الاستنجاءُ
===
سِرْقِين) بكسر السين والقاف، أي عَذِرة (فيَبِسَ) عطْفٌ على طُيِّن.
(أو نُسِيَ) بصيغة المجهول، عطفٌ أيضًا على طُيِّنَ. و«أو» للتنويع، أي ويُصلَّى أيضًا في ثوبٍ نُسِيَ (محلُّ النجاسة منه فغُسِلَ طرَفٌ منه).
(كحِنطةٍ) أي مثلِ كُدْسِ حِنْطةٍ ونحوِها من شعير (بال عليها حُمُرٌ) وكذا بقَرٌ أو بغل (تَدُوسُها فغُسِلَ بعضُها أو ذهَبَ) أي بعضُها هِبةً، أو صدقةً، أو سرقةً، أو قسمةً، أو نحوَها. وفي نسخة: أو وُهِبَ بصيغة المجهول (فإنها تَطْهُرُ) لاحتمالِ أن يكون ما أصابته النجاسةُ هو البعضَ المغسول، أو البعضَ الذاهبَ، أو الموهوبَ، فاعتُبِرَ هذا الاحتمال لمكانِ الضرورة.
كذا قيَّده المصنِّفُ في «شرح الوِقاية»، وتَبِعَه بعضُ علمائنا. وتقييدهُ هذا، وكذا تقييدهُ في المتن بالحُمُر التي تَدُوسُها يَدلُّ على أنها لو تنجَّستْ الحنطةُ بغير ما ذكَرَه لا تَطْهرُ بهبةِ بعضِها، ولا بالقسمة لانعدام الضرورة. لكن ذكر في «الخلاصة»: أنَّ الكُدْس (^١) إذا تنجَّس مطلقًا فقُسِمَ بين الدِّهْقان (^٢) والعاملِ يُحكَمُ بطهارته. لكن الظاهر أنَّ غَسْلَ البعضِ أو هبته، وكذا ذهابُه بالقسمةِ إنما يُطهِّرُ إذا لم يكن كلٌّ من القسمين أقلَّ مما تنجَّس انتهى. فيُمكنُ أن يكون قيْدُ حُمُرٍ تَدُوسُها وقَعَ اتفاقًا. وقولُه للضرورةِ أي للجهالةِ ودُفِعَ الحرج في غَسْلِ الكلِّ.
وفي «المحيط»: ولو غسَلَ رجلَه ومَشَى على أرضٍ نَجِسةٍ فابتلَّتْ الأرضُ مِنْ بلَلِ رِجْلِه فإنْ لم يَظهر أثرُ بللِ الأرض في رِجْلِه وصلَّى جازت صلاتُه، وإن ظهَرَ لا يجوز. ولو مشَى على أرضٍ نجِسةٍ رَطْبةٍ ورِجلُه يابسةٌ تَتنجَّسُ.
(أحكام الاستنجاء)
(الاستنجاءُ) وهو مسْحُ موضعِ النَّجْوِ بنحوِ حَجَرٍ، أو غسْلُه. والنَّجْوُ: ما يَخرجُ من البطن. ويجوز أن تكون السينُ فيها للطَّلب، أي طَلَبَ النَّجْوَ لِيُزيلَه.
_________________
(١) الكُدُسُ: المجتمع من كل شيء، نحو الحب المحصود. المعجم الوسيط، ص ٧٧٩، مادة (كدس).
(٢) الدَّهقان: رئيس الإِقليم. القاموس المحيط ص ١٥٤٦، مادة (الدهقان).
[ ١ / ١٦٥ ]
مِن كلِّ حَدَثٍ غيرَ النومِ والرِّيح، بنحوِ حَجرٍ حتى يُنقِيَه: سُنَّةٌ.
===
(مِنْ كلِّ حَدَثٍ) أي لأجلِ خارجٍ من أحَدِ السبيلين كالبولِ والغائطِ وما يكون له جِرْم (غيرَ النومِ والرِّيح) أي ونحوِهما من الفَصْدِ، والإِغماءِ، والجنونِ، والسُّكرِ، مما ليس له جِرْمٌ خارجٌ من أحَدِهما كالريح، أو ليس مما خَرَج من أحدِ السبيلين كالباقي، فإنَّ الاستنجاء منها بدْعة، فالاستثناءُ منقطِع.
وفي «شرح الوقاية» فإنْ قلتَ: إنْ قُيِّدَ الحدَثُ بالخارج من أحدِ السبيلين فاستثناءُ النوم مستدرَك، وإنْ لم يُقيَّد به فيُسنُّ الاستنجاءُ في الفَصْد ونحوِه. قلتُ: يُقيَّدُ بالخارج من أحدِ السبيلين، واستثناءُ النوم غيرُ مستدرَك، لأنه إنما يَنقُضُ لأنَّ فيه مظنَّةَ الخروج من السبيلين. انتهى.
وحاصلُهُ: أنَّ الاستثناءَ متَّصِل، ونُزِّلَ مَظِنَّةُ الخروجِ مقامَ تحقُّقِه. وإنهما إذا لم يُسنَّ الاستنجاءُ فيهما فبالأَولى غيرُهما. ولا يَخفى أنَّ ذِكر الريح مُغنٍ عن النوم، لأنه مع تحقُّقِ خروجِه من السبيلين إذا لم يكن داخلًا في الحكم فما يكون في مقام المظِنَّة أَولى، ففي الجملة ذِكرُ النومِ مستدرَك، إلا أنه قد تسامح بتقديمه، فالأظهر والأخصر أن يقال: مِنْ بولٍ أو غائط.
(بنحوِ حَجَرٍ) كخِرقةٍ ومَدَر (حتى يُنقيَه) من الإِنقاءِ أو التنقية، أي يُنظِّفَه ويُجفِّفه. والإِسنادُ حقيقي أو مجازي (سُنَّةٌ) أي إذا كان أقلَّ من قَدْرِ الدرهم (^١) .
لِما روى البيهقي وقال: إنه أصحُّ ما في الباب وأعلاه - أي سندًا - عن مولى عُمَر قال: كان عُمَر إذا بال قال: ناوِلْني شيئًا أستنجي به، فأناوله العُودَ أو الحجَر، أو يأتي حائطًا يَتَمَسَّحُ به، أو يَمسُّ الأرضَ، (ولم يكن يَغسله) (^٢) . والمرادُ بالحائط الجدارُ، وهو محمولٌ على جدارِ نفسه، إذ لا يجوز المسحُ بجدارِ غيرِه كالوقفِ ونحوه (^٣) .
ولا يُشترطُ التثليثُ عندنا. كما أشار إليه بقوله: حتى يُنقيَه، فإنَّه يَحتمل الزيادةَ والنقصان، وكذا الشفعُ والوتر.
وقال مالك والشافعي وأحمد: يجبُ الاستنجاءُ بالماءِ أو بثلاثةِ أحجار، لِما روى
_________________
(١) بل ولو كان قدر الدرهم، نعم تكون إزالته حيئنذٍ آكد في السنية كما في دارد المحتار" ١/ ٢١٠ - ٢١١، و٢٦٦. أفاده الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى.
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من السُّنن الكبرى "للبيهقي" ١/ ١١١ ومولى عمر اسمه: يَسَار بن نُمَيْر. كما جاء في سنن البيهقي.
(٣) إلا أن يكون مستأجرًا لهذا، فجائز ولو كان وقفًا. انظر "رد المحتار" ١/ ٢٢٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبو داود عن عُروة عن عائشة: أنَّ رسُول الله ﷺ قال: «إذا ذهب أحدُكم لحاجته فلْيَستطِبْ بثلاثةِ أحجار». وفي روايةٍ: «إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط فلْيَذهبْ معه بثلاثةِ أحجار، فليَسْتطِبْ بها فإنَّها تُجزاء عنه». رواهما أبو داود والنسائي. وصحَّح الدارقطنيُّ إسنادَه. ولقولِ سلمان: نهانا رسولُ الله ﷺ أن نستقبل القِبلةَ بغائط أو بول، أو أن نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثةِ أحجار، أو أن نستنجي برَجِيعٍ (^١)، أو عَظْم». رواه مسلم.
ولنا ما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبيُّ ﷺ الغائطَ - أي أراد إتيانَه - فأمرَني أن آتيه بثلاثةِ أحجار، فوجدتُ حجرينِ ولم أجد الثالث، فأتيتُه برَوْثةٍ فأخذَ الحجرينِ وألقى الروثةَ وقال: «هذا رِكْسٌ». أي رِجْس. ووجْهُ الدلالةِ أنه لو وجَبَ الثلاثةُ لطلَبَ بعدَ رمي الروثةِ حجرًا ثالثًا.
وقال مالك والشافعي وأحمد: الاستنجاءُ واجبٌ لِما في «الصحيحين» عن ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ مَرَّ بقبرينِ فقال: «إنَّهما لَيُعذَّبان وما يَعذَّبانِ في كبير: أمَّا أحَدُهما فكان لا يَستبراءُ من البول - وفي روايةٍ: لا يَستنزِهُ - وأمَّا الآخَرُ فكان يَمشي بالنمِيمة، فأَخذَ جريدةً رَطْبةً فشَقَّها نِصفينِ، فغَرَزَ في كلِّ قبرٍ واحدةً»، فقيل: لِمَ فعلتَ هذا يا رسول الله؟ قال: «لعلَّه أن يُخفَّفَ عنهما ما لم تَيْبَسا». ولأنَّ الطهارة بالماءِ من الأنجاس شَرْطُ جوازِ الصلاة فلا بُدَّ منها، إلا أنه اكتُفي بغيرِه في موضعِ الاستنجاء للضرورةِ والإِجماعِ فلا يجوز تركه.
ولنا ما روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حِبَّان، والطحاوي عن أبي هريرة - وحسَّنه النوويّ - قال: قال رسولُ الله ﷺ «من استَجمَرَ فليُوتِر، مَنْ فعَلَ فقد أَحسن، ومن لا فلا حَرَج». وقولُه: «من استجمر» أي استَنْجَى. وقد قال مالك: الاستجمارُ الاستطابةُ بالأحجار. وهو في «الصحيحين» بدون هذه الزيادة.
وأجاب البيهقي بأنَّ المراد فليُوتر بعدَ الثلاث، ورُدَّ بأن الأمرَ فيه للاستحبابِ بالاتفاق، لقوله: «مَنْ فعَلَ». وعنده (^٢) الزيادةُ على الثلاثِ مع الإنقاءِ بدعةٌ، وبدونه
_________________
(١) الرَّجِيع: الرَّوْث. مختار الصحاح ص ٩٩، مادة (رجع). والرَّوْث: جُرْءُ الفرس. مختار الصحاح ص ١١٠، مادة (روث). بتصرف.
(٢) أي عند الإمام مالك.
[ ١ / ١٦٧ ]
لا بعَظْمٍ ورَوْثٍ
===
واجبةٌ كما ذكره بعضُ علمائنا (^١) .
لكن بقي الكلامُ في أصل المَرام، فإنّ هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الإِيتارَ غيرُ واجب. والمدَّعى أن الاستنجاءَ نفسَه واجب أو سنة.
وأمَّا قولُ من قال: إنَّ الإِيتار يقعُ على الواحدة، فإذا لم يكن حرَجٌ في ترك الإِيتارِ لم يكن حرجٌ في تركِ الاستنجاء: ففيه نظر، فإنَّ المنفيَّ على هذا التقدير إنَّما هو الإِيتارُ ممن استَنجَى، وذلك لا يتحقَّقُ إلا بنفي إيتارٍ هو فوقَ الواحدة، فإنَّ بنَفْي الواحدةِ يَنتفي الاستنجاءُ، فلا يَصدُقُ نفيُ الإِيتارِ مع وجودِ الاستنجاء، فلا يَتمُّ الدليلُ إلا بصرفِ النفي إلى كلِّ ما ذكره، فيَدخلُ فيه أصلُ الاستنجاءِ ومجرَّدُ الإِيتار فيه، والمعنى مَنْ فعَلَ ما قلتُه كلَّه فقد أَحسنَ، ومنْ لا فلا حرج.
(لا بعَظْمٍ) لأنه يَجرحُ وكذا الزُّجاج (ورَوْثٍ) لأنه نَجِس. ولِما في «البخاري» من حديث أبي هريرة في: بَدْء الخلْق أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «ابغِني أحجارًا أستَنفِضْ بها، ولا تأتني بعَظْمٍ ولا برَوْثة»، قلتُ: ما بالُ العظامِ والروثة؟ قال: «هما مِنْ طعامِ الجِنّ». فيه تغلِيبٌ أي العِظامُ طعامُ الجنّ، والرَّوثةُ علَفُ دوابَّهم، فإنَّ الله سبحانه يَخلُق في العظم ما كان فيه من اللحم، وكذا في الروثة.
وقد روى الترمذي مرفوعًا: «لا تسَتَنْجُوا بالرَّوثِ ولا بالعظام، فإنَّه زادُ إخوانِكم من الجِنّ». وروى مسلم عن جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يُتمسَّحَ بعظمٍ أو بَعْر. وروى أبو داود عن ابن مسعود: لمَّا قَدِمَ وَفْدُ الجِنِّ على النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إِنْهَ أُمَّتَك أن تستنجيَ بِعَظْمٍ أو رَوْثةٍ أو حُمَمة (^٢)، فإنَّ الله تعالى جعَلَ لنا فيها رِزقًا، فنهانا رسولُ الله عن ذلك.
وروى الطحاوي عنه أنه قال: سألت الجِنُّ رسولَ الله ﷺ في آخَرِ ليلةٍ لَقِيَهُم في بعضِ شِعابِ مَكَّة - الزادَ، فقال رسولُ الله ﷺ «كُلُّ عظمٍ يَقعُ في أيدِيكم قد ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عليه أوفَرُ ما يكون لَحْمًا، والبَعْرُ عَلَفًا لدوابِّكم»، فقالوا: إنَّ بني آدم
_________________
(١) عبارة المخطوطة: "وبدونه واجب كذا ذكره بعض علمائنا" بل مذهب المالكية غير هذا، ففي "الشرح الصغير" للدودير ١/ ٤٤: " ويُندب له وتر المزيل إذا كان جامدًا كحجر حيث أنقى المحل بالشفع، وإلا فالإنقاء متعيِّن، وينتهى ندب الإيتار للسبع فإن أنقى بثامن، فلا يطلب بتاسع". انتهى مما أفاده الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى.
(٢) الحُمَمَة: الفَحْمَة. النهاية ١/ ٤٤٤.
[ ١ / ١٦٨ ]
ويَمينٍ، ثم غَسْلُه أدَبٌ.
===
يُنجِّسونه علينا، فعند ذلك قال: «لا تَستنجوا برَوْثِ دابَّةٍ ولا بعَظْم، إنه زادُ إخوانِكم الجِنِّ».
وبه يُعلم حُكمُ مطعومِ الناسِ وبهائمهم، مع أنَّ فيه إسرافًا وإضاعةً بلا ضرورة، فيكون منهيًّا عنهما.
(ويَمِينٍ) أي ولا يَمينٍ لما في «الكتب الستة» عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا بال أحدُكم فلا يَمسَّ ذكَرَه بيمينه، وإذا أَتى الخلأَ فلا يَتمسَّحْ بيَمِينه، وإذا شَرِبَ فلا يَشرب نَفَسًا واحدًا». أي بل يَشربُ بنَفَسينِ أو ثلاثٍ مِنْ الفَصْل. ومعنى قوله: «لا يَتمسَّحْ» لا يَستنجِ بيَمِينه في البولِ والغائط، فَيَنبغي أن يأخذَ الحجرَ بيمينه، ويُمسكَ الذكَرَ بيساره، ويُحرِّكَ الذكَرَ دون الحجر. وروى أبو داود عن عائشة: كانت يَدُ رسولِ الله ﷺ اليُمنى لِطهُورِه، وكانت يَدُه اليُسرى لِخلائِه وما كان مِنْ أذى. ورُوي عن حفصة نحوُه.
(ثم غَسْلُه) أي غسلُ المحلِّ بعدَ تنظيفِه بنحوِ الحجر (أدَبٌ) أي مستحبٌّ لِما روى البزَّار في «مسنده»: عن ابن عباس قال: نزلتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباء ﴿فيه رجالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطهَّروا واللهُ يُحِبُّ المتطهِّرين﴾ (^١) . أي المبالِغين في الطهارةِ والنظافة، فسألهم رسولُ الله ﷺ فقالوا: إنا نُتْبِعُ الحجارةَ الماءَ. فهذا وجْهُ اختصاصِهم.
وقيل: هو سُنَّةٌ في زماننا لِما روى البيهقي في «سننه» وابن أبي شيبة في «مصنَّفه» عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: مَنْ كان قبلَكم كانوا يَبْعَرُون بَعْرًا، وأنتم تَثْلِطون ثَلْطًا (^٢)، فأتبعُوا الحجارةَ الماءَ.
ثم الغَسْلُ وحدَه أفضلُ من التنقيةِ بالحجَرِ ونحوِه، لإِزالةِ النجاسة بالكلية، ولِما في «الصحيحين» عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ يَدْخُلُ الخلاءَ فأحمِلُ - أنا وغلامٌ نَحْوِي - إداوةً (^٣) من ماءٍ وعَنَزةً (^٤)، فيَستنجي بالماء. وفي «سنن أبي داود»: عن أبي
_________________
(١) سورة التوبة، آية: (١٠٨).
(٢) أي كانوا يتغوطون يابسًا كالبعر، لأنهم كانوا قليلي الأكل والمآكل، وأنتم تثلطون رقيقًا، وهو إشارة إلى كثرة المآكل وتنوعها. النهاية ١/ ٢٢٠.
(٣) الإِداوة: إناءٌ صغير من جلد يُتخذ للماء. النهاية ١/ ٣٣.
(٤) العنَزَة: مثل نصف الرُّمح أو أكبر شيئًا، وفيها سنان مثل سنان الرُّمح، والعكازة قريب منها. النهاية ٣/ ٣٠٨.
[ ١ / ١٦٩ ]
وإن جاوَزَ المخرَجَ أكثرُ مِن درهم فواجب، فيَغسِلُه ببطونِ الأصابع بعدَ غَسْلِ اليد
===
هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أَتى الخلاءَ أَتيته بماءٍ في تَوْرٍ (^١) أو رِكْوَة (^٢)، فاستَنْجَى، ثم مسَحَ يدَهُ على الأرض، ثم آتيهِ بإناءٍ آخَرَ فيتوضَّأ.
ومما يدلُّ على مواظبتِه ﵊ الموجبِةِ لكونه سُنَّةً، ما رواه ابن ماجه عن عائشة قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ خرجَ من غائطٍ قطُّ إلا مسَّ ماءً.
(وإن جاوَزَ المخرَجَ أكثرُ مِنْ درهمٍ) أي من النجاسة. ورُوي «أكثَرَ» بالنصب، أي جاوَزَ الحَدَثُ المذكورُ حالَ كونِ ذلك الحدَثِ المجاوِزِ أكثرَ من درهم، أو مجاوزَةً أكثرَ من درهم (فواجبٌ) أي غَسْلُ المجاوِز، لأنَّ ما على المَخْرَجِ إنَّما اكتُفي منه بغيرِ الغسل للضرورة، ولا ضرورةَ في المجاوِز.
وعبارةُ «الكنز»: ويجبُ إن جاوَزَ النَّجَسُ المخرَجَ، ويُعتَبَرُ القَدْرُ المانعُ وراءَ موضعِ الاستنجاء. أمَّا لو جاوَزَ المخرجَ قدْرُ الدرهم فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجبُ غَسْلُه، وعند محمد: يجبُ غَسْلُهُ ولو قلَّ، بناءً على أنَّ المخرَجَ كالظاهِر وهو قولُ محمد، وكالباطِنِ وهو قولُهما (^٣) .
(فيَغسِلُه ببطونِ الأصابع) أي مِنْ يدِه اليُسرَى، ولا يُقدَّرُ غَسْلُه بعدَدٍ، لأنَّ النجاسة مَرْئِيَّة، ويدَلُّ على إزالتِها ذهابُ مُلَامَستِها، إلا أنه يُقدَّرُ لقطعِ الوسوسةِ بالثلاث، وقيل: بالسَّبْع. (بعدَ غَسْلِ اليد) لأنها آلةٌ.
ويُستحَبُّ الاستبراءُ من البولِ بتنَحْنُحٍ، أو مشيٍ، أو مسْحِ ذكَرٍ. ولا يُبالِغُ فيه، لأنه يُورِثُ الوسوسةَ الموجبةَ للشبهة، فقد ورد عن أبي هريرة عنه ﷺ «استنزهوا من البول، فإنَّ عامَّة عذاب القبر منه». رواه الحاكم في «مستدركه» والدارقطني في «سننه» واللفظ له. وعن ابن عباس عنه ﷺ «إنَّ عامَّة عذاب القبر من البول، فتنزَّهوا منه». رواه الحاكم والدارقطني والطبراني (^٤) .
_________________
(١) تَوْر: هو إناء من صفر - نحاس - أو حجارة. النهاية ١/ ١٩٩.
(٢) الرّكوة: إناء صغير من جلد يُشرب فيه الماء. النهاية ٢/ ٢٦١.
(٣) وهو الصحيح. انظر "رد المحتار" ١/ ٢٢٦.
(٤) وقع في المطبوعة: "استنزهوا مرتين بالغتين أو ثلاثًا" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس. فيه تحريف في لفظ الحديث، فإن الحديث الذي رواه هؤلاء الأئمة عن ابن عباس هو بلفظ: "استنثروا مرتين بالِغَتَين أو ثلاثًا" كما جاء عندنا في المخطوطة، وهو في استنثار الأنف في الوضوء وليس له علاقة في باب الاستنجاء. والظاهر أن الشارح وقع الحديث أمامه محرفًا فسرى عليه التحريف، أو سبق ذهنه وقلمه من حديث إلى حديث، فوقع منه هذا =
[ ١ / ١٧٠ ]
مُرْخِيًا مَخْرَجَه بِمبالغةٍ، ثمَّ يَغسِلُ اليدَ. وكُرهِ استقبالُ القِبلةِ واستدبارُها في الخلاء.
===
(مُرْخِيًا مَخْرَجَه بمبالغةٍ) أي إرخاءً بصفةِ المبالغة إلا حالَ الصوم (ثمَّ يَغسِلُ اليدَ) أي ثانيًا دفعًا للرائحة الكَرِيهة، ولو مَسَحها بترابٍ أو رمادٍ ثم غسَلَها فهو أفضل.
(وكُرِهَ) أي كراهةَ تحريم (استقبالُ القِبلةِ واستدبارُها في الخلاءِ) بالمدّ: مكانُ التغوُّطِ والبول.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يُكرَهُ ذلك في البناء لِم روى أبو داود والحاكم وقال: على شَرْطِ البخاري، عن مروان قال: رأيتُ ابنَ عُمَر أناخَ راحلتَه وجَلَس يَبولُ إليها، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: إنما نُهيَ عن ذلك في الفَضَاء، فإذا كان بينك وبين القِبلةِ شيء يَستُرك فلا بأس.
ولنا ما في «الكتب الستة»: عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أتيتُم الغائطَ فلا تستقبِلوا القِبلة، ولا تستدبِروها، ولكنُ شرِّقوا أو غرِّبوا». والمعنى: توجَّهوا إلى جانبِ الشرقِ أو الغرب. ولا يَلزمُ منه جوازُ استقبالِ الشمسِ والقمر، فتدبَّرْ. قال أبو أيوب: فَقَدِمْنا الشامَ فوجدنا مراحيضَ قد بُنيَتْ نحوَ الكعبة، فنَنْحرِفُ عنها ونستغفرُ الله ﷿.
وعن أبي حنيفة لا يُكرَه الاستدبارُ لِما روى الترمذي عن ابن عُمَر قال: ارتقيتُ على ظهرِ بيتٍ لنا فرأيتُ رسولَ الله ﷺ مستقبِلَ الشامِ مستدبِرَ الكعبة. وفي رواية «الشيخين» عنه: ارتقيتُ فوقَ بيتِ حفصة لبعضِ حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ يَقضي حاجتَه مستدبِرَ القِبلةِ مستقبِلَ الشام.
قلنا: يُحتَملُ أن يكون لعُذرٍ وضرورةٍ كما في حديث السُّباطة (^١)، بدليلِ أحاديثَ أُخرَ منها قولُه ﵊: «إنَّما أنا لكم مثلُ الوالدِ لولدهِ أُعلِّمُكم، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القِبلة، ولا تستدبروها». رواه ابن ماجه والدَّارمي.
ولو أَقعدَتْ المرأةُ ولدَها للبولِ نحوَ القبلة يُكره، ولو مَدَّ مكلَّفٌ رِجْلَه نحوَ القِبلةِ أو نحوَ كتبِ فقهٍ يُكرَه (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) = الخطأ. أثبتنا الحديثين اللذين أثبتهما شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة رحمه الله تعالى في التنزه من النجاسة. فتح باب العناية ١/ ٢٧٤.
(٢) تقدم ص ٤٤.
(٣) نقل ابن عابدين عن الطحطاوي: أن الكراهة تنزيهية. رد المحتار ١/ ٤٤١.
[ ١ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومما يُكرَهُ أيضًا التكلُّمُ لقوله ﵊: «لا يَخْرُجُ الرجلانِ يَضرِبانِ الغائط كاشفينِ عن عورتيهما يتحدَّثان، فإنَّ الله يَمْقُتُ على ذلك». رواه أبو داود. ورَوَى أيضًا عن ابن عُمَر: مَرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ وهو يبولُ فسلَّمَ عليه فلم يَرُدَّ عليه.
ومما يُكرَهُ استقبالُ الشمسِ والقمرِ (^١) احترامًا لهما، وقد ورد أنهما يَلعنانِ عليه (^٢)، كذا في «المَدخَل». وكذا استقبالُ مهبِّ الريحِ لئلا يُصِيبَه رَشاشُ بولِه، وكذا التخلِّي في الطريقِ، ومجتمَعِ الناس، وتحتَ شجرٍ يُستظَلُّ به، لقولِه ﷺ «اتَّقُوا اللاَّعِينَيْن، قالوا: وما اللاعِنانِ يا رسول الله؟ قال: «الذي يَتخَلَّى في طريقِ الناسِ أو في ظِلِّهم». رواه مسلم. وقولِه ﵊: «اتَّقُوا الملاعِنَ الثلاثةَ: البَرَازَ في الموارِد (^٣)، وقارعةِ الطريق (^٤)، والظلِّ». رواه أبو داود وابن ماجه.
ومن الآدابِ: تقديمُ الاستعاذةِ، لقوله عليه الصلاة والصلام: «إنَّ هذه الحُشُوشَ (^٥) مُحتَضَرةٌ (^٦)، فإذا جاء أحدُكم الخلاءَ فليقُل: أعوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخبائث». رواه أبو داود وابن ماجه. «كان ﵊ إذا دَخَلَ الخلاءَ يقولُها». متفق عليه.
ومنها: تقديمُ الرِّجْلِ اليُسرَى في الدخولِ فيه، واليُمنَى في الخروجِ منه تكريمًا لها اعتبارًا لها باليد.
ومنها: أن يقول بعدَ خروجِه منه: «الحمدُ للهِ الذي أَذهب عنيَ الأَذَى وعافاني». هكذا رواه ابن ماجه عنه ﷺ وروى هو وأبو داود والترمذي: «غُفرانَك». وفي روايةٍ: كان يقولُ: «الحمدُ لله الذي أَذهبَ عني ما يؤذيني، وأَبقى عليَّ ما ينفعني».
ومنها: أنْ يُبعِدَ في البَراز، لأنه ﵊ كان إذا أراد البَرازَ انطلق حتى لا يَراه أحد.
_________________
(١) نقل ابن عابدين: أنها تنزيهية. رد المحتار ١/ ٢٢٨.
(٢) قال الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى: الله أعلم بثبوت هذا الخبر.
(٣) الموارد: أي المجاري والطرق إلى الماء. النهاية ٥/ ١٧٣.
(٤) قارعة الطريق: أي وسطه. النهاية ٤/ ٤٥.
(٥) يعني الكُنُفَ ومواضع قضاء الحاجة، الواحد حَشٌّ بالفتح. وأصله من الحشّ: البستان، لأنهم كانوا كثيرًا ما يتغوطون في البساتين. النهاية ١/ ٣٩.
(٦) محتضرة: أي يحضرها الجن والشياطين. النهاية ١/ ٣٩٩.
[ ١ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنها: أن يبول في مكانٍ ليِّنٍ، لأنه ﵊ أراد ذات يَومٍ أن يبول فأتى ومشى في أصل جدار فبالَ ثم قال: «إذا أراد أحدُكم أن يبولَ فليَرْتَدْ لبولِه موضعًا (^١)».
ومنها: أن لا يَرفعَ ثوبَه قائمًا، «لأنه ﵊ كان إذا أراد حاجةً لا يَرفَعُ ثوبَه حتى يَدنُوَ من الأرض».
ومنها: أن لا يبولَ في موضعِ طُهْرِه، لقوله ﵊: «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في مُسْتَحَمِّه ثم يَغتَسِلَ فيه أو يتوضَّأ فيه، فإنَّ عامَّة الوسواسِ منه».
ومنها: أن لا يبولَ في جُحْر، نَهى النبيُّ ﷺ أن يُبالَ في جُحْر. رواها أبو داود (^٢) . وقيل: لأنه مساكنُ الجِنّ.
ومنها: أنْ يَنْضَحَ فَرْجَه بالماء، لقولِ زيد بن حارثة عنه ﵊: «إنَّ جبرائيلَ أتاه أوَّلَ ما أُوحيَ إليه يُعلِّمُه الوضوء والصلاة، فلمَّا فرَغَ من الوضوءِ أخذَ غَرْفةً من الماءِ فنَضَح بها فَرْجَه». رواه أحمد والدارقطني.
ومنها: أن لا يبولَ قائمًا، لقول عُمَر: رآني النبيُّ ﷺ وأنا أبولُ قائمًا فقال: «يا عُمَرُ لا تَبُلْ قائمًا». قال: فما بُلتُ قائمًا بَعْدُ. رواه الترمذي وابن ماجه. وأمَّا بولُه ﵊ في السُّباطةِ قائمًا فقد كان لعُذْرٍ، لقولِ عائشة ﵂: مَنْ حدَّثَكم أنَّ النبي ﷺ كان يبولُ قائمًا فلا تُصدِّقُوه. رواه أحمد والترمذي والنَّسائي.
وقد ضبَطَه بعضُ العلماء ضبطًا جَيِّدًا فقال: يجوزُ الاستنجاءُ بكلِّ جامدٍ طاهرٍ مُنَقَ قَلاعٍ للأثرِ، غيرِ مؤذٍ، ليس بذي حُرمةٍ ولا سَرَفٍ، ولا يَتعلَّقُ به حقٌّ للغير. انتهى.
ويُستفادُ منه كما صَرَّح به بعضُ الحنفيةِ والشافعية: أنه يُكرَهُ الاستنجاءُ بالورقِ المجرَّد (^٣)، وجُوِّزَ به إذا كان فيه عِلمُ المنطِق إذا لم يكن فيه ذِكرُ الله وذِكرُ رسولِه،
_________________
(١) أي فليطلب مكانًا ليِّنًا لئلا يرجع عليه رَشَاش بوله. يقال: راد، وارتاد، واستراد. "النهاية" ٢/ ٢٧٦.
(٢) أي الأحاديث الخمسة التي مرَّ ذكرها رواها أبو داود في "سننه".
(٣) أي الورق الأبيض المُعَدّ للكتابة، لأن فيه إتلاف مال وهدر حرمة، لكونه آلة لكتابة العلم. أما الورق المعَدّ للاستعمال في تلك الحال، في أيامنا، فالظاهر أنه ليس من السِّرف والاتلاف في شيء، واللَّه أعلم. أفاده الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى.
[ ١ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكذا الشِّعْرُ المذمومُ الخالي عن ذكرِهما (^١) .
ولا يجوزُ بذهبٍ أو فضَّةٍ ونحوِهما لإِضاعةِ المال. ولا بثوبِ حريرٍ وغيرِه لما فيه من الإِسراف، ولا في وِعاءٍ من ذهبٍ أو فضَّة، فإنَّ استعمالَهما حرام مطلقًا.
هذا، وقد ذكَرَ ابنُ عَطِيَّة في تفسير قوله تعالى: ﴿فلْيَنظُرِ الإِنسانُ إلى طعامِه﴾ (^٢) ذهَبَ أُبَيُّ بنُ كعب، وابنُ عباس، والحسَنُ، ومجاهدٌ وغيرُهم إلى أنَّ المرادَ: إلى طعامِهِ إذا صار رَجيعًا (^٣)، ليتأَمَّل حيث تصيرُ عاقبةُ الدُّنيا ولذَّاتِها؟ وعلى أيِّ شيءٍ يَتفانى أهلُها في حالاتها؟ وهذا نظيرُ ما رُوي عن ابن عُمَر: إنَّ الإِنسان إذا أَحدَث فإنَّ مَلَكًا يأخذُ بناصيتِه عندَ فراغِه، فَيَرُدُّ بصرَه إلى نَجْوهِ مُوَقِّفًا له ومُعَجِّبًا، فينفعُ ذلك مَنْ كان له قَلْب أو أَلقَى السمعَ وهو شهيد.
والله تعالى أعلمُ بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) هذا التفريع فيه توسُّع وإفراط، فقد نقلوا عندنا أن للحروف حرمة، فينبغي البعد عن استعمال كل ما فيه كتابة. أفاده الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى.
(٢) سورة عبس، آية: (٢٤).
(٣) الرَّجيع: الرَّوْث. مختار الصحاح ص ٩٩، مادة (رجع).
[ ١ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===