مُتَبَاكِيًا مُتَحَسِّرًا عَلَى فِرَاقِ الْحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْقُرْبِ مِنْهَا.
وَمِنْ سُنَنِ الرُّجُوعِ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولَ «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ». وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْهُ ﷺ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِمَّا يَصْدُرُ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ مِنْ إظْهَارِ التَّنَدُّمِ عَلَى السَّفَرِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ.
وَقَوْلُهُ لِغَيْرِهِ احْذَرْ أَنْ تَعُودَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ تَعَرُّضٌ لِلْمَقْتِ بَلْ دَلِيلُ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالْمَقْتِ فِي الْحَالِ. وَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى بَلَدِهِ حَرَّكَ دَابَّتَهُ وَيَقُولُ: آيِبُونَ أَيْضًا إلَخْ.
وَرَوَى النَّسَائِيّ «أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ. وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ. فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِيهَا قَرَارًا وَرِزْقًا حَسَنًا» وَيُرْسِلُ إلَى أَهْلِهِ مَنْ يُخْبِرُهُمْ وَلَا يَبْغَتُهُمْ بِمَجِيئِهِ دَاخِلًا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا دَخَلَهَا بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ كَرَاهَةٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَشْكُرُهُ مَا أَوْلَاهُ مِنْ إتْمَامِ الْعِبَادَةِ وَالرُّجُوعِ بِالسَّلَامَةِ، وَيُدِيمُ حَمْدَهُ وَشُكْرَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي مُجَانَبَةِ مَا يُوجِبُ الْإِحْبَاطَ فِي بَاقِي عُمُرِهِ. وَعَلَامَةُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَنْ يَعُودَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ قَبْلُ.
(قَالَ الْمُصَنِّفُ مَتَّعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِوُجُودِهِ)
وَهَذَا تَمَامُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِعَبْدِهِ الضَّعِيفِ مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ. أَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ذَا الْجُودِ الْعَمِيمِ أَنْ يُحَقِّقَ لِي فِيهِ الْإِخْلَاصَ وَيَجْعَلَهُ نَافِعًا لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إنَّهُ عَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. وَالْآنَ أَشْرَعُ بَرِيئًا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ مُفْتَتِحًا كِتَابَ النِّكَاحِ. سَائِلًا مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ بِخَتْمِ الرُّبْعِ الثَّانِي وَإِكْمَالِ مَقَاصِدِهِ عَلَى وَجْهٍ يَرْضَاهُ وَيَرْضَى بِهِ عَنْ عَبْدِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَاحِبِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
كِتَابُ النِّكَاحِ
هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْعِبَادَاتِ حَتَّى إنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلِذَا أَوْلَاهُ الْعِبَادَاتُ
وَالْجِهَادُ وَإِنْ كَانَ عِبَادَةً إلَّا أَنَّ النِّكَاحَ سَبَبٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَزِيَادَةٌ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ وَالْإِسْلَامِ، وَالْجِهَادُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ، كَذَا قِيلَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْجِهَادَ أَيْضًا سَبَبٌ لَهُمَا إذْ نَقْلُ الْمَوْصُوفِ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ: أَعْنِي مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِسْلَامِ يُصَحِّحُ قَوْلَنَا إنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ وَالْإِسْلَامِ، فَالْحَقُّ اشْتِرَاكُهُمَا فِي ذَلِكَ لَكِنْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا يَحْصُلُ بِأَنْكِحَةِ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ
[ ٣ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالْقِتَالِ، إذْ الْغَالِبُ حُصُولُ الْقَتْلِ بِهِ أَوْ الذِّمَّةُ دُونَ إسْلَامِ أَهْلِ الدَّارِ فَقُدِّمَ لِلْأَكْثَرِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مِنْ أَوْلَى الْعِبَادَات الْبُيُوعُ فَنَظَرٌ إلَى بَسَاطَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ تَمَحُّضِ مَعْنَى الْمُعَامَلَةِ فِيهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْجِزُ فِي إبْدَاءِ وَجْهِ تَقْدِيمِ مَعْنًى عَلَى مَعْنًى، فَإِنَّ كُلَّ مَعْنًى لَهُ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، فَالْمُقَدِّمُ يَعْتَبِرُ مَا لِمَا قَدَّمَهُ وَيَسْكُتُ عَمَّا لِمَا أَخَّرَهُ، وَالْعَاكِسُ يَعْكِسُ ذَلِكَ النَّظَرَ، وَإِنَّمَا إبْدَاءُ وَجْهِ أَوْلَوِيَّةِ تَقْدِيمِ هَذَا عَلَى ذَلِكَ هُوَ التَّحْقِيقُ، وَهُوَ يَسْتَدْعِي النَّظَرَ بَيْنَ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ أَيُّهُمَا يَقْتَضِي أَوْ أَكْثَرُ اقْتِضَاءً لِلتَّقْدِيمِ، وَقَدْ يُفْضِي إلَى تَكْثِيرِ جِهَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ وَخُصُوصِيَّاتِهِ وَيَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا مَعَ قِلَّةِ الْجَدْوَى، فَالِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ أَدْخَلُ فِي طَرِيقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِ زِيَادَةِ الْبَصِيرَةِ فِيمَا نَشْرَعُ فِيهِ مِنْ تَقْدِيمٍ تَحْصِيلُ أُمُورٍ: الْأَمْرِ الْأَوَّلِ مَفْهُومُهُ لُغَةً، قِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَقِيلَ بِقَلْبِهِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ صَرَّحُوا بِهِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الضَّمِّ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمْ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ أَفْرَادِ الضَّمِّ، وَالْمَوْضُوعُ لِلْأَعَمِّ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ كَإِنْسَانٍ فِي زَيْدٍ لَا يَعْرِفُ الْقُدَمَاءُ غَيْرَ هَذَا إلَى أَنْ حَدَثَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ، يَجْعَلُ خُصُوصَ عَوَارِضِهِ الْمُشَخِّصَةِ مُرَادًا مَعَ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ بِلَفْظِ الْأَعَمِّ فَيَكُونُ مَجَازًا وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ قَلَّمَا تَخْطِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى تَرَكَ الْأَقْدَمُونَ تَقْدِيرَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ مُرَادِ مَنْ يَقُولُ لِزَيْدٍ يَا إنْسَانُ يَا مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ لَا يُلَاحِظُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَحَقِّقَ الِاسْتِعْمَالُ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَفِي الْوَطْءِ قَوْلُهُ ﷺ «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» أَيْ مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ لَا مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ. وَقَوْلُهُ «يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَمِنْ أَيْمٍ قَدْ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا … وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلْهَفُ
وَقَوْلُهُ:
وَمَنْكُوحَةٌ غَيْرُ مَمْهُورَةٍ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرِ نِسَاءَهُمْ … وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا
وَفِي الْعَقْدِ قَوْلُ الْأَعْشَى:
وَلَا تَقْرَبَن جَارَةً إنَّ سَرَّهَا … عَلَيْك حَرَامٌ فَانْكِحْنَ أَوْ تَأَبَّدَا
وَفِي الْمَعْنَى الْأَعَمِّ قَوْلُ الْقَائِلِ:
ضَمَمْت إلَى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِهَا … كَمَا نَكَحَتْ أُمُّ الْغُلَامِ صَبِيَّهَا
أَيْ ضَمَّتْهُ، وَقَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ:
أَنْكَحْت صُمْ حَصَاهَا خُفَّ يَعْمُلَةٍ … تَغَشْرَمَتْ بِي إلَيْك السَّهْلَ وَالْجَبَلَا
فَمُدَّعِي الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ يَقُولُ تَحَقُّقُ الِاسْتِعْمَالِ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
وَالثَّانِي: يَقُولُ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ فِي الْآخَرِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ ثُمَّ يَدَّعِي تَبَادُرَ الْعَقْدِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ النِّكَاحِ دُونَ الْوَطْءِ وَيُحِيلُ فَهْمَ الْوَطْءِ مِنْهُ حَيْثُ فُهِمَ عَلَى الْقَرِينَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هِيَ عَطْفُ السِّفَاحِ بَلْ يَصِحُّ حَمْلُ النِّكَاحِ فِيهِ عَلَى الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ
[ ٣ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْوِلَادَةَ بِالذَّاتِ مِنْ الْوَطْءِ، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي إضَافَةُ الْمَرْأَةِ إلَى ضَمِيرِ الرَّجُلِ، فَإِنَّ امْرَأَتَهُ هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُ إرَادَةُ الْوَطْءِ مِنْ النِّكَاحِ الْمُسْتَثْنَى وَإِلَّا فَسَدَ الْمَعْنَى إذْ يَصِيرُ يَحِلُّ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْعَقْدَ، وَفِي الْأَبْيَاتِ الْإِضَافَةُ إلَى الْبَقَرِ وَنَفْيُ الْمَهْرِ وَالْإِسْنَادُ إلَى الرِّمَاحِ، إذْ يُسْتَفَادُ أَنَّ الْمُرَادَ وَطْءُ الْبَقَرِ وَالْمَسْبِيَّاتِ.
وَالْجَوَابُ مَنْعُ تَبَادُرِ الْعَقْدِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ النِّكَاحِ لُغَةً بَلْ ذَلِكَ فِي الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ الْفِقْهِيِّ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَهْمَ الْوَطْءِ فِيمَا ذُكِرَ مُسْتَنِدٌ إلَى الْقَرِينَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، إذْ وُجُودُ قَرِينَةٍ يُؤَيِّدُ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ إرَادَةِ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَ الْمَعْنَى مَجَازِيًّا بَلْ الْمُعْتَبَرُ تَجْرِيدُ النَّظَرِ إلَى الْقَرِينَةِ إنْ عُرِفَ أَنَّهُ لَوْلَاهَا لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَى مَا عَيَّنَتْهُ فَهُوَ مَجَازٌ وَإِلَّا فَلَا، وَنَحْنُ فِي هَذِهِ الْمَوَادِّ الْمَذْكُورَةِ نَفْهَمُ الْوَطْءَ قَبْلَ طَلَبِ الْقَرِينَةِ وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِ دَلَالَتِهَا فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِمَا إذَا نَظَرَ فِيهِ اسْتَدْعَى إرَادَةَ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
أَلَا يَرَى أَنَّ مَا ادَّعُوا فِيهِ الشَّهَادَةَ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مِنْ بَيْتِ الْأَعْشَى فِيهِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْعَقْدَ أَيْضًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ فَلَا تَقْرَبَن جَارَةً نَهْيٌ عَنْ الزِّنَا بِدَلِيلِ إنَّ سَرَّهَا عَلَيْك حَرَامٌ فَيَلْزَمُ أَنَّ قَوْلَهُ فَانْكِحْنَ أَمْرٌ بِالْعَقْدِ: أَيْ فَتَزَوَّجْ إنْ كَانَ الزِّنَا عَلَيْك حَرَامًا أَوْ تَأَبَّدْ، أَيْ تَوَحَّشْ: أَيْ كُنْ مِنْهَا كَالْوَحْشِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآدَمِيَّاتِ فَلَا يَكُنْ مِنْك قُرْبَانٌ لَهُنَّ كَمَا لَا يَقْرَبهُنَّ وَحْشِيٌّ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ فِي الْعَقْدِ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْبَيْتِ إذْ هُمْ لَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَأَمَّا ادِّعَاءُ أَنَّهُ فِي الْحَدِيثِ لِلْعَقْدِ فَيَسْتَلْزِمُ التَّجَوُّزَ فِي نِسْبَةِ الْوِلَادَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا هُوَ سَبَبُ السَّبَبِ، فَفِيهِ دَعْوَى حَقِيقَةٌ بِالْخُرُوجِ عَنْ حَقِيقَةٍ وَهُوَ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ لَوْ كَانَا سَوَاءً، فَكَيْفَ وَالْأَنْسَبُ كَوْنُهُ فِي الْوَطْءِ لِيَتَحَقَّقَ التَّقَابُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ، إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ لَا مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ فَيَكُونُ عَلَى خَاصٍّ مِنْ الْوَطْءِ، وَالدَّالُّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ لَفْظُ السِّفَاحِ أَيْضًا فَثَبَتَ إلَى هُنَا أَنَّا لَمْ نَزِدْ عَلَى ثُبُوتِ مُجَرَّدِ الِاسْتِعْمَالِ شَيْئًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.
وَقَدْ عَلِمَ ثُبُوتَ الِاسْتِعْمَالِ أَيْضًا فِي الضَّمِّ، فَبِاعْتِبَارِهِ حَقِيقَةً فِيهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا مِنْ أَفْرَادِهِ الْوَطْءُ وَالْعَقْدُ إنْ اعْتَبَرْنَا الضَّمَّ أَعَمَّ مِنْ ضَمِّ الْجِسْمِ إلَى الْجِسْمِ وَالْقَوْلِ إلَى الْقَوْلِ أَوْ الْوَطْءِ فَقَطْ فَيَكُونُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لِأَنَّهُ إذَا دَارَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَانَ الْمَجَازُ أَوْلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ صَرِيحًا خِلَافُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَقْلُ ذَلِكَ بَلْ قَالُوا: نَقَلَ الْمُبَرِّدُ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ وَغُلَامُ ثَعْلَبَ الشَّيْخِ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ عَنْ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ، ثُمَّ الْمُتَبَادِرُ مِنْ لَفْظِ الضَّمِّ تَعَلُّقُهُ بِالْأَجْسَامِ لَا الْأَقْوَالِ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ يَتَلَاشَى الْأَوَّلُ مِنْهَا قَبْلَ وُجُودِ الثَّانِي، فَلَا يُصَادِفُ الثَّانِي مَا يَنْضَمُّ إلَيْهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ، ثُمَّ أَفْرَادُ الضَّمِّ تَخْتَلِفُ بِالشِّدَّةِ فَيَكُونُ لَفْظُ النِّكَاحِ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكِّكِ.
الْأَمْرِ الثَّانِي مَفْهُومِهِ اصْطِلَاحًا وَهُوَ عَقْدٌ وُضِعَ لِتَمَلُّكِ الْمُتْعَةِ بِالْأُنْثَى قَصْدًا، وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ لِإِخْرَاجِ شِرَاءِ الْأَمَةِ لِلتَّسَرِّي، وَالْمُرَادُ وَضْعُ الشَّارِعِ لَا وَضْعُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَهُ وَإِلَّا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الشِّرَاءِ قَدْ لَا يَكُونُ إلَّا الْمُتْعَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الشَّارِحِينَ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِتَفْسِيرِهِ شَرْعًا.
وَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ عُرْفُ أَهْلِ الشَّرْعِ وَهُوَ مَعْنَى الِاصْطِلَاحِ الَّذِي عَبَّرْنَا بِهِ لَا أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ الشَّارِعُ
[ ٣ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَى وَفْقِ اللُّغَةِ فَلِذَا حَيْثُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ نَحْمِلُهُ عَلَى الْوَطْءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ حَتَّى أَثْبَتُوا بِهَا حُرْمَةَ مَنْ زَنَا بِهَا الْأَبُ عَلَى الِابْنِ.
وَقَوْلُ قَاضِي خَانْ: إنَّهُ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُجْتَبَى: هُوَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْعَقْدُ يُوَافِقُ مَا بَيَّنَّا. وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ نِكَاحًا أَوْ غَيْرَهُ مَجْمُوعُ إيجَابِ أَحَدِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَعَ قَبُولِ الْآخَرِ، سَوَاءٌ كَانَا بِاللَّفْظَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ مِنْ زَوَّجْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا سَنَذْكُرُ أَوْ كَلَامِ الْوَاحِدِ الْقَائِمِ مَقَامَهُمَا: أَعْنِي الْمُتَوَلِّيَ الطَّرَفَيْنِ. وَقَوْلُ الْوَرْسَكِيِّ: إنَّهُ مَعْنَى يُحِلُّ الْمَحَلَّ فَيَتَغَيَّرُ بِهِ وَزَوَّجْت وَتَزَوَّجْت آلَةُ انْعِقَادِهِ إطْلَاقٌ لَهُ عَلَى حُكْمِهِ فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ حَالُ الْمَحَلِّ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِإِخْرَاجِ اللَّفْظَيْنِ عَنْ مُسَمَّاهُ وَهُوَ اصْطِلَاحٌ آخَرُ غَيْرُ مَشْهُورٍ.
الْأَمْرِ الثَّالِثِ سَبَبِ شَرْعِيَّتِهِ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ فِي الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ بَقَاءُ النَّوْعِ بِالْوَطْءِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّظَالُمِ وَالسَّفْكِ وَضَيَاعِ الْأَنْسَابِ، بِخِلَافِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. الْأَمْرِ الرَّابِعِ شَرْطِهِ الْخَاصِّ بِهِ سَمَاعُ اثْنَيْنِ بِوَصْفٍ خَاصٍّ يُذْكَرْ، وَأَمَّا الْمَحَلِّيَّةُ فَمِنْ الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ وَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْيَاءِ وَالْأَحْكَامِ كَمَحَلِّيَّةِ الْبَيْعِ لِلْبَيْعِ وَالْأُنْثَى لِلنِّكَاحِ. الْأَمْرِ الْخَامِسِ: شَرْطِهِ الَّذِي لَا يَخُصُّهُ الْأَهْلِيَّةُ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ فِي الْوَلِيِّ لَا فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَلَا فِي مُتَوَلِّي الْعَقْدِ، فَإِنَّ تَزْوِيجَ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ جَائِزٌ، وَتَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا فِي الْبَيْعِ، فَصِحَّتُهُ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ مَحْضُ سَفِيرٍ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَشَرْطُ النَّفَاذِ بِلَا إذْنِ أَحَدٍ. الْأَمْرِ السَّادِسِ رُكْنِهِ. وَهُوَ الْجِنْسُ الْمُقَيَّدُ فِي التَّعْرِيفِ. الْأَمْرِ السَّابِعِ حُكْمِهِ حِلُّ اسْتِمْتَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا، فَخَرَجَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ وَحُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَمِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا سَيَرِدُ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ.
الْأَمْرِ الثَّامِنِ صِفَتِهِ، أَمَّا فِي حَالِ التَّوَقَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَوْ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ، وَفِي النِّهَايَةِ: إنْ كَانَ لَهُ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّحَرُّزِ إلَّا بِهِ كَانَ فَرْضًا اهـ.
وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُرَادِ فَإِنَّهُ قَيَّدَ الْخَوْفَ الْوَاقِعَ سَبَبًا لِلِافْتِرَاضِ بِكَوْنِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّحَرُّزِ إلَّا بِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى، وَلَيْسَ الْخَوْفُ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ بُلُوغَهُ إلَى عَدَمِ التَّمَكُّنِ فَلْيَكُنْ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَبْلَغِ فَرْضًا وَإِلَّا فَوَاجِبٌ. هَذَا مَا لَمْ يُعَارِضْهُ خَوْفُ الْجَوْرِ، فَإِنْ عَارَضَهُ كُرِهَ. قِيلَ: لِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِينِ النَّفْسِ وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ بِالْوَلَدِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى. وَاَلَّذِي يَخَافُ الْجَوْرَ يَأْثَمُ وَيَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ فَتَنْعَدِمُ الْمَصَالِحُ لِرُجْحَانِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَقَضِيَّتُهُ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفْصِلُ فَقُلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ اهـ.
وَيَنْبَغِي تَفْصِيلُ خَوْفِ الْجَوْرِ كَتَفْصِيلِ خَوْفِ الزِّنَا، فَإِنْ بَلَغَ مَبْلَغَ مَا اُفْتُرِضَ فِيهِ النِّكَاحُ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْبَدَائِعِ: قَيَّدَ الِافْتِرَاضَ فِي التَّوَقَانِ بِمِلْكِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، فَإِنَّ مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَنْهُنَّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ يَأْثَمُ، وَصَرَّحَ قَبْلَهُ بِالِافْتِرَاضِ فِي حَالَةِ التَّوَقَانِ.
وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ فَدَاوُد وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الْآيَةَ، «وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَكَّافِ بْنِ وَدَاعَةَ الْهِلَالِيِّ: أَلَكَ زَوْجَةٌ يَا عَكَّافُ؟ قَالَ لَا، قَالَ: وَلَا جَارِيَةٌ؟ قَالَ لَا، قَالَ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ:
[ ٣ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَأَنْتَ إذًا مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى فَأَنْتَ مِنْهُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَّا فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنَعُ، وَإِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النِّكَاحَ، شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَأَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَيْحَك يَا عَكَّافُ تَزَوَّجْ، قَالَ: فَقَالَ عَكَّافٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى تُزَوِّجَنِي مَنْ شِئْتَ، قَالَ: فَقَالَ ﷺ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَالْبَرَكَةِ كَرِيمَةَ بِنْتَ كُلْثُومٍ الْحِمْيَرِيِّ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدٍ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ، وَقَوْلُهُ ﷺ «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا، فَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْعَامِّ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْكِفَايَةِ عَلَى الْكُلِّ وَالْمُعَرَّفِ لِكَوْنِهِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ مَعْرِفَةُ سَبَبِ شَرْعِيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ كَانَ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقَدْ عَقَلْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِيجَابِ تَكْثِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ وَعَدَمُ انْقِطَاعِهِمْ، وَلِذَا صَرَّحَ بِالْعِلَّةِ حَيْثُ قَالَ ﷺ «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَكَّافٍ فَإِيجَابٌ عَلَى مُعَيَّنٍ فَيَجُوزُ كَوْنُ سَبَبِ الْوُجُوبِ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ. وَقِيلَ: وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لِمَا أَنَّ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الظَّنُّ وَالْآيَةُ لَمْ تُسَقْ إلَّا لِبَيَانِ الْعَدَدِ الْمُحَلَّلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ.
وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ مَنْ أَطْلَقَ الِاسْتِحْبَابَ. وَكَثِيرًا مَا يَتَسَاهَلُ فِي إطْلَاقِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى السُّنَّةِ.
وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَأَنَّ التَّجَرُّدَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَحَقِيقَةُ أَفْضَلَ يَنْفِي كَوْنَهُ مُبَاحًا إذْ لَا فَضْلَ فِي الْمُبَاحِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ اقْتَرَنَ بِنِيَّةٍ كَانَ ذَا فَضْلٍ، وَالتَّجَرُّدُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مَدَحَ يَحْيَى ﵇ بِعَدَمِ إتْيَانِ النِّسَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْحَصُورِ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجْ الْحَرَائِرَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَبِقَوْلِهِ ﷺ «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحِنَّاءُ، وَالتَّعَطُّرُ. وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ «أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهِنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَبَدَنًا عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرًا، وَزَوْجَةً لَا تَبْغِيهِ حُوبًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمَا جَيِّدٌ. لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ لَا أُنْكِرُ الْفَضِيلَةَ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ وَإِنَّمَا أَقُولُ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ. فَالْأَوْلَى فِي جَوَابِهِ التَّمَسُّكُ بِحَالِهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ سَأَلُوا أَزْوَاجَهُ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَرَدَّ هَذَا الْحَالَ رَدًّا مُؤَكَّدًا حَتَّى تَبْرَأَ مِنْهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَفْضَلِيَّةُ فِي الِاتِّبَاعِ لَا فِيمَا يُخَيَّلُ لِلنَّفْسِ أَنَّهُ أَفْضَلُ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ عِبَادَةٍ وَتَوَجُّهٍ، وَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ ﷿ يَرْضَى لِأَشْرَفِ أَنْبِيَائِهِ إلَّا بِأَشْرَفِ الْأَحْوَالِ، وَكَانَ حَالُهُ إلَى الْوَفَاةِ النِّكَاحَ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَرِّرَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَحَالُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉ كَانَ أَفْضَلَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ نُسِخَتْ الرَّهْبَانِيَّةُ فِي مِلَّتِنَا، وَلَوْ تَعَارَضَا
[ ٣ / ١٨٨ ]
(النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ
قُدِّمَ التَّمَسُّكُ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " تَزَوَّجُوا فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً " وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ مِنْ تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَتَوْسِعَةِ الْبَاطِنِ بِالتَّحَمُّلِ فِي مُعَاشَرَةِ أَبْنَاءِ النَّوْعِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ وَإِعْفَافِ الْحُرْمِ وَنَفْسِهِ وَدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهُنَّ وَدَفْعِ التَّقْتِيرِ عَنْهُنَّ بِحَبْسِهِنَّ لِكِفَايَتِهِنَّ مَئُونَةِ سَبَبِ الْخُرُوجِ ثُمَّ الِاشْتِغَالِ بِتَأْدِيبِ نَفْسِهِ وَتَأْهِيلِهِ لِلْعُبُودِيَّةِ وَلِتَكُونَ هِيَ أَيْضًا سَبَبًا لِتَأْهِيلِ غَيْرِهَا وَأَمْرِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفَرَائِضَ كَثِيرَةٌ لَمْ يَكَدْ يَقِفْ عَنْ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي، بِخِلَافِ مَا إذَا عَارَضَهُ خَوْفُ الْجَوْرِ إذْ الْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ بَلْ فِي الِاعْتِدَالِ مَعَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ.
وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةٌ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَمَبْنَى الْعِبَادَة عَلَى خِلَافِهِ. وَأَقُولُ: بَلْ فِيهِ فَضْلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَضَائِهَا بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ، فَالْعُدُولُ إلَيْهِ مَعَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَلْزِمُ أَثْقَالًا فِيهِ قَصْدُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَعَلَيْهِ يُثَابُ وَوُعِدَ الْعَوْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحْسَانِ حَالَتِهِ، قَالَ ﷺ «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ الْمَرْأَةَ إلَّا لِعِزِّهَا أَوْ مَالِهَا أَوْ حَسَبِهَا فَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا، قَالَ ﷺ «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا دَنَاءَةً. وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يُرِدْ بِهَا إلَّا أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.
وَقَالَ ﷺ «لَا تَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ. وَلَا تَتَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ. وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، فَلَأَمَةٌ خَرْقَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ بْنِ أَنْعُمٍ.
وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حُسْنٍ وَجَمَالٍ وَحَسَبٍ وَمَنْصِبٍ وَمَالٍ إلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
هَذَا وَيُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَكَوْنُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الزِّفَافِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْهَا قَالَتْ «زَفَفْنَا امْرَأَةً إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا عَائِشَةُ أَمَا يَكُونُ مَعَهُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللَّهْوُ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمُرَادُ بِالدُّفِّ مَا لَا جَلَاجِلَ لَهُ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ) قَدَّمْنَا أَنَّ النِّكَاحَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْعَقْدُ، وَهَذَا بَيَانٌ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ لَمْ يَثْبُتْ انْعِقَادُهُ حَتَّى يَتِمَّ عَقْدًا مُسْتَعْقَبًا لِأَحْكَامِهِ، فَلَفْظُ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ: أَيْ ذَلِكَ الْعَقْدُ الْخَاصُّ يَنْعَقِدُ حَتَّى تَتِمَّ حَقِيقَتُهُ فِي الْوُجُودِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَالِانْعِقَادُ هُوَ ارْتِبَاطُ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى بِاعْتِبَارِهِ عَقْدًا شَرْعِيًّا وَيَسْتَعْقِبُ الْأَحْكَامَ
[ ٣ / ١٨٩ ]
بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي) لِأَنَّ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِخْبَارِ وَضْعًا فَقَدْ جُعِلَتْ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا دَفْعًا لِلْحَاجَةِ
وَذَلِكَ بِوُقُوعِ الثَّانِي جَوَابًا مُعْتَبَرًا مُحَقِّقًا لِغَرَضِ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَيَسْمَعُ كُلٌّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ كَلَامَ صَاحِبِهِ، وَالْكَلَامَانِ هُمَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ. فَمَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْإِيجَابِ إنَّهُ إصْدَارُ الصِّيغَةِ الصَّالِحَةِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَى الْقَبُولِ خِلَافُ الْوَاقِعِ مِنْ الْعُرْفِ الْمَشْهُورِ، بَلْ إنَّ الْإِيجَابَ هُوَ نَفْسُ الصِّيغَةِ الصَّالِحَةِ لِتِلْكَ الْإِفَادَةِ بِقَيْدِ كَوْنِهَا أَوَّلًا وَالْقَبُولُ هِيَ بِقَيْدِ وُقُوعِهَا ثَانِيًا مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا
فَمَا ذُكِرَ فِي الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ قَوْلِهِ: لَوْ قَدَّمَ الْقَبُولَ عَلَى الْإِيجَابِ، بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْت بِنْتَك فَقَالَ زَوَّجْتُكهَا يَنْعَقِدُ بِهِ صَحِيحٌ فِي الْحُكْمِ مَمْنُوعٌ كَوْنُهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَبُولِ، بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّ مَا يُقَدَّمُ هُوَ الْإِيجَابُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ هُنَا وَصَرَّحَ الْكُلُّ بِهِ فِي الْبَيْعِ، وَكَانَ الْحَامِلُ عَلَى جَعْلِهِ الْإِصْدَارِ وَصْلَ قَوْلِهِ بِلَفْظَيْنِ بِقَوْلِهِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَأَفَادَ آلِيَّتَهُمَا لَهُمَا فَكَانَا خِلَافَيْهِمَا.
وَالْحَقُّ مَا أَعْلَمْتُك وَوَصَلَهُمَا إبْدَالٌ أَوْ بَيَانٌ يَدْفَعُ بِهِ مَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْعُرْفِ فَيُعَمِّمُ الْمُقَيَّدَ فَأَبْدَلَ مِنْهُ لِتَخْرُجَ الْكِتَابَةُ، فَلَوْ كَتَبَا الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ لَا يَنْعَقِدُ، وَالْمُرَادُ بِاللَّفْظَيْنِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَالْحُكْمِ فَيَدْخُلُ مُتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ أَوْ مَا يَخُصُّ الْحَقِيقَةَ، وَلَيْسَ هَذَا بِحَدٍّ بَلْ إخْبَارَاتٌ مَنْسُوقٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِإِفَادَةِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَقَالَ: وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ أَحَدِهِمَا مُسْتَقْبَلٌ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ فَيَنْعَقِدُ بِكَلَامِ الْوَاحِدِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِكَلَامِ الِاثْنَيْنِ. وَلَا إشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَعُرِفَ مِنْ تَعْرِيفِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِأَنَّهُمَا اللَّفْظَانِ الصَّالِحَانِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَعَدَمُ لُزُومِ ذِكْرِ الْمَفْعُولَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ دَلَالَةِ الْمَقَامِ وَالْمُقَدِّمَاتِ عَلَى الْغَرَضِ لِأَنَّ الْحَذْفَ لِدَلِيلٍ جَائِزٌ فِي كُلِّ لِسَانٍ، وَعَدَمُ لُزُومِ لَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، فَعَنْ هَذَا قُلْنَا: إذَا قَالَتْ زَوَّجْتُك نَفْسِي فَقَالَ قَبِلْت، أَوْ قَالَ تَزَوَّجْتُك فَقَالَتْ قَبِلْت جَازَ وَلَا مَفْعُولَ حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَابِلُ سَفِيرًا وَلَا مَفْعُولَ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ نَفَذَ عَلَيْهِ.
فِي التَّجْنِيسِ: رَجُلٌ خَطَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ امْرَأَةً، فَلَمَّا اجْتَمَعَا لِلْعَقْدِ قَالَ أَبُو الْمَرْأَةِ لِأَبِي الزَّوْجِ: دادم بِزِنَى أَيْنَ دخترر ابْهَزَا ردرم، فَقَالَ أَبُو الزَّوْجِ: بِزِيرٍ فَتَمَّ يَجُوزُ النِّكَاحُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ جَرَى بَيْنَهُمَا مُقَدِّمَاتُ النِّكَاحِ لِلِابْنِ هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الْأَبَ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ أَنْ يُحْتَاطَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَبُو الصَّغِيرَةِ: زَوَّجْت بِنْتِي مِنْ ابْنِك، فَقَالَ أَبُو الِابْنِ قَبِلْت وَلَمْ يَقُلْ لِابْنِي يَجُوزُ النِّكَاحُ لِلِابْنِ لِإِضَافَةِ الْمُزَوِّجِ النِّكَاحَ إلَى الِابْنِ بِيَقِينٍ. وَقَوْلُ الْقَابِلِ قَبِلْت جَوَابٌ لَهُ، وَالْجَوَابُ يَتَقَيَّدُ بِالْأَوَّلِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ قَبِلْت لِأَبِي، وَنَظِيرُ الْأَوَّلِ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ لِآخَرَ بَعْدَ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا مُقَدِّمَاتُ الْبَيْعِ بِعْت هَذَا بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقُلْ مِنْك، فَقَالَ الْآخَرُ اشْتَرَيْت صَحَّ وَلَزِمَ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ: خويشتن خريدم بَعْدَهُ وَكَآبِّينَ، فَقَالَ الزَّوْجُ: فروختم صَحَّ وَلَزِمَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْك
(قَوْلُهُ يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي) مِثْلَ أَنْكَحَتْك وَزَوَّجْتُك فَيَقُولُ قَبِلْت أَوْ فَعَلْت أَوْ رَضِيت. وَفِي الِانْعِقَادِ بِصِرْتِ لِي وَصِرْتُ لَك خِلَافٌ، وَظَاهِرُ الْخُلَاصَةِ اخْتِيَارُهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبُولُ.
وَلَوْ قَالَتْ عَرَسْتُك نَفْسِي فَقَبِلَ يَنْعَقِدُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الِانْعِقَادَ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جُعِلَ إنْشَاءً شَرْعًا فَصَارَ هُوَ عِلَّةٌ لِمَعْنَاهُ فَيَثْبُتُ الْمَعْنَى عَقِيبَهُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ جُعِلَتْ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا تَقْرِيرُ الشَّرْعِ مَا كَانَ فِي اللُّغَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ كَانَ يَنْشَأُ بِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ فَقَرَّرَهُ الشَّرْعُ وَإِنَّمَا اُخْتِيرَتْ لِلْإِنْشَاءِ لِأَنَّهَا أَدَلُّ عَلَى الْوُجُودِ وَالتَّحَقُّقِ حَيْثُ أَفَادَتْ دُخُولَ الْمَعْنَى فِي الْوُجُودِ قَبْلَ الْإِخْبَارِ فَأُفِيدَ بِهَا
[ ٣ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَا يَلْزَمُ وُجُودُهُ وُجُودُ اللَّفْظِ، ثُمَّ لَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُلَاحَظَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي ثُبُوتِ الِانْعِقَادِ وَلُزُومِ حُكْمِهِ جَانِبُ الرِّضَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ عَدَّيْنَا ثُبُوتَ الِانْعِقَادِ وَلُزُومَ حُكْمِ الْعَقْدِ إلَى كُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ ذَلِكَ بِلَا احْتِمَالِ مُسَاوٍ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ فَقُلْنَا: لَوْ قَالَ بِالْمُضَارِعِ ذِي الْهَمْزَةِ أَتَزَوَّجك فَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي انْعَقَدَ، وَفِي الْمَبْدُوءِ بِالتَّاءِ نَحْوَ تُزَوِّجنِي بِنْتَكَ؟ فَقَالَ فَعَلْتُ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِيعَادِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَخْبِرُ نَفْسَهُ عَنْ الْوَعْدِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَالنِّكَاحُ مِمَّا لَا تَجْرِي فِيهِ الْمُسَاوَمَةُ كَانَ لِلتَّحْقِيقِ فِي الْحَالِ فَانْعَقَدَ بِهِ لَا بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ لِلْإِنْشَاءِ بَلْ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَرَضِ تَحْقِيقِهِ وَاسْتِفَادَةِ الرِّضَا مِنْهُ حَتَّى قُلْنَا: لَوْ صَرَّحَ بِالِاسْتِفْهَامِ اُعْتُبِرَ فَهْمُ الْحَالِ. فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ قَالَ هَلْ أَعْطَيْتنِيهَا فَقَالَ أَعْطَيْتُ، إنْ كَانَ الْمَجْلِسُ لِلْوَعْدِ فَوَعْدٌ وَإِنْ كَانَ لِلْعَقْدِ فَنِكَاحٌ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ السَّرَخْسِيِّ بِالْفَارِسِيَّةِ ميدهي لَيْسَ بِشَيْءٍ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُ التَّحْقِيقِ ظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فَكَذَلِكَ.
عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ جِئْتُك خَاطِبًا بِنْتَك أَوْ لِتُزَوِّجَنِي ابْنَتَك فَقَالَ الْأَبُ زَوَّجْتُك فَالنِّكَاحُ لَازِمٌ، وَلَيْسَ لِلْخَاطِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْمُسَاوَمَةِ فِيهِ كَمَا قُلْنَا، وَالِانْعِقَادُ بِقَوْلِهِ أَنَا مُتَزَوِّجُك يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُضَارِعِ الْمَبْدُوءِ بِالْهَمْزَةِ سَوَاءٌ، وَقُلْنَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ وُضِعَ أَحَدُهُمَا لِلْمُسْتَقْبَلِ: يَعْنِي الْأَمْرَ، فَلَوْ قَالَ زَوِّجْنِي بِنْتَك فَقَالَ زَوَّجْتُك انْعَقَدَ، وَمِنْهُ كُونِي امْرَأَتِي يَنْعَقِدُ إذَا قَبِلَتْ.
وَفِي النَّوَازِلِ: قَالَ زَوِّجِي نَفْسَك مِنِّي فَقَالَتْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ صَحَّ النِّكَاحُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الصِّحَّةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالنِّكَاحِ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ فَيَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا قَائِمًا بِالْمُجِيبِ، وَصَرَّحَ غَيْرُهُ بِأَنَّهَا نَفْسُهَا إيجَابٌ فَيَكُونُ قَائِمًا بِهِمَا. فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ: وَلَفْظَةُ الْأَمْرِ فِي النِّكَاحِ إيجَابٌ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ إذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَ كَانَ تَامًّا، وَكَذَا فِي الْخُلْعِ؛ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اُكْفُلْ لِي بِنَفْسِ فُلَانٍ هَذَا أَوْ بِمَا عَلَيْهِ فَقَالَ كَفَلْت تَمَّتْ الْكَفَالَةُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ هَبْ لِي هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ وَهَبْت فِي مَسَائِلَ أُخَرَ ذَكَرَهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَيْسَ إلَّا اللَّفْظُ الْمُفِيدُ قَصْدَ تَحَقُّقِ الْمَعْنَى أَوَّلًا وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى لَفْظَةِ الْأَمْرِ فَلْيَكُنْ إيجَابًا. وَيَسْتَغْنِي عَمَّا أَوْرَدَ عَلَى تَقْرِيرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ قَبُولُهُ تَحْصِيلَ الْفِعْلِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ تَوْكِيلًا وَإِلَّا بَقِيَ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ حَيْثُ لَا يَتِمُّ بِقَوْلِهِ بِعْنِيهِ بِكَذَا فَيَقُولُ بِعْتُ بِلَا جَوَابٍ، إذْ جَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَيْعِ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ فَصَحَّ دُونَ الْبَيْعِ، وَحِينَئِذٍ فَتَمَامُ الْعَقْدِ قَائِمٌ بِالْمُجِيبِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، فَلِذَا قِيلَ الْمِثَالُ الصَّحِيحُ أَتَزَوَّجُك بِأَلْفٍ فَتَقُولُ قَبِلْت عَلَى إرَادَةِ الْحَالِ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ فِي النِّكَاحِ الْمَجْلِسُ كَالْبَيْعِ لَا الْفَوْرُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀.
وَقَدْ يُوهِمُ مَا ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي بِأَلْفٍ فَسَكَتَ الْخَاطِبُ فَقَالَ الصِّهْرُ ادْفَعْ الْمَهْرَ فَقَالَ نَعَمْ فَهُوَ قَبُولٌ، وَقِيلَ لَا أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ الصِّحَّةَ، وَقَدْ يَكُونُ مُنْشَؤُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَّصِفًا بِكَوْنِهِ خَاطِبًا، فَحَيْثُ سَكَتَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ ظَاهِرًا فِي رُجُوعِهِ فَيَحْكُمُ بِهِ أَوَّلًا، فَقَوْلُهُ نَعَمْ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ بِمُفْرَدِهِ لِأَنَّ الْفَوْرَ شَرْطٌ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَصُورَةُ اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ أَنْ يُوجِبَ أَحَدُهُمَا فَيَقُومَ الْآخَرُ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ يَكُونَ قَدْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ
[ ٣ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ هُوَ ارْتِبَاطُ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ وَبِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ يَتَفَرَّقَانِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَلَوْ عَقَدَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ أَوْ يَسِيرَانِ عَلَى الدَّابَّةِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ سَائِرَةٍ جَازَ، وَسَتَعْرِفُ الْفَرْقَ فِي الْبَيْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فُرُوعٌ]
تَزَوَّجَ بِاسْمِهَا الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَهَا اسْمَانِ اسْمٌ فِي صِغَرِهَا وَآخَرُ فِي كِبَرِهَا تَزَوَّجَ بِالْأَخِيرِ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بِنْتَانِ كُبْرَى اسْمُهَا عَائِشَةُ وَصُغْرَى اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي فَاطِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَقَبِلَ انْعَقَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالُوا يَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا وَلَوْ قَالَ زَوَّجْت بِنْتِي فُلَانَةَ مِنْ ابْنِك فَقَبِلَ وَلَيْسَ لَهُمَا إلَّا ابْنٌ وَاحِدٌ وَبِنْتٌ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا ابْنَتَانِ أَوْ ابْنَانِ لَا، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَا الْبِنْتَ وَالِابْنَ.
وَلَوْ زَوَّجَ غَائِبَةَ وَكِيلٍ فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَهَا فَذَكَرَ مُجَرَّدَ اسْمِهَا جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ اسْمِهَا وَاسْمِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً مُتَنَقِّبَةً فَقَالَ تَزَوَّجْت هَذِهِ وَقَبِلَتْ جَازَ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِالْإِشَارَةِ.
وَأَمَّا الْغَائِبَةُ فَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي الْحَاضِرَةِ كَشْفُ النِّقَابِ. وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ عَدَمِهِ فِي الْوَكَالَةِ بِالنِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَذَا الْحَالُ فِي تَسْمِيَةِ الزَّوْجِ الْغَائِبِ. وَفِي التَّجْنِيسِ: لَهُ ابْنَةٌ اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ وَقْتَ الْعَقْدِ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَائِشَةَ وَلَمْ تَقَعْ الْإِشَارَةُ إلَى شَخْصِهَا لَا يَصِحُّ. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى الْمُسَمَّى وَلَيْسَ لَهُ ابْنَةٌ بِذَلِكَ الِاسْمِ.
وَفِي النَّوَازِلِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: خُنْثَى مُشْكِلٌ زُوِّجَ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ بِرِضَا الْوَلِيِّ فَلَمَّا كَبِرَا إذَا الزَّوْجُ امْرَأَةٌ وَالزَّوْجَةُ رَجُلٌ جَازَ نِكَاحُهُمَا عِنْدِي لِأَنَّ قَوْلَهُ زَوَّجْتُك يَسْتَوِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَفِي صَغِيرَيْنِ قَالَ أَبُو أَحَدِهِمَا زَوَّجْت بِنْتِي هَذِهِ مِنْ ابْنِك هَذَا وَقَبِلَ الْآخَرُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْجَارِيَةَ غُلَامٌ وَالْغُلَامَ جَارِيَةٌ جَازَ لِذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ: لَا يَجُوزُ.
وَفِي الْمُنْيَةِ: زَوَّجْت وَتَزَوَّجْت يَصْلُحُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَفِي التَّجْنِيسِ: رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَةٍ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ رَاجَعْتُك فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ رَضِيت يَكُونُ نِكَاحًا. فَإِنَّهُ نَصَّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا إنْ رَاجَعْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ تَنْصَرِفُ الرَّجْعَةُ إلَى النِّكَاحِ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ يُرَادُ بِهَا النِّكَاحُ فَيَنْظُرُ إلَى الْمَحَلِّ وَالْمَحَلُّ هُنَا لَا يَقْبَلُ الرَّجْعَةَ الْمَعْرُوفَةَ فَانْصَرَفَتْ إلَى النِّكَاحِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الرَّجْعَةِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ فِي الْأَجْنَاسِ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً بَائِنًا ثُمَّ قَالَ رَاجَعْتُك عَلَى كَذَا وَكَذَا فَرَضِيَتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ هَذَا نِكَاحٌ جَائِزٌ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَالًا فَلَيْسَ بِنِكَاحٍ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ نِكَاحًا فَكَانَ نِكَاحًا. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ذَكَرَ الْمَالَ أَوْ أَقَرَّ أَنَّ الزَّوْجَ أَرَادَ بِهِ النِّكَاحَ اهـ.
وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ عَنْ بَعْضِهِمْ تَفْصِيلًا بَيْنَ الْمُبَانَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ. فَفِي الْمُبَانَةِ تَكُونُ نِكَاحًا وَفِي الْأَجْنَبِيَّةِ لَا وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ.
فَإِنَّ التَّزَوُّجَ بِلَفْظِ الرَّجْعَةِ فِي نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّتَهُ فِي غَيْرِهَا.
رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَقَرَّا بِالنِّكَاحِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَقَالَ هِيَ امْرَأَتِي وَأَنَا زَوْجُهَا، وَقَالَتْ هُوَ زَوْجِي وَأَنَا امْرَأَتُهُ وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا. لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إظْهَارٌ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ فَهُوَ فَرْعٌ سَبَقَ الثُّبُوتَ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ كَذِبًا لَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَا أَجَزْنَاهُ أَوْ رَضِينَاهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ
[ ٣ / ١٩٢ ]
(وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَبِالْآخَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ زَوِّجْنِي فَيَقُولَ زَوَّجْتُك) لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ بِالنِّكَاحِ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالصَّدَقَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَيْسَ حَقِيقَةً فِيهِ وَلَا مَجَازًا عَنْهُ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ لِلتَّلْفِيقِ وَالنِّكَاحَ لِلضَّمِّ، وَلَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ
لَا يَنْعَقِدُ بِخِلَافِ جَعَلْنَاهُ.
وَلَوْ قَالَ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَقَالَا نَعَمْ انْعَقَدَ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْجَعْلِ، حَتَّى لَوْ قَالَتْ جَعَلْت نَفْسِي زَوْجَةً لَك فَقَبِلَ ثُمَّ قَالَ أَعْطَيْتُك أَلْفًا عَلَى أَنْ تَكُونِي امْرَأَتِي فَقَبِلَتْ ثُمَّ قَالَ زَوِّجْ بِنْتَك فُلَانَةَ مِنِّي بِكَذَا فَقَالَ ادْفَعْهَا وَاذْهَبْ بِهَا حَيْثُ شِئْت لَا يَنْعَقِدُ. فِي التَّجْنِيسِ كَأَنَّهُ لِأَنَّهُ كَالْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الدَّفْعِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْمُضَافِ. لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكهَا غَدًا فَقَبِلَ لَا يَصِحُّ، فَعَدَمُ صِحَّةِ الْمُعَلَّقِ أَوْلَى. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: يَكُونُ ذَلِكَ نِكَاحًا وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ قَوْلِهِ.
وَيَجُوزُ النِّكَاحُ الْمُعَلَّقُ إذَا كَانَ عَلَى أَمْرٍ مَضَى لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِلْحَالِ. وَعَلَيْهِ فُرِّعَ مَا لَوْ قَالَ خَطَبْت بِنْتَك فُلَانَةَ لِابْنِي فُلَانٍ فَقَالَ زَوَّجْتهَا مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ هَذَا فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْخَاطِبُ فَقَالَ إنْ لَمْ أَكُنْ زَوَّجْتهَا مِنْ فُلَانٍ قَبْلُ فَقَدْ زَوَّجْتهَا مِنْ ابْنِك وَقَبِلَ أَبُو الِابْنِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَلَمْ يَكُنْ زَوَّجَهَا مِنْ أَحَدٍ صَحَّ النِّكَاحُ، لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِكَائِنٍ لِلْحَالِ تَحْقِيقٌ وَتَنْجِيزٌ، وَإِذَا أَضَافَ النِّكَاحَ إلَى نِصْفِهَا مَثَلًا فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَوْضِعٍ جَوَازَهُ كَالطَّلَاقِ
(قَوْلُهُ وَيَنْعَقِدُ إلَخْ) حَاصِلُ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا خِلَافَ فِي الِانْعِقَادِ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ بَلْ الْخِلَافُ فِيهِ مِنْ خَارِجِ الْمَذْهَبِ. وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَالصَّحِيحُ الِانْعِقَادُ. وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ. وَقِسْمٌ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ بِهِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ تُرَتَّبَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لِيَلِيَ كُلُّ قِسْمٍ مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَهَكَذَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ إلَّا فِي لَفْظِ الْوَصِيَّةِ.
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ] مَا سِوَى لَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ مِنْ لَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْجَعْلِ نَحْوَ جَعَلْت بِنْتِي لَك بِأَلْفٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَجَوَازُهُ عِنْدَنَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، فَإِنَّ الْمَجَازَ كَمَا يَجْرِي فِي الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ يَجْرِي فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَحَقُّقِ طَرِيقِهِ هُنَا فَنَفَاهُ الشَّافِعِيُّ بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ مَا يُجَوِّزُ التَّجَوُّزَ. أَمَّا إجْمَالًا فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَصَحَّ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِلَفْظٍ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَكَانَ يُقَالُ أَنْكَحْتُك هَذَا الثَّوْبَ مُرَادًا بِهِ مَلَّكْتُك، كَمَا يُقَالُ مَلَّكْتُك نَفْسِي أَوْ بِنْتِي مُرَادًا بِهِ أَنْكَحْتُك، وَلَيْسَ فَلَيْسَ.
وَأَمَّا تَفْصِيلًا فَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ هُوَ التَّلْفِيقُ وَضْعًا وَالنِّكَاحُ لِلضَّمِّ وَلَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكَةِ وَلِذَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ عِنْدَ وُرُودِ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ لَمْ يُنَافِهِ تَأَكَّدَ بِهِ، وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْوَجْهُ عَنْهُ كَانَ مُعْتَرِفًا بِأَنَّهُ لُغَةٌ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ
[ ٣ / ١٩٣ ]
وَالْمَمْلُوكَةِ أَصْلًا. وَلَنَا أَنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ الْمَجَازِ.
وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ
الْعَقْدُ إلَّا أَنْ يَعْنِيَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى النَّقْلِ (وَلَنَا أَنَّ التَّمْلِيكَ) أَيْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ (سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا بِوَاسِطَةِ) كَوْنِهِ سَبَبُ (مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَ) مِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا (هُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ الْمَجَازِ) وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ اسْتِعَارَةُ النِّكَاحِ لِلتَّمْلِيكِ فَلَيْسَ لِعَدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ لِمَا فَرَغَ مِنْهُ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ اسْمِ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ عِنْدَنَا إلَّا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ السَّبَبِ شَرْعِيَّتَهُ كَالْبَيْعِ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَلَيْسَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ النِّكَاحَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّمْلِيكِ بَلْ مِلْكُ الرَّقَبَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي مَنْعُ أَنَّهُ لَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكَةِ. وَقَوْلُهُ وَلِذَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ إلَخْ. قُلْنَا: فَسَادُهُ لِلُزُومِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا مَالِكًا لِكُلِّ الْآخَرِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ الْآخَرِ مَالِكًا بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ لِبَعْضِ مَا يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْآخَرُ بِحُكْمِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا لِعَدَمِ الضَّمِّ وَالِازْدِوَاجِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ كَمَا خَصَّ النِّكَاحَ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ إظْهَارًا لِخَطَرِهِ خَصَّ بِاللَّفْظَيْنِ النِّكَاحَ وَالتَّزْوِيجَ وَلِذَا لَمْ يُرِدْ غَيْرَهُمَا شَرْعًا.
وَالْجَوَابُ مَنْعُهَا، بَلْ قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ عَطْفًا عَلَى الْمُحَلَّلَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَرْجِعُ إلَى عَدَمِ الْمَهْرِ بِقَرِينَةِ إعْقَابِهِ بِالتَّعْلِيلِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ، فَإِنَّ الْحَرَجَ لَيْسَ فِي تَرْكِ لَفْظٍ إلَى غَيْرِهِ خُصُوصًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْصَحِ الْعَرَبِ بَلْ فِي لُزُومِ الْمَالِ وَبِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤْتَى أُجُورُهُنَّ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَحْلَلْنَا لَك الْأَزْوَاجَ الْمُؤْتَى مُهُورُهُنَّ وَاَلَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَك فَلَمْ تَأْخُذْ مَهْرًا خَالِصَةً هَذِهِ الْخَصْلَةُ لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. أَمَّا هُمْ فَقَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَاهُ عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ مِنْ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ، وَأَبْدَى صَدْرُ الشَّرِيعَةِ جَوَازَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِأَحْلَلْنَا قَيْدًا فِي إحْلَالِ أَزْوَاجِهِ لَهُ لِإِفَادَةِ عَدَمِ حِلِّهِنَّ لِغَيْرِهِ ﷺ. وَلَهُ أَيْضًا أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ وَلَا اطِّلَاعَ لِلشُّهُودِ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: قُلْنَا لَيْسَتْ شَرْطًا مَعَ ذِكْرِ الْمَهْرِ. وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ مُطْلَقًا لِعَدَمِ اللُّبْسِ كَقَوْلِهِمْ لِلشُّجَاعِ أَسَدٌ، وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِهِ وَلَمْ يَبْقَ احْتِمَالٌ اهـ.
وَيَشْكُلُ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمَجَازِ يَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ: أَحَدَهُمَا انْتِفَاءَ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَلِذَا لَوْ طَلَبَ الزِّنَا مِنْ امْرَأَةٍ فَقَالَتْ وَهَبْت نَفْسِي مِنْك أَوْ آجَرْت نَفْسِي مِنْك وَقَبِلَ لَا يَنْعَقِدُ.
وَالْآخَرَ وُجُودَ قَرِينَةٍ تُفِيدُ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَلِذَا لَوْ قَالَ أَبُو الْبِنْتِ وَهَبْت بِنْتِي مِنْك لِتَخْدُمَك وَقَبِلَ لَا يَنْعَقِدُ هَذَا
[ ٣ / ١٩٤ ]
هُوَ الصَّحِيحُ لِوُجُودِ طَرِيقِ الْمَجَازِ
فِي الْحُكْمِ بِهِ، أَمَّا فِي جَوَازِ التَّجَوُّزِ فَقَطْ فَالشَّرْطُ مَعَ الْأَوَّلِ الْإِرَادَةُ لَا قَرِينَتُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ثُبُوتِ مَعْنًى بِعَيْنِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ لِذَاتِ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ كَنِسْبَتِهِ إلَى غَيْرِهِ، فَالْمُخَصَّصُ لِمَعْنًى مُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ لَيْسَ إلَّا عَلَاقَةُ وَضْعِهِ لَهُ أَوْ إرَادَةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ ثَبَتَ اعْتِبَارُ نَوْعِهِ عَنْ الْوَاضِعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ فَالْإِرَادَةُ لَازِمَةٌ فِي الْمَحَلَّيْنِ، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ مِنْ السَّامِعِ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نَصْبِ قَرِينَةٍ تُفِيدُ إرَادَتَهُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ قَرِينَةٍ تُصْرَفُ عَنْهُ، وَهَذَا مَا يُقَالُ الْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى مَجَازِهِ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِإِرَادَةِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَيْثُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلِ إرَادَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الشُّهُودِ بِمُرَادِهِ بِأَنْ أَعْلَمَهُمْ بِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الدِّرَايَةِ فِي تَصْوِيرِ الِانْعِقَادِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ أَوْ لَا يُجِيزُهُ أَنْ يَقُولَ آجَرْت بِنْتِي وَنَوَى بِهِ النِّكَاحَ وَأَعْلَمَ بِهِ الشُّهُودَ اهـ.
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِعْتُك بِنْتِي بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْبَيْعُ لِلْحُرِّيَّةِ يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِيِّ فَهُوَ الْقَرِينَةُ فَيَكْتَفِي بِهَا الشُّهُودُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا أَمَةً اُحْتِيجَ إلَى قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ.
فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ وَهَبْت أَمَتِي مِنْك، فَإِنْ كَانَ الْحَالُ يَدُلُّ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ وَتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ مُؤَجَّلًا أَوْ مُعَجَّلًا يَنْصَرِفُ إلَى النِّكَاحِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَالُ يَدُلُّ عَلَى النِّكَاحِ، فَإِنْ نَوَى وَصَدَّقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ يَنْصَرِفْ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ الْحَالُ فَلَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ إعْلَامِ الشُّهُودِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَهْمِهِمَا الْمُرَادِ عَلَى الْمُخْتَارِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَقَدْ رَجَعَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَى التَّحْقِيقِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِهِ وَلَمْ يَبْقَ احْتِمَالٌ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ عَدَمِ اللَّبْسِ وَحُكْمِهِ وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، إذْ عَدَمُ اللَّبْسِ إنَّمَا يَصْلُحُ لِتَعْلِيلِ دَعْوَى ظُهُورِهَا وَفَهْمِهَا. وَأَمَّا الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَمَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِإِرَادَةِ الْمَجَازِيِّ نَظَرًا إلَى تَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ وَكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا وَاعِيًا.
وَأَمَّا الْهَازِلُ فَمُرِيدٌ لِمَعْنَى اللَّفْظِ غَيْرُ مُرِيدٍ لِحُكْمِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِقَصْدِهِ عَدَمِ الْحُكْمِ. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ فِي عَقْدِ الْمُلْجَإِ يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْإِلْجَاءِ قَرِينَةً تَصْرِفُ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ إذْ غَرَضُهُ لَيْسَ إلَّا التَّخَلُّصُ وَذَلِكَ بِإِجْرَاءِ اللَّفْظِ فَقَطْ، أَوْ مُرِيدًا حَقِيقَتَهُ لِلتَّخَلُّصِ وَهِيَ مُتَعَذِّرَةٌ إذْ لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْحُرَّةِ وَبَيْعُهَا.
وَاَلَّذِي أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» هُوَ الْحَقِيقَةُ دُونَ الْمَجَازِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَوْرَدَ كَيْفَ يَنْعَقِدُ بِالْهِبَةِ وَبِهِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَهُوَ سُؤَالٌ سَاقِطٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التَّزَوُّجِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ إذَا نَوَى بِقَوْلِهِ تَزَوَّجِي.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْهِبَةَ فِيهَا عَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةِ لِلْمِلْكِ فَيَتَجَوَّزُ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْمِلْكَ الْمُتَجَوَّزَ عَنْهُ بِالْهِبَةِ إلَيْهَا نَفْسَهَا بِقَوْلِهِ وَهَبْت نَفْسَك لَك صَحَّ طَلَاقًا، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى الرَّجُلِ صَحَّ نِكَاحًا. فَظَهَرَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُوجِبِ فِي هَذَا اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لَيْسَ إلَّا لِاخْتِلَافِ الْإِضَافَةِ بَلْ بِنَفْسِ تَوْجِيهِ السُّؤَالِ يَظْهَرُ صِحَّةُ اسْتِعَارَتِهَا لِلْمِلْكِ الْمُغَايِرِ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ إذْ لَمْ يَجِئْ الطَّلَاقُ إلَّا بِاعْتِبَارِ اسْتِعَارَتِهَا لَهُ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي] مَا اخْتَلَفُوا فِي الِانْعِقَادِ بِهِ، وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ نَحْوَ بِعْت نَفْسِي مِنْك بِكَذَا أَوْ ابْنَتِي أَوْ اشْتَرَيْتُك بِكَذَا فَقَالَتْ نَعَمْ يَنْعَقِدُ (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ، وَقَوْلُهُ (لِوُجُودِ طَرِيقِ الْمَجَازِ) تَعْلِيلٌ لِلصَّحِيحِ، وَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَا فِي تَقْرِيرِ التَّمْلِيكِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الِانْعِقَادِ بِلَفْظِ السَّلَمِ فَقِيلَ لَا لِأَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ
[ ٣ / ١٩٥ ]
(وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ) فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ (وَ) لَا بِلَفْظِ (الْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِعَارَةِ) لِمَا قُلْنَا (وَ) لَا بِلَفْظِ (الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
لَا يَصِحُّ. وَقِيلَ يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ تُمْلَكُ بِهِ الرِّقَابُ يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ وَالسَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ يَنْعَقِدُ، حَتَّى لَوْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ يَنْعَقِدُ الْمِلْكُ فَاسِدًا لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِلَّفْظِ يُفْسِدُ مَجَازَيْهِ لِعَدَمِ لُزُومِ اشْتِرَاكِ الْمُفْسِدِ فِيهِمَا.
وَفِي لَفْظِ الصَّرْفِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: قِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي لَا تَتَعَيَّنُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَا يَتَعَيَّنُ. وَقِيلَ يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمَا قَوْلَانِ، وَكَأَنَّ مَنْشَأَهُمَا الرِّوَايَتَانِ.
وَأَمَّا الْفَرْضُ فَقِيلَ يَنْعَقِدُ بِهِ لِثُبُوتِ مِلْكِ الْعَيْنِ بِهِ، وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِعَارَةِ. قِيلَ الْأَوَّلُ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا، وَالثَّانِي قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ فِي الْعَيْنِ وَعِنْدَهُ لَا.
وَأَمَّا لَفْظُ الصُّلْحِ فَذَكَرَ صَاحِبُ الْأَجْنَاسِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ وَالْعَطِيَّةِ جَائِزٌ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ] لَا يَنْعَقِدُ بِالْإِجَارَةِ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ، وَجْهُهُ أَنَّ الثَّابِتَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِلْكُ مَنْفَعَةٍ فَوُجِدَ الْمُشْتَرَكُ، وَجْهُ الصَّحِيحِ عَلَى مَا ذَكَرُوا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا مُؤَقَّتَةً، وَالنِّكَاحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ نَفْيُهُ فَتَضَادَّا، فَلَا يُسْتَعَارُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَ الْمُتَضَادَّانِ هُمَا الْعَرْضَانِ اللَّذَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَزِمَكُمْ مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يُجَامِعُ النِّكَاحَ مَعَ جَوَازِ الْعَقْدِ بِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّوْقِيتَ لَيْسَ جُزْءُ مَفْهُومِ لَفْظِ الْإِجَارَةِ بَلْ شَرْطٌ لِاعْتِبَارِهِ شَرْعًا خَارِجٌ عَنْهُ فَهُوَ مُجَرَّدُ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ مُجَرَّدًا لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا عَلَى مِثَالِ الصَّلَاةِ هِيَ الْقِيَامُ إلَخْ، وَلَوْ وُجِدَتْ بِلَا طَهَارَةٍ لَا تُعْتَبَرُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الطَّهَارَةَ جُزْءُ مَفْهُومِ الصَّلَاةِ، وَلِذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّوْجِيهِ بِهَذَا إلَى نَفْيِ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَلَاقَةُ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ حَتَّى يَتَجَوَّزَ بِهَا عَنْ النِّكَاحِ وَلِهَذَا تَبْطُلُ بِالْإِعَارَةِ، وَهَذَا إذَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ مُسْتَأْجَرَةً. أَمَّا إذَا جُعِلَتْ بَدَلَ الْإِجَارَةِ أَوْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ كَأَنْ يُقَالَ اسْتَأْجَرْت دَارَك بِابْنَتِي هَذِهِ أَوْ أَسْلَمْتهَا إلَيْك فِي كَرِّ حِنْطَةٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ أَضَافَ إلَيْهَا بِلَفْظٍ تُمْلَكُ بِهِ الرِّقَابُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (وَلَا بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ) وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَعَنْ الْكَرْخِيِّ إنْ قَيَّدَ الْوَصِيَّةَ بِالْحَالِ بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِبِنْتِي هَذِهِ الْآنَ يَنْعَقِدُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ بِهِ صَارَ مَجَازًا عَنْ التَّمْلِيكِ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي صِحَّتِهِ حِينَئِذٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَيَّدَتْ بِالْحَالِ يَصِحُّ، أَوْ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِأَنْ قَالَ أَوْصَيْت لَك بِابْنَتِي بَعْدَ مَوْتِي لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا، وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت
[ ٣ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَك بِهَا وَلَمْ يَزِدْ فَقِيلَ لَا يَكُونُ نِكَاحًا، وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ يَنْعَقِدُ. ثُمَّ كَوْنُ الْإِضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْإِضَافَةِ يَسْتَقِلُّ بِضَمِّ الصِّحَّةِ لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكهَا غَدًا لَمْ يَصِحَّ.
وَحَاصِلُ الْوَجْهِ أَنَّ الْإِضَافَةَ مَأْخُوذَةٌ فِي مَفْهُومِ الْوَصِيَّةِ وَعَدَمِهَا فِي النِّكَاحِ فَتَضَادَّا. وَلَا يَتَجَوَّزُ بِلَفْظٍ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ عَنْ الْآخَرِ. بِخِلَافِ الْهِبَةِ لَيْسَ جُزْءُ مَفْهُومِ اللَّفْظِ الْإِضَافَةَ إلَى مَا بَعْدَ الْقَبْضِ، بَلْ هِيَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلَا بَدَلٍ، ثُمَّ هُوَ يَتَأَخَّرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَيْسَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِضَعْفِ سَبَبِيَّتِهَا بِسَبَبِ عَدَمِ الْعِوَضِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ تَمَّ الْمِلْكُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ.
[الْقِسْمُ الرَّابِعُ] لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِعَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالتَّمَتُّعِ لِعَدَمِ تَمْلِيكِ الْمُتْعَةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا فَانْتَفَى الْجَامِعُ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِمَا قُلْنَا. وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ وَالْخُلْعِ لِأَنَّهُمَا لِفَسْخِ عَقْدٍ ثَابِتٍ.
[فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ] كُلُّ لَفْظٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِهِ الشُّبْهَةُ فَيَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ، وَيَجِبُ لَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ إنْ دَخَلَ بِهَا.
الثَّانِي: لَوْ لُقِّنَتْ الْمَرْأَةُ زَوَّجْت نَفْسِي بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا تَعْلَمُ مَعْنَاهَا وَقَبِلَ الزَّوْجُ وَالشُّهُودُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَوْ لَا يَعْلَمُونَ صَحَّ كَالطَّلَاقِ. وَقِيلَ لَا كَالْبَيْعِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَمِثْلُ هَذَا فِي جَانِبِ الرَّجُلِ إذَا لَقَّنَهُ وَلَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ. وَهَذِهِ فِي جُمْلَةِ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ وَاقِعَةٌ فِي الْحُكْمِ، ذَكَرَهُ فِي عَتَاقِ الْأَصْلِ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ. وَإِذَا عَرَفَ الْجَوَابَ فِيهَا قَالَ قَاضِي خَانْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ اللَّفْظِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِأَجْلِ الْقَصْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْجَدُّ وَالْهَزْلُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا فِي الْخُلْعِ إذَا لُقِّنَتْ اخْتَلَعْتُ نَفْسِي مِنْك بِمَهْرِي وَنَفَقَةِ عِدَّتِي فَقَالَتْهُ وَلَا تَعْلَمُ مَعْنَاهُ وَلَا أَنَّهُ لَفْظُ الْخُلْعِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ لَا يَصِحُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَسْقُطَ الْمَهْرُ وَلَا النَّفَقَةُ، وَكَذَا لَوْ لُقِّنَتْ أَنْ تُبْرِئَهُ، وَكَذَا الْمَدْيُونُ إذَا لَقَّنَ رَبَّ الدَّيْنِ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ لَا يَبْرَأُ.
الثَّالِثُ: إذَا سَمَّى الْمَهْرَ مَعَ الْإِيجَابِ بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك بِكَذَا فَقَالَتْ قَبِلْت النِّكَاحَ وَلَا أَقْبَلُ الْمَهْرَ قَالُوا لَا يَصِحُّ. وَلَا يَشْكُلُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ أَوْ وُجُودِهَا، لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ النِّكَاحَ إلَّا بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُسَمَّى. فَلَوْ صَحَّحْنَاهُ إذَا قَبِلَتْ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْمَهْرِ لَلَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِالنِّكَاحِ بِهِ بَلْ بِمَا سُمِّيَ فَيَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُسَمِّ مِنْ الْأَصْلِ لِأَنَّ غَرَضَهُ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ حَيْثُ سَكَتَ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَازِمٌ فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ، وَلَوْ قَالَتْ قَبِلْت النِّكَاحَ وَلَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ صَحَّ النِّكَاحُ بِمَا سَمَّى.
وَقَدْ يُخَالِفُهُ مَا فِي الْمُنْتَقَى: عَبْدٌ تَزَوَّجَ عَلَى رَقَبَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَبَلَغَهُ فَقَالَ أُجِيزُ النِّكَاحَ وَلَا أُجِيزُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَجُوزُ النِّكَاحُ وَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَمِنْ قِيمَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ. بِخِلَافِ مَا فِي الْجَامِعِ: أَمَةٌ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ فَقَالَ أَجَزْت النِّكَاحَ عَلَى خَمْسِينَ دِينَارًا وَرَضِيَ بِهِ الزَّوْجُ جَازَ لِأَنَّ هَذِهِ مَقْرُونَةٌ بِرِضَا الزَّوْجِ فَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِإِجَازَتِهِ.
وَالْحَقُّ مَا أَعْلَمْتُك مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ.
الرَّابِعُ: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْخِطَابِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهَا يَخْطُبَهَا، فَإِذَا بَلَغَهَا الْكِتَابُ أَحْضَرَتْ الشُّهُودَ وَقَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ. أَوْ تَقُولَ إنَّ فُلَانًا قَدْ كَتَبَ إلَيَّ يَخْطُبُنِي فَاشْهَدُوا أَنِّي زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ.
أَمَّا لَوْ لَمْ تَقُلْ بِحَضْرَتِهِمْ سِوَى زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ سَمَاعَ الشَّطْرَيْنِ شَرْطُ
[ ٣ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صِحَّةِ النِّكَاحِ.
وَبِإِسْمَاعِهِمْ الْكِتَابِ أَوْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنْهَا قَدْ سَمِعُوا الشَّطْرَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَفَيَا، وَمَعْنَى الْكِتَابِ بِالْخُطْبَةِ أَنْ يَكْتُبَ زَوِّجِينِي نَفْسَك فَإِنِّي رَغِبْت فِيك وَنَحْوَهُ، وَلَوْ جَاءَ الزَّوْجُ بِالْكِتَابِ إلَى الشُّهُودِ مَخْتُومًا فَقَالَ هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانَةَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَعْلَمَ الشُّهُودُ مَا فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ رَجَعَ وَجَوَّزَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ إعْلَامِ الشُّهُودِ بِمَا فِيهِ.
وَأَصْلُ الْخِلَافِ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ فِي الْمُصَفَّى: هَذَا يَعْنِي الْخِلَافَ إذَا كَانَ الْكِتَابُ بِلَفْظِ التَّزَوُّجِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ زَوِّجِي نَفْسَك مِنِّي لَا يُشْتَرَطُ إعْلَامُهَا الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهَا تَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ وَنَقَلَهُ مِنْ الْكَامِلِ.
قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا جَحَدَ الزَّوْجُ الْكِتَابَ بَعْدَمَا أَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا إعْلَامِهِمْ بِمَا فِيهِ وَقَدْ قَرَأَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ وَقَبِلَ الْعَقْدَ بِحَضْرَتِهِمْ فَشَهِدُوا أَنَّ هَذَا كِتَابَهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهِ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُمَا وَلَا يُقْضَى بِالنِّكَاحِ، وَعِنْدَهُ تُقْبَلُ وَيُقْضَى بِهِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَصَحِيحٌ بِلَا إشْهَادٍ، وَهَذَا الْإِشْهَادُ لِهَذَا وَهُوَ أَنْ تَتَمَكَّنَ الْمَرْأَةُ مِنْ إثْبَاتِ الْكِتَابِ عِنْدَ جُحُودِ الزَّوْجِ الْكِتَابِ، كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْكَامِلِ. وَأَجْمَعُوا فِي الصَّكِّ أَنَّ الْإِشْهَادَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ مَا فِي الْكِتَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلَهُ مِنْ نَفْيِ الْخِلَافِ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُحَقِّقِينَ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ لَفْظَ الْأَمْرِ إيجَابًا كَقَاضِي خَانْ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ إعْلَامِهَا إيَّاهُمْ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ الْكَاتِبُ بِمَا فِي الْكِتَابِ تَكُونُ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ، وَعَلَى هَذَا مَا صَدَّرْنَا بِهِ الْمَسْأَلَةَ.
الْخَامِسُ: يَنْعَقِدُ بِالْإِشَارَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ.
السَّادِسُ: يَنْعَقِدُ بِنَقْلِ الرَّسُولِ عِبَارَةِ الْمُرْسِلِ إذَا أَجَابَتْ وَسَمِعَ الشُّهُودُ كَلَامَيْهِمَا، وَسَنُفَصِّلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الْوَكَالَةِ بِالنِّكَاحِ.
السَّابِعُ: لَا يَبْطُلُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، فَلَوْ قَالَ أَتَزَوَّجُك عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي عَبْدَك فَأَجَابَتْهُ بِالنِّكَاحِ انْعَقَدَ مُوجِبًا لِمَهْرِ مِثْلِهَا عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ.
الثَّامِنُ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ النِّكَاحِ بِالْخَطَرِ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ فُلَانٌ فَقَدْ زَوَّجْتُك بِنْتِي فُلَانَةَ فَقَبِلَ فَجَاءَ فُلَانٌ لَا يَنْعَقِدُ، وَكَذَا تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا إلْزَامٌ. وَاَلَّذِي يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ مَا هُوَ إسْقَاطٌ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَوْ الْتِزَامٌ كَالنَّذْرِ، إلَّا التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ إذَا أَبْطَلَ مَنْ لَهُ الْمَشِيئَةُ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى مَا فِي التَّجْنِيسِ. فِي رَمْزِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَغَيْرِهَا: إذَا قَالَ تَزَوَّجْتُك إنْ شِئْت أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَأَبْطَلَ صَاحِبُ الْمَشِيئَةِ مَشِيئَتَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ، لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ إذَا بَطَلَتْ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ نِكَاحًا بِغَيْرِ مَشِيئَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي السَّلَمِ إذَا بَطَلَ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ السَّلَمُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ إذَا بَدَأَتْ الْمَرْأَةُ، أَمَّا إذَا بَدَأَ الزَّوْجُ فَقَالَ تَزَوَّجْتُك إنْ شِئْت ثُمَّ قَبِلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إبْطَالِ الْمَشِيئَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَبُولَ مَشِيئَةٌ اهـ.
وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى أَنَّ مَا مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ هُوَ الْقَبُولُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ. وَمَا مِنْ جَانِبِ الرَّجُلِ إيجَابٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْأَوَّلَ إيجَابٌ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ، وَالثَّانِيَ قَبُولٌ كَذَلِكَ وَلِعَدَمِ جَوَازِ تَعْلِيقِهِ بِالْخَطَرِ امْتَنَعَ خِيَارُ الشَّرْطِ فِيهِ فَيَبْطُلُ، كَمَا لَوْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فَقَبِلَتْ صَحَّ وَلَا خِيَارَ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ رَضِيَ أَبِي لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ مَنْ خُطِبَتْ إلَيْهِ ابْنَتَهُ فَقَالَ زَوَّجْتهَا فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْخَاطِبُ فَقَالَ إنْ لَمْ أَكُنْ زَوَّجْتهَا مِنْ فُلَانٍ فَقَدْ زَوَّجْتهَا مِنْك فَقَبِلَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَوَّجَهَا حَيْثُ يَنْعَقِدُ
[ ٣ / ١٩٨ ]
قَالَ (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ مُسْلِمَيْنِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ أَوْ مَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ دُونَ الشَّهَادَةِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ
النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ لِلْحَالِ وَمِثْلُهُ تَحْقِيقٌ، كَذَا أَجَابَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَسَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ فِي بَابِ الْمَهْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
التَّاسِعُ: إذَا وَصَلَ الْإِيجَابَ بِتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ كَانَ مِنْ تَمَامِهِ، حَتَّى لَوْ قَبِلَ الْآخَرُ قَبْلَهُ لَا يَصِحُّ، كَامْرَأَةٍ قَالَتْ لِرَجُلٍ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَبِلَ أَنْ تَقُولَ بِمِائَةِ دِينَارٍ قَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَنْعَقِدُ، لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ، وَهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ مُجَرَّدَ زَوَّجْت يَنْعَقِدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَذِكْرُ الْمُسَمَّى مَعَهُ يُغَيِّرُ ذَلِكَ إلَى تَعْيِينِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَعْمَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ قَبْلَهُ.
الْعَاشِرُ: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ مِنْ الْهَازِلِ وَتَلْزَمُ مَوَاجِبُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَجَعَلَ الْعِتْقَ بَدَلَ الرَّجْعَةِ وَكَذَا يَنْعَقِدُ مِنْ الْمُكْرَهِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ إلَخْ) احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إذْ سَيَأْتِي أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ الشُّهُودِ صَحِيحَةٌ إذَا كَانُوا يَدِينُونَ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ بِحُضُورٍ لَا يُوجِبُ السَّمَاعَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ، وَنُقِلَ عَنْ أَبْوَابِ الْأَمَانِ مِنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا، وَعَلَى هَذَا جَوَّزُوهُ بِالْأَصَمَّيْنِ وَالنَّائِمَيْنِ، وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُ السَّمَاعِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحُضُورِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ. أَمَّا اشْتِرَاطُ الشَّهَادَةِ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ دُونَ الْإِشْهَادِ) وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ: اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا زَادَ ذِكْرَ الْإِعْلَانِ تَتْمِيمًا لِنَقْلِ مَذْهَبِهِ.
وَنَفَى اشْتِرَاطَ الشَّهَادَةِ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ.
قِيلَ وَزَوَّجَ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَكَذَا فَعَلَ الْحَسَنُ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ الْبَغَايَا اللَّاتِي يَنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ شُهُودٍ» وَلَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي التَّفْسِيرِ، وَوَقَفَهُ فِي الطَّلَاقِ، لَكِنَّ ابْنَ حِبَّانَ رَوَى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرُ هَذَا، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: إنَّ حَدِيثَ الشُّهُودِ مَشْهُورٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِهِ:
[ ٣ / ١٩٩ ]
الْحُرِّيَّةِ فِيهَا لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ بِدُونِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِسْلَامِ فِي أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ،
أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الْآيَةَ، فَيَنْدَفِعُ بِهِ الْإِيرَادُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ لُزُومُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ أَوْ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَجَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ خَصَّ مِنْهُ الْمُحَرَّمَاتِ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثَانِيًا، وَلَوْ عَدَلَ إلَى النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْآخَرَ مَخْصُوصٌ بِالْمُشْرِكَةِ وَنَحْوِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَشَايِخَ ﵏ نَصَبُوا الْخِلَافَ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْإِعْلَانِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِمَالِكٍ فِي إثْبَاتِهِ بِالْمَنْقُولِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْهُ ﷺ «أَعْلِنُوا بِالنِّكَاحِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ حَرَامَ هَذَا الْفِعْلِ يَكُونُ سِرًّا فَضِدُّهُ يَكُونُ جَهْرًا لِتَنْتَفِي التُّهْمَةُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا نَصْبٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ أَجْوِبَتِهِمْ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ كَلِمَتَهُمْ قَاطِبَةٌ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِمُوجِبِ دَلَائِلِ الْإِعْلَانِ وَادِّعَاءِ الْعَمَلِ بِهَا بِاشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ إذْ بِهِ يَحْصُلُ الْإِعْلَانُ، وَكَلَامُ الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا كَانَ الْإِظْهَارُ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا هُوَ طَرِيقُ الظُّهُورِ شَرْعًا وَذَلِكَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّهُ مَعَ شَهَادَتِهِمَا لَا يَبْقَى سِرًّا. وَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ: نِكَاحُ السِّرِّ مَا لَمْ يَحْضُرْهُ شُهُودٌ، فَإِذَا حَضَرُوا فَقَدْ أُعْلِنَ قَالَ: وَسِرُّك مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍ وَسِرُّ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ الْخَفِيِّ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْإِعْلَانَ الْمُشْتَرَطَ هَلْ يَحْصُلُ بِالْإِشْهَادِ حَتَّى لَا يَضُرَّ بَعْدَهُ تَوْصِيَتُهُ لِلشُّهُودِ بِالْكِتْمَانِ إذْ لَا يَضُرُّ بَعْدَ الْإِعْلَانِ التَّوْصِيَةُ بِالْكِتْمَانِ أَوْ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْإِشْهَادِ حَتَّى يَضُرَّ، فَقُلْنَا نَعَمْ وَقَالُوا لَا. وَلَوْ أُعْلِنَ بِدُونِ الْإِشْهَادِ لَا يَصِحُّ لِتَخَلُّفِ شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِشْهَادُ وَعِنْدَهُ يَصِحُّ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ شَرْطَ الْإِشْهَادِ يَحْصُلُ فِي ضِمْنِهِ الشَّرْطُ الْآخَرُ، فَكُلُّ إشْهَادٍ إعْلَانٌ وَلَا يَنْعَكِسُ، كَمَا لَوْ أَعْلَنُوا بِحَضْرَةِ صَبِيَّانِ أَوْ عَبِيدٍ
(قَوْلُهُ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ) يَعْنِي الْقَاصِرَةَ وَهِيَ وِلَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا التَّامَّةَ وَهِيَ نَفَاذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّ تِلْكَ يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْأَدَاءُ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمَجْنُونِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْأَدَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ وَالشَّهَادَةُ فَرْعُهَا لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً وَلِذَا جَازَتْ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ لِوِلَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ كَالْقِنِّ لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمْ. وَلَوْ حَضَرَ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ لِلْعَقْدِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَاحْتِيجَ إلَى الْأَدَاءِ لِجَحْدِ النِّكَاحِ فَشَهِدَا بِهِ دُونَ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِمَّنْ كَانَ الْعَقْدُ بِحُضُورِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صِحَّةُ الْعَقْدِ كَانَتْ بِحُضُورِهِمَا.
هَذَا وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ جَوَازُ شَهَادَةِ الْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَاسْتُبْعِدَ نَفْيُهَا لِأَنَّهُ لَا كِتَابَ وَلَا سُنَّةَ وَلَا إجْمَاعَ فِي نَفْيِهَا. وَحُكِيَ عَنْ
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وَلَا يُشْتَرَطُ وَصْفُ الذُّكُورَةِ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحُضُورِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَسَتَعْرِفُ فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحَضْرَةِ الْفَاسِقَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ وَالْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ،
أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْت أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقْبَلُهَا عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ لَا تُقْبَلُ هُنَا، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ. وَاَلَّذِي ذُكِرَ مِنْ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ مِمَّا يُمْنَعُ فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ عَقْلًا بَيْنَ تَصْدِيقِ مُخْبِرٍ فِي إخْبَارِهِ بِمَا شَاهَدَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ عَدْلًا تَقِيًّا وَبَيْنَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكِ الْمَنَافِعِ وَلَا شَرْعًا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَلَى عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالرِّقِّ وَيُقْبَلُ إخْبَارُهُ؟ كَيْفَ وَلَيْسَ الشَّرْطُ هُنَا كَوْنُ الشَّاهِدِ مِمَّنْ يُقْبَلُ أَدَاؤُهُ، وَلِذَا جَازَ بِعَدْوَى الزَّوْجَيْنِ وَلَا أَدَاءَ لَهُمَا، وَغَايَةُ مَا يُلْمَحُ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ وِلَايَةً عَلَى نَفْسِهِ شَرْعًا وَلَمْ يُصَحِّحْ لَهُ التَّصَرُّفَ اُلْتُحِقَ بِالْجَمَادَاتِ فِي حَقِّ الْعُقُودِ وَنَحْوِهَا فَكَانَ حُضُورُهُ كَلَا حُضُورٍ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يُعْقَدُ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدُ لَا يُدْعَوْنَ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ عَادَةً فَكَانَ حُضُورُهُمَا كَلَا حُضُورٍ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ لِإِظْهَارِ الْخَطَرِ وَلَا خَطَرَ فِي إحْضَارِ مُجَرَّدِ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ، وَكَذَا أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٌ عَنْ الرِّجَالِ، فَشَمِلَ هَذَا الْوَجْهَ نَفْيَ شَهَادَةِ الْكُلِّ.
وَعَلَى اعْتِبَارِهِ الْأَوْلَى أَنْ يَنْفِيَ شَهَادَةَ السَّكَارَى حَالِ سُكْرِهِمْ وَعَرْبَدَتِهِمْ وَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ يَذْكُرُونَهَا بَعْدَ الصَّحْوِ، وَهَذَا الَّذِي أَدَّيْنَ اللَّهَ بِهِ
(قَوْلُهُ وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحَضْرَةِ الْفَاسِقِينَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. لَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ) حَقِيقَتُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا شُرِطَتْ إظْهَارًا لِلْخَطَرِ وَهُوَ مَعْنَى التَّكَرُّمَةِ (وَالْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ) فَلَا تَكَرُّمَةَ وَلَا تَعْظِيمَ لِلْعَقْدِ بِإِحْضَارِهِ. عَارَضَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَنَا أَنَّهُ) أَيْ الْفَاسِقُ (مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) تَحْلِيلُهُ مِنْ شَرْطِيَّةٍ وُضِعَ فِيهَا الْمُقَدَّمُ أَسْهَلُ مِنْ تَحْلِيلِهِ مِنْ اقْتِرَانِيٍّ كَمَا سَلَكَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فَأَطَالَ: أَيْ لَمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَهَذِهِ دَعْوَى مُلَازَمَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ الْوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ إلَخْ مُلَازَمَةٌ أُخْرَى لِبَيَانِ الْمُلَازَمَةِ الْأُولَى فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ كَالْأُولَى فَعَلَّلَهَا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ: أَيْ لِأَنَّ الْغَيْرَ مِنْ جِنْسِ الْفَاسِقِ وَيَجُوزُ قَلْبُهُ.
وَفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ لِبَعْضِهِمْ بَعِيدٌ مِنْ اللَّفْظِ. وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَحْكَامَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ مُتَّحِدَةٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ خِطَابَاتِ الْأَحْكَامِ
[ ٣ / ٢٠١ ]
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ الْوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِإِسْلَامِهِ لَا يُحَرِّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَلِأَنَّهُ صَلُحَ مُقَلَّدًا فَيَصْلُحُ مُقَلِّدًا وَكَذَا شَاهِدًا. وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا، وَإِنَّمَا الْفَائِتُ ثَمَرَةُ الْأَدَاءِ بِالنَّهْيِ لِجَرِيمَتِهِ فَلَا يُبَالِي بِفَوَاتِهِ كَمَا
مَا يَتَعَلَّقُ بِمِثْلِهِ فَلَمَّا لَمْ يُحْرِمْ الشَّارِعُ الْفَاسِقَ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ شَرْعًا فِسْقَهُ سَالِبًا لِأَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ مُطْلَقًا فَجَازَ ثُبُوتُهَا عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ كَنَفْسِهِ، إلَّا أَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى غَيْرِهِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِرِضَاهُ وَذَلِكَ بِتَوْلِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَشْهَدَهُ فَقَدْ اسْتَوْلَاهُ وَرَضِيَ بِهِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَهُوَ صِحَّةُ سَمَاعِهِ عَلَيْهِ كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ سَمَاعُهُ لِأَحَدِ شَطْرَيْ مَا يَعْقِدُهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَمُجَرَّدُ السَّمَاعِ هُوَ الشَّرْطُ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهِ: أَيْ سَمَاعُهُ.
أَمَّا الْأَدَاءُ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ إجَازَةُ الْقَاضِي. وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت هَذَا الْوَجْهَ ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى اقْتِضَاءِ تَجْوِيزِ كَوْنِ الْفَاسِقِ شَاهِدًا فَتَثْبُتُ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ النَّافِي. وَالْوَجْهُ السَّابِقُ مِنْ اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ لِإِظْهَارِ تَعْظِيمِ الْعَقْدِ وَتَعْظِيمِ الْمَحَلِّ الْوَارِدِ هُوَ عَلَيْهِ يَنْفِيهِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إحْضَارِ الْفَاسِقِ لَيْسَ بِتَكَرُّمَةٍ. وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ إنَّمَا يَنْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إحْضَارِ الْفُسَّاقِ حَالَ سُكْرِهِمْ عَلَى مَا فَرَّعُوا مِنْ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ بِحَضْرَةِ سُكَارَى يَفْهَمُونَ كَلَامَ الْعَاقِدَيْنِ جَازَ وَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ يَنْسَوْنَهُ إذَا صَحُّوا وَهُوَ الَّذِي دَنَا بِهِ آنِفًا.
أَمَّا مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ فَاسِقًا وَلَهُ مُرُوءَةٌ وَحِشْمَةٌ فَإِنَّ إحْضَارَهُ لِلشَّهَادَةِ لَا يُنَافِيهِ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ، فَالْحَقُّ صِحَّةُ الْعَقْدِ بِحَضْرَةِ فُسَّاقٍ لَا فِي حَالِ فِسْقِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ صَلُحَ مُقَلِّدًا) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ.
وَجْهٌ ثَانٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صِحَّةِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ فِي النِّكَاحِ وَهُوَ أَنَّهُ صَلُحَ مُقَلِّدًا: أَيْ سُلْطَانًا وَخَلِيفَةً (فَيَصْلُحُ مُقَلَّدًا) بِفَتْحِ اللَّامِ: أَيْ قَاضِيًا (وَكَذَا شَاهِدًا) بِالْوَاوِ فِي نُسَخٍ وَبِالْفَاءِ فِي نُسَخٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ مُلَازَمَةٌ
[ ٣ / ٢٠٢ ]
فِي شَهَادَةِ الْعُمْيَانِ وَابْنَيْ الْعَاقِدَيْنِ.
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ السَّمَاعَ فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ وَلَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ
وَاحِدَةٌ.
حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَمَّا صَلُحَ لِلْوِلَايَةِ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ أَعَمُّ ضَرَرًا وَنَفْعًا صَلُحَ لِلصُّغْرَى الَّتِي هِيَ الْأَقَلُّ وَهِيَ الْقَضَاءُ وَالشَّهَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. بَيَانُ الِاسْتِثْنَائِيَّة الْمُقَدَّرَةِ الْمُسْتَغْنَى عَنْ إظْهَارِهَا بِلَفْظَةِ لَمَّا فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى وَضْعِ الْمُقَدَّمِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَلَّمَا خَلَوْا مِنْ فِسْقٍ مَعَ عَدَمِ إنْكَارِ السَّلَفِ وَلَا يُتَّهَمُ وَتَصْحِيحِ تَقْلِيدِهِمْ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَعَلَى الثَّانِي مُلَازَمَتَانِ بَيْنَ صَلَاحِيَةِ الْكُبْرَى وَصَلَاحِيَةِ الْقَضَاءِ وَبَيْنَ صَلَاحِيَةِ الْقَضَاءِ وَصَلَاحِيَةِ الشَّهَادَةِ، وَالْأَوَّلُ سَبَبٌ لِلثَّانِي فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. فَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ حَيْثُ قَالَ لَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْقَاضِي حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي الْمُولَى شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَكَذَا شَاهِدًا عَطْفٌ عَلَى مُقَلِّدًا بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِنْ تَخَلَّلَ مَعْطُوفٌ غَيْرُهُ كَعَمْرٍو مِنْ قَوْلِك جَاءَ زَيْدٌ وَبَكْرٌ وَعَمْرٌو عُطِفَ عَلَى زَيْدٍ لَا بَكْرٍ، وَمُسَبَّبِيَّتُهُ عَنْهُ ظَاهِرَةٌ وَلَا مُنَاقَضَةَ حِينَئِذٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ كُلٍّ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا فِي جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو فَبَكْرٌ.
[فَرْعٌ]
فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ: لِلْقَاضِي أَنْ يَبْعَثَ إلَى شَفْعَوِيٍّ لِيُبْطِلَ الْعَقْدَ إذَا كَانَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَبَعَثَ إلَى شَافِعِيٍّ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ بِغَيْرِ مُحَلِّلٍ ثُمَّ يَقْضِي بِالصِّحَّةِ، وَبُطْلَانُ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْقَاضِي الْكَاتِبَ وَلَا الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ شَيْئًا وَلَا يَظْهَرُ بِهَذَا حُرْمَةُ الْوَطْءِ السَّابِقِ وَلَا شُبْهَةَ وَلَا خَبَثَ فِي الْوَلَدِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ: لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَى شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ إلَّا فِي الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ، أَمَّا لَوْ فَعَلُوا فَقَضَى يَنْفُذُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ السَّمَاعَ فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ وَلَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ) يُنْتَجُ لَا سَمَاعَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَكِنَّهُ عَدَلَ فِي النَّتِيجَةِ إلَى التَّشْبِيهِ فَقَالَ: فَصَارَ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ النَّتِيجَةِ نَفْيُ السَّمَاعِ الْمُعْتَبَرِ لَا نَفْيُ حَقِيقَتِهِ، وَإِذَا انْتَفَى الِاعْتِبَارُ صَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَصَحَّ تَشْبِيهُ السَّمَاعِ بِعَدَمِهِ عَلَى مَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الْمُسْلِمِ، وَتَمَامُ هَذَا الدَّلِيلِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنَّ صُغْرَى الْقِيَاسِ مُنْعَكِسَةٌ كَنَفْسِهَا فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَادَّةِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ نَفْيُ الشَّهَادَةِ لِنَفْيِ السَّمَاعِ الْمُعْتَبَرِ، فَلَوْ أَنَّ الشَّهَادَةَ مُجَرَّدُ الْحُضُورِ كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ الْقُدُورِيِّ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مِمَّنْ قَالَ بِهِ السُّغْدِيُّ والإسبيجابي لَمْ يَتِمَّ.
وَنَصَّ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى اشْتِرَاطِ السَّمَاعِ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْحُضُورِ فَلَا يَجُوزُ بِالْأَصَمَّيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَعَنْ اشْتِرَاطِ السَّمَاعِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّزَوُّجِ بِالْكِتَابَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الشُّهُودِ مَا فِي الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخُطْبَةِ بِأَنْ تَقْرَأَهُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ سَمَاعِهِمْ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِأَنْ تَقُولَ: إنَّ فُلَانًا كَتَبَ إلَيَّ يَخْطُبُنِي ثُمَّ تُشْهِدَهُمْ أَنَّهَا زَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا، أَمَّا لَوْ لَمْ تَزِدْ عَلَى الثَّانِي لَا يَصِحُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُرُوعِ. وَلَقَدْ أُبْعِدَ عَنْ
[ ٣ / ٢٠٣ ]
فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الْمُسْلِمِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِوُرُودِهِ عَلَى مَحَلِّ ذِي خَطَرٍ لَا عَلَى اعْتِبَارِ وُجُوبِ الْمَهْرِ إذْ لَا شَهَادَةَ تُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْمَالِ وَهُمَا شَاهِدَانِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْعَقْدَ
الْفِقْهِ وَعَنْ الْحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْ زَادَ النَّائِمِينَ وَنَصَّ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَهُمَا ثُمَّ الشَّرْطُ أَنْ يَسْمَعَا مَعًا كَلَامَهُمَا مَعَ الْفَهْمِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَذُكِرَ فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ، قَالَ وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ اهـ. إذْ لَوْ سَمِعَ أَحَدُ الشُّهُودِ ثُمَّ أُعِيدَ عَلَى الْآخَرِ فَسَمِعَهُ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ الثَّابِتُ عَلَى كُلِّ عَقْدٍ سِوَى شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِهِمَا مَعًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ تَزَوَّجَهَا بِحَضْرَةِ هِنْدِيَّيْنِ لَمْ يَفْهَمَا لَمْ يَجُزْ. وَعَنْهُ: إنْ أَمْكَنَهُمَا أَنْ يُعَبِّرَا مَا سَمِعَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَحَكَى فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ خِلَافًا فِيهِ وَجَعَلَ الظَّاهِرَ عَدَمَ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ) أَيْ مِلْكَهُ عَلَيْهَا (لِوُرُودِهِ عَلَى حَمْلِ ذِي خَطَرِ) وَهُوَ بُضْعُ أُنْثَى لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ مُحَلَّلَةً مِنْ بَنَاتِ آدَمَ عَلَى وَجْهٍ يُقْصِرُهَا عَلَى نَفْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ حَاجَاتِهِ مِنْهَا وَهَذِهِ مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ، وَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِاشْتِرَاطِ إحْضَارِ السَّامِعِينَ الْعُقَلَاءِ إظْهَارًا لِتَعْظِيمِ هَذَا الْعَقْدِ لِيَقَعَ فِي مَحْفِلٍ مِنْ الْمَحَافِلِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ بِإِيجَابِ الْمَالِ عَلَيْهِ دُونَهَا مَعَ أَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ مُشْتَرَكٌ.
فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الشَّهَادَةِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ لَيْسَ لِمِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا التَّمَتُّعُ بِكُلٍّ وَإِلَّا لَمْ يَخْتَصَّ بِلُزُومِهِ وَلَا عَلَى اعْتِبَار وُجُوبِ الْمَهْرِ لَهَا عَلَيْهِ لِيَكُونَا شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ، إذْ لَا شَهَادَةَ تُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْمَالِ فِيمَا عُهِدَ مِنْ تَقْرِيرَاتِ الشَّرْعِ فِي مَوْضِعٍ، وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ مِلْكِهِمَا الِازْدِوَاجُ الْمُشْتَرَكُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَبَعًا لِمِلْكِ الْبُضْعِ وَلَا تُشْتَرَطُ لِلتَّوَابِعِ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِشْهَادُ عَلَى شِرَاءِ الْأَمَةِ لِلْوَطْءِ فَإِنَّ مِلْكَهُ مِنْ تَوَابِعِ مِلْكِ رَقَبَتِهَا.
وَإِذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا كَانَا شَاهِدَيْنِ عَلَيْهَا وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ فَيَجُوزُ بِذِمِّيِّينَ فَإِنَّهُ إظْهَارُ خَطَرٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا شَرْعًا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَا ذِمِّيِّينَ حَكَمَ الشَّرْعُ بِصِحَّتِهِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَا بَقِيَ عَلَى الصِّحَّةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الزَّوْجِ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ اُشْتُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَالْعَقْدُ يَقُومُ
[ ٣ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِهِمَا. هَذَا وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهَا إذَا أَنْكَرَتْ لَا عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَا كَانَ مَعَنَا مُسْلِمَانِ.
وَعَنْهُ لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا لِإِثْبَاتِهَا فِعْلِ الْمُسْلِمِ وَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا. وَلَوْ أَسْلَمَا ثُمَّ أَدَّيَا تُقْبَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ سَمَاعَهُمَا كَلَامِ الْمُسْلِمِ مُعْتَبَرٌ وَامْتِنَاعُ الْأَدَاءِ لِلْكُفْرِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ إلَّا إذَا قَالَا كَانَا مَعَنَا مُسْلِمَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ.
وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدَانِ ابْنَيْهَا قُبِلَا عَلَيْهَا فَقَطْ، أَوْ ابْنَيْهِ فَعَلَيْهِ فَقَطْ أَوْ ابْنَيْهِمَا فَلَا يُقْبَلَانِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ أَوْ أَخْرَسَيْنِ سَمِيعَيْنِ حَيْثُ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِمَا وَلَا أَدَاءَ لَهُمَا لِعَدَمِ الْبَصَرِ وَالتَّكَلُّمِ، وَالْعُدْوَانِ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَعَدُوُّهُ يُقْبَلَانِ عَلَيْهَا لَا عَلَيْهِ، وَعَدُوَّاهَا يُقْبَلَانِ عَلَيْهِ لَا عَلَيْهَا، وَعَدُوَّاهُمَا لَا يُقْبَلَانِ مُطْلَقًا.
أَمَّا الِانْعِقَادُ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْأَوْلَادِ وَالْأَعْدَاءِ كَيْفَ كَانُوا، وَأَمَّا الْأَخَوَانِ بِأَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ بِشَهَادَةِ ابْنَيْهِ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَادَّعَاهُ الْأَبُ وَالْبِنْتُ كَبِيرَةٌ أَوْ الْمَرْأَةُ فَشَهِدَ لَا تُقْبَلُ. وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي وَالْمَرْأَةُ مُنْكِرَةٌ أَوْ الْأَبُ قُبِلَتْ، هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي الْأَبَ أَوْ الْمَرْأَةَ أَيْضًا.
وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدَّعِيهِ الْأَبُ فَشَهَادَتُهُمَا فِيهِ بَاطِلَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ لِشُبْهَةِ الْأُبُوَّةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِثُبُوتِ مَنْفَعَةِ نَفَاذِ كَلَامِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ شَيْءٍ لِلْأَبِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ جَحْدًا وَادِّعَاءً، فَشَهَادَةُ ابْنَيْهِ فِيهِ بَاطِلَةٌ، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ وَلِيَهُ مِمَّا يَكُونُ خَصْمًا فِيهِ كَالْبَيْعِ وَنَظَائِرِهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَنْفَعَةَ نَفَاذِ الْقَوْلِ مَنْفَعَةً، وَلَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ صَغِيرَةً لَا تُقْبَلُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا لِلْأَبِ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ فِي تَفْسِيرِهِ: يُرِيدُ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَبْطُلُ فِي حَالِ ادِّعَائِهِ مِنْ طَرِيقِ التُّهْمَةِ، وَكَذَا فِي حَالِ جُحُودِهِ لِوُقُوعِهَا لِغَيْرِ خَصْمٍ يَدَّعِي اهـ.
وَفَسَّرَ فِي الْمَبْسُوطِ جُحُودَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ جُحُودِهِ إنْ كَانَ الْآخَرُ جَاحِدًا أَيْضًا لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ الدَّعْوَى، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْآخَرُ مُدَّعِيًا فَمَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ مَنْفَعَةٌ فِيهَا كَمَا إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِبَيْعِ مَا يُسَاوِي مِائَةً بِأَلْفٍ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِلْأَبِ فَلَا تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ كَلَّمَك فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَشَهِدَ ابْنَا فُلَانٍ أَنَّ أَبَاهُمَا كَلَّمَهُ جَازَتْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ جَاحِدًا أَوْ مُدَّعِيًا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا.
وَلَوْ زَوَّجَ الرَّجُلُ بِنْتَه ثُمَّ شَهِدَ مَعَ أَخِيهَا عَلَيْهَا بِالرِّضَا وَهِيَ تُنْكِرُ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ مُطْلَقًا لَا تُقْبَلُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا هُوَ فِيهِ خَصْمٌ أَوْ لَا
[فَرْعَانِ]
لَوْ أَقَرَّ بِالنِّكَاحِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا إنْ سَمَّيَا الْمَهْرَ يَنْعَقِدُ نِكَاحًا مُبْتَدَأً كَذَا فِي الدِّرَايَةِ. وَقَدَّمْنَا أَنَّهُمَا إذَا أَقَرَّا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا إنْ قَالَ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَقَالَا نَعَمْ فَيَنْعَقِدُ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِالْجَعْلِ.
قَالَ قَاضِي خَانْ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ أَقَرَّا بِعَقْدٍ مَاضٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَقْدٌ لَا يَكُونُ نِكَاحًا. وَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهُ زَوْجُهَا وَهُوَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ يَكُونُ نِكَاحًا وَيَتَضَمَّنُ إقْرَارُهُمَا الْإِنْشَاءَ، بِخِلَافِ إقْرَارِهِمَا بِمَاضٍ لِأَنَّهُ كَذِبٌ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَسْت لِي امْرَأَةٌ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ يَقَعُ كَأَنَّهُ قَالَ لِأَنِّي طَلَّقْتُك. وَلَوْ قَالَ لَمْ أَكُنْ تَزَوَّجْتهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ اهـ.
يَعْنِي إذَا لَمْ يَقُلْ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا وَالْحَقُّ هَذَا التَّفْصِيلُ.
وَفِي الْفَتَاوَى: بَعَثَ أَقْوَامًا لِلْخُطْبَةِ فَزَوَّجَهَا الْأَبُ بِحَضْرَتِهِمْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ وَإِنْ قَبِلَ عَنْ الزَّوْجِ إنْسَانٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شُهُودٍ لِأَنَّ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ خَاطِبُونَ مَنْ تَكَلَّمَ وَمَنْ لَا، لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ هَكَذَا أَنْ يَتَكَلَّمَ وَاحِدٌ وَيَسْكُتَ الْبَاقُونَ وَالْخَاطِبُ لَا يَصِيرُ شَاهِدًا. وَقِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي جَعْلِ الْكُلِّ خَاطِبًا فَيَجْعَلَ الْمُتَكَلِّمَ خَاطِبًا فَقَطْ وَالْبَاقِي شُهُودٌ
[ ٣ / ٢٠٥ ]
يَنْعَقِدُ بِكَلَامِهِمَا وَالشَّهَادَةُ شُرِطَتْ عَلَى الْعَقْدِ.
قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَزَوَّجَهَا وَالْأَبُ حَاضِرٌ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ سِوَاهُمَا جَازَ النِّكَاحُ) لِأَنَّ الْأَبَ يُجْعَلُ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا فَيَبْقَى الْمُزَوِّجُ شَاهِدًا (وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْمَجْلِسَ مُخْتَلِفٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَجْعَلَ الْأَبَ مُبَاشِرًا، وَعَلَى هَذَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ بِمَحْضَرِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لَمْ يَجُزْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَزَوَّجَهَا وَالْأَبُ حَاضِرٌ بِحَضْرَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ جَازَ النِّكَاحُ) وَكَذَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ بِحُضُورِهَا مَعَ وَاحِدٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ وَكِيلُ الْمَرْأَةِ بِحُضُورِهَا مَعَ امْرَأَتَيْنِ جَازَ النِّكَاحُ. ثُمَّ إنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُزَوِّجِ إذَا لَمْ يَقُلْ أَنَا زَوَّجْتهَا بَلْ يَقُولُ هَذِهِ زَوْجَةُ هَذَا، وَإِنَّمَا صَحَّ بِحُضُورِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ يَنْقُلُ عِبَارَةَ الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا كَانَ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهُ حَاضِرًا وَالْفَرْضُ أَنَّ الْعِبَارَةَ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ كَانَ مُبَاشِرًا لِأَنَّ الْعِبَارَةَ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَجْلِسِ وَلَيْسَ الْمُبَاشِرُ سِوَى هَذَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا لِأَنَّ انْتِقَالَ الْعِبَارَةِ إلَيْهِ حَالَ عَدَمِ الْحُضُورِ لَا يَصِيرُ بِهِ مُبَاشِرًا لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِهِ الْحُضُورِ ضَرُورَةً فَيَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى عَدَمِ رُجُوعِ الْحُقُوقِ إلَى الْوَكِيلِ، وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَ وَكِيلُ السَّيِّدِ الْعَبْدَ بِحُضُورِهِ مَعَ آخَرَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا تَنْتَقِلُ إلَى مُقَيِّدِ الْوِلَايَةِ وَهُوَ السَّيِّدُ وَهُوَ غَائِبٌ.
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّ إنْزَالَهُ مُبَاشِرًا مَعَ حُضُورِهِ جَبْرِيٌّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْحَاجَةِ إلَى اعْتِبَارِهِ. فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ مِنْ أَنَّهُ تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَإِنَّ الْأَبَ يَصْلُحُ شَاهِدًا فَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِهِ مُبَاشِرًا إلَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الْكِتَابِ، وَهِيَ مَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ بِنْتَه الْبَالِغَةَ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ شَاهِدَةً عَلَى نَفْسِهَا فَأُنْزِلَتْ مُبَاشِرَةً ضَرُورَةَ التَّصْحِيحِ، وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ فِي التَّزَوُّجِ فَعَقَدَا بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ مَعَ السَّيِّدِ قِيلَ لَا يَجُوزُ لِلِانْتِقَالِ إلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُمَا وَكِيلَانِ عَنْهُ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ كَوْنِهِمَا وَكِيلَيْنِ لِأَنَّ الْإِذْنَ فَكَّ الْحَجْرَ عَنْهُمَا فَيَتَصَرَّفَانِ بَعْدَهُ بِأَهْلِيَّتِهِمَا لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ.
وَمِمَّا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلِ السَّيِّدِ يَظْهَرُ أَنَّ ثُبُوتَ الصِّحَّةِ فِيمَا
[ ٣ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ بِحُضُورِهِمَا مَعَ شَاهِدٍ مَحَلُّ نَظَرٍ، لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ السَّيِّدِ لَيْسَ فَكًّا لِلْحَجْرِ عَنْهُمَا فِي التَّزَوُّجِ مُطْلَقًا وَإِلَّا لَصَحَّ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلِهِ وَلِذَا خَالَفَ فِي صِحَّتِهَا الْمَرْغِينَانِيُّ، قَالَ: وَقَالَ أُسْتَاذِي: فِيهِمَا رِوَايَتَانِ: أَيْ فِي وَكِيلِ السَّيِّدِ وَالسَّيِّدَةِ
[فُرُوعٌ]
إذَا جَحَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ النِّكَاحَ فَإِمَّا أَصْلُهُ أَوْ شَرْطُهُ؛ فَفِي أَصْلِهِ لَوْ جَحَدَهُ الزَّوْجُ فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً بِهِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِ قُبِلَتْ وَلَا يَكُونُ جُحُودُهُ طَلَاقًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ يُنْقِصُ الْعَدَدَ وَبِارْتِفَاعِ أَصْلِ النِّكَاحِ لَا نَقْصَ. وَأَمَّا إنْكَارُ الشَّرْطِ كَإِنْكَارِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُنْكِرَةُ بِأَنْ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي بِلَا شُهُودٍ وَقَالَ الزَّوْجُ بِشُهُودٍ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقَائِلُ ذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِإِقْرَارِهِ بِالْحُرْمَةِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ كَالْفِرْيَةِ مِنْ قِبَلِهِ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِلَّا فَكُلُّهُ وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ إنْكَارِهِ أَصْلِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ كَذَّبَهُ بِالْحُجَّةِ فِي زَعْمِهِ فَلَا يَبْقَى زَعْمُهُ مُعْتَبَرًا، وَهُنَا مَا كَذَّبَهُ فِي زَعْمِهِ بِحُجَّةٍ وَلَكِنْ رَجَحَ قَوْلُهَا لِمَعْنًى هُوَ أَنَّ الشَّرْطَ تَبَعٌ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَصْلِ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَصْلِ اتِّفَاقٌ عَلَى التَّبَعِ فَالْمُنْكِرُ لَهُ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ عَلَى الْأَصْلِ كَالرَّاجِعِ عَنْهُ فَيَبْقَى زَعْمُهُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ تَزَوَّجْتهَا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ أُخْتُهَا عِنْدِي أَوْ وَلَهَا زَوْجٌ أَوْ أَمَةٌ بِلَا إذْنٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِعَ كُلَّهَا فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ وَالْمُحَالُ فِي حُكْمِ الشُّرُوطِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فِي صِغَرِهِ بِمُبَاشَرَتِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِأَصْلِ النِّكَاحِ مَعْنًى، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ مِنْهُمَا هُنَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمَهْرُ الْمِثْلِ لِلدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ مَوْقُوفٍ، وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَهُوَ رِضًا بِذَلِكَ النِّكَاحِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ لَوْ أَجَازَ الْعَقْدَ الَّذِي عَقَدَ لَهُ قَبْلَهُ جَازَ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ الدُّخُولِ إجَازَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الْقَائِلَةُ تَزَوَّجَنِي وَأَنَا مُعْتَدَّةٌ وَمَا بَعْدَهَا إلَى آخِرِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهُوَ يُنْكِرُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ لِمَا قُلْنَا فِي الشَّهَادَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ وَآخِرَ الْيَوْمِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ النِّكَاحَ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا فَمِنْ شَرَائِطِهِ مَا هُوَ فِعْلٌ وَهُوَ الْحُضُورُ، فَكَانَ كَالْأَفْعَالِ فِي الِاخْتِلَافِ، وَاخْتِلَافُ الشُّهُودِ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فِي الْأَفْعَالِ يَمْنَعُ الْقَبُولَ، وَلِأَنَّ كُلًّا شَهِدَ بِعَقْدٍ حَضَرَهُ وَاحِدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٣ / ٢٠٧ ]