(أَهْلُ عَرَفَةَ إذَا وَقَفُوا فِي يَوْمٍ وَشَهِدَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ وَقَفُوا يَوْمَ النَّحْرِ أَجْزَأَهُمْ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجْزِيَهُمْ اعْتِبَارًا بِمَا إذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ فَلَا يَقَعُ عِبَادَةٌ دُونَهُمَا.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجْزِيهِمْ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُوصِ بِهِ فَقَدْ انْقَطَعَ حَقُّ الْقُرْبَةِ عَنْ نَصِيبِهِ فَصَارَ مِيرَاثًا، وَهَذَا التَّقَرُّبُ تَقَرُّبٌ بِطَرِيقِ الْإِتْلَافِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا بِأَمْرِهِ كَالْعِتْقِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّصَدُّقُ وَتَقَرُّبُ الْوَارِثِ بِالتَّصَدُّقِ عَنْ الْمَيِّتِ صَحِيحٌ بِلَا إيصَاءٍ، فَكَذَا تَقَرُّبُهُ بِإِبْقَاءِ مَا قَصَدَ الْمُوَرِّثُ بِنَصِيبِهِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا يُرِيدُ بِهِ اللَّحْمَ دُونَ الْهَدْيِ لَمْ يُجْزِهِمْ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ وَاحِدَةٌ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا الْقُرْبَةُ وَعَدَمُهَا، وَأَيُّ الشُّرَكَاءِ نَحَرَهَا يَوْمَ النَّحْرِ أَجْزَأَ عَنْ الْكُلِّ.
وَإِذَا غَلِطَ رَجُلَانِ فَذَبَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا هَدْيَ صَاحِبِهِ أَجْزَأَهُمَا اسْتِحْسَانًا لَا فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّ كُلًّا غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنْ جِهَةِ الْآخَرِ فَصَارَ ضَامِنًا، لَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ فَقَالَ: كُلٌّ مَأْذُونٌ فِيمَا صَنَعَ دَلَالَةً لِأَنَّ صَاحِبَ الْهَدْيِ يَسْتَعِينُ بِكُلِّ أَحَدٍ عَادَةً فَكَانَ كَالْإِفْصَاحِ بِالْإِذْنِ وَيَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُمَا هَدْيَهُ مِنْ صَاحِبِهِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ صَاحِبِهِ هَدْيَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَضْمَنَهُ فَيَشْتَرِيَ بِالْقِيمَةِ هَدْيًا آخَرَ يَذْبَحَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا تَصَدَّقَ بِالْقِيمَةِ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْهَدْيِ مِثْلُهُ فِي الْأُضْحِيَّةَ.
وَمَنْ اشْتَرَى هَدْيًا فَضَلَّ فَاشْتَرَى مَكَانَهُ آخَرَ وَأَوْجَبَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْأَوَّلَ، فَإِنْ نَحَرَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ نَحَرَ الْأَوَّلَ وَبَاعَ الثَّانِيَ جَازَ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنْ بَاعَ الْأَوَّلَ وَذَبَحَ الثَّانِيَ أَجْزَأَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ فَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ. وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالتَّطَوُّعِ فِي هَذَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُمَا صَارَا لِلَّهِ تَعَالَى إذْ جَعَلَهُمَا هَدْيًا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَإِنْ سَاقَ بَدَنَةً لَا يَنْوِي بِهَا الْهَدْيَ قَالَ: إنْ كَانَ سَاقَهَا إلَى مَكَّةَ فَهِيَ هَدْيٌ، وَأَرَادَ بِهَذَا إذَا قَلَّدَهَا وَسَاقَهَا لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْعَلُ عَادَةً إلَّا بِالْهَدْيِ فَكَانَ سَوْقُهَا بَعْدَ إظْهَارِ عَلَامَةِ الْهَدْيِ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ جَعْلِهِ إيَّاهَا بِلِسَانِهِ هَدْيًا.
(مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ)
مِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِينَ أَنْ يَذْكُرُوا عَقِيبَ الْأَبْوَابِ مَا شَذَّ مِنْهَا مِنْ الْمَسَائِلِ فَتَصِيرُ مَسَائِلُ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَتُتَرْجَمُ تَارَةً بِمَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ وَتَارَةً بِمَسَائِلَ شَتَّى (قَوْلُهُ وَشَهِدَ قَوْمٌ) صُورَتُهَا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا هِلَالَ ذِي الْحَجَّةِ فِي لَيْلَةِ
[ ٣ / ١٦٨ ]
شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ وَعَلَى أَمْرٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا نَفْيُ حَجِّهِمْ، وَالْحَجُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ فَلَا تُقْبَلُ، وَلِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى عَامًا لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَفِي الْأَمْرِ بِالْإِعَادَةِ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ يَزُولَ الِاشْتِبَاهُ
كَذَا الْيَوْمُ يَكُونُ يَوْمُ الْوُقُوفِ مِنْهُ الْعَاشِرَ. وَذَكَرَ لِلِاسْتِحْسَانِ أَوْجُهًا: أَحَدَهَا أَنَّهَا قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ: أَيْ نَفْيِ جَوَازِ الْوُقُوفِ وَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى الْإِثْبَاتِ حَقِيقَةً وَهُوَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي لَيْلَةٍ قَبْلَ رُؤْيَةِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ هُوَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوَازِ وُقُوفِهِمْ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْحُكْمِ بَلْ الْفَتْوَى تُفِيدُ عَدَمَ سُقُوطِ الْفَرْضِ فَيُخَاطَبُ بِهِ، وَعَدَمُ سُقُوطِهِ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا وَصَارَ كَمَا لَوْ رَآهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ كَذَلِكَ ثُمَّ أَخَّرُوا الْوُقُوفَ.
ثَانِيَهَا: أَنَّ شَهَادَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ صِحَّةِ الْوُقُوفِ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ بَلْ قَدْ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ شَرْعًا، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ النَّاسُ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ التَّاسِعُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تَعْرِفُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» أَيْ أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْيَوْمُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ عَنْ اجْتِهَادٍ وَرَأَى أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ.
ثَالِثَهَا: أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ لَكِنَّ وُقُوفَهُمْ جَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِاشْتِبَاهِ مِمَّا يَغْلِبُ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْجَوَازِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ لَزِمَ الْحَرَجُ الشَّدِيدُ وَقَدْ نَفَاهُ بِفَضْلِهِ الْغَنِيُّ عَنْ الْعَالَمِينَ. وَهَذَا الْوَجْهُ يَصْلُحُ بَيَانًا بِالْحِكْمَةِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ الْمَذْكُورُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عَدَمُ صِحَّةِ الْوُقُوفِ فَلَا فَائِدَةَ فِي سَمَاعِهَا لِلْإِمَامِ فَلَا يَسْمَعُهَا لِأَنَّ سَمَاعَهَا يُشْهِرُهَا بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَيَكْثُرُ الْقِيلُ وَالْقَالُ فِيهَا وَتَثُورُ الْفِتْنَةُ وَتَتَكَدَّرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّكِّ فِي صِحَّةِ حَجِّهِمْ بَعْدَ طُولِ عَنَائِهِمْ، فَإِذَا جَاءُوا لِيَشْهَدُوا يَقُولُ لَهُمْ انْصَرِفُوا لَا نَسْمَعُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ قَدْ تَمَّ حَجُّ النَّاسِ.
وَهَلْ يَجُوزُ وُقُوفِ الشُّهُودِ؟ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ وُقُوفُهُمْ وَحَجُّهُمْ. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَإِذَا كَانَ مَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَقَفَ يَوْمَ عَرَفَةَ: يَعْنِي فِي الْيَوْمِ الَّذِي شَهِدَ لَمْ يُجْزِ وُقُوفُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُقُوفَ مَعَ الْإِمَامِ لِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ جَازَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْحَجِّ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ فَلَا يَعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ بِانْفِرَادِهِ، وَكَذَا إذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ الْوُقُوفَ لِمَعْنًى يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُ مَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ.
فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُ لَا عِلَّةَ بِالسَّمَاءِ فَوَقَفَ بِشَهَادَتِهِمَا قَوْمٌ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُمْ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ لِلِاشْتِبَاهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ) يَعْنِي إذَا ظَهَرَ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ وَالْكَلَامُ فِي تَصْوِيرِ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ وُقُوفَهُمْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ عَلَى أَنَّهُ التَّاسِعُ لَا يُعَارِضُهُ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ الثَّامِنُ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ أَنَّهُ الثَّامِنُ إنَّمَا يَكُونُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحَجَّةِ ثَبَتَ بِإِكْمَالِ عِدَّةِ ذِي الْقَعْدَةِ وَاعْتِقَادُهُ التَّاسِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رُئِيَ
[ ٣ / ١٦٩ ]
يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلِأَنَّ جَوَازَ الْمُؤَخَّرِ لَهُ نَظِيرٌ وَلَا كَذَلِكَ جَوَازُ الْمُقَدَّمِ.
قَالُوا: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَسْمَعَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَيَقُولَ قَدْ تَمَّ حَجُّ النَّاسِ فَانْصَرِفُوا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا إيقَاعُ الْفِتْنَةِ. وَكَذَا إذَا شَهِدُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ لَمْ يَعْمَلْ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ.
قَالَ (وَمَنْ رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى وَالثَّالِثَةَ وَلَمْ يَرْمِ الْأُولَى، فَإِنْ رَمَى الْأُولَى ثُمَّ الْبَاقِيَتَيْنِ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهُ رَاعَى التَّرْتِيبَ الْمَسْنُونَ (وَلَوْ رَمَى الْأُولَى وَحْدَهَا أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ تَدَارَكَ الْمَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ التَّرْتِيبَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجْزِيهِ مَا لَمْ يُعِدْ الْكُلَّ لِأَنَّهُ شَرَعَ مُرَتَّبًا فَصَارَ كَمَا إذَا سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا
قَبْلَ الثَّلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ.
وَالْقَائِلُونَ إنَّهُ الثَّامِنُ حَاصِلُ مَا عِنْدَهُمْ نَفْيٌ مَحْضٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَرَآهُ الَّذِينَ شَهِدُوا فَهِيَ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا شَهِدُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ) بِأَنْ شَهِدُوا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي هُمْ بِهَا فِي مِنًى مُتَوَجِّهِينَ إلَى عَرَفَاتٍ أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجْنَا بِهِ مِنْ مَكَّةَ الْمُسَمَّى بِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَانَ التَّاسِعَ لَا الثَّامِنَ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ بِأَنْ يَسِيرَ إلَى عَرَفَاتٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِيَقِفَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِالنَّاسِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا وَيَقِفَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ شَهِدُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ صَارَ كَشَهَادَتِهِمْ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ فِي اللَّيْلِ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ وَلَا يُدْرِكُهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ لَزِمَهُ الْوُقُوفُ ثَانِيًا، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ فَاتَ حَجُّهُ لِتَرْكِ الْوُقُوفِ فِي وَقْتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا) فَلَا يَتَعَلَّقُ جَوَازُ رَمْيِ إحْدَاهَا بِرَمْيِ أُخْرَى، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْقُرَبِ الْمُتَسَاوِيَةِ الرُّتَبِ. وَلَوْلَا وُرُودُ النَّصِّ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ بِالتَّرْتِيبِ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ فِيهَا أَيْضًا، بِخِلَافِ تَرْتِيبِ السَّعْيِ عَلَى الطَّوَافِ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ تَبَعًا حَتَّى لَا يَشْرَعَ إلَّا عَقِيبَ طَوَافٍ، وَبِخِلَافِ الْمَرْوَةِ فَإِنَّ الْبُدَاءَةَ مِنْ الصَّفَا قَدْ ثَبَتَتْ
[ ٣ / ١٧٠ ]
فَلَا يَتَعَلَّقُ الْجَوَازُ بِتَقْدِيمِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، بِخِلَافِ السَّعْيِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلطَّوَافِ لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَالْمَرْوَةُ عُرِفَتْ مُنْتَهَى السَّعْيِ بِالنَّصِّ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْبُدَاءَةُ.
قَالَ (وَمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) وَفِي الْأَصْلِ خَيَّرَهُ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ،
بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» بِصِيغَةِ الْأَمْرِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَخْرِيجِهِ، فَالتَّرْتِيبُ الْوَاقِعُ فِعْلًا مِنْهُ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى السُّنَّةِ إذْ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا التَّقْرِيرُ مَنْعَ مَا قِيلَ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ قُرْبَةٌ وَاحِدَةٌ بِدَلِيلِ لُزُومِ دَمٍ وَاحِدٍ فِي تَرْكِ كُلِّهَا. قُلْنَا: إقَامَتُهَا فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ ظَاهِرٌ فِي التَّعَدُّدِ فَيَجِبُ الْبَقَاءُ مَعَهُ حَتَّى يُوجِبَ الْخُرُوجَ عَنْهُ مُوجِبٌ، وَتَمَاثُلُ الْأَعْمَالِ لَا يُوجِبُهُ بَلْ هِيَ أَوْلَى بِالتَّعَدُّدِ مِنْ الْأَسَابِيعِ الْمُتَعَدِّدَةِ مِنْ الطَّوَافِ لِأَنَّهَا تُقَامُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَاتِّحَادُ الدَّمِ لَيْسَ لِلْوَحْدَةِ الْحَقِيقِيَّةِ شَرْعًا بَلْ يَثْبُتُ مَعَ التَّعَدُّدِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الْجِنَايَاتِ رَحْمَةً وَفَضْلًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَزْنًا غَيْرَ الْمُحْصَنِ مِرَارًا إذَا ثَبَتَتْ كُلُّهَا يَلْزَمُ مُوجِبٌ وَاحِدٌ، فَكَذَا الدَّمُ لِأَنَّ لُزُومَهُ مُوجِبٌ جِنَايَةً.
وَلَوْ سَلِمَ اعْتِبَارُهَا وَاحِدَةً فِي حَقِّ حُكْمٍ لَا يَلْزَمُ اعْتِبَارُهَا كَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ حُكْمٍ مَعَ قِيَامِ التَّعَدُّدِ الْحَقِيقِيِّ بَلْ فِي خُصُوصِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْمَعْقُولَ فِي مَحَلِّ اعْتِبَارِهَا وَاحِدَةً وَهُوَ مَوْضِعُ الْجِنَايَةِ الْحُكْمُ بِتَدَاخُلِهَا فَضْلًا وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) وَهَذَا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْقُرْبَةَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَتَلْزَمُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَالْتِزَامِ التَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ (وَفِي الْأَصْلِ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَرْكَبَ وَبَيْنَ أَنْ يَمْشِيَ، وَهَذَا) أَعْنِي مَا فِي الْجَامِعِ وَهُوَ قَوْلُهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ (إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ) وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا قُلْنَا؛ وَإِنَّمَا انْتَهَى الْمَشْيُ بِالطَّوَافِ لِأَنَّهُ مُنْتَهَى أَعْمَالِ الْحَجِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَجَّ مَاشِيًا فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةَ كَمَالٍ؟ قُلْنَا إنَّمَا كَرِهَهُ إذَا كَانَ مَظِنَّةَ سُوءِ خُلُقِ الْفَاعِلِ لَهُ كَأَنْ يَكُونَ صَائِمًا مَعَ الْمَشْيِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْمَأْثَمِ مِنْ مُجَادَلَةِ الرَّفِيقِ وَالْخُصُومَةِ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا كُفَّ بَصَرُهُ: مَا أَسِفْت عَلَى شَيْءٍ كَأَسَفِي عَلَى أَنْ لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الْمُشَاةَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ مَاشِيًا كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ
[ ٣ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، قِيلَ مَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: كُلُّ حَسَنَةٍ بِسَبْعِمِائَةٍ». لَا يُقَالُ: لَا نَظِيرَ لِلْمَشْيِ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النَّذْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَنْذُورِ وَاجِبٌ عَلَى مَا ذَكَرْته فِي كِتَابِ الصَّوْمِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ لَهُ نَظِيرٌ، وَهُوَ مَشْيُ الْمَكِّيِّ الَّذِي لَا يَجِدُ الرَّاحِلَةَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا وَنَفْسُ الطَّوَافِ أَيْضًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي مَحَلِّ ابْتِدَاءِ وُجُوبِ الْمَشْيِ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْهُ قِيلَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنْ بَيْتِهِ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عُرْفًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الرِّوَايَةِ مَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ أَنَّ بَغْدَادِيًّا قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا فَلَقِيَهُ بِالْكُوفَةِ فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ بَغْدَادَ، وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِهِ فَالْإِنْفَاقُ عَلَى أَنَّهُ يَمْشِي مِنْ بَيْتِهِ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا أَنْ لَا فَرْقَ فِي الْوُجُوبِ بَيْنَ أَنْ يُنْجِزَ النَّذْرَ أَوْ يُعَلِّقَهُ كَإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ حَجَّةٌ فِي الْإِيجَابِ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَجَّةً وَلَا عُمْرَةً فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ قَدْ تُعُورِفَ إيجَابُ النُّسُكِ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَكَانَ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَإِنْ جَعَلَهَا حَجَّةَ مَشْيٍ فَلَمْ يَرْكَبْ حَتَّى يَطُوفَ أَوْ عُمْرَةَ مَشْيٍ حَتَّى يَحْلِقَ، وَلَوْ قَرَنَهَا بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ جَازَ.
فَإِنْ رَكِبَ فَعَلَيْهِ دَمٌ مَعَ دَمِ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا، وَلَوْ نَذَرَ حَجَّةً مَاشِيًا ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا الْحَجَّةَ أَجْزَأَهُ مَا لَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ وَهُوَ قَارِنٌ، وَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَمَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ لَمْ يَجُزْ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَكُلُّ مَنْ نَذَرَ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى الْأَصْلِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ إذَا رَكِبَ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّوْمَ مُتَتَابِعًا فَقَطَعَ التَّتَابُعَ، وَلَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ نَصًّا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ مَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى الْبَيْتِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَنَدُهُ حُجَّةٌ.
وَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ ﷺ فِيهَا " لِتَمْشِ وَلِتَرْكَبَ " وَلَمْ يَزِدْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَمَحْمُولٌ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ الْمَرْوِيِّ بِدَلِيلِ مَا صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ إطْلَاقُ الرُّكُوبِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى عِلْمِهِ بِعَجْزِهَا عَنْ الْمَشْيِ بِدَلِيلِ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً وَإِنَّهَا لَا تُطِيقُ الْمَشْيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً» إلَّا أَنَّهُ عَمِلَ بِإِطْلَاقِ الْهَدْيِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ بَدَنَةٍ لِقُوَّةِ رِوَايَتِهَا.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ إيجَابَ النُّسُكِ بِنَذْرِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَعَارُفِ إرَادَةِ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ غَيْرَهُ، فَلَوْ نَوَى بِهِ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ الْمُكَرَّمَةِ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ مَسْجِدٍ غَيْرِهِمَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. أَمَّا صِحَّةُ نِيَّتِهِ فَلِمُطَابَقَتِهَا لِلَفْظِهِ إذْ الْمَسَاجِدُ كُلُّهَا بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا صَحَّتْ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ يَجُوزُ الدُّخُولُ فِيهَا بِلَا إحْرَامٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُلْتَزِمًا لِلْإِحْرَامِ وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَوْ الْكَعْبَةِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ.
وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَدَمِ الْعُرْفِ فِي الْتِزَامِ النُّسُكِ بِهِ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ النُّسُكُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْحَرَمِ وَلَا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا بِالْإِحْرَامِ فَكَانَ بِذَلِكَ مُلْتَزِمًا لِلْإِحْرَامِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَقَوْلُهُ أَوْجَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَرَفَ فَإِنَّ الِالْتِزَامَ لِلنُّسُكِ بِهَذَا اللَّفْظِ لَيْسَ مَدْلُولًا وَضْعِيًّا بَلْ عُرْفِيًّا، فَكَوْنُ التَّوَصُّلِ فِي الْخَارِجِ بِالْفِعْلِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْسَ إلَّا بِالْإِحْرَامِ لَا يُوجِبُ أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ يُفِيدُهُ إذَا تَأَمَّلْت قَلِيلًا. وَأَمَّا كَوْنُ التَّوَصُّلِ إلَى الْحَرَمِ أَيْضًا
[ ٣ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَسْتَدْعِي الْإِحْرَامَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْآفَاقِيُّ إلَّا مَكَانًا فِي الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا جَازَ لَهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِلَا إحْرَامٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا لُزُومَ لَوْ قَالَ إلَى الصَّفَا أَوْ الْمَرْوَةِ أَوْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ﵊، مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَيْهَا بِالْفِعْلِ إلَّا بِالْإِحْرَامِ شَرْعًا، فَعَرَفَ أَنَّ الْمَدَارَ تَعَارُفُ الْإِيجَابِ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ مَكَانَ الْمَشْيِ غَيْرَهُ وَالْبَاقِي بِحَالِهِ لَا يَلْزَمُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ الذَّهَابُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْخُرُوجُ أَوْ السَّفَرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ إحْرَامٌ حَيْثُ يَلْزَمُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَارَفْ الْإِيجَابُ بِهِ لِإِفَادَتِهِ الْتِزَامِ الْإِحْرَامِ وَضْعًا، وَكَذَا إذَا قَالَ عَلَيَّ الرُّكُوبُ أَوْ الْإِتْيَانُ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَكَذَا الشَّدُّ وَالْهَرْوَلَةُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا أَوْ مِيزَابِهَا أَوْ عَرَفَاتٍ أَوْ مُزْدَلِفَةِ أَوْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَدَمِ تَعَارُفِ إيجَابِ النُّسُكِ بِهِ، وَفِي مَوْضِعٍ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ إلَى الرُّكْنِ يَلْزَمُهُ، وَإِلَى أُسْطُوَانَةِ الْبَيْتِ أَوْ زَمْزَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مِنْ عَدَمِ اللُّزُومِ مَذْكُورٌ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ نِصْفُ حَجَّةٍ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أُحْرِمُ فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِدَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ الْإِيجَابَ لَزِمَهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ لِلْعُرْفِ فِي إرَادَةِ التَّحْقِيقِ لِمِثْلِهِ لِلْحَالِ كَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ وَالشَّاهِدِ أَشْهَدُ. وَمِثْلُهُ مَا ذُكِرَ فِيهِ لَوْ قَالَ أَنَا أَمْشِي إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ نَوَى الْعِدَّةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُنْدَبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ. وَإِنْ نَوَى النَّذْرَ كَانَ نَذْرًا، وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ نَذْرٌ لِلْعَادَةِ اهـ. وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْعُرْفِ فِي النَّذْرِ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ قَالَ أَنَا أَحُجُّ لَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت فَأَنَا أَحُجُّ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّرْطِ كَأَنَّهُ عَلَّقَهُ لِأَنَّ تَعَارُفَ الْإِيجَابِ بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّعْلِيقِ.
وَلَوْ قَالَ إنْ عَافَانِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَرَضِي هَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ فَبَرِئَ لَزِمَتْهُ، فَإِذَا حَجَّ جَازَ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَرِيضَ الَّذِي فَرَّطَ فِي الْفَرْضِ حَتَّى مَرِضَ ذَلِكَ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ حَيْثُ يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ سِوَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنْ يَعْنِيَ بِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَعَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ حَيْثُ يَجْزِي عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى خِلَافًا فِي مِثْلِهِ بَيْنَهُمَا قَالَ الْتَزَمَ حَجَّةً ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ سَقَطَ عَنْهُ مَا الْتَزَمَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَمَنْ نَذَرَ مِائَةَ حَجَّةٍ وَنَحْوَهَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. هَلْ تَلْزَمُهُ كُلُّهَا فَيَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِهَا أَوْ يَلْزَمُهُ قَدْرُ مَا عَاشَ؟ فَفِي الْخُلَاصَةِ نَصَّ عَلَى لُزُومِ الْكُلِّ. وَذَكَرَ غَيْرَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الثَّانِي وَاخْتَارَهُ السُّرُوجِيُّ وَقَبِلَهُ شَدَّادٌ. أُلْحِقَ بِمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ سَنَةَ عِشْرِينَ فَمَاتَ قَبْلَهَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَقَدْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَمَاتَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَزِمَتْهُ حَجَّةٌ. وَالْحَقُّ أَنَّ لُزُومَ الْكُلِّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِالْتِزَامِ ابْتِدَاءً وَإِضَافَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ عَشْرَ حِجَجٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَزِمَهُ عَشْرٌ فِي عَشْرِ سِنِينَ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاثِينَ حَجَّةً وَنَحْوَهَا فَأَحَجَّ عَنْهُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا فِي سَنَةٍ جَازَ، وَكُلَّمَا عَاشَ النَّاذِرُ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةً بَطَلَتْ مِنْهَا حَجَّةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّهَا بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ فَظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ إحْجَاجِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِقَدْرِ مَا عَاشَ مِنْ بَعْدِ الْإِحْجَاجِ.
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي سَنَةِ كَذَا فَحَجَّ قَبْلَهَا جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَقْيَسُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي نَذْرِ الصَّوْمِ فَارْجِعْ إلَيْهِ
وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمَنْذُورِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي نَذْرِ الْمَرِيضِ. وَمَا فِي الْمُنْتَقَى: نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ
[ ٣ / ١٧٣ ]
وَهُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْقُرْبَةَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَتَلْزَمُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، كَمَا إذَا نَذَرَ بِالصَّوْمِ مُتَتَابِعًا
فَحَجَّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ تَطَوُّعٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ هِشَامٌ: عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ خِلَافًا، إذْ لَا خِلَافَ فِي تَأَدِّي فَرْضِ الْحَجِّ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ عِنْدَنَا، وَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَمَا عَنْ هِشَامٍ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ إلَى الْمَنْذُورِ بِلَا نِيَّةٍ.
وَمَنْ قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ يَوْمَ أُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِهَا بَلْ لَزِمَتْهُ يَفْعَلُهَا مَتَى شَاءَ، كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ حَجَّةٌ الْيَوْمَ إنَّمَا تَلْزَمُهُ فِي ذِمَّتِهِ يُحْرِمُ بِهَا مَتَى شَاءَ.
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ عَلَيَّ حَجَّةٌ إنْ شِئْت فَقَالَ شِئْت لَزِمَتْهُ، وَكَذَا إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَشَاءَ، وَهَلْ تَقْتَصِرُ مَشِيئَةُ فُلَانٍ عَلَى مَجْلِسِ بُلُوغِهِ ذَلِكَ الْخَبَرِ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا تَقْتَصِرَ، بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْحَالِفِ فَكَانَ تَمْلِيكًا مِنْ ذِي الْمَشِيئَةِ فَاسْتَدْعَى جَوَابَهُ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَاتِ تَسْتَدْعِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَانْتَفَى مُوجِبُ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ.
وَمَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ بِفُلَانٍ، فَإِنْ نَوَى أَحُجَّ وَهُوَ مَعِي فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِهِ، وَإِنْ نَوَى أَنْ يُحِجَّهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّهُ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَقَدْ أَلْصَقَ فُلَانًا بِحَجِّهِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَنْ يَحُجَّ فُلَانٌ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ وَأَنْ يُعْطِيَ فُلَانًا مَا يَحُجُّ بِهِ مِنْ الْمَالِ، وَالْتِزَامُ الْأَوَّلِ بِالنَّذْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالثَّانِي صَحِيحٌ لِأَنَّ الْحَجَّ يُؤَدَّى بِالْمَالِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْأَدَاءِ فَكَانَ هَذَا فِي حُكْمِ الْبَدَلِ وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْأَصْلِ فَيَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالْبَدَلِ كَمَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالْأَصْلِ، فَإِذَا نَوَى الْوَجْهَ الْأَوَّلَ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ لِاحْتِمَالِ كَلَامِهِ، وَلَكِنَّ الْمَنْوِيَّ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ خَاصَّةً.
وَإِنْ نَوَى الثَّانِيَ لَزِمَهُ فَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَحُجُّ بِهِ أَوْ يُحِجَّهُ مَعَ نَفْسِهِ لِيَحْصُلَ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَصْلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّ فُلَانًا لِأَنَّ لَفْظَهُ فِي حَقِّ فُلَانٍ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَعَدَمَهُ، وَالْمُعَيِّنُ لِلْوُجُوبِ فِيهِ لَيْسَ إلَّا النِّيَّةُ وَقَدْ فُقِدَتْ. وَلَوْ كَانَ قَالَ فَعَلَيَّ أَنْ أُحِجَّ فُلَانًا فَهَذَا مُحْكَمٌ وَالنَّذْرُ بِهِ صَحِيحٌ.
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ زَحْفًا فَطَافَ كَذَلِكَ قِيلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَقِيلَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَذَا أَوْجَهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَهِدَ شَرْعِيَّتَهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا فِعْلًا فِي الِاخْتِيَارِ فَالْتِزَامُهَا قَاعِدًا الْتِزَامُ أَحَدِ صِنْفَيْهَا، بِخِلَافِ الطَّوَافِ النَّفْلِ فَالْتِزَامُهُ حَالَةَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ كَالْتِزَامِ الصَّلَاةِ إيمَاءً حَالَةَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَسَنَذْكُرُ خَاتِمَةً فِي نَذْرِ الْهَدْيِ وَالْمُجَاوَرَةِ وَزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ
[ ٣ / ١٧٤ ]
وَأَفْعَالُ الْحَجِّ تَنْتَهِي بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ فَيَمْشِي إلَى أَنْ يَطُوفَهُ.
ثُمَّ قِيلَ: يَبْتَدِئُ الْمَشْيَ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ، وَقِيلَ مِنْ بَيْتِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ، وَلَوْ رَكِبَا أَرَاقَ دَمًا لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا فِيهِ، قَالُوا إنَّمَا يَرْكَبُ إذَا بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ وَشَقَّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ، وَإِذَا قَرُبَتْ وَالرَّجُلُ مِمَّنْ يَعْتَادُ الْمَشْيَ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْكَبَ
(وَمَنْ بَاعَ جَارِيَةً مُحْرِمَةً قَدْ أَذِنَ لَهَا مَوْلَاهَا فِي ذَلِكَ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهَا وَيُجَامِعَهَا) وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ سَبَقَ مِلْكَهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِهِ كَمَا إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً مَنْكُوحَةً. وَلَنَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُحَلِّلَهَا، فَكَذَا الْمُشْتَرِي
تَسْلِيمًا
(قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ جَارِيَةً مُحْرِمَةً قَدْ أَذِنَ لَهَا إلَخْ) الْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ إذَا أَحْرَمَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَيُحَلِّلَهُ بِلَا هَدْيٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَصْنَعَ بِهِ أَدْنَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ كَقَلْمِ ظُفْرِهِ وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ هَدْيُ الْإِحْصَارِ وَحَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ إنْ كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجَّةٍ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى كُرِهَ لَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ حَلَّلَهُ حَلَّ، وَلَوْ أُحْصِرَ فَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَبْعَثَ دَمَ الْإِحْصَارِ وَيَتَحَلَّلَ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَنْ إحْرَامٍ مَأْذُونٍ فِيهِ فَكَانَ كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيهِ خِلَافًا فِي بَابِ الْإِحْصَارِ، وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى ثُمَّ بَاعَهُمَا نَفَذَ الْبَيْعُ وَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُمَا وَتَحْلِيلُهُمَا وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ خِلَافًا لِزُفَرَ قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَحْرَمَتْ الْحُرَّةُ بِحَجِّ نَفْلٍ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يُحَلِّلَهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ.
وَجْهُ قَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ سَبَقَ مِلْكَهُ) بِنَصْبِ مِلْكِهِ مَفْعُولًا لَسَبَقَ: أَيْ سَبَقَ وُجُودُهُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ (كَمَا إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً مَنْكُوحَةً) لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَهَا لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فَكَذَا هَذَا. قُلْنَا: الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ وِلَايَةُ إبْطَالِ النِّكَاحِ وَلَهُ التَّحْلِيلُ وَإِنْ كَرِهَ فَكَذَا الْمُشْتَرِي، إلَّا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا فِي حَقِّ الْبَائِعِ بِمَكَانِ خَلْفِ الْوَعْدِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُشْتَرِي.
ثُمَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، فَعِنْدَهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ التَّحْلِيلُ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلزَّوْجِ تَحْلِيلُ الزَّوْجَةِ إذَا أَحْرَمَتْ بِنَفْلٍ بِإِذْنِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ إذَا أَحْرَمَتْ بِلَا إذْنٍ فَقَاسَ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِجَامِعِ الْإِذْنِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ، وَقِيَاسًا عَلَى إبْطَالِ عَمَلِ نَفْسِهِ بِجَامِعِ الرِّضَا بِوَاسِطَةِ الْإِذْنِ هُنَا، وَنَحْنُ نَمْنَعُ عَمَلَ الْإِذْنِ فِي السُّقُوطِ مُطْلَقًا، بَلْ إنْ كَانَ الثَّابِتُ مُجَرَّدَ حَقٍّ كَمَا فِي الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهَا، وَإِنَّمَا لَهُ حَقٌّ فِيهَا فَيَسْقُطُ بِالْإِذْنِ. أَمَّا إنْ كَانَ الثَّابِتُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فَلَا إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَسْقُطُ بِهِ.
وَإِنَّمَا عَمَلُهُ فِي التَّبَرُّعِ
[ ٣ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِمَنَافِعِهِ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ دَائِمًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ عَمَلُهُ فِي رَفْعِ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُشَاقَقَةِ فِيمَا أَتَاهُ، فَمَتَى نَهَاهُ كَانَ ذَلِكَ مُنْتَهَى عَمَلِ الْإِذْنِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ فِي دَوَامِ السُّقُوطِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَصَارَ كَالْإِذْنِ فِي اسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ لِغَيْرِهِ وَكَتَبْوِئَتِهَا مَعَ الزَّوْجِ لَهُ فِيهِمَا الرَّدُّ إلَى الِاسْتِخْدَامِ وَالْمَنْعِ مِمَّا أَذِنَ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ ﷻ أَسْقَطَ الْمِلْكَ وَآثَارَهُ بِالْإِذْنِ بِالْإِحْرَامِ فَبَقِيَ عَلَى مَا عَهِدَ لَهُ مِنْ اللَّوَازِمِ، بَلْ عَهِدَ أَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدَّمَ حَقَّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِفَقْرِهِ وَغِنَى الْعَزِيزِ الْعَظِيمِ.
هَذَا وَإِذَا أَحْرَمَتْ الْحُرَّةُ بِالْفَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا إنْ كَانَ لَهَا مُحْرِمٌ عِنْدَنَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَلَهُ مَنْعُهَا، فَإِنْ أَحْرَمَتْ فَهِيَ مُحْصَرَةٌ لِحَقِّ الشَّرْعِ. فَلِذَا إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ تَحْلِيلَهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْرَمَتْ بِنَفْلٍ بِلَا إذْنٍ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا وَلَا يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ بَلْ يُحَلِّلُهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَعَلَيْهَا هَدْيٌ لِتَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ وَحَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا حَقَّ لِلزَّوْجِ فِي مَنْعِهَا لَوْ وَجَدَتْ مُحْرِمًا.
وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ لِفَقْدِ الْمُحْرِمِ شَرْعًا فَلَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ، وَهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ الْخُرُوجُ لِحَقِّ الزَّوْجِ. فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تُبْطِلَ حَقَّهُ لَيْسَ لَهَا أَيْضًا أَنْ تُؤَخِّرَهُ، كَذَا فِي بَابِ الْإِحْصَارِ مِنْ الْمَبْسُوطِ. وَالتَّحْلِيلُ أَنْ يَنْهَاهَا وَيَفْعَلَ بِهَا أَدْنَى مَا يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ كَقَصِّ ظُفْرٍ وَتَقْبِيلٍ أَوْ مُعَانَقَةٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ بِالْجِمَاعِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسَادُ فَلَا يَفْعَلُهُ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْحَجِّ، وَلَا يَقَعُ التَّحْلِيلُ بِقَوْلِهِ حَلَلْتُك بَلْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهَا بِأَمْرِهِ كَالِامْتِشَاطِ بِأَمْرِهِ «لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: امْتَشِطِي وَارْفُضِي عُمْرَتَكِ حِينَ حَاضَتْ فِي الْعُمْرَةِ».
وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْمُحْرِمَةَ وَلَا يَعْلَمُ بِإِحْرَامِهَا لَمْ يَكُنْ تَحْلِيلًا وَفَسَدَ حَجُّهَا، وَإِنْ عَلِمَهُ كَانَ تَحْلِيلًا، وَلَوْ حَلَّلَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فَأَذِنَ فَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَلَوْ بَعْدَمَا جَامَعَهَا مِنْ عَامِهَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عُمْرَةٌ وَلَا نِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ كَانَ عَلَيْهَا عُمْرَةٌ مَعَ الْحَجِّ.
وَقَالَ زُفَرُ: عَلَيْهِمَا الْعُمْرَةُ فِيهِمَا وَنِيَّةُ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُمَا تَقَرَّرَا فِي ذِمَّتِهَا بِرَفْضِ الْحَجِّ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِمَا إلَّا بِهِمَا مَعَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ لَمْ تَنْوِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ عَامِ الْإِحْلَالِ وَالْعَامِ الْقَابِلِ. قُلْنَا: إنْ قُلْت بِمُجَرَّدِ التَّحْلِيلِ تَقَرَّرَا مَنَعْنَاهُ. بَلْ اللَّازِمُ عَيْنُ تِلْكَ الْحَجَّةِ مَا لَمْ يَمْضِ الْوَقْتُ. فَإِذَا مَضَى بِلَا إيقَاعٍ فِيهِ حِينَئِذٍ لَزِمَهُ مِثْلُهَا وَهُوَ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ أَدَاءُ مِثْلِ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَصَارَ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ قَطَعَهَا فِيهِ ثُمَّ أَدَّاهَا فِيهِ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ اللُّزُومُ مَا لَمْ تَتَحَوَّلْ السَّنَةُ عَيْنَ الْوَاجِبِ لَمْ تَلْزَمْهُ عُمْرَةٌ وَلَا يَنْوِي الْقَضَاءَ.
وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: لَوْ حَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ فَحَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ هَكَذَا مِرَارًا ثُمَّ حَجَّتْ مِنْ عَامِهَا أَجْزَأَهَا عَنْ كُلِّ التَّحَلُّلَاتِ تِلْكَ الْحَجَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَلَوْ لَمْ تَحُجَّ بَعْدَ التَّحْلِيلَاتِ إلَّا مِنْ قَابِلٍ كَانَ عَلَيْهَا لِكُلِّ تَحْلِيلٍ عُمْرَةٌ. هَذَا وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْإِحْصَارِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْإِحْصَارُ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ.
وَلَوْ تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يُؤَدِّهَا وَلَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ لِتَصِيرَ قَضَاءً لِأَنَّ وَقْتَهَا الْعُمْرُ وَالتَّضَيُّقُ فِي أَوَّلِ سَنَى الْإِمْكَانِ لَا يَنْفِيهِ لِمَا حَقَّقْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وُجُوبُ احْتِيَاطِ لَا افْتِرَاضٍ. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ التَّأْخِيرِ بِلَا عُذْرٍ وَتَحَمُّلِ الْإِثْمِ يَقَعُ أَدَاءً، وَإِذَا أَذِنَ لِأَمَتِهِ الْمُتَزَوِّجَةِ فِي الْحَجِّ فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا لِأَنَّ مَنَافِعَهَا لِلسَّيِّدِ.
وَهَذِهِ الْخَاتِمَةُ الْمَوْعُودَةُ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ مَقَاصِدُ:
[الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ فِي إيجَابِ الْهَدْيِ وَمَا يَتْبَعُهُ] يَثْبُتُ لُزُومُ الْهَدْيِ بِنَذْرِهِ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ هَدْيٌ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَا يَلْزَمُ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُ، فَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهَذَا هَدْيٌ لِغَيْرِ مَمْلُوكٍ
[ ٣ / ١٧٦ ]
إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَلْفِ الْوَعْدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَهُ إذَا بَاشَرَتْ بِإِذْنِهِ فَكَذَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ
لَهُ فَفَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُشَارُ إلَيْهِ ابْنَهُ فَفِيهِ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ فِي نَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ وَكَذَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِمَمْلُوكٍ لَهُ فَبَاعَهُ ثُمَّ فَعَلَ، وَلَوْ قَالَ فَهَذَا حُرٌّ يَوْمَ أَشْتَرِيهِ فَفَعَلَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ عَتَقَ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْفِعْلِ ثُمَّ فَعَلَ لَا يُعْتَقُ، وَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت فَأَنَا أُهْدِي كَذَا لَزِمَهُ إذَا فَعَلَ، وَيَلْزَمُهُ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْهَدْيِ أَمْرَانِ: جَوَازُ مَا يَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةَ مِنْ الشَّاةِ الضَّأْنِ أَوْ الْمَعْزِ أَوْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَذْبَحَ إلَّا فِي الْحَرَمِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَالسُّنَّةُ ذَبْحُهُ بِمِنًى وَإِلَّا فَفِي مَكَّةَ، وَلَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ.
وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ جَزُورًا تَعَيَّنَ الْإِبِلُ وَالْحَرَمُ، وَلَوْ قَالَ جَزُورٌ فَقَطْ جَازَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ كَمِصْرِ وَالشَّامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْهَدْيَ، وَلَوْ قَالَ بَدَنَةٌ فَقَطْ جَازَ الْبَقَرَةُ وَالْبَعِيرُ حَيْثُ شَاءَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُعَيَّنًا مِنْ الْبُدْنِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَعَيَّنُ الْحَرَمُ. فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَزُورِ بِأَنَّ اسْمَ الْبُدْنَ لَا يُذْكَرُ فِي مَشْهُورِ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا فِي مَعْنَى الْمُهْدَاةِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِالْهَدْيِ يَتَعَيَّنُ الْحَرَمُ فَكَذَا الْبَدَنَةُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ إلَّا أَنْ يَزِيدَ فَيَقُولَ بَدَنَةٌ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَيُمْنَعُ أَنَّ فِيهِ نَفْلًا شَرْعِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُشْتَرِكٌ فِيهَا، وَإِذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ فِي الْحَرَمِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ أَيْضًا جَازَ لِأَنَّ مَعْنَى اسْمِ الْهَدْيِ لَا يُعَيِّنُ فُقَرَاءَ مَحَلٍّ أَصْلًا بَلْ إنَّمَا يُنْبِئُ عَنْ النَّقْلِ إلَى مَكَان وَذَلِكَ هُوَ الْحَرَمُ إجْمَاعًا، فَتَعَيَّنَ الْحَرَمُ إنَّمَا هُوَ لِإِفَادَةِ مَأْخَذِ اسْمِ النَّقْلِ، ثُمَّ تَعَيَّنَ الْمَكَانُ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ فَتَعْيِينُ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقُرْبَةَ بِالْإِهْدَاءِ تَتِمُّ بِالنَّفْلِ إلَى الْحَرَمِ وَالذَّبْحِ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِذَا لَوْ سُرِقَ لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ وَبِذَلِكَ انْتَهَى مَدْلُولُهُ وَيَصِيرُ لَحْمًا.
وَجْهُ الْقُرْبَةِ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ هُوَ التَّصَدُّقُ، وَفِي هَذَا مَسَاكِينُ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ. وَهَلْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَرَمِ فِي نَذَرَ الْهَدْيِ كَأَنْ يَقُولَ هَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ؟ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ لَا يَجُوزُ. وَجْهُ الْأُولَى اعْتِبَارُ النَّذْرِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِهِ مِنْ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّ فِي اسْمِ الْهَدْيِ زِيَادَةً عَلَى مُجَرَّدِ اسْمِ الشَّاةِ وَهُوَ الذَّبْحُ، فَالْقُرْبَةُ فِيهِ تَتَعَلَّقُ بِالذَّبْحِ ثُمَّ التَّصَدُّقُ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَعٌ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْقُرْبَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ فِي الشَّاةِ بِالصَّدَقَةِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْقِيمَةِ فَيَجُوزُ، وَلَيْسَ الذَّبْحُ ثَابِتًا فِي قِيمَةِ الْهَدْيِ فَلَا يَجُوزُ وَهَذَا حَسَنٌ. وَمَنْ نَذَرَ شَاةً فَأَهْدَى مَكَانَهَا جَزُورًا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْقِيمَةِ لِثُبُوتِ الْإِرَاقَةِ فِي الْبُدْنِ الْأَعْلَى كَالْأَصْلِ.
وَقَالُوا: إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ شَاتَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً تُسَاوِي شَاتَيْنِ قِيمَةً لَمْ يُجْزِهِ، فَلَوْ عَيَّنَ الْهَدْيَ مِمَّا لَا يُذْبَحُ فِيمَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْعَبِيدِ وَالْقُدُورِ وَالثِّيَابِ فَقَالَ إنْ فَعَلْت فَثَوْبِي هَذَا هَدْيٌ أَوْ هَذَا الْقِدْرُ هَدْيٌ أَوْ هَذَا الْعَبْدُ جَازَ إهْدَاءُ قِيمَتِهِ إلَى مَكَّةَ أَوْ عَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ لِحَجَبَةِ الْبَيْتِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ فِي غَيْرِ مَكَّةَ كَالْكُوفَةِ وَمِصْرَ جَازَ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الْأَمْتِعَةِ لَيْسَ إلَّا التَّصَدُّقُ وَهُوَ فِي حَقِّ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْهَدْيِ بِمَا يَشْرَعُ ذَبْحُهُ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ وَلَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي الْحَرَمِ فَيَتَعَيَّنُ الْحَرَمُ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ نَذَرَ التَّصَدُّقَ فِي مَكَان فَتَصَدَّقَ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ النَّذْرَ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ وَالْقُرْبَةُ إنَّمَا هِيَ بِالتَّصَدُّقِ فَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ مُجَرَّدَ التَّصَدُّقِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ تَتَعَيَّنُ الْقِيمَةُ إذَا أَرَادَ الْإِيصَالَ إلَى مَكَّةَ.
وَقَوْلُهُ فَهَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ إلَى الْبَيْتِ
[ ٣ / ١٧٧ ]
رَدِّهَا بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ يَتَمَكَّنُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ غَشَيَانِهَا
أَوْ مَكَّةَ أَوْ الْكَعْبَةِ مُوجِبٌ، وَلَوْ قَالَ إلَى الْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْتِزَامِ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ عِنْدَهُمَا مُوجِبٌ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا.
وَقَوْلُهُ هَدْيٌ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْمَشْيِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ هُنَا عَلَى قَوْلِهِ أَيْضًا لِأَنَّ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الْهَدْيِ مُوجِبٌ فَزِيَادَةُ ذِكْرِ الْحَرَمِ لَا تَرْفَعُ الْوُجُوبَ بَعْدَ الثُّبُوتِ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ غَيْرُ مُوجِبٍ بَلْ مَعَ مَا يَمْشِي إلَيْهِ. أُجِيبُ بِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ إنَّمَا يُوجِبُ بِاعْتِبَارِ ذِكْرِ مَكَّةَ مُضْمَرًا بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، فَإِذَا نَصَّ عَلَى الْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ تَعَذَّرَ إضْمَارُ مَكَّةَ فِي كَلَامِهِ، إذْ قَدْ صَرَّحَ بِمُرَادِهِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ بِهِ.
وَقَوْلُهُ فَثَوْبِي هَذَا سِتْرٌ لِلْبَيْتِ أَوْ أَضْرَبَ بِهِ حَطِيمَ الْبَيْتِ مُلْزِمٌ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ هَدْيُهُ.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَالِي أَوْ جَمِيعُهُ هَدْيٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ مَالَهُ كُلَّهُ وَيُمْسِكَ مِنْهُ قَدْرَ قُوتِهِ، فَإِذَا أَفَادَ مَالًا تَصَدَّقَ بِقَدْرِ مَا أَمْسَكَ. وَأَوْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا إذَا قَالَ مَالِي صَدَقَةٌ فَقَالَ فِي الْقِيَاسِ يَنْصَرِفُ إلَى كُلِّ مَالٍ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَنْصَرِفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ خَاصَّةً بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ. فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا جَوَابُ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْهَدْيِ فِي كُلِّ مَالٍ كَالْتِزَامِ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ مَالٍ.
وَالْأَصَحُّ الْفَرْقُ بِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ، فَكَذَا مَا يُوجِبُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُنَا إنَّمَا أَوْجَبَ بِلَفْظِ الْهَدْيِ، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَفْظِ الْهَدْيِ لَا يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ.
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَمْ يَقُلْ صَدَقَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِمَا مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الذَّبْحَ بِنَفْسِهِ.
وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ وَلَدِي فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ شَاةٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ لَزِمَهُ مَكَانَ كُلِّ وَلَدٍ شَاةٌ، وَكَذَا إذَا نَذَرَ ذَبْحَ عَبْدِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ الشَّاةُ فِي الْوَلَدِ لَا الْعَبْدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَلْزَمُهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
[الْمَقْصِدُ الثَّانِي فِي الْمُجَاوَرَةِ] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَعَدَمِهَا. فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ اسْتِحْبَابُهَا إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْذُورِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إلَى كَرَاهَتِهَا، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ هِجْرَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: مَا كَانَ النَّاسُ يَرْحَلُونَ إلَيْهَا إلَّا عَلَى نِيَّةِ الْحَجِّ وَالرُّجُوعِ وَهُوَ أَعْجَبُ، وَهَذَا أَحْوَطُ لِمَا فِي خِلَافِهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ عَلَى الْخَطَرِ إذْ طَبْعُ الْإِنْسَانِ التَّبَرُّمُ وَالْمَلَلُ مِنْ تَوَارُدِ مَا يُخَالِفُ هَوَاهُ فِي الْمَعِيشَةِ وَزِيَادَةِ الِانْبِسَاطِ الْمُخِلِّ بِمَا يَجِبُ مِنْ الِاحْتِرَامِ لِمَا يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ عَلَيْهِ وَمُدَاوَمَةُ نَظَرِهِ إلَيْهِ.
وَأَيْضًا الْإِنْسَانُ مَحَلُّ الْخَطَإِ كَمَا قَالَ ﵊ «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ» وَالْمَعَاصِي تَضَاعُفٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ إنْ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهَا فِي حَرَمِ اللَّهِ أَفْحَشُ وَأَغْلَظُ فَتَنْهَضُ سَبَبًا لِغِلَظِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الْعِقَابُ.
وَيُمْكِنُ كَوْنُ هَذَا هُوَ مَحْمَلُ الْمَرْوِيِّ مِنْ التَّضَاعُفِ كَيْ لَا يُعَارَضَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ أَعْنِي أَنَّ السَّيِّئَةَ تَكُونُ فِيهِ سَبَبًا لِمِقْدَارٍ مِنْ الْعِقَابِ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِهِ عَنْهَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مِقْدَارِ عِقَابِ سَيِّئَاتٍ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ سَبَبٌ لِمَقْتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ هَذَا سَجِيَّةُ الشَّرِّ فَالسَّبِيلُ النُّزُوحُ عَنْ سَاحَتِهِ، وَقَلَّ مَنْ يَطْمَئِنُّ إلَى نَفْسِهِ فِي دَعْوَاهَا الْبَرَاءَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا وَهُوَ فِي ذَلِكَ مَغْرُورٌ.
[ ٣ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَلَا يَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُحَبِّبِينَ إلَيْهِ الْمَدْعُوِّ لَهُ كَيْفَ اتَّخَذَ الطَّائِفَ دَارًا وَقَالَ: لَأَنْ أُذْنِبَ خَمْسِينَ ذَنْبًا بِرُكْبَةٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الطَّائِفِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُذْنِبَ ذَنْبًا وَاحِدًا بِمَكَّةَ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: مَا مِنْ بَلْدَةٍ يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ فِيهَا بِالْهِمَّةِ قَبْلَ الْعَمَلِ إلَّا مَكَّةُ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِلَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ: ارْجِعْ إلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّا نَسْمَعُ أَنَّ سَاكِنَ مَكَّةَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَكُونَ الْحَرَمُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ لِمَا يَسْتَحِلُّ مِنْ حُرُمِهَا.
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: خَطِيئَةٌ أُصِيبُهَا بِمَكَّةَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ سَبْعِينَ خَطِيئَةً بِغَيْرِهَا. نَعَمْ أَفْرَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ اسْتَخْلَصَهُمْ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الطِّبَاعِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَهْلُ الْجِوَارِ الْفَائِزُونَ بِفَضِيلَةٍ مِنْ تَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ وَالصَّلَوَاتِ مِنْ غَيْرِ مَا يُحْبِطُهَا مِنْ الْخَطِيئَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْته: يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ» وَقَالَ سَمِعْته يَقُولُ «مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ».
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْهُ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ وَقَامَ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهَا، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَبِكُلِّ لَيْلَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَكُلِّ يَوْمٍ حُمْلَانَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَلَكِنَّ الْفَائِزَ بِهَذَا مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ إحْبَاطِهِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ، فَلَا يُبْنَى الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِهِمْ وَلَا يَذْكُرُ حَالُهُمْ قَيْدًا فِي جَوَازِ الْجِوَارِ لِأَنَّ شَأْنَ النُّفُوسِ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ وَالْمُبَادَرَةُ إلَى دَعْوَى الْمَلَكَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَا يَشْتَرِطُ فِيمَا تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَتَطْلُبُهُ، وَإِنَّهَا لَأَكْذَبُ مَا يَكُونُ إذَا حَلَفْت فَكَيْفَ إذَا ادَّعَتْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ أَوْ تَعَاظُمَهَا وَإِنْ فُقِدَ فِيهَا فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ الْمُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِوَاجِبِ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ قَائِمٌ. وَهُوَ أَيْضًا مَانِعٌ إلَّا لِلْأَفْرَادِ ذَوِي الْمَلَكَاتِ فَإِنَّ مَقَامَهُمْ وَمَوْتَهُمْ فِيهَا هِيَ السَّعَادَةُ الْكَامِلَةُ. فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا».
[الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ: فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ] قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ أَفْضَلِ الْمَنْدُوبَاتِ وَفِي مَنَاسِكِ الْفَارِسِيِّ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ لِمَنْ لَهُ سِعَةٌ. رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْهُ ﵊ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ ﵊ «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَعْمَلُهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» هَذَا وَالْحَجُّ إنْ كَانَ فَرْضًا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ ثُمَّ يُثْنِي بِالزِّيَارَةِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا كَانَ بِالْخِيَارِ، فَإِذَا نَوَى زِيَارَةَ الْقَبْرِ فَلْيَنْوِ مَعَهُ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ: أَيْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
[ ٣ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُشَدُّ إلَيْهَا الرِّحَالُ.
فِي الْحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَى الزِّيَارَةِ يُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُدَّةَ الطَّرِيقِ، وَالْأَوْلَى فِيمَا يَقَعُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ تَجْرِيدُ النِّيَّةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ إذَا حَصَلَ لَهُ إذَا قَدَّمَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ يَسْتَفْتِحُ فَضْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي مَرَّةٍ أُخْرَى يَنْوِيهِمَا فِيهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ تَعْظِيمِهِ ﷺ وَإِجْلَالِهِ، وَيُوَافِقُ ظَاهِرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْمَلُهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي» وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمَدِينَةِ اغْتَسَلَ بِظَاهِرِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا أَوْ تَوَضَّأَ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ، وَلُبْسُ نَظِيفَ ثِيَابِهِ وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ النُّزُولِ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمَدِينَةِ وَالْمَشْيِ عَلَى أَقْدَامِهِ إلَى أَنْ يَدْخُلَهَا حَسَنٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ أَدْخَلَ فِي الْأَدَبِ وَالْإِجْلَالِ كَانَ حَسَنًا.
وَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الْآيَةَ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك وَارْزُقْنِي مِنْ زِيَارَةِ رَسُولِك ﷺ مَا رَزَقْت أَوْلِيَاءَك وَأَهْلَ طَاعَتِك، وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي يَا خَيْرَ مَسْئُولٍ، وَلْيَكُنْ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهَا لَا يَفْتُرُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحْضِرًا أَنَّهَا بَلْدَتُهُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى دَارَ هِجْرَةِ نَبِيِّهِ وَمَهْبِطًا لِلْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْبَعًا لِلْإِيمَانِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كُلُّ الْبِلَادِ اُفْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ إلَّا الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا اُفْتُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
وَلْيُحَضِّرْ قَلْبَهُ أَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، وَلِذَا كَانَ مَالِكٌ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ لَا يَرْكَبُ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: أَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَافِرِ دَابَّةٍ.
وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَعَلَ مَا هُوَ السُّنَّةُ فِي دُخُولِ الْمَسَاجِدِ مِنْ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، وَيَدْخُلُ مِنْ بَابِ جِبْرِيلَ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَقْصِدُ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ وَهِيَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ، فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلًا السَّارِيَةَ الَّتِي تَحْتَهَا الصُّنْدُوقُ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمُودُ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ إنْ أَمْكَنَهُ، وَتَكُونُ الْحَنِيَّةُ الَّتِي فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قِيلَ قَبْلَ أَنْ يُغَيَّرَ الْمَسْجِدُ. وَفِي بَعْضِ الْمَنَاسِكِ: يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فِي مَقَامِهِ ﵊ وَهُوَ الْحُفْرَةُ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَصَاحِبُ الِاخْتِيَارِ: وَيَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَيَسْأَلُهُ تَمَامَهَا وَالْقَبُولَ. وَقِيلَ ذَرْعُ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَمَوْقِفِهِ ﵊ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشْرَ ذِرَاعًا وَشِبْرٌ، وَمَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَشِبْرٌ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَهُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنْ السَّارِيَةِ الَّتِي عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ فِي زَاوِيَةِ جِدَارِهِ.
وَمَا عَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مِنْ السُّنَّةَ أَنْ تَأْتِيَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَتَجْعَلَ ظَهْرَك إلَى الْقِبْلَةِ وَتَسْتَقْبِلَ الْقَبْرَ بِوَجْهِك ثُمَّ تَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَوْعٍ مَا مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﵊ فِي الْقَبْرِ الشَّرِيفِ الْمُكَرَّمِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. وَقَالُوا فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ مُطْلَقًا: الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ الزَّائِرُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْمُتَوَفَّى لَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ أَتْعَبُ لِبَصَرِ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُقَابِلًا بَصَرَهُ لِأَنَّ بَصَرَهُ نَاظِرٌ إلَى جِهَةِ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ عَلَى جَنْبِهِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِبْلَةُ عَنْ يَسَارِ الْوَاقِفِ مِنْ جِهَةِ قَدَمَيْهِ ﵊ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَإِذَا أَكْثَرَ الِاسْتِقْبَالَ إلَيْهِ ﵊ لَا كُلَّ
[ ٣ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الِاسْتِقْبَالِ بِكَوْنِ اسْتِدْبَارِهِ الْقِبْلَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَخْذِهِ إلَى جِهَتِهَا فَيَصْدُقُ الِاسْتِدْبَارُ وَنَوْعٌ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وُقُوفُ الزَّائِرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ تَمَامِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِقْبَالِهِ ﷺ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْبَصَرُ نَاظِرًا إلَى جَنْبِ الْوَاقِفِ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ الْوَاقِفُ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَهُ ﵊ وَبَصَرَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى، ثُمَّ يَقُولُ فِي مَوْقِفِهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا خِيرَةِ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّك عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّك يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَّغْت الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْت الْأَمَانَةَ وَنَصَحْت الْأُمَّةَ وَكَشَفْت الْغُمَّةَ، فَجَزَاك اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، جَازَاك اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَازَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ.
اللَّهُمَّ أَعْطِ سَيِّدَنَا عَبْدَك وَرَسُولَك مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَك، إنَّك سُبْحَانَك ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ مُتَوَسِّلًا إلَى اللَّهِ بِحَضْرَةِ نَبِيِّهِ ﵊. وَأَعْظَمُ الْمَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا سُؤَالُ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ الشَّفَاعَةَ فَيَقُولُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ وَأَتَوَسَّلُ بِك إلَى اللَّهِ فِي أَنْ أَمُوتَ مُسْلِمًا عَلَى مِلَّتِك وَسُنَّتِك، وَيَذْكُرُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعْطَافِ وَالرِّفْقِ بِهِ، وَيَجْتَنِبُ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِدْلَالِ وَالْقُرْبِ مِنْ الْمُخَاطَب فَإِنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ. وَعَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: سَمِعْت بَعْضَ مَنْ أَدْرَكْت يَقُولُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: ﷺ يَا مُحَمَّدُ سَبْعِينَ مَرَّةً، نَادَاهُ مَلَكٌ ﷺ وَعَلَيْك يَا فُلَانُ وَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ حَاجَةٌ.
هَذَا وَلْيُبَلِّغْ سَلَامَ مَنْ أَوْصَاهُ بِتَبْلِيغِ سَلَامِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يُسَلِّمُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ. يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ كَانَ يُوصِي بِذَلِكَ وَيُرْسِلُ الْبَرِيدَ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ بِذَلِكَ، وَمَنْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ.
وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ الْإِيجَازُ فِي ذَلِكَ جِدًّا، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ عَنْ يَمِينِهِ إذَا كَانَ مُسْتَقْبِلًا قَيْدَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَإِنَّ رَأْسَهُ حِيَالَ مَنْكِبِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ تَأَخُّرُهُ إلَى وَرَائِهِ بِجَانِبِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَثَانِيَهُ فِي الْغَارِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، جَزَاك اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرًا، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كَذَلِكَ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ ﵁، لِأَنَّ رَأْسَهُ مِنْ الصِّدِّيقِ كَرَأْسِ الصِّدِّيقِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ الْفَارُوقَ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، جَزَاك اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرًا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى حِيَالِ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ وَيَدْعُو وَيَسْتَشْفِعُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَنْ أَحَبَّ، وَيَخْتِمُ دُعَاءَهُ بِآمِينَ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ.
وَقِيلَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَوْدِ إلَى رَأْسِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْت: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ
[ ٣ / ١٨١ ]
(وَ) ذُكِرَ (فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ يُجَامِعُهَا) وَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَلِّلُهَا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ بِقَصِّ شَعْرٍ أَوْ بِقَلْمِ ظُفْرٍ ثُمَّ يُجَامِعُ، وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَلِّلُهَا بِالْمُجَامَعَةِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْدِيمِ مَسٍّ يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحَلِّلَهَا بِغَيْرِ الْمُجَامَعَةِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْحَجِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فَكَشَفَتْ عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
وَزَادَ: «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقَدَّمًا، وَأَبَا بَكْرٍ رَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ النَّبِيِّ ﷺ»، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الزِّيَارَةِ يَأْتِي الرَّوْضَةَ فَيُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتٌ تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَبْرِي وَمِنْبَرِي» وَيَقِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَيَدْعُو، فَفِي الْحَدِيثِ «قَوَاعِدُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ» وَعَنْهُ ﵊ «مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ» وَكَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى رُمَّانَةِ الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ الَّتِي كَانَ ﵊ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْخُطْبَةِ، وَهُنَاكَ الْآنَ قِطْعَةٌ تُدْخِلُ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مِنْ طَاقَةٍ فِي الْمِنْبَرِ إلَيْهَا يَتَبَرَّكُونَ بِهَا يُقَالُ إنَّهَا مِنْ بَقَايَا مِنْبَرِهِ ﵊، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَفُوتَهُ مُدَّةَ مَقَامِهِ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ صَلَاةً فِي مَسْجِدِهِ تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَهَذَا التَّفْضِيلُ مُخْتَصٌّ بِالْفَرَائِضِ.
وَقِيلَ فِي النَّفْلِ أَيْضًا، وَلَعَلَّنَا قَدَّمْنَا مَا يَنْفِيهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ ﵊ أَنَّ «أَفْضَلَ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي مَنْزِلِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ»، وَهَذَا قَالَهُ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ يُشَافِهُ بِهِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْغَائِبِينَ، ثُمَّ هُوَ ﷺ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ التَّنَفُّلَ فِي الْمَسْجِدِ بَلْ فِي بَيْتِهِ مِنْ التَّهَجُّدِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُصَلِّ نَافِلَةً إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَخِلَافُهُ قَلِيلٌ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ خُصُوصًا وَمَنْ بَيْتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ نَقَلَ قَدَمًا وَاحِدَةً.
وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي سَأَلَتْهُ الْحُضُورَ وَالصَّلَاةَ مَعَهُ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا مَعَ أَنَّ الْخُرُوجَ لَهُنَّ كَانَ مُبَاحًا إذْ ذَاكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَخْرِيجَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. فَعُلِمَ أَنَّ إطْلَاقَ الْخُرُوجِ لَهُنَّ إذْ ذَاكَ كَانَ لِيَتَعَلَّمْنَ مَا يُشَاهِدْنَهُ مِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ وَحُسْنِ أَدَاءِ النَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ وَيَتَعَوَّدْنَ الْمُوَاظَبَةَ وَلَا يَسْتَثْقِلْنَ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّ يَوْمٍ إلَى الْبَقِيعِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَيَزُورُ الْقُبُورَ الَّتِي بِهَا خُصُوصًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيُبَكِّرُ كَيْ لَا تَفُوتَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَدْ كَانَ ﷺ يَزُورُهُ «وَقَالَ لِأُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ لَمَّا أَخَذَ بِيَدِهَا فَذَهَبَا إلَيْهِ: تَرَيْنَ هَذِهِ الْمَقْبَرَةَ؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: يُبْعَثُ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» وَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
وَيَزُورُ الْقُبُورَ الْمَشْهُورَةَ كَقَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَقَبْرِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ فِي قُبَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ، وَفِيهَا قَبْرَانِ الْغَرْبِيُّ مِنْهُمَا قَبْرُ الْعَبَّاسِ ﵁ وَالشَّرْقِيُّ قَبْرُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَزَيْنُ الْعَابِدِينَ وَوَلَدُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ وَابْنُهُ جَعْفَرُ الصَّادِقُ ﵃ كُلُّهُمْ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَعِنْدَ بَابِ الْبَقِيعِ عَنْ يَسَارِ الْخَارِجِ قَبْرُ صَفِيَّةَ أُمِّ الزُّبَيْرِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِيهِ قَبْرُ فَاطِمَةَ بِنْتُ أَسَدٍ أُمُّ عَلِيٍّ ﵄، وَيُصَلِّي فِي مَسْجِدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِبَيْتِ الْأَحْزَانِ، وَقِيلَ قَبْرُهَا فِيهِ، وَقِيلَ بَلْ فِي الصُّنْدُوقِ الَّذِي هُوَ أَمَامَ مُصَلَّى الْإِمَامِ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ، وَاسْتَبْعَدَهُ
[ ٣ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
وَقِيلَ إنَّ قَبْرَهَا فِي بَيْتِهَا وَهُوَ فِي مَكَانِ الْمِحْرَابِ الْخَشَبِ الَّذِي خَلْفَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ دَاخِلَ الدَّارَبْزِينِ قَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَبِالْبَقِيعِ قُبَّةٌ يُقَالُ إنَّ فِيهَا قَبْرَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَالْمَنْقُولُ أَنَّ قَبْرَ عَقِيلٍ فِي دَارِهِ، وَفِيهِ حَظِيرَةٌ مُسْتَهْدَمَةٌ مَبْنِيَّةٌ بِالْحِجَارَةِ يُقَالُ إنَّ فِيهَا قُبُورَ مَنْ دُفِنَ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵅، وَفِيهِ قَبْرُ إبْرَاهِيمَ ابْنِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَدْفُونٌ إلَى جَنْبِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَدُفِنَ إلَى جَنْبِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. وَعُثْمَانُ هَذَا أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَيَأْتِي أُحُدًا يَوْمَ الْخَمِيسِ مُبَكِّرًا كَيْ لَا تَفُوتُهُ جَمَاعَةُ الظُّهْرِ بِالْمَسْجِدِ فَيَزُورُ قُبُورَ شُهَدَاءِ أَحَدٍ، وَيَبْدَأُ بِقَبْرِ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ وَيَزُورُ جَبَلَ أُحُدٍ نَفْسَهُ، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ عَيْرًا عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ النَّارِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ فَزُورُوهُمْ وَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ لِأَنَّهُ «كَانَ يَأْتِيهِ فِي كُلِّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ فِيهِ حَجَرًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ﵃ وَيَنْوِي زِيَارَتَهُ وَالصَّلَاةَ فِيهِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ «أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ كَعُمْرَةٍ» وَيَأْتِي فِي قُبَاءَ بِئْرَ أَرِيسٍ الَّتِي تَفَلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِيهَا سَقَطَ خَاتَمُهُ ﷺ مِنْ عُثْمَانَ ﵁، فَيَتَوَضَّأُ وَيَشْرَبُ وَيَزُورُ مَسْجِدَ الْفَتْحِ وَهُوَ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْ جَبَلِ سَلْعٍ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ فَيَرْكَعُ فِيهِ وَيَدْعُو.
رَوَى جَابِرٌ «أَنَّهُ ﷺ دَعَا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْأَحْزَابِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ». وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي هُنَاكَ مِنْهَا مَسْجِدٌ يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ بَنِي ظُفْرٍ وَفِيهِ حَجَرٌ جَلَسَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَيُقَالُ مَا جَلَسَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ تُرِيدُ الْوَلَدَ إلَّا حَبِلَتْ، وَيُقَالُ إنَّ جَمِيعَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ الْمُفَضَّلَةِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثُونَ يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَيَقْصِدُ الْآبَارَ الَّتِي كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَيَشْرَبُ وَهِيَ سَبْعَةٌ مِنْهَا بِئْرُ بُضَاعَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِصَلَاةٍ وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ، وَأَنْ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الْكَرِيمَ فَيُسَلِّمَ وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى أَهْلِهِ سَالِمًا غَانِمًا فِي عَافِيَةٍ مِنْ بَلِيَّاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَقُولَ: غَيْرَ مُوَدَّعٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَسْأَلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى حَرَمِهِ وَحَرَمِ نَبِيِّهِ فِي عَافِيَةٍ. وَلْيُكْثِرْ دُعَاءَهُ بِذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ الْقَبْرِ، وَيَجْتَهِدَ فِي خُرُوجِ الدَّمْعِ فَإِنَّهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْقَبُولِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ عَلَى جِيرَانِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَنْصَرِفَ
[ ٣ / ١٨٣ ]