ومن لم يَمضِ عليه وقتُ فرضِ إلا وبه حدَثٌ من استحاضةٍ أو رُعافٍ أو نحوِهما: يَتوضَّأ لوقتِ كلِّ فرضٍ له، ويُصلي به فيه ما شاء فرضًا ونفلًا
===
ذوات الأقراء.
ثم لا يَشترطُ أبو يوسف عودَ الدَّم وتكرارَهُ لنقلِ العادةِ الأصلية إلى زيادةٍ أو نقصانٍ، أو زمانٍ آخر في الشهر الثاني، فلو كانت العادةُ في أوَّل الشهر ستةً مثلًا، ثم رأت تسعةً دمًا أو بعكسه، أو رأته في غير حينه: قبلَ عادتها أو بعدَها: ينقُلُ أبو يوسف العادةَ الأصليةَ إلى الحالةِ الثانية، وبقوله يُفتَى تيسيرًا للأمر عليهن، كالعادةِ الأصلية، وهي انتقالُ الطُّهر إلى الحيض بمرَّةٍ واحدة، فإن المُراهِقةَ إذا رأت الدم ثلاثة أيام يُحكَمُ بأنها حائض فكذا هذا. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا بدَّ من التكرارِ لنقلها، إذ العادةُ مأخوذةٌ من المعاودة فلا تَثْبُت بدون العَوْد.
(أَحكام المعذورين)
(ومن لم يَمضِ عليه وقتُ فرضٍ إلاَّ وبه حدَثٌ) أَي حَدَثُه الذي ابتُلي به (من استحاضةٍ أو رُعافٍ أو نحوِهما) من انفلاتِ ريح، أو استطلاقِ بطن، أو خروجِ دمٍ من جُرح (يتوضَّأُ لِوَقتِ كلِّ فرضٍ له) أي لأجلِ ذلك الحدث.
ولم يُوجِب مالكٌ الوضوءَ عليهم بناءً على ما تقدَّم (^١) من قولِه بعدم انتقاضه واكتفائِه باستحباب الوضوء.
(ويُصلِّي به) أي بذلك الوضوء (فيه) أي في ذلك الوقت (ما شاء فرضًا ونفلًا).
وقال الشافعي: يتوضَّأ لكلِّ صلاةِ فرضٍ ويصلِّي من النوافلِ ما شاء تبعًا لذلك الفرض، لِما روى البخاري من حديث هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبَيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأةٌ أُستحاضُ فلا أَطهرُ، أفأدعُ الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ «لا، إنما ذلك عِرقٌ وليس بحَيْض، فإذا أقبلتْ حَيضتُكِ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدمَ وصلِّي». قال: وقال أَبي (^٢): ثم توضئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيء ذلكِ الوقت. ولِما رواه ابن ماجه عن عَدِي بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبي ﷺ قال: «المستحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ
_________________
(١) ص ٥٨ في نواقص الوضوء.
(٢) أي عروة.
[ ١ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ لكلِّ صلاة، وتصومُ وتصلي».
وأُجيبَ بأنَّ اللام في «لكلِّ صلاة» نحوُها في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاةَ لِدُلوكِ الشمس﴾ (^١) أي وقتِ دُلوكِها أي زَوالها. وإنما قلنا: ذلك، لأنَّ المعهود في الشرع أنَّ الحدث خروجُ خارج أو خروج وقتٍ كمضيِّ مدَّةِ مسحِ الخُفَّين، ولم يُعهَد فيه أنَّ الفراغ من الصلاة حدثٌ بالنسبة إلى فرضٍ آخر.
وفي «شرح الآثار»: أجمعوا على أنها إذا توضَّأت في وقتِ صلاة فلم تُصلِّ حتى خرج الوقتُ فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء: أنه ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءًا جديدًا. ورأَيْناها لو توضَّأْتُ في وقتِ صلاة فصلَّتْ، ثم أرادت أن تَطَّوَّع بذلك الوضوءِ كان لها ذلك ما دامت في الوقت، فدَلَّ ما ذكرنا أنَّ الذي يَنقضُ طُهْرُها هو خروجُ الوقت، وأن وضوءَها يُوجِبه الوقتُ لا الصلاةُ وإن كان وجوبُه بها.
هذا، وقال ابنُ قُدَامة في «المغني»: رُوي في بعض ألفاظ حديثِ فاطمة بنت أبي حُبيَش «وتوضَّئي لوقتِ كلِّ صلاة» (ذكر سبط ابن الجوزي: أن أبا حنيفة روى: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة) (^٢)، وفي «شرح مختصر الطحاوي» رَوَى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حُبَيش: «وتوضئي لوقتِ كلِّ صلاة».
ولا شكَّ أنَّ هذا مُحْكَمٌ بالنسبة إلى كلِّ صلاة، لأنه لا يَحتمل غيرَه، بخلاف الأوَّل، فإنَّ لفظ الصلاة شاع استعمالُها في لسان الشرعِ والعُرفِ في وقتِها. فمن الأوَّل قولُه ﷺ «إنَّ للصلاةِ أوَّلًا وآخِرًا» (^٣) . الحديثَ، أي لوقتِها. وقولُه: «أيُّما رجلٍ أدركَتْه الصلاةُ فلُيصَلِّ» (^٤) . ومن الثاني آتيك لصلاةِ الظُّهر أي في وقتِها، وهو ما لا يُحصَى كثرةً. فوجَبَ حملُه على المُحكم. وقد رُجِّحَ أيضًا بأنه متروكُ الظاهر بالإِجماعِ على أنه لم تُرَد حقيقةُ كلِّ صلاة، لجواز النوافل مع الفرضِ بوضوءٍ واحد.
ثم ما في المَتْنَ بيانُ شَرطِ بقاء الاستحاضة بعد ما ثبَتَ حكمُها. وأمَّا شرطُ
_________________
(١) سورة الإِسراء، آية: (٧٨).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوطة، وقد روى محمد بن الحسن في كتاب "الآثار" أن المستحاضة تتوضأ لكل وقت صلاة. ص ١٦٩، كذا في "الآثار"، وفي "جامع المسانيد" ١/ ٢٦٨ نقلًا عن "الآثار" لمحمد بن الحسن: … لوقت كل صلاة.
(٣) أخرجه الترمذى ١/ ٢٨٣، كتاب الصلاة (١)، باب ما جاء في مواقيت الصلاة (١)، رقم (١٥١).
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١/ ٤٣٥ - ٤٣٦، كتاب التيمم (٧)، باب (١)، رقم (٣٣٥).
[ ١ / ١٤٩ ]
ويَنقُضُه خروجُ الوقتِ كطلوعِ الشمس، لا دُخُولُه كالزَّوالِ.
===
ثبوتِه ابتداءً، فأن يَستوعبَ استمرارُ العُذْرِ وقتَ الصلاة كاملًا، كالانقطاعِ والانتهاءِ لا يثَبُتُ ما لم يَستوعب الوقتَ كلَّه. وفي «الكافي» لحافظ الدين النَّسَفي: وإنما تصيرُ صاحبةَ عُذر إذا لم تجد في وقتِ الصلاة زمانًا تتوضَّأ وتصلي فيه خاليًا عن الحدَث. وهذا هو المرادُ بالاستيعاب لا حقيقة، إذ قلَّما يَستمرُّ العُذرُ بحيث لا ينقطع في الوقتِ لحظةً، فيُؤدِّي إلى نفي تحقُّقه إلا في الإِمكان العقلي.
وفي «السراج الوهاج»: رجلٌ سال جُرحُه ولم يَعلم أنه يَستمرُّ وقتًا كاملًا، فإنَّه لا يصلي في أوَّلِ الوقت بل ينتظر، فإن لم ينقطع توضَّأَ قبلَ خروج الوقت. قال ابن الهُمام: فإنْ فَعلَ فدخل وقتٌ آخَرُ وانقطع فيه أعادَ الأُولى لعدم الاستيعاب.
(ويَنقُضُه) أي ويَنقُضُ وضوءَ المعذور عند أبي حنيفة ومحمد (خروجُ الوقتِ) أي وقتِ صلاة الفرض (كطلوعِ الشمس) فلو توضَّأ معذورٌ لصلاةِ العيد بعدَ طلوعِها، له أن يصلّي الظهرَ به عندهما، لأنها ليست بفرضٍ فصار كما لو توضَّأ لصلاة الضُّحى (لا دخولُه) أي لا يَنقُض وضوءَ المعذورِ دخولُ الوقت (كالزَّوالِ). وقال أبو يوسف: يَنقُضُه دخولُ الوقت وخروجُه. وقال زُفَر: دخولُه فقط.
ويَجبُ أن يُصلّي جالسًا بإيماءٍ إن سال بالمَيَلان، لأنَّ تَرْكَ السجود أهوَنُ من الصلاة مع الحدَث، فإنَّ لها وجودًا حالةَ الاختيار على الدابَّة نفلًا، ولا تجوزُ مع الحدثِ حالةَ الاختيار أصلًا.
ثم يجب على المستحاضة أن تَغسِلَ ثوبها من الدَّم لكلِّ صلاة في قولِ محمد بن مقاتل، وقال ابن سَلَمة: ليس عليها غَسْلُه، لأنَّ أمرَ الثوبِ ليس آكَدَ من البَدَن. والأوَّل أَولى (^١) .
وقال أبو القاسم في المبطونِ إذا كان بحالٍ لا يُبسَطُ تحته ثوبٌ إلا نجَّسَه مِنْ ساعتِه: جاز أن يصلّي على حالته. ولو كان به دَمَامِيلُ أو جُدَريٌّ فتوضَّأ، وبعضُها سائل ثم سالَ الذي لم يكن سائلًا انتقض، لأنَّ هذا حدَثٌ جديد، فصار كالمَنخِرَينِ. ولو كان في عينه رَمَدٌ ويسيل دمعُها يُؤمُرُ بالوضوءِ لكلِّ وقتٍ إذا غَلَب على ظَنِّه أنه صديد، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) الذي في "الدر المختار" ١/ ٢٠٤ غير هذا كليًا، ففيه: "وإن سال على ثوبه جاز له أن لا يغسله إن كان لو غَسَلَه تنجس قبل الفراغ منها، أي الصلاة، وإلا يتنجس قبل فراغه فلا يجوز ترك غسله، هو المختار للفتوى".
[ ١ / ١٥٠ ]