(فَصْلٌ)
(فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْمُحْرِمُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إلَى عَرَفَاتٍ وَوَقَفَ بِهَا) عَلَى مَا بَيَّنَّا (سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ) لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَجِّ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَفْعَالِ، فَلَا يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ سُنَّةً (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَبِتَرْكِ السُّنَّةِ لَا يَجِبُ الْجَابِرُ
(وَمَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهَا إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ) فَأَوَّلُ وَقْتِ الْوُقُوفِ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَنَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذَا بَيَانُ أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَقَالَ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ
الْمُنْذِرِيُّ: فَيَكُونُ شُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ قَدْ طَافَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ اهـ.
وَهُوَ مُضَعَّفٌ بِالْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ، وَالْمُرَادُ بِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَدِّ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْأَعْلَى، صَرَّحَ بِتَسْمِيَتِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ بِسَنَدٍ أَجْوَدَ مِنْهُ. وَأَمَّا تَعْيِينُ مَحَلِّ الْمُلْتَزَمِ فَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْهُ ﷺ قَالَ «مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ مُلْتَزَمٌ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا، وَوَقَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا الْمُلْتَزَمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإِ بَلَاغًا، وَلِمِثْلِهِ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْعَقْلِ بِهِ، هَذَا وَالْمُلْتَزَمُ مِنْ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا دَعَوْت قَطُّ إلَّا أَجَابَنِي.
وَفِي رِسَالَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ هُنَاكَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا: فِي الطَّوَافِ، وَعِنْدَ الْمُلْتَزَمِ، وَتَحْتَ الْمِيزَابِ، وَفِي الْبَيْتِ، وَعِنْدَ زَمْزَمَ، وَخَلْفَ الْمَقَامِ، وَعَلَى الصَّفَا، وَعَلَى الْمَرْوَةِ، وَفِي السَّعْيِ، وَفِي عَرَفَاتٍ، وَفِي مُزْدَلِفَةَ، وَفِي مِنًى، وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَفِي الْحَطِيمِ، لَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَقَدْ قَدَّمْنَا آدَابَهُ فِي الْفُرُوعِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ فِي الطَّوَافِ فَارْجِعْ إلَيْهَا.
(فَصْلٌ)
حَاصِلُهُ مَسَائِلُ شَتَّى مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ هِيَ عَوَارِضُ خَارِجَةٌ عَنْ أَصْلِ التَّرْتِيبِ، وَهِيَ تَتْلُو الصُّورَةَ السَّلِيمَةَ، وَهِيَ مَا أَفَادَهُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا نَوَى بِتَلْبِيَتِهِ الْحَجَّ، إلَى أَنْ قَالَ: فَهَذَا بَيَانُ تَمَامِ الْحَجِّ
(قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ بَعْد الزَّوَالِ») تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، وَقَالَ «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ» إلَخْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ ﷺ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَفِي سَنَدِهِ رَحْمَةُ بْنُ مُصْعَبٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَلَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُهُ
[ ٢ / ٥٠٨ ]
الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ» وَهَذَا بَيَانُ آخِرِ الْوَقْتِ. وَمَالِكٌ ﵀ إنْ كَانَ يَقُولُ: إنَّ أَوَّلَ وَقْتِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَهُوَ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ بِمَا رَوَيْنَا (ثُمَّ إذَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَأَفَاضَ مِنْ سَاعَتِهِ أَجْزَأَهُ) عِنْدَنَا لِأَنَّهُ ﷺ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةٍ أَوْ فَإِنَّهُ قَالَ «الْحَجُّ عَرَفَةَ فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وَهِيَ كَلِمَةُ التَّخْيِيرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَقِفَ فِي الْيَوْمِ وَجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ
وَفِي ذِكْرِ الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا أَحَادِيثُ أُخَرُ لَمْ تَسْلَمْ، وَأَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ». الْحَدِيثَ، وَمَا أَظُنُّ أَنَّ فِي مَعْنَى الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فَيُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي الصَّحَابَةِ وَرَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثًا آخَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَفَّتِ، وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ فَهُوَ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ بِمَا رَوَيْنَا) حُجَّةُ مَالِك الْحَدِيثُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الْحَجُّ عَرَفَةَ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ الدِّيلِيِّ، فَمَجْمُوعُ هَذَا اللَّفْظِ يَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِ الْحَدِيثَيْنِ.
وَحَاصِلُ حُجَّةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ فِعْلَهُ ﵊ كَانَ مِنْ الزَّوَالِ، وَهُوَ وَقَعَ بَيَانًا لِوَقْتِ الْوُقُوفِ الَّذِي دَلَّتْ الْإِشَارَةُ عَلَى افْتِرَاضِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ وَعَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ غَيْرُ ذَلِكَ الْفِعْلُ، فَأَمَّا إذَا ثَبَتَ قَوْلٌ أَيْضًا فِيهِ يُصَرِّحُ بِأَنَّ وَقْتَهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ عُرِفَ بِهِ أَنَّ فِعْلَهُ كَانَ بَيَانًا لِسُنَّةِ الْوُقُوفِ الْأَوْلَى فِيهِ، وَيَثْبُتُ بِالْقَوْلِ بَيَانُ أَصْلِ الْوَقْتِ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ لِلْحَجَّاجِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ: السَّاعَةُ إنْ أَرَدْت السُّنَّةَ، مُرَادٌ بِهِ السُّنَّةُ الِاصْطِلَاحِيَّةُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الذَّهَابُ إلَى الْمَوْقِفِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بَلْ لَوْ أَخَّرَهُ جَازَ (قَوْلُهُ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا يُجْزِيهِ إنْ وَقَفَ مِنْ النَّهَارِ إلَّا أَنْ يَقِفَ فِي الْيَوْمِ وَجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ) التَّحْرِيرُ فِي الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِيهِ إنْ وَقَفَ مِنْ النَّهَارِ إلَّا أَنْ يَقِفَ مَعَهُ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ
[ ٢ / ٥٠٩ ]
(وَمَنْ اجْتَازَ بِعَرَفَاتٍ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا عَرَفَاتٌ جَازَ عَنْ الْوُقُوفِ) لِأَنَّ مَا هُوَ الرُّكْنُ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ بِالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ كَرُكْنِ الصَّوْمِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى مَعَ الْإِغْمَاءِ، وَالْجَهْلُ يُخِلُّ بِالنِّيَّةِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِكُلِّ رُكْنٍ
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَهَلَّ عَنْهُ رُفَقَاؤُهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ﵀ (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ، وَلَوْ أَمَرَ إنْسَانًا بِأَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ نَامَ فَأَحْرَمَ الْمَأْمُورُ عَنْهُ صَحَّ) بِالْإِجْمَاعِ
يَقِفْ إلَّا مِنْ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمْعَ بَيْنَ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ لِمَنْ وَقَفَ بِالنَّهَارِ وَهُوَ بِأَنْ يُفِيضَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَمَلْجَؤُهُ فِعْلُهُ ﷺ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مِثْلُ مَا قُلْنَا مَعَهُ فِي أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ مِنْ الزَّوَالِ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ هُنَا مِثْلُ مَا أَوْرَدْنَاهُ عَلَيْنَا مِنْ جِهَتِهِ هُنَاكَ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ قَوْلٌ يُفِيدُ عَدَمَ تَعَيُّنِ ذَلِكَ، وَبِهِ يَقَعُ الْبَيَانُ كَالْفِعْلِ فَتُحْمَلُ الْإِفَاضَةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ عَلَى أَنَّهُ السُّنَّةُ الْوَاجِبَةُ، وَقَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ الرُّكْنُ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ مَعَ تَرْكِ الْوَاجِبِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ مَا هُوَ الرُّكْنُ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْوُقُوفُ) وَالْمَشْيُ وَإِنْ أَسْرَعَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ وُقُوفٍ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي فَنِّهِ، وَالْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَى هَذَا يُجْزِيهِ الْكَوْنُ بِهَا وَلَوْ نَائِمًا أَوْ مَارًّا لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا مُزْدَلِفَةُ (قَوْلُهُ وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِكُلِّ رُكْنٍ) إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرُّكْنُ مِمَّا يَسْتَقِلُّ عِبَادَةً مَعَ عَدَمِ إحْرَامِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَصْلِ النِّيَّةِ، وَعَنْ هَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ، فَإِنَّهُ لَوْ طَافَ هَارِبًا أَوْ طَالِبًا لِهَارِبٍ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي يَجِبُ الطَّوَافُ بِهِ لَا يُجْزِيهِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. وَلَوْ نَوَى أَصْلَ الطَّوَافِ جَازَ.
وَلَوْ عَيَّنَ جِهَةً غَيْرَ الْفَرْضِ مَعَ أَصْلِ النِّيَّةِ لَغَتْ، حَتَّى لَوْ طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ نَذْرٍ وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ النَّذْرِ، وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ يُؤَدَّى فِي إحْرَامٍ مُطْلَقٍ فَأَغْنَتْ النِّيَّةُ عِنْدَ الْعَقْدِ عَنْ الْأَدَاءِ عَنْهَا فِيهِ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ يُؤَدَّى بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ فَلَا يُغْنِي وُجُودُهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ عَنْهَا فِيهِ، وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَا الْعُمْرَةِ وَالْأَوَّلُ يَعُمُّهُمَا
(قَوْلُهُ وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَهَلَّ عَنْهُ رُفَقَاؤُهُ جَازَ) الرَّفِيقُ قَيْدٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ عِنْدَ آخَرِينَ، حَتَّى لَوْ أَهَلَّ غَيْرُ رُفَقَائِهِ عَنْهُ جَازَ وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ لَا الْوِلَايَةِ، وَدَلَالَةُ الْإِعَانَةِ قَائِمَةٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ عَلِمَ
[ ٢ / ٥١٠ ]
حَتَّى إذَا أَفَاقَ أَوْ اسْتَيْقَظَ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْحَجِّ جَازَ. لَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِنَفْسِهِ وَلَا أَذِنَ لِغَيْرِهِ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْإِذْنِ وَالدَّلَالَةُ تَقِفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَجَوَازُ الْإِذْنِ بِهِ لَا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَكَيْفَ يَعْرِفُهُ الْعَوَامُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ صَرِيحًا. وَلَهُ أَنَّهُ لَمَّا عَاقَدَهُمْ عَقْدَ الرُّفْقَةِ فَقَدْ اسْتَعَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَالْإِحْرَامُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا السَّفَرِ فَكَانَ الْإِذْنُ بِهِ ثَابِتًا دَلَالَةً، وَالْعِلْمُ ثَابِتٌ نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَيْهِ.
قَصْدَهُ رَفِيقًا كَانَ أَوْ لَا.
وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ عِنْدَنَا اتِّفَاقًا كَالْوُضُوءِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ شِبْهُ الرُّكْنِ فَجَازَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ نِيَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَافَقَةَ هَلْ تَكُونُ أَمْرًا بِهِ دَلَالَةٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ أَوْ لَا، فَقَالَا: لَا، لِأَنَّ الْمُرَافَقَةَ إنَّمَا تُرَادُ لِأُمُورِ السَّفَرِ لَا غَيْرُ فَلَا تَتَعَدَّى إلَى الْإِحْرَامِ، بَلْ الظَّاهِرُ مَنْعُ غَيْرِهِ عَنْهُ لِيَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ فَيَحُوزُ ثَوَابَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِنَابَةِ فِيهِ إنَّمَا تَثْبُتُ إذَا كَانَ
[ ٢ / ٥١١ ]
قَالَ (وَالْمَرْأَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَالرَّجُلِ) لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ كَالرَّجُلِ (غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا) لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ (وَتَكْشِفُ وَجْهَهَا)
مَعْلُومًا عِنْدَ النَّاسِ.
وَصِحَّةُ الْإِذْنِ بِالْإِحْرَامِ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ فَكَيْفَ بِالْعَامِّيِّ وَهَذَا الْوَجْهُ يَعُمُّ مَنْعَ الرَّفِيقِ وَغَيْرِهِ نَصًّا وَالْأَوَّلُ دَلَالَةً. وَلَهُ أَنَّ عَقْدَ الرُّفْقَةِ اسْتِعَانَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ بِكُلٍّ مِنْهُمْ فِيمَا يَعْجَزُ عَنْهُ فِي سَفَرِهِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا السَّفَرِ إلَّا الْإِحْرَامَ، وَهُوَ أَهَمُّهَا إنْ كَانَ مَثَلًا يُقْصَدُ التِّجَارَةَ مَعَ الْحَجِّ فَكَانَ عَقْدُ السَّفَرِ اسْتِعَانَةً فِيهِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ كَمَا هُوَ فِي حِفْظِ الْأَمْتِعَةِ وَالدَّوَابِّ أَوْ أَقْوَى.
فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْإِذْنِ ثَابِتَةً وَالْعِلْمُ بِجَوَازِهِ ثَابِتٌ نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْإِحْرَامِ وَهُوَ كَوْنُهُ شَرْطًا وَالشَّرْطُ تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ، كَمَنْ أَجْرَى الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ مُحْدِثٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُتَوَضِّئًا، أَوْ غَطَّى عَوْرَةَ عُرْيَانٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحَصِّلًا لِلشَّرْطِ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ مَنْصُوبٌ فَيُقَامُ وُجُودُهُ مَقَامَ الْعِلْمِ بِهِ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ كُلِّفَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَلِذَا لَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَجَهِلَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ مَثَلًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُجَرِّدُوهُ وَيُلْبِسُوهُ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ لِأَنَّ النِّيَابَةَ ظَهَرَ أَنَّ مَعْنَاهَا إيجَادُ الشَّرْطِ فِي الْمَنُوبِ عَنْهُ كَالتَّوْضِئَةِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنْ لَيْسَ مَعْنَى الْإِحْرَامِ عَنْهُ ذَلِكَ، بَلْ أَنْ يُحْرِمُوا هُمْ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ فَيَصِيرَ هُوَ مُحْرِمًا بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَرِّدُوهُ، حَتَّى إذَا أَفَاقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَفْعَالُ وَالْكَفُّ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْرِمَ بِنَفْسِهِ.
فَالْجَوَابُ التَّجْرِيدُ وَإِلْبَاسُ غَيْرِ الْمَخِيطِ لَيْسَ وِزَانَ التَّوْضِئَةِ الَّتِي هِيَ الشَّرْطُ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ بَلْ كَفٌّ عَنْ بَعْضِ الْمَحْظُورَاتِ، أَعْنِي لُبْسَ الْمَخِيطِ، وَإِنَّمَا الْإِحْرَامُ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ هُوَ صَيْرُورَتُهُ مُحْرِمًا عَلَيْهِ أَشْيَاءُ مُوجِبًا عَلَيْهِ الْمُضِيَّ فِي أَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ. وَآلَةُ ثُبُوتِ هَذَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الْمُسَمَّى بِالْإِحْرَامِ نِيَّةُ الْتِزَامِ نُسُكٍ مَعَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا. وَنِيَابَتُهُمْ إنَّمَا هِيَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الشَّرْطِ، فَوَجَبَ كَوْنُ الَّذِي هُوَ إلَيْهِمْ أَنْ يَنْوُوا وَيُلَبُّوا عَنْهُ فَيَصِيرُ هُوَ بِذَلِكَ مُحْرِمًا، كَمَا لَوْ نَوَى هُوَ وَلَبَّى، وَيَنْتَقِلُ إحْرَامُهُمْ إلَيْهِ حَتَّى كَانَ لِلرَّفِيقِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ ذَلِكَ. وَإِذَا بَاشَرَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الْقَارِنِ لِأَنَّهُ فِي إحْرَامَيْنِ وَهَذَا فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ لِانْتِقَالِ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ إلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ شَرْعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ اسْتَمَرَّ مُغْمًى عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ، هَلْ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدُوا بِهِ الْمَشَاهِدَ فَيُطَافُ بِهِ وَيُسْعَى وَيُوقَفَ أَوْ لَا بَلْ مُبَاشَرَةُ الرُّفْقَةِ لِذَلِكَ عَنْهُ تُجْزِيهِ، فَاخْتَارَ طَائِفَةٌ الْأَوَّلَ، وَعَلَيْهِ يَمْشِي التَّقْرِيرُ الْمَذْكُورُ، وَاخْتَارَ آخَرُونَ الثَّانِيَ وَجَعَلَهُ فِي الْمَبْسُوطِ الْأَصَحَّ وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَوْلَى لَا مُتَعَيَّنٌ. وَعَلَى هَذَا يَجِبُ كَوْنُ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْإِحْرَامِ الَّذِي أُقِيمَ وُجُودُهُ مَقَامَ الْعِلْمِ بِهِ هُوَ كَوْنُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ: أَعْنِي الْحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا فِي اسْتِنَابَةِ الَّذِي زَمِنَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ وَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَوْصَى بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ أَفَاقَ قَبْلَ الْأَفْعَالِ تَبَيَّنَ أَنَّ عَجْزَهُ كَانَ فِي الْإِحْرَامِ فَقَطْ فَصَحَّتْ نِيَابَتُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ ثُمَّ يَجْرِي هُوَ بِنَفْسِهِ عَلَى مُوجِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يُفِقْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ الْكُلِّ فَأَجْرَوْا هُمْ عَلَى مُوجِبِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الرَّفِيقَ بِفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ شَيْءٌ عَنْ هَذَا الْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ النَّائِبِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ إفَاقَةَ هَذَا فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْأَدَاءُ بِنَفْسِهِ لِعَدَمِ الْعَجْزِ فَنَقَلْنَا الْإِحْرَامَ إلَيْهِ، لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَنْقُلْ الْإِحْرَامَ إلَيْهِ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَفَاتَهُ الْحَجُّ إذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهُوَ أَنْ يُفِيقَ
[ ٢ / ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ لِعَدَمِ الْعَجْزِ عَنْ بَاقِي الْأَفْعَالِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ تَجْدِيدِ الْإِحْرَامِ لِلْأَدَاءِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَمَا جُعِلَ عَقْدُ الرُّفْقَةِ أَوْ الْعِلْمِ بِحَالِهِ دَلِيلَ الْإِذْنِ إلَّا كَيْ لَا يَفُوتَ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا السَّفَرِ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ انْتَفَى فِيهِ ذَلِكَ فَانْتَفَى مُوجِبُ النَّقْلِ عَنْ الْمُبَاشِرِ لِلْإِحْرَامِ. وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَطِيفَ بِهِ الْمَنَاسِكَ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ وَقَدْ سَبَقَتْ النِّيَّةُ مِنْهُ، فَهُوَ كَمَنْ نَوَى الصَّلَاةَ فِي ابْتِدَائِهَا ثُمَّ أَدَّى الْأَفْعَالَ سَاهِيًا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ أَجْزَأَهُ لِسَبْقِ النِّيَّةِ اهـ.
وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِبَعْضِ أَرْكَانِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الطَّوَافُ. بِخِلَافِ سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ هَذِهِ النِّيَّةُ. وَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنَّ جَوَازَ الِاسْتِنَابَةِ فِيمَا يَعْجَزُ عَنْهُ ثَابِتٌ بِمَا قُلْنَا. فَتَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ. وَيُشْتَرَطُ نِيَّتُهُمْ الطَّوَافَ إذَا حَمَلُوهُ فِيهِ كَمَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ، إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَعَيُّنِ حَمْلِهِ وَالشُّهُودِ، وَلَا أَعْلَمُ تَجْوِيزَ ذَلِكَ عَنْهُمْ. فِي الْمُنْتَقَى.
رَوَى عِيسَى بْنُ أَبَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: رَجُلٌ أَحْرَمَ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ أَصَابَهُ عَتَهٌ فَقَضَى بِهِ أَصْحَابُهُ الْمَنَاسِكَ وَوَقَفُوا بِهِ فَلَبِثَ بِذَلِكَ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ إلَّا أَنَّهُ يَعْقِلُ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَطَافُوا بِهِ فَلَمَّا قَضَى الطَّوَافَ أَوْ بَعْضَهُ أَفَاقَ وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَلَمْ يُتِمَّ يَوْمًا أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِهِ.
وَفِيهِ أَيْضًا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ إلَّا مَحْمُولًا وَهُوَ يَعْقِلُ نَامَ مِنْ غَيْرِ عَتَهٍ فَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَطَافُوا بِهِ، أَوْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُ وَيَطُوفُوا بِهِ فَلَمْ يَفْعَلُوا حَتَّى نَامَ ثُمَّ احْتَمَلُوهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَطَافُوا بِهِ أَوْ حَمَلُوهُ حِينَ أَمَرَهُمْ بِحَمْلِهِ وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ فَلَمْ يَدْخُلُوا بِهِ الطَّوَافَ حَتَّى نَامَ فَطَافُوا بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ.
رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُمْ إذَا طَافُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ لَا يُجْزِيهِ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ ثُمَّ نَامَ فَحَمَلُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَطَافُوا بِهِ أَجْزَأَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلُوا بِهِ الطَّوَافَ أَوْ تَوَجَّهُوا بِهِ نَحْوَهُ فَنَامَ وَطَافُوا بِهِ أَجْزَأَهُ. وَلَوْ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ عِنْدَهُ: اسْتَأْجِرْ لِي مَنْ يَطُوفُ بِي وَيَحْمِلُنِي ثُمَّ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ وَنَامَ وَلَمْ يَمْضِ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ مِنْ فَوْرِهِ بَلْ تَشَاغَلَ بِغَيْرِهِ طَوِيلًا ثُمَّ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَحْمِلُونَهُ وَأَتَوْهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَطَافُوا بِهِ قَالَ: أَسْتَحْسِنُ إذَا كَانَ عَلَى فَوْرِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ.
فَأَمَّا إذَا طَالَ ذَلِكَ وَنَامَ فَأَتَوْهُ وَحَمَلُوهُ وَهُوَ نَائِمٌ لَا يُجْزِيهِ عَنْ الطَّوَافِ، وَلَكِنَّ الْإِحْرَامَ لَازِمٌ بِالْأَمْرِ. قَالَ: وَالْقِيَاسُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ الطَّوَافَ وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ يَنْوِي الدُّخُولَ فِيهِ، لَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا إذَا حَضَرَ ذَلِكَ فَنَامَ وَقَدْ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ فَطَافَ بِهِ أَنَّهُ يُجْزِيهِ.
وَحَاصِلُ هَذِهِ الْفُرُوعِ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي اشْتِرَاطِ صَرِيحِ الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ، ثُمَّ فِي النَّائِمِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ. اسْتَأْجَرَ رِجَالًا فَحَمَلُوا امْرَأَةً فَطَافُوا بِهَا وَنَوَوْا الطَّوَافَ أَجْزَأَهُمْ وَلَهُمْ الْأُجْرَةُ وَأَجْزَأَ الْمَرْأَةَ. وَإِنْ نَوَى الْحَامِلُونَ طَلَبَ غَرِيمٍ لَهُمْ الْمَحْمُولُ يَعْقِلُ وَقَدْ نَوَى الطَّوَافَ أَجْزَأَ الْمَحْمُولُ دُونَ الْحَامِلِينَ، وَإِنْ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ لِانْتِفَاءِ النِّيَّةِ مِنْهُ وَمِنْهُمْ. أَمَّا جَوَازُ الطَّوَافِ فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ حِينَ أَحْرَمَتْ نَوَتْ الطَّوَافَ ضِمْنًا، وَإِنَّمَا تُرَاعَى النِّيَّةُ وَقْتَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَدَاءِ. وَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ فَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَضْعًا، وَإِذَا حَمَلُوهَا وَطَافُوا وَلَا يَنْوُونَ الطَّوَافَ بَلْ طَلَبَ غَرِيمٍ لَا يُجْزِيهَا إذَا كَانَتْ مُغْمًى عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ مَا أَتَوْا بِالطَّوَافِ وَإِنَّمَا أَتَوْا بِطَلَبِ الْغَرِيمِ وَالْمُنْتَقَلُ إلَيْهَا إنَّمَا هُوَ فِعْلُهُمْ فَلَا
[ ٢ / ٥١٣ ]
لِقَوْلِهِ ﵊ «إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» (وَلَوْ سَدَلَتْ شَيْئًا عَلَى وَجْهِهَا وَجَافَتْهُ عَنْهُ جَازَ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِظْلَالِ بِالْمُحْمَلِ (وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ (وَلَا تَرْمُلُ وَلَا تَسْعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ) لِأَنَّهُ مُخِلٌّ بِسِتْرِ الْعَوْرَةِ (وَلَا تَحْلِقُ وَلَكِنْ تُقَصِّرُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ الْحَلْقِ وَأَمَرَهُنَّ بِالتَّقْصِيرِ» وَلِأَنَّ حَلْقَ الشَّعْرِ فِي حَقِّهَا مُثْلَةٌ كَحَلْقِ اللِّحْيَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ (وَتَلْبَسُ مِنْ الْمَخِيطِ مَا بَدَا لَهَا) لِأَنَّ فِي لُبْسِ غَيْرِ الْمَخِيطِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ. قَالُوا: وَلَا تَسْتَلِمُ الْحَجَرَ إذَا كَانَ هُنَاكَ جَمْعٌ، لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ مُمَاسَّةِ الرِّجَالِ إلَّا أَنْ تَجِدَ الْمَوْضِعَ خَالِيًا.
قَالَ (وَمَنْ قُلِّدَ بَدَنَةً تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ وَتَوَجَّهَ مَعَهَا يُرِيدُ الْحَجَّ فَقَدْ أَحْرَمَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً فَقَدْ أَحْرَمَ» وَلِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَةِ فِي إظْهَارِ الْإِجَابَةِ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ، وَإِظْهَارُ الْإِجَابَةِ قَدْ
يُجْزِيهَا إلَّا إذَا كَانَتْ مُفِيقَةً وَنَوَتْ الطَّوَافَ
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا») تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِهِ مَوْقُوفًا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ قَالَتْ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ».
قَالُوا: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَسْدِلَ عَلَى وَجْهِهَا شَيْئًا وَتُجَافِيَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِذَلِكَ أَعْوَادًا كَالْقُبَّةِ تُوضَعُ عَلَى الْوَجْهِ وَيُسْدَلُ فَوْقَهَا الثَّوْبُ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ إبْدَاءِ وَجْهِهَا لِلْأَجَانِبِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَكَذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَتَلْبَسُ مِنْ الْمَخِيطِ مَا بَدَا لَهَا) كَالدِّرْعِ وَالْقَمِيصِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْقُفَّازَيْنِ، لَكِنْ لَا تَلْبَسُ الْمُوَرَّسَ وَالْمُزَعْفَرَ وَالْمُعَصْفَرَ
(قَوْلُهُ أَوْ جَزَاءُ صَيْدٍ) إمَّا بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَزَاءُ صَيْدٍ فِي حَجَّةٍ سَابِقَةٍ فَقَلَّدَهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ جَزَاءُ صَيْدِ الْحَرَمِ اشْتَرَى بِقِيمَتِهِ هَدْيًا (قَوْلُهُ وَتَوَجَّهَ مَعَهَا يُرِيدُ الْحَجَّ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: التَّقْلِيدُ وَالتَّوَجُّهُ مَعَهَا وَنِيَّةُ النُّسُكِ. وَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ قَلَّدَ بَدَنَةً بِغَيْرِ نِيَّةِ الْإِحْرَامِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، وَلَوْ سَاقَهَا هَدْيًا قَاصِدًا إلَى مَكَّةَ صَارَ مُحْرِمًا بِالسَّوْقِ نَوَى الْإِحْرَامَ أَوْ لَمْ يَنْوِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَمَا فِي الْإِيضَاحِ مِنْ قَوْلِهِ السُّنَّةُ أَنْ يُقَدِّمَ التَّلْبِيَةَ عَلَى التَّقْلِيدِ لِأَنَّهُ إذَا قَلَّدَهَا فَرُبَّمَا تَسِيرُ فَيَصِيرُ شَارِعًا فِي الْإِحْرَامِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ بِالتَّلْبِيَةِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُقَلِّدُ نَاوِيًا (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً» إلَخْ) غَرِيبٌ مَرْفُوعًا، وَوَقَفَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنْ قَلَّدَ فَقَدْ أَحْرَمَ.
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ
[ ٢ / ٥١٤ ]
يَكُونُ بِالْفِعْلِ كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ فَيَصِيرُ بِهِ مُحْرِمًا لِاتِّصَالِ النِّيَّةِ بِفِعْلٍ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِحْرَامِ. وَصِفَةُ التَّقْلِيدِ أَنْ يَرْبِطَ عَلَى عُنُقِ بَدَنَتِهِ قِطْعَةَ نَعْلٍ أَوْ عُرْوَةَ مُزَادَةٍ أَوْ لِحَاءَ شَجَرَةٍ (فَإِنْ قَلَّدَهَا وَبَعَثَ بِهَا وَلَمْ يَسْقِهَا لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَبَعَثَ بِهَا وَأَقَامَ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا» (فَإِنْ تَوَجَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا حَتَّى يُلْحِقَهَا) لِأَنَّ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ هَدْيٌ يَسُوقُهُ لَمْ يُوجَدْ
عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَلَّدَ أَوْ جَلَّلَ أَوْ أَشْعَرَ فَقَدْ أَحْرَمَ. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَلَّدَ فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ أَحْرَمَ. وَوَرَدَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ بَنِي جَابِرٍ يُحَدِّثَانِ عَنْ أَبِيهِمَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ ﵃ إذْ شَقَّ قَمِيصَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ فَسُئِلَ فَقَالَ: وَاعَدَتْهُمْ يُقَلِّدُونَ هَدْيِي الْيَوْمَ فَنَسِيتُ» وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ مِنْ جِهَةِ الْبَزَّارِ قَالَ: وَلِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ وَعَقِيلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ هُمَا مِنْ الثَّلَاثَةِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ، وَضَعَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَطَاءٍ وَوَافَقَهُمَا ابْنُ الْقَطَّانِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيّ: أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ ﵁ كَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ الْحَجَّ فَرَجَّلَ أَحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ، فَقَامَ غُلَامُهُ فَقَلَّدَ هَدْيَهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ قَيْسٌ فَأَهَلَّ وَحَلَّ شِقَّ رَأْسِهِ الَّذِي رَجَّلَهُ وَلَمْ يُرَجِّلْ الشِّقَّ الْآخَرَ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مُخْتَصَرًا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ الْحَجَّ فَرَجَّلَ اهـ (قَوْلُهُ أَوْ لِحَاءَ شَجَرَةٍ) هُوَ بِالْمَدِّ قِشْرُهَا، وَالْمَعْنِيُّ بِالتَّقْلِيدِ إفَادَةُ أَنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ يَصِيرُ جِلْدًا كَهَذَا اللِّحَاءِ وَالنَّعْلِ فِي الْيُبُوسَةِ لِإِرَاقَةِ دَمِهِ، وَكَانَ فِي الْأَصْلِ يُفْعَلُ ذَلِكَ كَيْ لَا تُهَاجَ عَنْ الْوُرُودِ وَالْكَلَإِ وَلِتَرِدَ إذَا ضَلَّتْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا هَدْيٌ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أَخْرَجَ السِّتَّةُ عَنْهَا «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَدْيِ فَأَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا حَلَالًا يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ» وَفِي لَفْظٍ «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهِ ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا» وَأَخْرَجَا وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ «أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إلَى الْكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ فِي الْمِصْرِ فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ فَقَالَتْ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ
[ ٢ / ٥١٥ ]
مِنْهُ إلَّا مُجَرَّدَ النِّيَّةِ، وَبِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، فَإِذَا أَدْرَكَهَا وَسَاقَهَا أَوْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهُ بِعَمَلٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِحْرَامِ فَيَصِيرُ مُحْرِمًا كَمَا لَوْ سَاقَهَا فِي الِابْتِدَاءِ. قَالَ (إلَّا فِي بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ مُحْرِمٌ حِينَ تَوَجَّهَ) مَعْنَاهُ إذَا نَوَى الْإِحْرَامَ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذَا الْهَدْيَ مَشْرُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ نُسُكًا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَضْعًا لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَكَّةَ، وَيَجِبُ شُكْرًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ، وَغَيْرُهُ قَدْ يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مَكَّةَ فَلِهَذَا اكْتَفَى فِيهِ بِالتَّوَجُّهِ، وَفِي غَيْرِهِ تَوَقُّفٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْفِعْلِ
(فَإِنْ جَلَّلَ بَدَنَةً أَوْ أَشْعَرَهَا أَوْ قَلَّدَ شَاةً لَمْ يَكُنْ
- ﷺ فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا أُحِلَّ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِهِ حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ» اهـ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «مِنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: ﵂: لَيْسَ كَمَا قَالَ، أَنَا فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ثُمَّ قَلَّدَهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ» وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يُخَالِفَانِ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ صَرِيحًا فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِغَلَطِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّقْلِيدَ مَعَ عَدَمِ التَّوَجُّهِ مَعَهَا لَا يُوجِبُ الْإِحْرَامَ.
وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَارِ مُطْلَقَةً فِي إثْبَاتِ الْإِحْرَامِ فَقَيَّدْنَاهَا بِهِ حَمْلًا لَهَا عَلَى مَا إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَشَرَطْنَا النِّيَّةَ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا عِبَادَةَ إلَّا بِالنِّيَّةِ بِالنَّصِّ فَكُلُّ شَيْءٍ رُوِيَ مِنْ التَّقْلِيد مَعَ عَدَمِ الْإِحْرَامِ، فَمَا كَانَ مَحَلُّهُ إلَّا فِي حَالِ عَدَمِ التَّوَجُّهِ وَالنِّيَّةِ فَلَا يُعَارِضُ الْمَذْكُورَ شَيْءٌ مِنْهَا.
وَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَوْ لَبَّى وَلَمْ يَنْوِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا فِي الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هُنَاكَ رِوَايَةً بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا مَعَ التَّلْبِيَةِ، وَمَا أَظُنُّهُ إلَّا نَظَرَ إلَى بَعْضِ الْإِطْلَاقَاتِ، وَيَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْحَمْلُ عَلَى إرَادَةِ الصَّحِيحِ وَأَنْ لَا تُجْعَلَ رِوَايَةً (قَوْلُهُ فَإِذَا أَدْرَكَهَا وَسَاقَهَا أَوْ أَدْرَكَهَا) رَدَّدَ بَيْنَ السَّوْقِ وَعَدَمِهِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ. شَرَطَ فِي الْمَبْسُوطِ السَّوْقَ مَعَ اللُّحُوقِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَقَالَ فِي الْأَصْلِ: وَيَسُوقُهُ وَيَتَوَجَّهُ مَعَهُ وَهُوَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ، فَلَوْ أَدْرَكَ فَلَمْ يَسُقْ وَسَاقَ غَيْرُهُ فَهُوَ كَسَوْقِهِ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ (قَوْلُهُ إلَّا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا حَتَّى يَلْحَقَهَا
[ ٢ / ٥١٦ ]
مُحْرِمًا) لِأَنَّ التَّجْلِيلَ لِدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالذُّبَابِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ. وَالْإِشْعَارُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَكُونُ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ. وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ حَسَنًا فَقَدْ يُفْعَلُ لِلْمُعَالَجَةِ، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْهَدْيِ، وَتَقْلِيدُ الشَّاةِ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ أَيْضًا.
قَالَ (وَالْبُدْنُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مِنْ الْإِبِلِ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ الْجُمُعَةِ «فَالْمُتَعَجِّلُ مِنْهُمْ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً» فَصَلَ بَيْنَهُمَا. وَلَنَا أَنَّ الْبَدَنَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْبَدَانَةِ وَهِيَ الضَّخَامَةُ، وَقَدْ اشْتَرَكَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَلِهَذَا يُجْزِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ فِي الْحَدِيثِ «كَالْمُهْدِي جَزُورًا» وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
يَعْنِي حِينَ خَرَجَ عَلَى إثْرِهَا وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا اسْتِحْسَانًا. وَهُنَا قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُحْرِمًا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ بِالتَّقْلِيدِ، وَالتَّوَجُّهِ إذَا حَصَلَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ حَصَلَا فِي غَيْرِهَا لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا مَا لَمْ يُدْرِكْهَا وَيَسِرْ مَعَهَا، كَذَا فِي الرُّقَيَّاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْلِيدَ هَدْيِ الْمُتْعَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا عِبْرَةَ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُتْعَةِ، وَأَفْعَالُ الْمُتْعَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يُعْتَدُّ بِهَا فَيَكُونُ تَطَوُّعًا. وَفِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ وَيَسِرْ مَعَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا.
وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ: دَمُ الْقِرَانِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالْمُتْعَةِ، وَجْهُ الْقِيَاسِ ظَاهِرٌ. وَحَاصِلُ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ زِيَادَةُ خُصُوصِيَّةِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ بِالْحَجِّ، فَالتَّوَجُّهُ إلَيْهِ تَوَجُّهٌ إلَى مَا فِيهِ زِيَادَةُ خُصُوصِيَّةٍ بِالْحَجِّ حَتَّى شَرَطَ لِذَبْحِهِ الْحَرَمَ وَيَبْقَى بِسَبَبِ سَوْقِهِ الْإِحْرَامُ، فَلَمَّا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الْإِحْرَامِ بَقَاءً أَظْهَرْنَا لَهُ فِي ابْتِدَائِهِ نَوْعَ اخْتِصَاصٍ، وَهُوَ أَنَّ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ مَعَ قَصْدِ الْإِحْرَامَ يَصِيرُ مُحْرِمًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مَكَّةَ وَيَذْبَحُ قَبْلَ مَكَّةَ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ شَرْعًا فِي الْإِحْرَامِ أَصْلًا
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) هَذَا خِلَافٌ فِي مَفْهُومِ لَفْظِ الْبَدَنَةِ إمَّا فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ فِي اللُّغَةِ كَذَلِكَ أَوْ لَا فَقُلْنَا نَعَمْ وَنَقَلْنَا كَلَامَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَدَنَةُ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ تُهْدَى إلَى مَكَّةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْبَدَنَةُ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ. وَإِمَّا فِي أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَلَكِنَّهُ هَلْ هُوَ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْهُ لُغَةً؟ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَوْ لَا فَقُلْنَا نَعَمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا. فَإِذَا طُلِبَ مِنْ الْمُكَلَّفِ بَدَنَةٌ خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْبَقَرَةِ كَمَا يَخْرُجُ بِالْجَزُورِ. وَعِنْدَهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْجَزُورِ. لَهُ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ فِي الْحَدِيثِ كَالْمُهْدِي جَزُورًا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ هِيَ أَصَحُّ لِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَرِوَايَةُ الْجَزُورِ فِي مُسْلِمٍ فَقَطْ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكٌ يَكْتُبُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ مِثْلُ الْجَزُورِ، ثُمَّ صَغَّرَ إلَى مِثْلِ الْبَيْضَةِ» الْحَدِيثَ.
بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِاسْمٍ خَاصٍّ لَا يَنْفِي الدُّخُولَ بِاسْمٍ عَامٍّ، وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالِاسْمِ الْأَعَمِّ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ الْبَدَنَةُ خُصُوصَ بَعْضِ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَهُوَ الْجَزُورُ، لَا كُلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ إعْطَاءِ الْبَقَرَةِ لِمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي مَقَامَ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ فِي الْأَجْرِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمُسَارَعَةِ، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ خُصُوصُ الْجَزُورِ إلَّا ظَاهِرًا بِنَاءً عَلَى إرَادَةِ الْأَخَصِّ بِخُصُوصِهِ بِالْأَعَمِّ لَكِنْ يَلْزَمُهُ النَّقْلُ.
وَالْحُكْمُ بِاسْتِعْمَالِ لَفْظٍ فِي خُصُوصِ بَعْضِ مَا صَدَقَاتِهِ مَعَ الْحُكْمِ بِبَقَاءِ مَا اسْتَقَرَّ
[ ٢ / ٥١٧ ]