قال الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة رحمه الله تعالى:
ألَّفَ أصلَ نصوصه: "المتنَ" المسمَّى "النُّقَاية" الإمام صدرُ الشريعة عُبَيْد الله بن مسعود المحبوبيُّ المتوفَّى سنة ٧٤٧ هـ. وقد اختصرَ فيه أحدَ المتون الأربعة المعتبرة عند الحنفية: "وقاية الرواية في مسائل الهداية" (^١)، الذي ألَّفَه له جَدُّه الإمامُ تاج الشريعة محمود المَحبوبي ليحفظه في أول نشأته. وقد استخلصه من مسائل كتاب "الهداية" للإمام برهان الدين المَرْغِيناني، الذي هو أجلُّ كتب الحنفية التي وصلت إلينا تحقيقًا وتمحيصًا، وأدقُّها في نقل مذاهب أئمتنا الحنفية تخريجًا وتلخيصًا.
ولما كان كتابُ "النُّقاية" ثبات كتاب "الوقاية" الذي هو لُبابُ كتاب "الهداية":
_________________
(١) قال العلامة الإمام عبد الحي اللكنوي في "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" في ترجمة (عبد الله بن محمود المَوصلي) صاحب الاختيار شرح المختار" ص ١٠٦: "قد كثر اعتماد المتأخرين على الكتب الأربعة: المختار، والكنز، والوقاية، ومجمع البحرين. وسمَّوها المتون الأربعة المعتبرة، ومنهم من يعتمد على الثلاثة: الوقاية، والكنز، ومختصر القدوري". وذكر اللكنوي نحو هذا في كتابه العظيم "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص ٩ - ١٠، - و"الجامع الصغير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني - مع فوائد نفيسة لا يستغني عنها العالم الفقيه فضلًا عن المتفقه، فانظره. (انتهى تعليق الشيخ عبد الفتاح ﵀).
[ ١ / ١٤ ]
كان بحقٍّ لُبَابَ اللُّباب. ومن أَجْلِ هذا تبارى جهابذة فقهاء الحنفية في خدمته وشرحه، واستيفاءِ مقاصده وإظهار فرائده.
وكان أعلاهم في هذا المضمار كعبًا، وأبلغَهم في نيل مقصدِهِ أرَبًا: الإمامُ الفقيه المحدِّثُ الشيخ علي القاري، فقد نظَمَ في شرحه: "فتح باب العناية" المزايا المنثورةَ في كتب من تقدَّمه من الأئمة، مثل كتاب "المبسوط" للسَّرَخْسِي، و"البدائع" للكَاساني، و"الهداية" للمَرْغيناني، و"الاختيار" للمَوْصِليّ، و"تبيين الحقائق" للزيلعي، و"شرح الوقاية" لصدر الشريعة، و"العناية" للبَابِرتي، و"البناية" للعيني، و"غُنية المُتَمَلِّي" لإبراهيم الحلبي، و"حَلْبَة المُجَلِّي في شرح مُنية المصلي" لابن أمير الحاج الحلبي، و"فتح القدير" للكمال بن الهُمَام، وغيرها.
بل يمكن أن يقال: إنه لخَّص فيه كتابَ "فتح القدير" من معارك المناقشات والخلافات، ويسَّر أسلوبه، وفتَحَ عبارته، وجاء به سهلًا سائغًا عذبًا نَمِيرًا. كما أنه استخلَصَ زُبدةَ شروح و"النُّقاية" التي سبقَتْ شرحَه هذا، فكان شرحُه حقًّا: "فتح باب العناية" وأفضلَ الشروح جميعًا، كما أنه أنقاها لغة، وأسلسُهَا عبارة، وأوفاها استدلالًا، وأحسنُهَا تعليلًا، مع امتيازه - إلى هذه المزايا - بعزو الأحاديث إلى مخرِّجِيها، والأقوال إلى قائليها (^١).
لهذا كان قارئهُ لا يجد نفسَه مَحُولًا بينه وبين فهمه، كما هي الحال في جُلِّ كتب الفقه، بل إنه ليرَى هذا الكتاب وكأنه ليس فيه للغة العلمية والمصطلحات الفقهية الخاصة أيُّ نصيب. ومن أجل هذا اخترتُ خدمته وطبعه ونشره، ليكون في يد كل مسلم وشابٍّ متفقّه في دينه، حريصٍ على صحةِ عبادته وفهمِ شريعته (^٢).
هذا، وقد يظن ظانٌّ أن "النُّقاية" مختصر "الوقاية"، مشى فيه على ترتيب "الهداية"، إلا أنه يتبين عند المقابلة لمَسْرَدِ كتب كلٍّ من الكتابين أن بينهما تقديمًا وتأخيرًا في كثير من المواطن، وقد قمنا بمقابلة لمسرد كتب كلا الكتابين وإليك التفصيل في الجدول الآتي:
_________________
(١) وهذا الحكم غالبًا وليس دائمًا.
(٢) انتهى كلام الشيخ عبد الفتاح - ﵀ - من مقدمته لـ "فتح باب العناية" ص ٤ - ٥.
[ ١ / ١٥ ]