُ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ رَمَضَانَ. الثَّانِي: أَنَّ الْفَقِيرَ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَوَاقِيتِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَالثَّانِي يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السُّقُوطِ عَنْهُ لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ كَدُوَيْرَةِ أَهْلِهِ لِأَنَّ إحْرَامَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِلْوَاجِبِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ، فَلَا يَنْقَلِبُ لَهُ إلَّا بِتَجْدِيدٍ كَالصَّبِيِّ إذَا أَحْرَمَ ثُمَّ بَلَغَ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّجْدِيدُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ انْعَقَدَ لَازِمًا لِلنَّفْلِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُ قَرِيبًا، وَبِخِلَافِ مَنْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ فَلَمْ يَنْوِ الْوَاجِبَ لِأَنَّ إحْرَامَهُ حِينَئِذٍ انْعَقَدَ لِلْوَاجِبِ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ يُخَالِفُهُ، وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ، لِأَنَّ تَحَقُّقَ تَحَمُّلِهِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ لَا بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ.
وَمَعَ الْفَرَاغِ لَوْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ لَمْ يَكُنْ أَثَرُهُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمُنْقَضِي إذْ لَا يَسْبِقُ فِعْلُ الْوَاجِبِ الْوُجُوبَ، فَمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ لَا يَنْتَهِضُ فِي سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْهُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِضْ فِيهِ الْأَوَّلُ انْتَهَضَ فِيهِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا خَصَّصْنَا الْإِيرَادَ بِالْفَقِيرِ لِأَنَّا نَرَى أَنَّ سَلَامَةَ الْجَوَارِحِ شَرْطُ الْأَدَاءِ لَا الْوُجُوبِ عَلَى مَا بَحَثْنَاهُ آنِفًا.
(قَوْلُهُ وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ) وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا (أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ) كَابْنٍ أَوْ عَمٍّ، وَكَمَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ كَذَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْعِدَّةِ وَقَالُوا فِي الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ تُسَافِرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ لَا تُسَافِرْ إلَّا بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى هَذَا لَا تُعَانُ عَلَى السَّفَرِ وَلَا تُسْتَصْحَبُ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ مَا لَمْ تَبْلُغْ، وَبُلُوغُهَا حَدَّ الشَّهْوَةِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ رَدَّ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ النَّجْفِ، فَإِنْ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي السَّفَرِ فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا لَا يُفَارِقُهَا زَوْجُهَا أَوْ بَائِنًا، فَإِنْ كَانَ إلَى كُلٍّ مِنْ بَلَدِهَا وَمَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ تَخَيَّرَتْ، أَوْ إلَى أَحَدِهِمَا سَفَرٌ دُونَ الْآخَرِ تَعَيَّنَ أَنْ تَصِيرَ إلَى الْآخَرِ، أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا سَفَرٌ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مِصْرٍ قَرَّتْ فِيهِ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَلَا تَخْرُجُ وَإِنْ وَجَدَتْ مَحْرَمًا مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَفَازَةٍ لَا تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فَلَهَا
[ ٢ / ٤١٩ ]
أَنْ تَحُجَّ بِغَيْرِهِمَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لَهَا الْحَجُّ إذَا خَرَجَتْ فِي رُفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ بِالْمُرَافَقَةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَلِأَنَّهَا بِدُونِ الْمَحْرَمِ يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا،
أَنْ تَمْضِيَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ آمِنٍ فَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنْ وَجَدَتْ مَحْرَمًا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إلَّا أَنَّا ذَكَرْنَاهَا هُنَا لِتَكُونَ أَذْكَرَ لِمَنْ يُطَالِعُ الْبَابَ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لَهَا إلَخْ) لَهُ الْعُمُومَاتُ مِثْلُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ حُجُّوا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ. وَلِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا جِوَارَ مَعَهَا لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى قَالَ عَدِيٌّ: رَأَيْت الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا.
وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ إذَا خَلَصَتْ بِجَامِعِ أَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ. قُلْنَا: أَمَّا الْعُمُومَاتُ فَقَدْ تَقَيَّدَتْ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ إجْمَاعًا كَأَمْنِ الطَّرِيقِ فَتُقَيَّدُ أَيْضًا بِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا «فَوْقَ ثَلَاثٍ» وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ «ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ عَامَّةٌ فِي كُلِّ سَفَرٍ فَإِنَّمَا تَنْتَظِمُ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ، وَهُوَ سَفَرُ الْحَاجِّ بِعُمُومِهِ لَكِنَّهُ قَدْ خُصَّ مِنْهُ سَفَرُ الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ فَيُخَصُّ مِنْهُ سَفَرُ الْحَجِّ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَيْهِ بِجَامِعِ أَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ، وَيَصِيرُ الدَّاخِلُ تَحْتَ اللَّفْظِ مُرَادًا السَّفَرَ الْمُبَاحَ.
قُلْنَا: لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِأَنَّ فِي عَيْنِهِ نَصًّا يُفِيدُ أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْعَامِّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَعْبَدًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[ ٢ / ٤٢٠ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. (وَإِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا
قَالَ «لَا تَحُجُّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي اكْتَتَبْتُ. فِي غَزْوَةِ كَذَا وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ، قَالَ: ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَهَا» وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ وَلَفْظُهُ «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» فَثَبَتَ تَخْصِيصُ الْعُمُومَاتِ بِمَا رَوَيْنَا عَلَى أَنَّهُمْ خَصُّوهَا بِوُجُودِ الرُّفْقَةِ، وَالنِّسَاءُ الثِّقَاتُ فِيمَا رَوَيْنَا أَوْلَى، وَبِهِ يَظْهَرُ فَسَادُ الْقِيَاسِ الَّذِي عَيَّنُوهُ لِأَنَّهُ يُعَارِضُ النَّصَّ، بَلْ نَقُولُ: الْآيَةُ الْعَامَّةُ لَا تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ حَالَ عَدَمِ الزَّوْجِ وَالْمَحْرَمُ مَعَهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَسْتَطِيعُ النُّزُولَ وَالرُّكُوبَ إلَّا مَعَ مَنْ يُرَكِّبُهَا وَيُنْزِلُهَا، وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلَّا لِلْمَحْرَمِ وَالزَّوْجِ، فَلَمْ تَكُنْ مُسْتَطِيعَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا النَّصُّ.
وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فَلَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَعْضِهِنَّ وَلَوْ قَدَرَتْ فَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ مَعَ أَمْنِ انْكِشَافِ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِأَجْنَبِيٍّ النَّظَرُ إلَيْهِ كَعَقِبِهَا وَرِجْلِهَا وَطَرَفِ سَاقِهَا وَطَرَفِ مِعْصَمِهَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْمَحْرَمِ لِيُبَاشِرَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَسْتُرَهَا، وَلِانْتِفَاءِ وُجُودِ الْجَامِعِ فِيهِمَا فَإِنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ لَيْسَ سَفَرًا لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا، بَلْ النَّجَاةُ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ، فَقَطْعُهَا الْمَسَافَةَ كَقَطْعِ السَّابِحِ، وَلِذَا إذَا وَجَدَتْ مَأْمَنًا كَعَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَنْ تَقَرَّ وَلَا تُسَافِرَ إلَّا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ.
عَلَى أَنَّهَا لَوْ قَصَدَتْ مَكَانًا مُعَيَّنًا لَا يُعْتَبَرُ قَصْدُهَا، وَلَا يَثْبُتُ السَّفَرُ بِهِ، لِأَنَّ حَالَهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَصْدِ مُجَرَّدِ التَّخَلُّصِ يُبْطِلُ عَزِيمَتَهَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْعَسْكَرِ الدَّاخِلِ أَرْضَ الْحَرْبِ، وَلَوْ سَلِمَ ثُبُوتُ سَفَرِهَا فَهُوَ لِلِاضْطِرَارِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ الْمُتَوَقَّعَةَ فِي سَفَرِهَا أَخَفُّ مِنْ الْمُتَوَقَّعَةِ فِي إقَامَتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَانَ جَوَازُهُ بِحُكْمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَخَفَّ الْمَفْسَدَتَيْنِ يَجِبُ ارْتِكَابُهَا عِنْدَ لُزُومِ إحْدَاهُمَا، فَالْمُؤَثِّرُ فِي الْأَصْلِ السَّفَرُ الْمُضْطَرُّ إلَيْهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةٍ تَفُوقُ مَفْسَدَةَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ وَالزَّوْجِ فِي السَّفَرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ مَعَ الْعِدَّةِ بِخِلَافِ سَفَرِ الْحَجِّ تَمْنَعُهُ الْعِدَّةُ فَيَمْنَعُهُ عَدَمُ الْمَحْرَمِ كَالسَّفَرِ الْمُبَاحِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْخُرُوجِ فِيهِ مَا هُوَ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ، بَلْ بَيَانُ انْتِشَارِ الْأَمْنِ، وَلَوْ كَانَ مُفِيدًا لِلْإِبَاحَةِ كَانَ نَقِيضَ قَوْلِهِمْ فَإِنَّهُ يُبِيحُ الْخُرُوجَ بِلَا رُفْقَةٍ وَنِسَاءٍ ثِقَاتٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ) يَعْنِي إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ. وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» وَأَخْرَجَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ».
وَفِي لَفْظٍ " يَوْمٍ " وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد " بَرِيدًا " وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ:
[ ٢ / ٤٢١ ]
لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ. وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ وَالْحَجُّ مِنْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَحْرَمُ فَاسِقًا قَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ (وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ مُنَاكَحَتِهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ لَا تَتَأَتَّى مِنْهُمَا الصِّيَانَةُ، وَالصَّبِيَّةُ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغَةِ حَتَّى لَا يُسَافَرَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى أَدَاءِ الْحَجِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ شَرْطُ الْأَدَاءِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ
صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ «ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ: وَهَمُوا.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَيْسَ فِي هَذِهِ تَبَايُنٌ. فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَهَا فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ الْأَسْئِلَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَمْثِيلًا لِأَقَلِّ الْأَعْدَادِ، وَالْيَوْمُ الْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ وَأَقَلُّهُ. وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ الْكَثِيرِ وَأَقَلُّهُ، وَالثَّلَاثُ أَوَّلُ الْجَمْعِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَنِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نَبَّهَ بِمَنْعِ الْخُرُوجِ أَقَلَّ كُلِّ عَدَدٍ عَلَى مَنْعِ خُرُوجِهَا عَنْ الْبَلَدِ مُطْلَقًا إلَّا بِمَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا إنَّ حُمِلَ السَّفَرُ عَلَى اللُّغَوِيِّ.
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وَالسَّفَرُ لُغَةً يَنْطَلِقُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ لَهَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ بِلَا مَحْرَمٍ، ثُمَّ إذَا كَانَ الْمَذْهَبُ إبَاحَةَ خُرُوجِهَا مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا (قَوْلُهُ لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ) وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا عُرِفَ، وَصَارَ كَالْحَجِّ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ (وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ) وَإِنْ امْتَدَّتْ.
(وَالْحَجُّ مِنْهَا) كَالصَّوْمِ، وَهَذَا لِأَنَّ مِلْكَهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مِلْكِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا لَا يَظْهَرُ فِي الْحَجِّ الْمَنْذُورِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَلَا يَظْهَرُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ فَكَانَ نَفْلًا فِي حَقِّهِ، وَإِذَا أَحْرَمَتْ نَفْلًا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَهُوَ بِأَنْ يَنْهَاهَا وَيَصْنَعَ بِهَا أَدْنَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا كَقَصِّ ظُفْرِهَا وَنَحْوِهِ، وَمُجَرَّدُ نَهْيِهَا لَا يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ كَمَا لَا يَقَعُ بِقَوْلِهِ: حَلَلْتُكِ، وَلَا يَتَأَخَّرُ إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ بِخِلَافِ الْإِحْصَارِ، وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ سَوَاءٌ كَانَ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ حِلَّ مُنَاكَحَتِهَا كَالْمَجُوسِيِّ أَوْ يَكُونَ فَاسِقًا إذْ لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الْفِتْنَةُ أَوْ صَبِيًّا.
(قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا إلَخْ) ثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ إذَا مَاتَ مَثَلًا قَبْلَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، أَوْ هِيَ قَبْلَ وُجُودِ الْمَحْرَمِ أَوْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِهَا، فَمَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ شَرْطُ الْوُجُوبِ يَقُولُ: لَا يَجِبُ الْإِيصَاءُ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَبْلَ الْوُجُوبِ. وَمَنْ قَالَ: بِأَنَّهَا شَرْطُ الْأَدَاءِ قَالَ: يَجِبُ لِأَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا عُذِرَتْ فِي التَّأْخِيرِ وَفِي وُجُوبِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا بِمَنْ يَحُجُّ بِهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا، وَأَمَّا وُجُوبُ نَفَقَةِ الْمَحْرَمِ وَرَاحِلَتِهِ إذَا أَبَى أَنْ يَحُجَّ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ مَحْمَلُ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا تَجِبُ.
هُوَ قَوْلُ أَبِي حَفْصٍ الْبُخَارِيِّ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَحْرَمُ بِنَفَقَتِهِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا الْحَجُّ لَا إحْجَاجُ غَيْرِهَا
[ ٢ / ٤٢٢ ]
(وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَمَضَيَا لَمْ يُجِزْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ إحْرَامَهَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ (وَلَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَ، وَالْعَبْدُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، أَمَّا إحْرَامُ الْعَبْدِ لَازِمٌ فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ الْقُدُورِيُّ تَجِبُ لِأَنَّهَا مِنْ مُؤَنِ حَجِّهَا.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ إحْرَامَهُمَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ) أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ عِنْدَكُمْ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ شَرْطٌ يُشْبِهُ الرُّكْنَ مِنْ حَيْثُ إمْكَانِ اتِّصَالِ الْأَدَاءِ فَاعْتَبَرْنَا شِبْهَ الرُّكْنِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ عَتَقَ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ. وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يَكُونُ عَنْ الْفَرْضِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا لَا (قَوْلُهُ لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ اللُّزُومِ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَوْ أُحْصِرَ الصَّبِيُّ وَتَحَلَّلَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: الصَّبِيُّ لَوْ أَحْرَمَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ أَبُوهُ صَارَ مُحْرِمًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَرِّدَهُ وَيُلْبِسَهُ إزَارًا وَرِدَاءً، وَالْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ، فَلَوْ حَجَّ كَافِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ فَأَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ فَجَدَّدَ الْإِحْرَامَ أَجْزَأَهُمَا، وَقِيلَ: هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا حَجَّ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ فِي النَّوَادِرِ: الْبَالِغُ إذَا جُنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
(فَصْلٌ) (وَالْمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهَا الْإِنْسَانُ إلَّا مُحْرِمًا خَمْسَةٌ: لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ. وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِهَؤُلَاءِ.
فَصْلٌ فِي الْمَوَاقِيتِ)
جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ الْوَقْتُ الْمُعَيَّنُ، اُسْتُعِيرَ لِلْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ كَقَلْبِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾
لَزِمَ شَرْعًا تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ لِلْآفَاقِيِّ عَلَى وُصُولِهِ إلَى الْبَيْتِ تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ، وَإِجْلَالًا كَمَا تَرَاهُ فِي الشَّاهِدِ مِنْ تَرَجُّلِ الرَّاكِبِ الْقَاصِدِ إلَى عَظِيمٍ مِنْ الْخَلْقِ إذَا قَرُبَ مِنْ سَاحَتِهِ خُضُوعًا لَهُ، فَكَذَا لَزِمَ الْقَاصِدَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ الْحُلُولِ بِحَضْرَتِهِ إجْلَالًا، فَإِنَّ فِي الْإِحْرَامِ تَشَبُّهًا بِالْأَمْوَاتِ، وَفِي ضِمْنِ جَعْلِ نَفْسِهِ كَالْمَيِّتِ سَلْبُ اخْتِيَارِهِ.
وَإِلْقَاءُ قِيَادِهِ مُتَخَلِّيًا عَنْ نَفْسِهِ فَارِغًا عَنْ اعْتِبَارِهَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ فَسُبْحَانَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (قَوْلُهُ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ) بِالسُّكُونِ مَوْضِعٌ، وَجَعَلَهُ فِي الصِّحَاحِ مُحَرَّكًا، وَخَطِئَ بِأَنَّ الْمُحَرَّكَ اسْمُ قَبِيلَةٍ إلَيْهَا يُنْسَبُ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ (قَوْلُهُ هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَمَّا تَوْقِيتُ مَا سِوَى ذَاتِ عِرْقٍ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمَنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» وَرُوِيَ هُنَّ لَهُمْ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ التَّقْدِيرُ هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ. وَأَمَّا تَوْقِيتُ ذَاتِ عِرْقٍ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت أَحْسِبُهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ قَالَ: وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» وَفِيهِ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي رَفْعِهِ هَذِهِ الْمَرَّةِ، وَرَوَاهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ وَلَمْ يَشُكَّ.
وَلَفْظُهُ «وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّرْقِ ذَاتُ عِرْقٍ» إلَّا أَنَّ فِيهِ إبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الْجَوْزِيَّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَزَادَ فِيهِ النَّسَائِيّ بَقِيَّةً.
وَفِي سَنَدِهِ أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ الْمَنْعُ عَنْ تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَنْهَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَرَوَوْهُ عَنْهُ.
وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مِيقَاتَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ عَوْنٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ نَافِعٍ، وَكَذَا رَوَاهُ سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا عُهِدَ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ: لَا يُعْلَمُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ جَدِّهِ، وَلَا أَنَّهُ لَقِيَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ جَدِّهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا وَفِيهِ «وَلِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لِعَطَاءٍ: إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَقِّتْ ذَاتَ عِرْقٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ مَشْرِقٍ يَوْمئِذٍ فَقَالَ: كَذَلِكَ سَمِعْنَا «أَنَّهُ ﵊ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ»، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَمِنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «لَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ مَشْرِقٍ حِينَئِذٍ فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ ذَاتَ عِرْقٍ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أَحْسِبُهُ إلَّا كَمَا قَالَ طَاوُسٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ " قَالَ لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهِيَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إذَا أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ: اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ
"قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ: الْمِصْرَانِ هُمَا الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ وَحَذْوُهُمَا مَا يَقْرُبُ مِنْهَا، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مُجْتَهَدٌ فِيهَا لَا مَنْصُوصَةٌ اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَبْلُغْهُ تَوْقِيتُ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَحَادِيثُ بِتَوْقِيتِهِ حَسَنَةً فَقَدْ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ تَوْقِيتَهُ ﵊ وَإِلَّا فَهُوَ اجْتِهَادِيٌّ (قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ الْمَنْعُ مِنْ التَّأْخِيرِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ بِالْإِجْمَاعِ) عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَدْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ أَتَى مِيقَاتًا مِنْهَا لِقَصْدِ مَكَّةَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ كَانَ يَمُرُّ بَعْدَهُ عَلَى مِيقَاتٍ آخَرَ أَمْ لَا، لَكِنَّ الْمَسْطُورَ خِلَافُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَمْعِ كَلَامِ مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا»
جَاوَزَ وَقْتَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَتَى وَقْتًا آخَرَ. وَأَحْرَمَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ.
وَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ وَقْتِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ اهـ. وَمِنْ الْفُرُوعِ: الْمَدَنِيُّ إذَا جَاوَزَ إلَى الْجُحْفَةِ فَأَحْرَمَ عِنْدَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَمُقْتَضَى كَوْنِ فَائِدَةِ التَّوْقِيتِ الْمَنْعَ مِنْ التَّأْخِيرِ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّأْخِيرُ عَنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِنَّ مُرُورَهُ بِهِ سَابِقٌ عَلَى مُرُورِهِ بِالْمِيقَاتِ الْآخَرِ، وَلِذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ عَنْهُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا رُوِيَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» فَمَنْ جَاوَزَ إلَى الْمِيقَاتِ الثَّانِي صَارَ مِنْ أَهْلِهِ أَيْ صَارَ مِيقَاتًا لَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَحُجَّ أَحْرَمَتْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَمِرَ أَحْرَمَتْ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنْ لَا فَرْقَ فِي الْمِيقَاتِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْجُحْفَةُ مِيقَاتًا لَهُمَا لَمَا أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ مِنْهَا، فَبِفِعْلِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّأْخِيرِ مُقَيَّدٌ بِالْمِيقَاتِ الْأَخِيرِ. وَيُحْمَلُ حَدِيثُ «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا» عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُجَاوِزُ الْمَوَاقِيتَ.
هَذَا وَمَنْ كَانَ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ لَا يَمُرُّ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الْمَذْكُورَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إذَا حَاذَى آخِرَهَا، وَيَعْرِفُ بِالِاجْتِهَادِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يُحَاذِي فَعَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ) بِأَنْ قَصَدَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ وَالنُّزْهَةِ أَوْ التِّجَارَةِ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا») رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يُجَاوَزُ الْوَقْتُ إلَّا بِإِحْرَامٍ» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَرُدُّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَذَكَرَهُ. وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا فُضَيْلٍ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ إذَا جَاوَزَ الْوَقْتَ فَلَمْ يُحْرِمْ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ رَجَعَ إلَى الْوَقْتِ فَأَحْرَمَ، وَإِنْ خَشِيَ إنْ رَجَعَ إلَى الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ وَيُهْرِيقُ لِذَلِكَ دَمًا فَهَذِهِ الْمَنْطُوقَاتُ أَوْلَى مِنْ الْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ فِي قَوْلِهِ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ ﵊ دُونَ كَلَامِ الرَّاوِي.
وَمَا فِي مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّهُ ﵊ دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ» كَانَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا
(وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ) لِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُ مَكَّةَ، وَفِي إيجَابِ الْإِحْرَامِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَصَارَ كَأَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا ثُمَّ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ أَدَاءَ النُّسُكِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَحْيَانًا فَلَا حَرَجَ (فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ جَازَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَإِتْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄. وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا لِأَنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ مُفَسَّرٌ بِهِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرُ
السَّاعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «مَكَّةُ حَرَامٌ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا» يَعْنِي الدُّخُولَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِلِّ الدُّخُولِ بَعْدَهُ لِلْقِتَالِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ) يَعْنِي وُجُوبَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْبُقْعَةِ لِتَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ إلَخْ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بَعْدَهَا أَوْ فِيهَا نَفْسِهَا فِي نَصِّ الرِّوَايَةِ، قَالَ: لَيْسَ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَمِنْ دُونِهَا إلَى مَكَّةَ أَنْ يَقْرُنَ وَلَا يَتَمَتَّعَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، كَذَا فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ النُّسُكِ.
أَمَّا إذَا قَصَدُوهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ دُخُولِهِمْ أَرْضَ الْحَرَمِ فَمِيقَاتُهُمْ كُلُّ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ، فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ دَارِهِمْ إلَى الْحَرَمِ وَمَا عَجَّلُوهُ مِنْ دَارِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى قُدَيْدٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، قَالَ: وَكَذَا الْمَكِّيُّ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ فَبَلَغَ الْوَقْتَ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ، يَعْنِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ رَاجِعًا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنْ جَاوَزَ الْوَقْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ (قَوْلُهُ كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ) رَوَى الْحَاكِمُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْمُرَادِيِّ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ ﷿ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فَقَالَ: أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ اهـ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَنَظَرَ فِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. ثُمَّ هَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ إيجَابَ الْإِتْمَامِ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي بَحْثِ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي أَوَّلُ كِتَابِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ
(وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَوَقْتُهُ الْحِلُّ) مَعْنَاهُ الْحِلُّ الَّذِي بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ وَبَيْنَ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَمَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى الْحَرَمِ مَكَانٌ وَاحِدٌ (وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ وَفِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ أَصْحَابَهُ ﵃ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَأَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ ﵄ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْحَجِّ فِي عَرَفَةَ وَهِيَ فِي الْحِلِّ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَتَحَقَّقَ نَوْعُ سَفَرٍ، وَأَدَاءُ الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ لِهَذَا، إلَّا أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَلُ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الْإِحْرَامِ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ وَغَيْرِهِ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْأَفْضَلِيَّةِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ مِنْ دَارِهِ إلَى مَكَّةَ دُونَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، كَمَا قَيَّدَ بِهِ قَاضِي خَانْ وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيمُ عَلَى الْمَوَاقِيتِ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَعْظِيمًا وَأَوْفَرُ مَشَقَّةً، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، وَلِذَا كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الْإِحْرَامَ بِهِمَا مِنْ الْأَمَاكِنِ الْقَاصِيَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْ الْبَصْرَةِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الشَّامِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ، وَقَالَ ﵊ «مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ. ثُمَّ هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀.
ثُمَّ إذَا انْتَفَتْ الْأَفْضَلِيَّةُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ نَفْسَهُ هَلْ يَكُونُ الثَّابِتُ الْإِبَاحَةَ أَوْ الْكَرَاهَةَ؟ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. فَالْحَاصِلُ تَقَيُّدُ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الْمَكَانِ بِمِلْكِ نَفْسِهِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الزَّمَانِ عَدَمُ تَقَيُّدِهَا بِخَوْفِ مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورَاتِ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمُنَاسِبُ التَّعْلِيلُ لِلْكَرَاهَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِكَوْنِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ كَمَا عَلَّلَ بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.
وَقِيلَ فِي الزَّمَانِ أَيْضًا التَّفْصِيلُ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ لَا يُكْرَهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِلَّا كُرِهَ، وَلَا أَعْلَمُهُ مَرْوِيًّا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَالْأَوْلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَئِمَّتِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ إطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ وَتَعْلِيلُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَأَنَّهُ أُشْكِلَ عَلَى مَنْ خَالَفَ إطْلَاقُهُمْ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ فَفَصَّلُوا. وَالْحَقُّ هُوَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّعْلِيلُ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى شَبَهِ الْإِحْرَامِ بِالرُّكْنِ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فَيُرَاعَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الشَّبَهِ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَ رُكْنًا حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا كَانَ شَبِيهًا بِهِ كُرِهَ قَبْلَهَا لِشَبَهِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، فَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْوَجْهِ وَلِشَبَهِ الرُّكْنِ لَمْ يَجُزْ لِفَائِتِ الْحَجِّ، اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ لِيَقْضِيَ بِهِ مِنْ قَابِلٍ
(قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ) أَوْ فِي نَفْسِ الْمَوَاقِيتِ (فَوَقْتُهُ الْحِلُّ) مَعْلُومٌ إذَا كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ الَّذِي هُوَ الْحِلُّ، أَمَّا إذَا كَانَ سَاكِنًا فِي أَرْضِ الْحَرَمِ فَمِيقَاتُهُ كَمِيقَاتِ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُوَ الْحَرَمُ فِي الْحَجِّ وَالْحِلُّ فِي الْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ أَصْحَابَهُ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ ﵁
[ ٢ / ٤٢٨ ]