بِئرٌ فيها نَجَسٌ، أو مات حيوانٌ وانتَفَخَ أو تَفَسَّخَ، أو مات مثلُ آدَمِيٍّ أو شاةٍ: يُنْزَحُ كلُّ ماء فيها إِن أمكَنَ،
===
(أَحْكَامُ الآبَارِ)
(بِئْرٌ) بهمزةٍ ويُبْدَل ياءً (فيها نَجَسٌ) بفتحِ الجيم أو كسرِها، أي وقَعَ نجاسَةٌ، مِنْ بولٍ، أو خمرٍ، أو دمٍ، أو خِنزِيرٍ، أو مُتَنجِّسٍ قليلًا كان أو كثيرًا (أو مات حيوانٌ وانتَفَخَ) أي تورَّم (أو تفسَّخَ) أي تقطَّعَ وتفرَّقَ صغيرًا كان أو كبيرًا (أو مات مثلُ آدِميَ، أو شاةٍ) أي كبيرةٍ، فإنها إذا كانت صغيرةً جدًا فحكمُها حُكمُ الدَّجَاجة (يُنْزَحُ كلُّ ماءٍ) بهمزة في آخره (فيها) أي في البئر. وفي بعض النُّسَخ: كلُّ مائِها، أي في الصُّوَرِ المذكورةِ جميعِها (إِنْ أمكَنَ) نَزْحُ جميعهِ بأن لا تكونَ مَعِيْنًا (^١) .
أمَّا إِذا وَقَعَ فيها نجاسةٌ أو مات فيها حيوانٌ وانتفَخَ فلانتشارِ النجاسة في البئر، وأمَّا إِذا مات فيها مثلُ آدمِيّ، فلِمَا روى البيهقي والدارقطني واللفظُ له: عن ابنِ سِيرِينَ أنَّ زِنْجيًّا وقع في بئر زَمْزَم - يعني فمات - فأَمَر به ابنُ عَبَّاس فأُخرِجَ وأَمَرَ بها أن تُنْزَح، فغَلَبَتْهُم عينٌ جاءت من الرُّكْن، فأَمَر بها فدُسَّتْ بالقُبَاطيِّ والمَطارِفِ ونحوِها حتى نَزَحُوها، فلما نَزَحُوها انفجَرَتْ عليهم. وهو مُرسَلٌ، فإنَّ ابنَ سِيرِين لم يَرَ ابنَ عباس. والقُبَاطي بالضمّ ويُكسَر (^٢): الثيابُ المصريَّة، والمَطارف: الأَرْدِيَة.
وروى الطَّحاويِّ وابنُ أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عطاءٍ: أنَّ حَبَشيًَّا وقَعَ في زَمْزَم فمات، فأمَرَ عبدُ الله بنُ الزُّبَير فنُزِحَ ماؤها، فجَعلَ الماءُ لا ينقطعُ، فنُظِرَ فإذا عَيْنٌ تَجرِي مِنْ قِبَل الحجَرِ الأسود، فقال ابنُ الزبير: حَسْبُكم.
وأمَّا ما نُقِلَ عن ابنِ عُيَيْنَة: أنَا بمكَّةَ منذ سَبْعِينَ سنةً لم أرَ صغيرًا ولا كبيرًا يَعرِفُ حدِيثَ الزّنجيِّ الذي قالوا: إنه وقَعَ في زمزم. وقولُ الشافعي: لا يُعرَفُ هذا عن ابن عباس، كيفَ ويَروِي ابنُ عباس عن النبي ﷺ «الماءُ لا يُنَجِّسهُ شيء» ويَترُكُهُ؟ وإن كان قد فَعَله فلنجاسةٍ ظهرتْ على وجهِ الماء، أو للتنظيفِ: فمدفوعٌ بأنَّ عدَمَ عِلمِهما لا يَصْلُحُ دليلًا في دين الله سبحانه، وروايتُهُ الحديثَ كعلمِكَ أنتَ به، وقد قلْتَ بنجاسةِ ما دُونَ القُلَّتَيْنِ لدليلٍ آخَرَ وقَعَ عندك، فلا يُسْتبعَدُ مِنَ ابنِ عباس مِثلُه. والظاهرُ من السَّوْقِ ولفظِ القائل: فمات فأَمَرَ بنَزْحها، أنه للموتِ لا لنجاسةٍ أُخرى، على أَنَّ
_________________
(١) أي عينًا تنبع باستمرار، فكلما نزحوا نبع الماء وهكذا. انظر لسان العرب ١٣/ ٤١٠، مادة (معن).
(٢) وضبطها في "العُبَاب" بالفتح! وكذا ضبطها الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٩٥ ]
وإلا فقَدْرُ ماءٍ فيها بقولِ ذي بَصَارة.
===
عندَكَ لا تُنزَحُ للنجاسةِ أيضًا.
ثم إنهما بَيْنَهما (^١) وبيْنَ الحادثةِ قريبٌ من مئةٍ وخمسين سنةً، فكان إخبارُ مَنْ أدرَكَها وأثبَتَها أولى مِنْ عدمِ عِلمِ غيرِه.
وقولُ النووي: كيف يَصِلُ هذا الخبرُ إلى أهلِ الكوفة ويَجهلُهُ أهلُ مكة؟ استبعادٌ بعد وضوحِ طريقِ سَدَادٍ، ومُعارَضٌ بقولِ الشافعي لأحمد: أنتُم أعلَمُ بالأخبارِ الصحيحة مِنَّا، فإذا كان خبرٌ صحيح فأعلِمُوني به حتى أذهَبَ إليه كُوفيًّا أو بصريًّا أو شاميًّا. فهلاَّ قال: كيف يَصِلُ هذا إلى أولئك ويَجهلُه أهلُ الحَرَمينِ؟ وذلك لانتشارِ الصحابة ﵃ في البلادِ خصوصًا بالعراقِ وما حوله من السَّوَاد، قال العِجْليُّ في «تاريخه»: نَزَل بالكوفةِ ألفٌ وخمسُ مئةٍ من الصحابة.
(وإِلا) أي وإن لم يُمكِن نَزْحُ كلِّ ماءٍ في البئرِ لكونِها مَعِينًا (فقَدْرُ ماءٍ) بالهمزة، أي فيُنزَحُ مِقدارُ ماءٍ (فيها) أي في البئر. وفي بعض النُّسَخ: مائِها، أي في وقتِ الوقوعِ يُؤخذُ في قَدْرِهِ (بقول ذِي بَصَارة) بفتح مُوَحَّدة، أي خِبرةٍ ومعرفةٍ بأمر الماء، لأنَّ الرجوعَ إلى أهلِ المعرفةِ أصلٌ شرعي، قال الله تعالى: ﴿فاسأَلوا أهلَ الذِّكرِ إنْ كنتُم لا تَعْلَمون﴾ (^٢) .
واعلمُ أنَّ عبارَتَهُ تَقتضي الاكتفاءَ بقول واحد، والذي في غيرِ هذا المختَصَر حتى في «شرح الوقاية»: ويُؤخَذُ بقولَيْ رجُلَين لهما بصيرةٌ بأمْرِ الماءِ. وهو الأشبَهُ بالفقه، وأوفَقُ بقولِهِ تعالى: ﴿يحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ (^٣) والظاهرُ أنَّ أصلَ العبارةِ ذَوَيْ بصارةٍ على لفظ المُثَنَّى، وأنَّ النُّسَّاخَ أسقَطُوا الواوَ، فتغيَّرَ المبنَى، وترتَّبَ عليه فسادُ المعنَى. ثم رأيتُ أَصْلَ البِرْجَنْدِيِّ على التثنيةِ قالَ: وفي بعضِ النُّسَخ بالإِفراد، وهو مَبنِيٌّ على ما في «زاد الفقهاء»: أنه يَكفي قولُ رجلٍ ذي بَصَارة، والنُّسخةُ الأُولى هي الأَولى لما في «الهداية» و«الظهيرية» وغيرهما.
هذا، وعن أبي حنيفة أنه يُنزَحُ منها مئتا دَلْوٍ. وعن محمدٍ ثلاثُ مئة دلو، قال في «الخلاصة»: وبه يُفتَى.
_________________
(١) أي بين ابن عُيَينة والشافعي.
(٢) سورة النحل، آية: (٤٣).
(٣) سورة المائدة، آية: (٩٥).
[ ١ / ٩٦ ]
وفي نحوِ دجاجةٍ أربعون إِلى سِتِّين، وفي نحوِ عُصْفُورٍ نصفُ ذلك. دَلْوًا وَسَطًا، وغَيرُ الوَسَطِ احتُسِبَ به.
===
(وفي نحوِ دجاجةٍ) كهِرَّةٍ وحمامة وما أشبهَهَما في الجُثَّةِ ولم يَنتفخ نُزِحَ (أربعون) دَلْوًا بطريق الوجوب، لِمَا روى الطحاويُّ عن الشَّعْبيّ في الطَّيْرِ والسِّنَّوْرِ (^١) ونحوِهما يقَعُ في البِئرِ قال: يُنزَحُ منها أربعون دَلْوًا. وعن النَّخَعِيّ في السِّنَّوْرِ: مثلُه. وعنهما: يُنزَحُ منها سبعون. وعن حمَّاد بن أبي سُليمان في دجاجةٍ وقعَتْ في البئر نُزح منها قَدْرُ أربعين أو خمسين ثم يُتوضَّأُ منها، وهو المذكور في «الجامع الصغير». وروى ابنُ أبي شيبة عن عطاءٍ كما روى الطحاويُّ عن حَمَّاد (إِلى سِتِّين) استحبابًا، لِمَا رُويَ عن الأَوَّلَينِ. وقيل: إلى خمسين لِمَا رُوِيَ عن عطاءٍ وحمَّاد.
(وفي نحوِ عُصْفُورٍ) بضمَّتَينِ كفأْرةٍ وسامَ أَبْرَص ونحوِهما في الجُثَّةِ (نِصفُ ذلك) أي عِشرون دَلْوًا وجوبًا إلى ثلاثين استحبابًا، لقول النبيّ ﷺ في فأرةٍ ماتَتْ في بِئْرٍ وأُخْرِجتْ مِنْ ساعتِها نُزِحَ عِشرون دَلْوًا. ذكَرَه في «الهداية» وغيرِها، لكن في كتب الحديثِ لم أرَه.
وأمَّا ما رواه الطحاويّ مِنْ قولِ عليّ كرَّمَ الله وجهَهُ في بئرٍ وقَعَتْ فيها فأرةٌ فماتَتْ: يُنزَحُ ماؤها، وقولِهِ: إذا سَقَطت الفأرةُ أو الدَّابَّةُ في البِئرِ فانْزَحْهَا حتى يَغلِبَك ماؤُها: فمحمولٌ على الفأرةِ المنتفِخَةِ والدَّابَّةِ الكبيرةِ أو الصَّغِيرةِ التي على بَدَنِها نجاسةٌ، توفيقًا بين الآثار.
(دَلْوًا وَسَطًا) بفتحتين أي متوسِّطًا، وهو ما كَثُرَ استعمالُه في تِلك البئر (^٢)، لإِطلاقِ السَّلَفِ فيُصرَفُ إلى المُعتَاد. وقيل: ما يُستعمَلُ في ذلك البَلدِ وغيرِه (وغَيْرُ الوَسَطِ احتُسِبَ به) أي بالوَسَط، يَعني إذا نُزِحُ بدلْوٍ غيرِ وَسَطٍ نُزِحَ به على حسابِ الدلوِ الوسَطِ، حتى لو نُزِحَ بدلوٍ عظيمٍ يسعُ عشرين دلوًا وسطًا مِنْ بئرٍ وجَبَ فيها ذلك، اكتُفِيَ بدلوٍ واحدٍ خلافًا لزفر.
واعلم أنَّ مسائلَ الآبار مبنيَّةٌ على اتّباعِ الآثار، لأنَّ القياسَ إمَّا عدَمُ تطهُّرِها لعدَمِ تطهُّرِ الجُدْرانِ والطِّينِ كما قاله بِشْر (^٣)، وإما عدَمُ تنجُّسِها كما نُقِلَ عن
_________________
(١) السِّنَّوْر: الهر. لسان العرب ٤/ ٣٨١، مادة (سنر).
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "ذلك" بدل "تلك". والمثبت من نسخة "فتح باب العناية" ١/ ١٣٦ التي حققها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى.
(٣) هو بِشر بن غياث المَرِيسي، أخذ الفقه عن الإمام أبي يوسف، إلا أنه اشتغل بالكلام والفلسفة، وحكي عنه في ذلك أقوال منكرة، فأعرض عنه أبو يوسف، مات سنة ٢٢٨ هـ. أفاده الشيخ عبد الفتاح ﵀.
[ ١ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
محمد أنه قال: اجتمَعَ رأيي ورأيُ أبي يوسف أنَّ ماءَ البئر في حُكم الجاري لوجودِ النبْعِ من أسفلِها والأخْذِ من أعلاها، ثم قلنا: وما علينا لو أمَرْنا بنَزْحِ بعضِ دِلَاءٍ ولا نُخالِفُ السَّلَفَ. ومِن الطَّرِيقِ: أن يكونَ الإِنسانُ في يَدِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ كالأعمى في يَدِ القائد. انتهى.
ثم النَّزْحُ يكونُ طهارةً لها، وللدلوِ، والرِّشاءِ (^١)، والبَكْرةِ، ويَدِ المُسْتَقِي، رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف والحسَن، لأنَّ نجاسة هذه الأشياء كانت بنجاسةِ ماءِ البئر حُكمًا، فتكونُ طهارتُها بطهارةِ البئر حُكمًا، نفيًا للحَرَج، كالدَّنِّ إذا تنجَّسَ بنجاسةِ الخمرِ ثم صارَتْ خَلًا حُكِمَ بطهارةِ الدَّنِّ تَبَعًا، وكمَنْ أخَذَ عُروةَ الإِناءِ من إبريقٍ ونحوهِ بيده وهي نَجِسة، وكُلَّما غَسَل يَدَهُ يأخذُ عُروةَ الإِناءِ: تَطْهُرُ العُروةُ بطهارةِ يدهِ، وكذا يَدُ المُستنجِي تَطهُرُ بطهارةِ المَحلّ. وقيل: الدَّلْوُ طاهرةٌ في حقِّ هذا البئرِ لا غيرِها، كدَمِ الشهيدِ طاهِرٌ في حقِّ نفسِه فقط.
ولو وَقَعَ البَعْرُ والرَّوْثُ والخِثْيُ في الآبار لا يُنَجِّسُها استحسانًا. ولا فَصْلَ في ظاهر الرواية بين الرَّطْبِ واليابسِ، والصَّحيحِ والمنكسِرِ لشمولِ الضَّرُورةِ للكلّ، إلاَّ أن يَستكثره الناظرُ، وهو المرويُّ عن أبي حنيفة. قال في «الهداية»: وعليه الاعتماد. احترازًا مما قيل: الكثيرُ أنْ يأخُذَ وَجْهَ ثُلُثِ الماءِ أو رُبْعِهِ أو أكثَرِهِ أو كُلِّهِ، أو لا يخلوَ دَلْوٌ عن بعرة.
ولو بعَرَتْ الشاةُ وقتَ الحَلْب في المِحْلَب فرُمِيَ مِنْ حينِه ولم يَأخذ اللبَنُ مِنْ لونِهِ لا يَنْجُسُ اللبنُ كما رُوِيَ عن عليّ كرَّم اللهُ وجهَه، ولأَنَّ فيه ضَرْورةً: إذْ يَتَعذَّرُ أو يَتعسَّرُ الاحترازُ عن بَعْرِها وقْتَ الحلب. والبَعْرُ للبعير، والرَّوْثُ للخيلِ والحمير، والخِثْيُ بكسر الخاء للبقر. وفي «الهداية»: ولا يُعفَى القليلُ في الإِناء على ما قيل لعدَمِ الضرورة، فإنه المُتساهلُ في تركه مكشوفًا، وقد قال ﷺ في فأرةٍ وقعتْ في السَّمْن: «إِنْ كان جامدًا فأَلقُوها وما حَوْلها، وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبُوه» (^٢) .
ولا يَفْسُدُ الماءُ بخُرْءِ حَمَامٍ وعصفورٍ استحسانًا، لحديثِ ابن مسعود: أنه خَرِئتْ عليه حَمامَةٌ فمسَحه بإصبعه. وزَرَقَ على ابنِ عُمَر طائرٌ فمسَحَه بحَصَاةٍ وصلَّى ولم يَغْسِله. وأصلُهُ حديث أبي أُمامة: أنَّ النبي ﷺ شَكَرَ الحَمَامَةَ وقال: «إنَّها
_________________
(١) الرِّشاء: الحبل. مختار الصحاح ص ١٠٣، مادة (رشا).
(٢) أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ١٨١، كتاب الأطعمة (٢٦)، باب في الفأرة تقع في السمن (٤٧)، رقم (٣٨٤٢). وجاء في المطبوعة والمخطوطة: "فلا تقربوها" وهو تحريف.
[ ١ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَكَرَتْ (^١) عليَّ بابَ الغار حتى سَلِمْتُ، فجزاها الله تعالى، بأنْ جَعَل المَسْجِدَ مَأْوَاها» (^٢) . فهو دليلٌ على طهارةِ ما يكون منها، ويُقاسُ عليها نحوُها مِنْ طيرٍ يُؤكلُ لَحْمُها.
في «الهداية»: أجمَعَ المسلمون على اقتناءِ الحَمَامات في المساجد والعلِمِ بما يكون منها، مَعَ وُرودِ الأمر بتطهيرها. أمَّا الأوَّلُ فيرُادُ الإِجماعُ العَمَليّ، فإنها في المسجد الحرام مقيمةٌ مِنْ غيرِ نكير مِنْ أحَدٍ من العلماءِ مع العلِمِ بما يكون منها. وأمَّا الثاني فعن عائشة قالتْ: أمَرَ رسولُ الله ﷺ ببناءِ المساجد في الدُّورِ، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ. رواه ابنُ حِبَّان في «صحيحه»، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرُهم. وقد قا
ل الله تعالى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ
_________________
(١) وَكَرَ الطائر: أي أتى الوْكَر - عش الطائر - أو دَخَلَه. القاموس المحيط ص ٦٣٥، مادة (وكر). وفي المطبوعة والمخطوطة: "أوكرت" والمثبت من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى "فتح باب العناية" ١/ ١٤٠.
(٢) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في تعليقه على "فتح باب العناية" ١/ ١٤٠: "وقد تعبت كثيرًا في الكشف عن هذا الحديث، فلم أر له ذكرًا في كتب الحديث التي عندي، حتى ولا في كتب الضعاف والموضوعات. ورجعت إلى كتب السيرة النبوية الواسعة مثل: "شرح المواهب اللدنية" للزرقاني ١: ٣٤٨، و"البداية والنهاية" لابن كثير ٣: ١٨١، فلم أره أيضًا. ورأيت فيها عن "مسند البزّار" وابن عساكر من حديث أبي مُصعب المكي، قال: أدركتُ زيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك يتحدثون: أن النبي - ﷺ - لما بات في الغار أمر الله شجرةً فنبتت في وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، فلما رآهما فتيان قريش رجعوا قائلين: ليس في الغار أحد، فسمعها النبي - ﷺ - فعرف أن الله قد درأ عنه بهما، فدعا لهما، وسَمَّت عليهما - بشد الميم أي: بَرِّك عليهما - وأُقْرِرْنَ في الحرم، وفُرِضَ جزاؤهن. انتهى مختصرًا. قال الحافظ ابن كثير: "وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه". ورواه الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" ١: ١٢٣، وبَيَّن ما في سنده من علل. ثم رأيت الإمام العيني ﵀ عليه قال في "البناية شرح الهداية" ١: ٢٢٤ تعليقًا على حديث أبي أُمامة الذي ذكره الشارح: أورده السِّغْنَاقي في "النهاية"، وتبعه صاحب "الدراية"، ثم صاحب "العناية"، والعجب من هؤلاء يذكرون حديثًا ولا يعزونه إلى مُخَرِّجه ولا إلى كتاب". انتهى مصححًا. قلتُ: والعجب من الشارح كيف تابعه في إيراده دون التثبت من ثبوته! وقد عاب رحمه الله تعالى هذا الصنيع على الفقهاء كما سبق منه في ص ٢. وقد أورده العلامة اللكنوي في حواشيه على "الهداية" ١: ٢٦ متابعةً منه لصاحب "العناية"، وهو الذي استوفى التنبيه على أن الأحاديث المنقولة في كتب الفقه لا يُعتمد عليها اعتمادًا كليًا إلا إذا أسندت إلى كتاب من كتب الحديث المعتمدة، أو كان مؤلفها من المحدثين المحققين".
[ ١ / ٩٩ ]
وتَنْجُسُ مِن وقتِ الوقوعِ إِنْ عُلِمَ، وإِلَّا فمنذُ يومٍ وليلةٍ، وإن انتَفَخَ فمنذُ ثلاثةِ أيامٍ وليالِيها. وقالا: منذُ وُجِدَ.
===
السُّجُود﴾ (^١) .
ولا يَفْسُدُ الماءُ مِنْ وقوعِ آدِميَ أو ما يُؤَكَلُ لحمُهُ إذا خرَجَ حَيًّا ولم يَكن عليه نجاسةٌ، هو الصَّحِيح، سواءٌ كان جُنُبًا أو مُحْدِثًا. ثم ماءُ البئرِ والجُنُبُ المنغمِسُ فيه لطلبِ السِّقاءِ (^٢) لا لدَفْعِ الحدَثِ: طاهِرانِ في الأصحِّ عند أبي حنيفة، وعلى حالِهما عند أبي يوسف، وطاهِرٌ وطَهُورٌ عند محمد. والتحقيقُ أنَّ بقاءَهُ طهورًا للضرورة، كما قالوا جميعًا: لو أَدخَلَ المُحدِثُ أو الجُنُبُ أو الحائِضُ يدَهُ في الماءِ للاغترافِ طَهَرَتْ، ولا يَصِيرِ مستعمَلًا استحسانًا، لما رُوِيَ أن المِهْرَاسَ (^٣) كان يُوضَعُ على باب مسجدِ رسولِ الله ﷺ وفيه ماء، وكان أصحابُ الصُّفَّةِ يَغتَرِفون منه للوضوءِ وغيرِه بأيديهم. ولأنَّ فيه بَلْوَى وضَرُورَةً وحاجةً.
(وتَنْجُسُ) البئر (مِنْ وقتِ الوقوعِ) أي وقوعِ الحيوان الذي وُجِدَ ميتًا فيها (إِنْ عُلِمَ) ذلك الوقتُ (وإِلاَّ) أي وإنْ لم يُعلَمُ وقتُ الوقوع، فإن لم ينتفخ الحيوانُ في ماءِ البئر (فمنذُ) أي تَنْجُسُ مِنْ ابتداءِ (يومٍ وليلةٍ) وهذا كلُّه إذا كان الواقعُ نَجِسًا أو حيوانًا ميتًا ولم ينتَفِخ في الماء.
(وإِن انتَفَخ) أي في الماء (فمنذُ) أي فتَنْجُسُ مِنْ ابتداءِ (ثلاثةِ أيامٍ وليالِيها).
(وقالا): لا تَتَنجَّسُ إلاَّ (منذُ وُجِدَ) فيها لأنَّ الماءَ طاهرٌ بيقين، ووقع الشكُّ في نجاسته فيما مضى، واليقينُ لا يَزُول بالشكّ.
ولأبي حنيفة ﵀: أنَّ الوقوعَ سبَبٌ ظاهر للموت فيُستَنَدُ إليه، وإن احتَمَل الموتُ لغيره، لأنَّ الموهومَ لا يعتبر في مقابلةِ الظاهر، كمن جَرَحَ رجلًا فلم يَزَل صاحِبَ فراش حتى مات، فإنه يُحمَلُ موتُه على تلك الجِرَاحةِ لأنها السببُ الظاهِرُ وإن احتَمَلَ غيرُهُ بأن يَموتَ بسببٍ آخَر. لكنْ عدَمُ الانتفاخ دليلُ القُرْبِ فقُدِّر بيومٍ وليلة، لأنَّ ذلك أقلُّ المقادير في باب الصلاة. والانتفاخ دليلُ التقادُمِ فقُدِّرَ بالثلاثِ، كالصلاةِ على قَبْرِ مَنْ لم يُصَلَّ عليه.
_________________
(١) سورة البقرة، آية: (١٢٥).
(٢) أي الدلو.
(٣) المِهْراس: صخرة منقُورة تتَّسِعُ كثيرًا من الماء، وقد يُعمل منها حياضٌ للماء. النهاية ٥/ ٢٥٩.
[ ١ / ١٠٠ ]