والنِّفاسُ دَمٌ يَعْقُبُ الوَلَدَ. ولا حَدَّ لأقلّه
===
وقال مالك والشافعي وأحمد وزفر: لا يجوز وطءُ من انقطع حيضُها ونِفاسُها حتى تغتسل لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ (^١) أي من الحيض ﴿فإذا تَطَّهْرن﴾ أي اغتَسَلْنَ، كذا فسَّره ابنُ عباس فيما رواه البيهقي وغيرُه. وقال إسحاق بن راهُويَهْ: وأجمعَ أهلُ العلم من التابعين على أنه لا يَطأها حتى تغتسل.
ولنا قولُه تعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيض﴾ (^٢) . ووقتُ انقطاعِ الدم ليس وقتَ محيض، وإنها بمُضِيّ ما يَسَعُ الغُسلَ والتحريمةَ تَثْبُتُ الصلاةُ في ذمَّتها، وهو من أحكام الطهارة فتكون طاهرة حكمًا، ولأنَّ في الآية قراءتين، فمُقتضَى قراءةِ التخفيف انتهاءُ الحرمةِ العارضةِ على الحِلّ بالانقطاع مطلقًا، وإذا انتهت حلَّتْ بالضرورة. ومُقتضَى قراءةِ التشديد عدَمُ انتهائها عنده بل عند الاغتسال، فالتوفيقُ بينهما بما قلنا.
وفي «الظهيرية»: والحائضُ إذا حَبَستْ الدَّمَ عن الدُّرُورِ لا تَخرُجُ من أن تكون حائضًا. وصاحبُ الجُرح إذا منَعَ الجُرحَ عن السيلان بعلاجٍ يَخرجُ من أن يكون صاحبَ عُذْر.
(أحكام النِّفَاس)
(والنِّفاسُ) بكسر النون، مَصْدَرُ نَفِسَتْ المرأةُ بفتح النون ونُفسَتْ بضَمِّها إذا وَلَدَتْ، وقيل: ضَمُّها أشهَرُ مِنْ فَتْحِها. ثم سُمِّي به (دَمٌ) أي دَمُ رَحِمٍ (يَعْقُبُ الوَلَدَ) (^٣) بضم القاف أي يَتْبَعُ وِلادَتَه، احترازًا مما يَخرُجُ قَبْلَها.
(ولا حَدَّ لأقلّه) أي أقلَّ النِّفاسِ اتفاقًا، لِما روى ابن ماجه عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ وَقَّتَ للنُّفَساء أربعين يومًا إلا أن تَرى الطُّهر قبلَ ذلك. وضُعِّفَ. وقد رُويَ مِنْ عِدَّةِ طُرُق لم تَخلُ عن طعنِ، لكنَّه يَرتفعُ بكثرتها إلى الحَسن. وأمَّا ما رُويَ عن أُمّ سَلَمة
_________________
(١) سورة البقرة، آية: (٢٢٢).
(٢) هذا إذا منعته بعد نزوله إلى الفرج الخارج، لأن الحيض لا يثبت إلا بالبروز لا بالإحساس به، خلافًا لمحمد. فلو أحسَّت به فوضعت الكُرْسُفَ في الفرج الداخل ومنعته من الخروج، فهي طاهرة، كما لو حَبَسَ المنيَّ في القصبة. "رد المحتار" ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥. فلْيُتَنَبَّه لهذا الحكم لأنه قد يُحتاج إليه، وخصوصًا في الحج.
(٣) فلو ولدته من قِبل سُرَّتها بأن شُقَّ بطنها وأُخرج الولد منها، فإن سال الدم من الرَّحِم فهي نفساء، وإلا بأن سال الدم من السُرَّة فهي ذات جُرح، وإن ثبت له أحكام الولد. انظر "فتح القدير" ١/ ١٦٥. و"البحر" ١/ ٢١٨.
[ ١ / ١٤٤ ]
وأكثره أربعون يومًا. وهو لأمّ التوأَمَيْنِ مِن الأوَّل خلافًا لمحمد.
===
قالت: كانت النُّفَساءُ تَقْعُدُ على عهدِ رسول الله ﷺ أربعين يومًا. فقال النووي: هو حديثُ حَسَن رواه أبو داود والترمذي وغيرُهما. وقال ابن تيمية في «المنتقى»: ومعنى الحديث كانت تُؤمَرُ أن تجلِسَ إلى الأربعين لئلا يكون الخبرُ كذِبًا، إذ لا يُمكِنُ أن يَتَّفقَ نساءُ عصر في نِفاس أو حيض.
ولو ولدَتْ ولم تَر دَمًا يجب الغُسل عند أبي حنيفة وزفر، وهو اختيارُ أبي عليّ الدَّقَّاق. وعند أبي يوسف - وهو روايةٌ عن محمد ـ: لا غُسْلَ عليها، لكن يجبُ عليها الوضوءُ. وفي «المفيد» هو الصحيح (^١) .
(وأكثَرُه أربعون يومًا)، وهو قولُ الشافعي - حكاه عنه أبو عيسى الترمذي - والمشهورُ من مذهب أحمد.
وقال الأوزاعي: أكثَرُه في الغلام خمسةٌ وثلاثون وفي الجارية أربعون. وعن مالك روايتان: إحداهما الرجوعُ إلى العادة، والأخرى ستون يومًا، وبه قال الشافعي في المشهور عنه.
ولنا ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصحَّحه من حديث أُمّ سَلَمة قالت: كانت المرأةُ من نساءِ النبي ﷺ تَقعُدُ في النِّفاس أربعين يومًا أو أربعين ليلةً، إلا أن تَرى الطُّهرَ قبل ذلك (^٢) . زاد أبو داود في لفظ: لا يأمرها النبي ﷺ بقضاءِ صلاةِ النفاس. وقال النووي: حديثٌ حسن. والمرادُ بنساءِ النبي ﷺ ها هنا: بَناتُه وقَرِيْبَاتُه. وقال الترمذي: أجمع أهلُ العلم من الصحابة ومن بعدَهم على أنَّ النُّفَساءَ تدَعُ الصلاة أربعين يومًا إلا أن تَرى الطُّهرَ قبلَ ذلك.
(وهو) أي النِّفاسُ (لأمِّ التَّوأَمَيْنِ) وهما الوَلَدانِ في بطنٍ بينَ وِلادَتَيْهما أقلُّ مِنْ ستةِ أشهر (من الأوَّل) لأنَّ ما تراه حينئذٍ دَمُ رَحمٍ خارجٌ عَقِبَ الولادة (خلافًا لمحمد) فإنَّ نِفاسَها عنده من الوَلَد الأخير، لأنها حاملٌ به مُنسَدٌّ رَحِمُها بسببه، فلا يكون ما تراه عَقِبَ الأوَّل من الرَّحِم، وبه قال زفر.
_________________
(١) بل الصحيح والمعتمد في المذهب قول أبي حنيفة بوجوب الغسل عليها، حيث قال ابن عابدين في "رد المحتار" ١/ ١٩٩: فلو لم تره - أي الدم - هل تكون نفساء؟ - قال: المعتمد نعم.
(٢) قوله: "إلا أن ترى الطهر قبل ذلك" لم يرد عند أبي داود، والترمذي، والحاكم، وورد عند ابن ماجه ١/ ٢١٣، كتاب الطهارة (١)، باب النفساء كم تجلس (١٢٨)، رقم (٦٤٩). ولكن عن أنس بن مالك، وليس في رواية أم سلمة هذه الزيادة.
[ ١ / ١٤٥ ]
وانقضاءُ العِدَّةِ من الأخير إِجماعًا. وسِقْطٌ بَدَا بعضُ خَلقِهِ وَلَدٌ، فتَصِيرُ أمُّهُ نُفَساءَ، والأمَةُ أُمَّ وَلَد، ويَقعُ المُعلَّق به، وتنقضي العِدَّةُ به.