وسُؤرُ الآدَمِيِّ والفَرَسِ
===
وهذا في حقِّ الوُضوء، وأمَّا في حقِّ غيرِه فيُحكَمُ بنجاستها منذُ وُجِدَ، حتى لو توضَّؤُا منها في تلك المدةِ أعادوا صلواتِهم، ولو غَسَلوا ثيابَهم منها في تلك المدةِ لم يَلزَمْ غَسْلُها على الصحيح (^١)، لأنه مِنْ بابِ وجودِ النجاسة في الثوب. ولو وَجَدَ في ثوبِه نجاسةً أكثرَ مِنْ قَدْرِ الدرهم ولم يَدْرِ متى أصابَتْه لا يُعيدُ شيئًا من صلاته بالاتفاق، لأنَّ الثوبَ شيء ظاهر يَطَّلِعُ صاحبُه أو غيرُه على إصابةِ النجاسةِ، فإذا لم يَشْعُر به هو ولا غيرُه عُلِمَ أنه أصابته للحال. ولا كذلك البِئرُ، فإنها غائبةٌ مَخْفِيَّةٌ عن العين لا يُدْرَى ما فيها.
ومن الفروع: البُعْدُ بين البالوعةِ والبئرِ المانِعُ من وصولِ النجاسة إلى البئرِ خمسةُ أَذرع، وفي رواية: سبعةُ أذرع، والمعتبَرُ هو الطَّعمُ أو اللونُ أو الريحُ، فإنْ لم يتغيَّر جاز وإلاَّ فلا ولو كان عشرةَ أذرع.
ثم اعلمْ أنَّ جميعَ ما ذُكِرَ في مسائل البئر إنما هو على تقدير أن يكونَ وجْهُ الماءِ في البِئرِ أقلَّ من عَشْرٍ في عَشْر، (أمَّا إذا كان عَشْرًا في عَشْر فلا حاجة إلى النَّزْح. وفي «القنية»: إذا كان عُمقُ ماءِ البئرِ عشرةَ أذْرُع) (^٢) فصاعدًا لا يَتنجَّس في أصحِّ الأقوال، ونَقَلَ عن «جَمْع التفاريق»: إذا كان الماءُ فيها بقَدْرِ الحوض الكبير لا يَنْجُس (^٣) .
(أحكام الأَسآر)
(وسُؤرُ الآدَمِيِّ) بالهمزة ويُبْدل، وهو: بَقيَّةُ ماءِ الشُّرب، مسلمًا كان أو كافرًا، جُنُبًا كان أو حائضًا، إلاَّ حالَ شُربِه الخمرَ لأنها نَجِسَة، فتُلاقي الماءَ فتُنَجِّسُه، فإنْ ابتلَعَ رِيقَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ طهَرَ فمُهُ عند أبي حنيفة ﵀، لأنَّ المائعَ غيرَ الماءِ مطهِّرٌ عنده من غير اشتراطِ الصَّبّ.
(والفَرَسِ) أيْ على الأصحِّ، إذ قيل بكراهتِهِ والشكِّ فيه، والمعتمدُ: أنَّ حُرمةَ
_________________
(١) هذا ما ذكره الزيلعي في "التبيين" ١/ ٣٠، وخالفه المرغيناني في "الهداية" (فتح القدير) ١/ ٩٣. وابن عابدين في "رد المحتار" ١/ ١٤٦ فالمعوَّل عليه: غسل كلِّ شيء أصابه ماؤها.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٣) قال ابن عابدين في "رد المحتار" ١/ ١٣١ و١٤١: "تصحيح هذا القول غريب متوغِّل في الإغراب، مخالف لما أطلقه جمهور الأصحاب.
[ ١ / ١٠١ ]
وكلِّ مأكولٍ: طاهِرٌ. وسِبَاعِ البهائم: نَجِسٌ
===
لَحْم الفَرَس لكونه آلةَ الجهاد لا لنجاستِهِ، ألا يُرَى أنَّ لبنَهُ حلالٌ بالإِجماع، ذكَرَه العَيْنيُّ في «شرح تُحفة الملوك».
(وكلِّ مأكولٍ) أي لحمُهُ، وفي نسخة: وكلِّ مأكولِ اللحم أيْ مِنْ الطيُّور، والدَّوابِّ، إلا الدجاجةَ المُخلاَّةَ، والإِبِلَ، والبقَرَ، والغنَمَ الجلاَّلةَ.
(طاهِرٌ) من غير كراهة. وإنما قلنا: إنَّ سُؤْرَ هذه الأشياء طاهرٌ من غير كراهة، لأنَّ اللّعابَ يَترشَّحُ من اللَّحْم، ولَحْمُ هذه الأشياءِ طاهر. وحُرمةُ أكلِ الآدَمِيِّ لاحترامِهِ لا لنجاسته، وكذلك حُرمةُ الفَرَسِ عند أبي حنيفة - في إحدى الروايتين عنه - ليسَتْ لنجاسته بل لأنه آلةُ الجهاد. ورَوى مسلم: عن عائشة ﵂ قالتْ: كنتُ أشرَبُ وأنا حائضٌ، وأُناوِلُهُ النبيَّ ﷺ فيضَعُ فاهُ على مَوْضِعِ فيَّ فيَشرب. وقد ورد: «إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ» رواه أصحاب «السُّنَن» عن أبي هريرة. ونجاسَةُ الكافِرِ في قوله تعالى: ﴿إنَّما المشركون نَجَسٌ﴾ (^١) لخُبْثِ باطنِهِ في اعتقادهِ فلا يُؤثِّرُ في نجاسة أعضائه، ولأنه ﷺ أَنزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ في المسجد، فلو كان النَّصُّ على ظاهره لَمَا أَنزلَهُم فيه.
(وسِبَاعِ البهائم) سُؤرُها - وهي: الأَسَدُ، والنَّمِرُ، والفَهْدُ، والذئبُ، والضَّبُعُ، والكلبُ، والخِنزيرُ، والفِيلُ ونحوُها - (نَجِسٌ). أمَّا الكلبُ والخِنزيرُ فيوافِقُنا فيهما الشافعيُّ.
وأمَّا مالكٌ فيقولُ بطهارةِ سُؤْرِهما، لأنه يَرى طهارةَ كُلِّ حيّ.
قلنا: ثَبتَتْ نجاسَةُ الخِنزير بالنَّصِّ، والكلبِ بدلالةِ قولِهِ ﷺ «طَهُورُ إِناءِ أَحَدِكم إذا وَلَغَ فيه كلبٌ أن يَغْسِلَه سَبْعَ مَرَّات». رواه مسلم وأبو داود.
وأمَّا سائِرُ أسْآرِ سِباعِ البهائم، فيُخالِفُنَا الشافعيُّ ﵀ فيها تَبَعًا لمالك، لِمَا روى ابنُ ماجه مِنْ حديثِ عبد الرحمن بن زيد بن أسْلَمَ، عن أبيه، عن عطاءٍ عن أبي هريرة قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الحِياضِ التي بين مكة والمدينة، فقيل له: إنَّ الكلابَ والسباعَ تَرِدُ عليها؟ فقال: «لها ما أَخذَتْ في بُطُونِها، ولنا ما بَقِيَ شرابٌ وَطَهُورٌ»، وما رُوِي: أنتوضَّأُ بِمَا أَفضَلَت الحُمُر؟ فقال: «نعم: وَبِما أَفضَلَت السِّباعُ كُلُّها» (^٢) .
_________________
(١) سورة التوبة، آية: (٢٨).
(٢) أخرجه الدارقطنى في سننه ١/ ٦٢، كتاب الطهارة، باب الأسآر رقم (٢) وعقَّبَه الدارقطنى بقوله: ابن أبي حبيبة ضعيف أيضًا، وهو إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة.
[ ١ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولنا ما رُوِيَ: أنَّ عُمَرَ وعَمْرَو بنَ العاص وَرَدَا حَوْضًا، فقال عَمْرُو بن العاص: يا صاحبَ الحوض أَتردُ السِّباعُ ماءَك هذا؟ فقال عُمَرُ: يا صاحِبَ الحوضِ لا تُخْبِرْنا (^١) . فلولا أنه كان إذا أَخبَرَ بوُرُودِ السِّباعِ يَتعذَّرُ عليهما استعمالُه لمَا نَهَاهُ عن ذلك.
وتأويلُ الحديثينِ: أنه كان في الابتداءِ قَبْلَ تحرِيم لُحومِ السِّباع، أو وقَعَ السُّؤالُ في الحِياضِ الكِبار، ونحن نقولُ أيضًا: إن مثلَها لا يَتنجَّسُ. على أنَّ الأَوَّلَ معلولٌ بعبدِ الرحمن بن زيد، والثانيَ رواه الدَّارقطنيُّ وفيه داودُ بن الحُصَين، ضعَّفَه ابنُ حِبَّان. لكنْ روى عنه مالك. وأيضًا مُقتَضَى الحديثِ الأوَّلِ طهارةُ سُؤْر الكلبِ وإن كان دون القُلَّتَيْن، والشافعيُّ لا يقولُ به. وإنْ خصَّصَهُ بهما رَجَعْنا معه إلى أَصْلِ المسألة.
وأَوجَبَ علماؤنا وَالشافعيُّ: غسْلَ الإِناءِ بولوغ الكلبِ فيه لنجاستِه عندنا، ولم يُوجِبْه مالكٌ لطهارته عنده، لكن يُغْسَلُ عندنا ثلاثًا، لا سَبْعًا إحدَاهُنَّ بالتُّرابِ كما قال الشافعي، لِمَا رواه السِّتةُ عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا وَلَغَ الكلبُ في الإِناء فاغْسِلُوه سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ أَوْ السَّابعَةُ بالتُّرابِ، على شَكِّ الراوي، وفي روايةٍ: «أُخْراهُنَّ»، وفي الأُخرى: «إحداهُنَّ». وهذا الاضطرابُ عَيْبٌ عظيمٌ في هذا الباب.
ولنا ما روى الدارقطنيُّ: عن عبد الوهاب بن الضحَّاك، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عنه ﵊ (^٢) في الكلبِ يَلِغُ في الإِناءِ: «يُغْسَلُ ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا». قال: وانفرد به عبدُ الوهاب عن ابنِ عيَّاشٍ وهو متروك، وغيرُهُ يَرويه عن ابنِ عياش بهذا الإِسناد: «فاغْسِلُوه سَبْعًا»، ثم رواه أيضًا عن عبد الملك بن أبي سُلَيمان، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة: أنه كان إذا وَلَغَ الكلبُ في الإِناءِ أهْرَاقَهُ (^٣) ثم غَسَلَه ثلاثَ مَرَّات. قال في «الإِمام»: وهذا سَنَدٌ صحيح. ورواه ابنُ عَدِيّ في «الكامل» عن الحسين بن علي الكَرَابِيسي: حدَّثَنا إسحاقُ الأزرق: حدَّثَنا عبدُ الملك، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ «إِذا وَلَغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكم فلْيُهْرِقْهُ، ولْيَغْسِلْهُ ثلاثَ مَرَّات». ثم أخرَجَهُ عن عُمَرِ بنِ شيبة: حدَّثَنا إسحاقُ الأزرق به موقوفًا. قال: ولم يَرفعه غيرُ الكَرَابِيسي، ولم أجِدْ له حديثًا منكرًا غيرَ هذا، وإنَّما حَمَلَ عليه أحمدُ بنُ حنبل مِنْ جهةِ
_________________
(١) أخرجه الإِمام مالك في "الموطأ" ١/ ٢٣، كتاب الطهارة (٢)، باب الطهور للوضوء (٣)، رقم (١٤).
(٢) عبارة المطبوعة: "عن أبي هريرة قال رسول الله - ﷺ - في الكلب" والمثبت من المخطوطة.
(٣) هَرَاقَ الماء يُهْرِيقُهُ هِرَاقَةً: صَبَّه، وأصله: أراق يريق إراقة. مختار الصحاح ص ٢٨٩، مادة (هرق).
[ ١ / ١٠٣ ]
والهِرَّةِ
===
اللفظِ بالقُرآن (^١)، فأمَّا في الحديث فلم أرَ به بأسًا.
ولا شَكَّ أنَّ الحُكَم بالضَّعْفِ والصِّحَّةِ إنما هو في الظاهر، أمَّا في نفسِ الأمْرِ فيجوزُ صِحَّةُ ما حُكِمَ بضعفِهِ ظاهرًا وكذا العكسُ. وثبوتُ كون مذهبِ أبي هريرة ذلك قرينةٌ تُفيدُ أنَّ هذا مما أجادَهُ الراوي المُضَعَّفُ، وحينئذٍ فيُعارض حديثَ السَّبْعِ ويُقدَّمُ عليه، لأنَّ معه دلالةً على التقدُّمِ للعِلْمِ بما كان من التشديد في أَمْرِ الكلاب أوَّلَ الأمر، حتى أُمِرَ بقتلها. والتشديدُ في سُؤرِها يناسِبُ كونَهُ في ذلك الوقت، وقد ثَبَتَ نَسْخُه فيَتْبَعه حُكْمُ ما كان مَعَه.
ولئِنْ طَرَحْنا الحديثَ بالكليَّةِ كان في عَمَلِ الراوي على خلافِ كَمِّيَّةِ ما رَوَى دلالةٌ ظاهرةٌ عليه لاستحالةِ عُدُولِهِ عن القَطْعِيّ إلى رأيه الظَّنِّيّ، إذْ ظَنِّيَّةُ خبَرِ الواحد إنَّما هي بالنسبة إلى غير راويه، وأمَّا بالنسبةِ إلى مَنْ سَمِعَهُ من النبي ﷺ فقطعيٌّ، ولا يجوزُ تَرْكه إلا بالنَّسْخ، إذْ لا يُتْرَكُ القطعيُّ إلاَّ بمثلهِ، فبطَلَ تجوِيزُ تَرْكه بناسخٍ ثَبَتَ باجتهادِهِ المحتَمِلِ للخطأ، مع أنَّ إثباتَ اجتهادِه في حيِّزِ المنع. وإذا عرفتَ هذا كان تَرْكُهُ للعَمَلِ به بمنزلةِ روايتِهِ للناسخِ بلا شبهة، فيكون الآخَرُ (^٢) منسوخًا بالضرورة، وإلا استَلْزَم سُوءَ الظنِّ به وسقوطَ عدالتِه، وهو باطلٌ بإِجماع الأُمَّة.
ثم إن الشافعيَّ جَعَلَ العَدَدَ تعبُّدًا، وعَدَّاه إلى الثَّوْبِ وإلى رُطوبةٍ أُخرَى منه وإلى الخِنزيِرِ، والتعبّديُّ لا يَتعدَّى. وجَعَلَ مالكٌ غَسلَ الإِناءِ من وُلوغ الكلبِ فقط مندوبًا دون غيرِهِ من السِّباعِ ولو خنزيرًا، ويَحكُمُ بإراقة الماءِ لا الطعامِ، وقيل: لا يُراقَ الماءُ أيضًا لأنَّ غَسْلَ الإِناءِ تعبُّدٌ، وكان مالك يَرى الكلبَ كأنه مِنْ أهلِ البيت كالهِرَّةِ، ليس كغيره من السباع، وكان يَستعظم أن يُعْمَدَ إلى رِزِقِ الله من الماءِ أو الطعامِ فيُراقَ بولَوغِ الكلبِ فيه، وقال: جاء هذا الحديثُ وما أَدري ما حقيقتُه؟ وفي «مُدَوَّنتهم» لو توضَّأَ به وصلَّى فلا إعادة.
(والهِرَّةِ) أي وسُؤْرُ الهِرَّةِ التي لم تأكل نجاسةً أو أكَلتْها ومكثَتْ ساعةً: مكروهٌ عند أبي حنيفة - وقيل عند محمد أيضًا - كراهةَ تحريمٍ كما ذهب إليه الطَّحاوي، أو تَنْزِيهٍ كما ذهب إليه الكرخيُّ وهو الأصحُّ، لأنها لا تتَحامَى النجاسَةَ فيُكره، كماءٍ
_________________
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "اللفظ بالقرائن". والمثبت من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى من كتاب "فتح باب العناية" ١/ ١٥٠.
(٢) أي الحديث الآمر بالغسل سبع مرات.
[ ١ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
غَمَسَ فيه صَغِيرٌ يدَهُ. وأصْلُهُ كراهَةُ غَمْسِ المستيقظِ يدَهُ في الإِناء قبلَ غَسْلِها. وفي «النوادر» عن أبي حنيفة في هِرَّةٍ أكلَتْ فأرةً ثم شَرِبَتْ لا يَتنجَّسُ الماءُ لأنها غَسَلَتْ فَمَها بلُعَابِها، ولُعابُها طاهرٌ، وهو قولُ أبي يوسف، وهو مؤيَّدٌ بأحاديثَ:
منها: ما رواه هو (^١) عن عبدِ رَبِّه، عن سعيد المَقْبُري، عن أبِيه، عن عُروَة بن الزُّبَير، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ تَمُرُّ به الهِرَّةُ فَيُصغِي لها الإِناءَ فتَشْرَبُ، ثم يَتوضَّأُ بفَضْلِها. رواه الدارقطنيُّ في «سننه»، وضَعَّفَ عَبْدَ ربِّه. ويُدفَعُ بأنَّ أَبا يوسف أدرَى به منه ضَرُورةَ عِلمِهِ بحالِ شيخه.
ومنها: ما رواه الدارقطني، وابن ماجه، والطحاوي من حديث حارثة بن محمد، عن عَمْرَة، عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ أتوضَّأُ أنا ورسولُ الله ﷺ في إناءٍ واحدٍ قد أصابَتْ منه الهِرَّةُ قبلَ ذلك.
ومنها: ما رواه أصحاب «السُّنَن الأربعة» والطحاوي عن كَبْشَة بنتِ كعبِ بنِ مالك، وكانت تحت ابنِ أبي قتادة، فدَخَل عليها فسكَبَتْ له وَضُوءًا، فجاءت هِرّةٌ تَشْرَبُ منه، فأَصغَى لها الإِناءَ حتى شَرِبَتْ، قالتُ كَبْشَةُ: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتَعجبينَ يا ابنةَ أخي؟ فقلتُ: نعم، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنها ليسَتْ بنَجَس، إنَّها من الطَّوَافِين عليكم والطَّوَافات»، قال الترمذي: حديثٌ حسَنٌ صحيح.
ومنها: ما في «صحيح ابن خُزَيمة» عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنها ليسَتْ بنَجَسٍ، هي كبعضِ أهل البيت»، وفي «سُنَن الدارقطني»: «هي كبعضِ مَتاعِ البيت».
ومنها: ما في «معجم الطبراني»: سُئِلَ أنسُ بن مالك عن الهِرَّة؟ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى أرضٍ بالمدينة يُقالُ لها: بُطْحان، فقال: «يا أنسُ اسكُبْ لي وَضُوئي»، فسكبتُ له، فلمَّا قَضَى ﷺ حاجتَه أقبَلَ إلى الإِناء وقد أَتَى هِرٌّ فوَلَغَ في الإِناءِ، فوقَفَ له رسولُ الله ﷺ وقفةً حتى شَرِبَ الهِرُّ، ثم سألتُه فقال: «يا أنسُ إنَّ الهِرَّ مِنْ متاع البيت، لن يُقذِّرَ شيئًا ولن يُنَجِّسه».
ولهما (^٢)، ما رواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد، والدارقطنيُّ عن عيسى بن المسيّب قال: حدَّثَنا أبو زُرْعَة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) أي أبو يوسف.
(٢) أي للإمام أبي حنيفة ومحمد القائلين بكراهة سؤر الهرة.
[ ١ / ١٠٥ ]
والدَّجاجةِ المُخَلَّاةِ وسِبَاعِ الطَّيرِ وَسَوَاكِنِ البيوتِ: مكروهٌ
===
«السِّنَّوْرُ سَبُعٌ». وعيسى: مختلَفٌ فيه توثيقًا وتضعيفًا. وعلى كلِّ حالٍ فليس لمحلِّ الخلافِ حاجةٌ إلى هذا الحديث، إذْ ليس هو في النجاسة، لسقوطِها اتفاقًا بالطَّوَافِ المنصوصِ عليه، كسقوطِ الاستئذانِ عن المماليكِ، والذينَ لم يَبْلغوا الحُلُمَ عند دخولهم على مَوَالِيهم وأهلِيهم في غير الأوقاتِ الثلاثةِ المنصوصِ عليها في الآيةِ، المعلَّلة بأنهم ﴿طَوَّافُون عليكم بعضُكم على بعض﴾ (^١) .
(والدَّجاجةِ) بفتح الدال، وتُثَلَّث (المُخَلاَّةِ) بتشديد اللام وهي: التي يَصِلُ منقارُها إلى النجاسة، يُكرَهُ سُؤْرُها، لأنها تُفَتِّشُ الأنجاسَ، فلا يخلو مِنقارُها من ذلك، إلاَّ أنه لم تُعلَم طهارتُه مِنْ نجاستِه، لكن لو توضَّأَ به جاز، لأنه تَيقَّنَ طهارتَه وشَكَّ في نجاسته والشَّكُّ لا يُعارِضُ اليقينَ، فَثَبتَت الكراهةُ للاحتمالِ، فلا يُكرَهُ لو حُبِسَتْ في قَفَصٍ وجُعِلَ عَلَفُها وماؤها ورأسُها خارجَه، بحيث لا يَصِلُ مِنقارُها إلى ما تحت قَدَمَيْها، لأنَّها رُبَّما تُفَتِّشُ نجاستَها.
وكذا كُرِهَ سُؤْرُ إبِلٍ، وبقرٍ، وغَنَمٍ جَلاَّلةٍ، وهي التي تأكلُ النجاسة، لكن إذا جُهِلَ حالُها، وأمَّا إذا عُلِمَ حالُ فَمِها طهارةً ونجاسةً فالسُّؤرُ كذلك. ولا يَحِلُّ أكلُ الدَّجاجةِ المُخلاَّةِ، والبقَرةِ الجلاَّلة إلا بحَبْسِ الأُولى ثلاثةَ أيام والثانيةِ عشرَةَ أيام.
(وسِبَاعِ الطَّيْرِ) كالصَّقْرِ، والبازِي (^٢)، والشاهينِ (^٣) والحِدَأَةِ (^٤)، إلاَّ المحبوسَ الذي يَعلَمُ صاحِبُه أنه لا قَذَرَ على مِنقاره، رُويَ ذلك عن أبي يوسف، واستحسَنَه المشايخُ.
(وسَوَاكنِ البيوت) كالحيَّةِ والفأرةِ والوَزَغَة (^٥)، لأنَّ الضرورة التي وقعَتْ الإِشارةُ إليها في الهِرَّةِ موجودةٌ فيها، فإنَّها تَسْكُنُ البيوتَ ولا يُمِكنُ صَوْنُ الأواني منها، فلم يُحكَمْ في سُؤرِها بالنجاسة فَتَبْقَى الكراهة، وقيل: كراهَةُ سؤرِها لحُرمَةِ لحمها مع تعذُّرِ صَوْنِ الأواني عنها، والأوَّلُ يُشِيرُ إلى كراهةِ التنزيه، والثاني إلى القُرْبِ من التحريم، فقولهُ: (مكروهُ) يَحتمِلُهما (^٦) . وحُكمُه أن يتوضَّأَ به ولا يَتيمَّم.
_________________
(١) سورة النور، آية: (٥٨).
(٢) البازي: ضَربٌ من الصقور. القاموس المحيط ص ٣٦٣٠، مادة (بزو).
(٣) الشاهين: طائر من جوارح الطير وسباعها. المعجم الوسيط ص ٤٩٩.
(٤) الحِدَأة: طائر يصيد الجرذان. المغرب في ترتيب المعرب ١/ ١٨٤. مادة (حدأ).
(٥) الوزغة: سام أبرص. المغرب في ترتيب المعرب ٢/ ٣٥٢. مادة (وزغ).
(٦) أي الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية. قال في "الدر المختار" ١/ ١٤٩ - ١٥٠: (وسواكن البيوت) =
[ ١ / ١٠٦ ]
والحِمارِ والبغلِ: مشكوكٌ.
===
(والحِمارِ والبغلِ) أي وسُؤرُهما: (مشكوكٌ) في طَهُوريَّتِه، وقيل في طهارته، والأوَّلُ أصحُّ، لأنه لو مَسَحَ رأسَه منه ثم وجَدَ الماءَ لا يجبُ غَسْلُ رأسِه، ولو كان الشَّكُّ في طهارتهِ لوجَبَ غَسْلُه احتياطًا لِتوهُّمِ النجاسة.
وسبَبُ الشَّكِّ تعارُضُ الخبَرَينِ في إباحتِه وحُرمتِه.
فقد روى البخاري مِنْ حديث أنسٍ: أنَّ رسول الله ﷺ جاءه جاءٍ في خَيْبَر فقال: أُكِلَتْ الحُمُر فسكَتَ، ثم أتاهُ الثانيةَ فقال: أُكِلَتْ الحُمُر فسكَتَ، ثم أتاه الثالثةَ فقال: أُفْنِيَت الحُمُر فأمَرَ مُناديًا يُنادي في الناسِ: «إنَّ اللهَ ورَسُولَه يَنهيانِكم عن لُحومِ الحُمُر الأَهلِيَّة»، فأُكْفِئت القُدُورُ وإنها لتَفُورُ باللَّحْم. قال ابنُ أبي أَوْفَى: فتَحَدَّثْنا أنه إنما نَهَى عنها لأنها لم تُخَمَّس، وقال بعضُهم: نَهَى عنها البتَّةَ لأنها تأكل العَذِرَة (^١) . قال ابنُ عباس: لا أدرِي أَنهَى رسولُ الله ﷺ مِنْ أجلِ أنه كان حَمُولةَ الناسِ، فكَرِهَ أن تَذهَبَ حَمُولَتُهم؟ أوْ حَرَّمَه يوم خَيْبَر؟.
وروى أبو داود عن غالبِ بن أَبْجَر قال: أصابَتْنَا سَنَةٌ، أي قَحْطٌ، ولم يكن في مالي شيءٌ أُطْعِمُ أهلي إلا شيءٌ مِنْ حُمُر، وقد كان رسول الله ﷺ حَرَّمَ لحومَ الحُمُرِ الأهليَّة، فذكرتُ ذلك لرسولِ الله ﷺ فقال: «أَطعِمْ أهلَك مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فإنَّما حَرَّمْتُها مِنْ أجلِ جَوَالِّ القَرْية» (^٢) .
وكذا تَعارَضَ الأَثَران، فعن ابنِ عُمَر نجاسَتُه، وعن ابن عبَّاس طهارَتُه. وليس أحدُهما أَولى مِنْ الآخَر، فيَبْقَى مُشْكِلًا.
والبَغْلُ مُتولِّدٌ مِنْ الحِمار، فأخَذَ حُكمَه. وقيل: البَغْلُ تابعٌ لأُمِّهِ (^٣)، فإنْ كانَتْ أتانًا (^٤) فسُؤْرُه مشكوكٌ فيه، وإنْ كانتْ رَمَكةً (^٥) فسُؤرُهُ طاهر. وأمَّا لَبَنُ الحمار ففي
_________________
(١) = طاهر للضرورة (مكروه) تنزيهًا. علق ابن عابدين على قوله: تنزيهًا: قيد لئلا يتوهم التحريم. قال في "البحر": واعلم أن المكروه إذا أطلق في كلامهم، فالمراد منه التحريم إلا أن ينص على كراهة التنزيه.
(٢) أي الخرء. المصباح المنير ص ١٥١، مادة (عذر).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ٤/ ١٦٣، كتاب الأطعمة (٢٦)، باب في أكل لحوم الحمر الأهلية (٣٣)، رقم (٣٨٠٩). وعقبه أبو داود بعد قوله: جَوّال القرية، يعني الجلالة. والجلالة: الدابة التي يكون طعامها العذرة ونحوها من الجَلَّة والبعر. معجم لغة الفقهاء ص ١٦٥.
(٤) وهو الصحيح.
(٥) الأتان: الحمارة. مختار الصحاح ص ٢، مادة (أتن).
(٦) الرَّمَكَة: الفرس. القاموس المحيط ص ١٢١٥، مادة (رمك).
[ ١ / ١٠٧ ]
يَتَوضَّأ به ويَتَيمَّمُ إِنْ عَدِمَ غيرَه، والعَرَقُ كالسُّؤر.