﷽
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، الذي أرسله الله بالهدى والنور المبين، القائل "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وعلى آله وأصحابه الذين تلقوا عنه القرآن الكريم والسنة من الأحاديث النبوية والأحكام الشرعية، فتلقفتها عنهم. الأمة المحمدية قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، فجزاهم الله عن الأمة خيرا.
وبعد: فإن الله ﷾ وفق علماء الصحابة من لدن عصر صدر الإسلام إلى يومنا هذا إلى نقل أحكام الشريعة الإسلامية، وهداهم لفهم علومها وعلى الأخص علم الفقه، فقد كشفوا الغامض من معانيه، واستنبطوا المسائل الفقهية وبينوها للناس.
ثم جاء بعدهم علماء التابعين فنهجوا نهجهم وسلكوا مسلكهم ومنهم الأئمة المجتهدون. فقد فتحوا المغلق من معاني علم الفقه وغيره من علوم الشريعة، ورتبوا كتبها وأبوابها. وما وصل إلينا وتناقلناه هو نتيجة أبحاثهم، وقدح ذهنهم، ومنخول فكرهم، وغوصهم على عويص المسائل، والبحث عن حل رموز أسرارها، وقتلها بحثا ودرسا، من حين بداية الإسلام، وهدايتهم إلى سبيله.
فهم مصابيح الدجى، وكواكب أنوار يضيئون للناس، ويكشفون غوامض الفهم، ودقائق حكم الشريعة الغراء، يخرجون المسلمين من كل دجنة، ويبينون الناس سننا تتبع، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.
ومن أشرف ما امتاز به الإنسان العقل، ثم العلم والمعرفة اللذين ألفهما ونشرهما أبناء جنسه، والعمل على مدهم بما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والدين.
وإن ممن كرسوا حياتهم لخدمة العلم ونشره في آفاق الأرض، وبثه بين الأنام، لينهل منه الخاص والعام، خصوصا المجتمع الإسلامي والأسرة العربية، وتغذيتهم بأنواع العلوم والمعارف على كافة أنواعها؛ من: فقهية، وعربية، وعلوم حديثة. السادة أصحاب [مكتبة ومطبعة السيد مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر].
فقد طبعوا الكتب العظيمة، والمجلدات الضخمة التي لم يتسنّ لكثير من أصحاب المكتبات الأخرى طبعها، ونشروها في أنحاء المعمورة وربوعها وأصقاعها.
[ ٣ ]
فهي الآن ومن عهد بعيد تغذى بمطبوعاتها وكتبها الجميلة الطبع على اختلاف أنواعها كل تلميذ متعلم، وعالم جهبذ، وحبر نحرير.
ولا يستغنى عن مطبوعاتها كل من يريد الاطلاع على العلوم بأنواعها، ويغذي روحه ونفسه ويثقفها، ويجيل النظر في رياضها وينابيعها المتشعبة في كل المسائل.
ولقد شاءت إرادة أصحاب المكتبة المذكورة آنفا أن تقوم إن شاء الله بطبع الكتاب الذي هو كاسمه في فقه الحنفية، ألا وهو (فتح القدير على الهداية، على بداية المبتدى) الذي طبقت شهرته الآفاق، وعرفه الخاص والعام، وعليه عدّة شروح لعلماء الحنفية الأفاضل، ممن لهم باع طائل في الفقه واستنباط المسائل، وقد انتفع بتآليفهم كثير من المتعلمين والمتفقهين.
والكتاب غزير في مادته العلمية، ليس بالمعقد في تراكيبه فيجهد الذهن في فهم مسائله بل سهل العبارة؛ لا يستغنى عنه العالم في درسه، ولا المتعلم في مذاكرته وبحثه، عديم النظير في الاستدلال على أحكامه ومسائله؛ فيستدل بالقرآن تارة وبالسنة أخرى، وبإجماع الصحابة، ثم بالقياس والاستنتاج في الأشباه والنظائر من الأحكام والمسائل.
فهو جدير بأن يقتنى كتراث من العلماء الأوائل، وثروة علمية يرجع إليه إذا أشكلت النوازل وطرقت أمور حارت فيها العقول والأفهام.
وقد رتب هكذا:
١ - الهداية شرح بداية المبتدى في أعلى الصفحة.
٢ - شرح فتح القدير على الهداية أسفل منه.
٣ - شرح العناية على الهداية تحتهما .
٤ - حاشية سعد الله بن عيسى المفتى على الهداية في نهاية الصفحة.
وذلك تسهيلا على القارئ والمطلع والعالم حتى يتسنى لهم الفهم وسهولة المأخذ من كل منها من غير جهد في تصعيد النظر وتصويبه فيكل المطالع ويمل، وفقهم الله لخدمة العلم والإنسانية جمعاء، وجزاهم الله في الدارين خير الجزاء على هذا العمل الجليل الشريف.
_________________
(١) (تعليق الشاملة): هذه النسخة (الإلكترونية) مقتصرة على «فتح القدير» فقط، أما «شرح العناية»، فمنشور (في الشاملة) مستقلًا
[ ٤ ]
﷽
﷽
الْحَمْدُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ نَعْلَمْ،
[ ٥ ]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلَامَهُ،
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ
[ ٦ ]
وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ،
النَّبِيِّ الْأَكْرَمِ، الْمَبْعُوثِ إلَى سَائِر الْأُمَمِ بِالشَّرْعِ الْأَقْوَمِ وَالْمَنْهَجِ الْأَحْكَمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ -[وَبَعْدُ] فَهَذَا تَعْلِيقٌ عَلَى كِتَابِ الْهِدَايَةِ لِلْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ بُرْهَانِ الدِّينِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْجَلِيلِ الرِّشْدَانِيِّ الْمَرْغِينَانِيِّ
[ ٧ ]
وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إلَى سُبُلِ الْحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ الِاجْتِهَادِ،
شَيْخِ الْإِسْلَامِ، أَسْكَنَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ دَارَ السَّلَامِ، شَرَعْت فِي كِتَابَتِهِ فِي شُهُورِ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي إقْرَائِهِ لِبَعْضِ الْإِخْوَانِ، أَرْجُو مِنْ كَرَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يَهْدِيَنِي فِيهِ صَوَابَ الصَّوَابِ،
[ ٨ ]
مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الْإِرْشَادِ، وَخَصَّ أَوَائِلَ الْمُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيقِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلُ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ، وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِدِ بِالِاقْتِبَاسِ مِنْ الْمَوَارِدِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَأْخُوذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى الْوَعْدِ فِي مَبْدَإِ بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهِي، فَشَرَعْت فِيهِ
وَأَنْ يَجْمَعَ فِيهِ أَشْتَاتَ مَا تَفَرَّقَ مِنْ لُبِّ اللُّبَابِ، لِيَكُونَ عُدَّةً لِطَالِبِي الرِّوَايَةِ، وَمَرْجِعًا لِصَارِفِي الْعِنَايَةِ فِي طَلَبِ الْهِدَايَةِ، وَإِيَّاهُ سُبْحَانَهُ أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَمُوجِبًا لِرِضَاهُ الْمُوصِلِ إلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ. هَذَا، وَإِنَى كُنْت قَرَأْت تَمَامَ الْكِتَابِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ عَلَى وَجْهِ الْإِتْقَانِ وَالتَّحْقِيقِ عَلَى سَيِّدِي الشَّيْخِ الْإِمَامِ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَخَلَفِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ سِرَاجِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْكِنَانِيِّ الشَّهِيرِ بِقَارِئِ الْهِدَايَةِ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ، وَهُوَ قَرَأَهُ عَلَى مَشَايِخَ عِظَامٍ مِنْ جُمْلَتِهِمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ السِّيرَامِيُّ، وَهُوَ
[ ٩ ]
وَالْوَعْدُ يُسَوِّغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ، وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِي عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ، تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَذًا مِنْ الْإِطْنَابِ وَخَشِيت أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْت الْعِنَانَ وَالْعِنَايَةَ إلَى شَرْحِ آخَرِ مَوْسُومٍ بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْإِسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا،
عَنْ شَيْخِهِ السَّيِّدِ الْإِمَامِ جَلَالِ الدِّينِ شَارِحِ الْكِتَابِ، وَهُوَ عَنْ شَيْخِهِ قُدْوَةِ الْأَنَامِ، بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَاءِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ النَّجَّارِيِّ صَاحِبِ الْكَشْفِ وَالتَّحْقِيقِ، وَهُوَ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ أُسْتَاذِ الْعُلَمَاءِ حَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ، وَهُوَ عَنْ شَيْخِهِ
[ ١٠ ]
حَتَّى إنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إلَى مَزِيدِ الْوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ. وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ.
ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إخْوَانِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ الْمَجْمُوعَ الثَّانِيَ، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إنَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
الْإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ السِّتَارِ بْنِ مُحَمَّدِ الْكَرْدَرِيِّ، وَهُوَ عَنْ شَيْخِهِ شَيْخِ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْأَنَامِ الْمَخْصُوصِ بِالْعِنَايَةِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، فَهَذَا طَرِيقُ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَقَرَأْته قَبْلَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى فَصْلِ الْوَكَالَةِ بِالنِّكَاحِ أَوْ نَحْوِهِ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْحُمَيْدِيِّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبِهَا قَرَأْت بَعْضَهُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ الْمَعْرُوفِ بِالْإِسْكَنْدَرِيِّ الْحَنَفِيِّ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ تَغَمَّدَهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ أَجْمَعِينَ.
[ ١١ ]