ويَتوضَّأُ بماءِ السماءِ والأرضِ،
===
ومن الفروع: أنَّ الجُنُبَ أولى بالماءِ المُباح إذا وجدَهُ ومعه حائض، أوْ وَمَعه مَيِّت، ويَتيمَّمُ الميِّتُ والحائضُ، وكذا مِنْ المُحدِث (^١) .
(أقسام المياه)
(ويَتوضَّأُ) أي المتوضِّيءُ أو مُريدُ الصلاة، والأولى أن يُقرأ مجهولًا، ولو قال: يَتطهَّرُ لكان أعمَّ وأظهر (بماءِ السماءِ) كماءِ المطَرِ، والنَّدَى، والثَّلْجِ، والبَرَدِ الذائبَينِ لقوله تعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عليكم من السماءِ ماءً لِيُطهِّرَكُم به﴾ (^٢)، (والأرضِ) أي وبمائِها من العيونِ والآبار والغُدْرانِ لقوله تعالى: ﴿ألم تَرَ أنَّ اأَنزَل مِنْ السماءِ ماءً فَسَلَكَهُ ينابيعَ في الأرض﴾ (^٣) . ومنها ماءُ البِحار لِمَا روى مالك وأصحاب «السُّنن الأربعة»: عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله إنا نركَبُ البحرَ ونحملُ مَعَنا القليلَ من الماء، فإنْ توضَّأْنا به عَطِشنا أفتوضَّأُ من البحر؟ فقال ﵊: «هو الطَّهُورُ ماؤه الحِلُّ مَيْتَتُهُ». صحَّحه الترمذيُّ وقالَ: سألتُ محمدَ بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: حديثٌ صحيح.
وروى أبو داود والترمذي من حديث الخُدْري قيل: يا رسول الله أنتوضَّأ من بِئرِ بُضَاعَةَ - وهي بِئْر تُلْقَى فيها الحِيَضُ - أي خُروقُها - ولحومُ الكِلابِ والنَّتْنُ ـ؟ فقال رسول الله ﷺ «الماءُ طَهُور لا يُنجِّسُه شيءٌ»، وحسَّنَه الترمذي وصحَّحه ابنُ القطَّان، وكذا قال الإِمامُ أحمد: هو حديثٌ صحيح، فحينئذٍ يُستدَلُّ بالقَدْرِ الصحيحِ على طَهُوريَّة الماء، وبالإِجماع على تنجُّسه بتغير وصفه بالنجاسة. وأمَّا أنه لا يتنجَّسُ إلا إذا تغيَّرَ كما قال مالك فلا، إذْ لا يمكنُ الاستدلالُ عليه بصدر الحديث وهو قولُهُ: «لا يُنَجِّسُه شيء»، إذ الإِجماعُ على تنجُّسه بالتغيُّرِ: يُفِيدُ أنَّ ظاهره غيرُ مراد، على أنَّ ماءها كان جاريًا في البساتين كما رواه الطحاوي بسنده عن الواقدي.
_________________
(١) إنما كان الجُنُب أولى بالماء من المُحدِث لأن الجنابة أغلظ من الحدث، وكان أولى به من الحائض أيضًا لإمكان تيممها واقتدائها به دون إمكان اقتدائه بها، ولأن اقتداء المتيمم بالمتطهر أفضل من عكسه، وكان أولى به من الميت أيضًا بسبب أنه يؤدي به ما كُلِّف به من صلاة وقراءة، فاحتياجه إليه أكثر من الميت الذي يمكن أن يُيمَّم للصلاة عليه. وهذا كله فيما إذا كان الماء يكفي للغُسل، أما إذا كان لا يكفي إلا للوضوء، فالمحدث أولى به من الباقي. أفاده الطحطاوي في حاشيته على "الدر المختار" ١/ ١٣٣، ونحوه في "رد المحتار" ١/ ١٦٩، أفاده الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة رحمه الله تعالى.
(٢) سورة الأنفال، آية: (١١).
(٣) سورة الزمر، آية: (٢١).
[ ١ / ٨١ ]
وإِنْ تَغيَّرَ بالمَكْثِ، أو اختَلَط به طاهِرٌ، إِلا إِذا أَخرَجَهُ عن طَبْع الماءِ،
===
(وإِنْ تَغيَّرَ) أي لَونُهُ وطَعْمُهُ وأنْتَنَ (بالمَكْثِ) بفتح الميم أي طُولِ اللَّبْث، وهو مصدَرُ مَكَثَ بفتح الكاف وضمِّها، والاسمُ منه المُكْثُ بضّم الميمِ وكسرِها، وذلك لبقاءِ اسمِ الماءِ عليه.
(أو اختَلَط به طاهر) كالأُشْنانِ (^١) والزَّعْفَرانِ والصَّابونِ والوَرَقِ الواقعِ في المياه زمانَ الخريف، لأنْ النبي ﷺ اغتَسَل يومَ الفتح من قصعةٍ فيها مِنْ أثَرِ العجين. رواه النسائي، والماءُ بذلك يتغيَّر. ومِمَّا يَدُلُّ على ذلك ما رواه الشيخانِ عن ابن عباس: أنَّ رجلًا كان واقفًا مع النبي ﷺ فوقَصَتْهُ ناقتُهُ - وفي روايةٍ: فأوْقَصَتْه، وفي أخرى: فأقْصَعَتْهُ - أي كَسَرَتْ عُنُقَهُ وهو مُحْرِم فمات، فقال رسول الله ﷺ «اغسِلُوهِ بماءٍ وسِدْر (^٢)، وكَفِّنوهُ في ثَوْبَيْه، ولا تُحَنِّطُوه، ولا تُخَمِّرُوا رأسَهُ، فإِنَّ الله ﷿ يَبْعَثُه يوم القيامة مُلَبِّيًا». وليس في الحديث أنَّ الماء أُغلِيَ بالسِّدْرِ كما ذكره صاحبُ «الهداية».
وأمَّا تغطيةُ رأسِ المُحْرِم وتَطْييبُهُ حال موتِهِ عندنا فمأخوذٌ من دليلٍ آخَرَ يأتي في محلّه، والميِّتُ لا يُغسَلُ إلا بما يَجوزُ للحيّ أن يَتطهَّرَ به. وروى مالك في «الموطَّأ» من حديث أُمّ عَطِيَّة قالتْ: دَخَلَ علينا رسول الله ﷺ حين تُوفِّيَتْ ابنتُهُ فقال: «اغسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثَرَ من ذلِكِ بماءٍ وسِدْر، واجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافورًا، أو شيئًا من كافور …»، الحديثَ. والغَسْلُ بالماءِ والسِّدْر لا يُتَصَوَّرُ إلا بخَلطِ السِّدْرِ بالماءِ أو بوَضْعِهِ على الجَسَد وصَبّ الماءِ عليه، وكيفما كان فلا بُدَّ من الاختلاطِ والتغيُّرِ، فيكونانِ مما لا يَضُرُّ.
(إِلاَّ إِذا أَخرَجَهُ) أي الطاهِرُ أو اختلاطُهُ (عن طَبْع الماءِ) وهو الرِّقَّةُ والسِّيَلانُ بأن غلَبَ الطاهِرُ المُخالِطُ على الماء. والصحيحُ أنه لا يُعتَبرُ غلبةُ اللون كما قال به محمد، بل يُعتبَرُ الأجزاءُ كما قال به أبو يوسف، ونُقِلَ بالعكس عنهما، فكان لهما روايتان.
وقال مالك والشافعي: لا يُرْفَعُ الحَدَثُ بماءٍ غالبٍ على شيءٍ طاهرٍ كأُشنانٍ وزَعْفَران، مع الاتفاق على أنَّ الماءَ المُطَلقَ يُزيلُ الحدَثَ، وأنَّ المُقَيَّد لا يُزِيل، إذ الحُكُم منقولٌ إلى التيمّم عند فَقْدِ المُطَلق فى النَّصّ. والخِلافُ في الماءِ الذي خالطَهُ الأشنانُ ونحوُه مَبنِيٌّ على أنه هل تَقَيَّدَ بذلك أَمْ لا؟ وقالا: تقيَّدَ به، لأنه ماءُ الزعفران.
_________________
(١) مر التعريف به ص ٧٥، التعليقة رقم (١).
(٢) السدر: نوعان: أحدهما ينبت في الأرياف فينتفع بورقه في الغسل وثمرته طيبة، والآخر ينبت في البر ولا ينتفع بورقه في الغسل. المصباح المنير ص ١٠٣، مادة (سدر).
[ ١ / ٨٢ ]
أو غَيَّرَهُ طَبْخًا، وهو مما لا يُقصَدُ به النَّظافةُ. وإِن اختَلَطَ به نَجَسٌ، فإن كان جاريًا أو عَشْرًا في عَشْر،
===
ونَحنُ لا نُنكِرُ أنه يُقالُ ذلك، ولكن لا يَمتنع مع ذلك ما دام الخَالِطُ مغلوبًا أن يقول القائلُ فيه: ماء، من غيرِ زيادة، كما في ماء المَدِّ (^١) والسَّيلِ حالَ غلبةِ لونِ الطِّينِ عليه. وإضافتُهُ إليه للتعريف كإضافته للبئر أو للعَيْن، لا للتقييد كماء البِطِّيخ. والفَرْقُ بين الإِضافتين عدَمُ صِحَّةِ نفي الماءِ في الأُولى وصحَّتِهِ في الثانية، فحيثُ لم يَصِحَّ النَّفيُ - وقيل الإِطلاق - كان مُطلَقًا ولَزِمَهُ حُكْمُه من إزالة الحُكمية شرعًا، إذْ زَوالُهُ بارتفاعه، وهو بأن يَحْدُثَ له اسمٌ على حِدَة، ولزومُ التقييدِ يَندرجُ فيه، وإنما يكونُ ذلك إذا كان الماءُ مغلوبًا، إذْ في إطلاقه على المجموع حينئذٍ يكون اعتبارُ الغالبِ عَدَمًا، وهو عكسُ الثابتِ لغةً وعرفًا وشرعًا.
(أو غَيَّرَهُ) أو إذا غيَّرهُ الخالِطُ الطاهِرُ (طَبْخًا) أي مِنْ جهةِ الطبخ، لأنه حينئذٍ ليس بماءٍ مطلقٍ لعدم تبادُرِهِ عند إطلاقِ اسمِ الماء، ولا مَعْنِيَّ (^٢) بالمطلق إلا ما يَتبادَرُ عند إطلاقه (وهو) أي الطَّبْخُ بمعنى المطبوخ (مما لا يُقصَدُ به النَّظافةُ) جملةٌ حالية، وقيَّدَهُ به لأنه لو كانت النظافة تُقْصَدُ به كالسِّدْرِ والأُشنانِ يُطبَخُ بالماءِ: فإنَّه يُتوضَّأُ به، إلا إذا أَخرَجَ الماءَ عن طَبْعِه.
(وإِن اختَلَطَ به) أي بالماء (نَجَسٌ) بفتح الجيم، ويجوزُ كسرُها، إذ المتنجِّس لا يخلو عن النجاسة، فتُفهَمُ عينُها بالأَولى.
(فإن كان) أي الماءُ (جاريًا): إِمَّا حقيقةً وهو ما يَعُدُّه الناسُ جاريًا، وقيل: ما لا يتكرَّرُ استعمالُه، أو: ما يَذَهَبُ بِتِبْنةٍ. وألحقوا بالجاري حَوْضَ الحَمَّام إذا كان الماءُ يَنْزِلُ مِنْ أعلاه، حتى لو أُدخِلَتْ القصعة النجِسةُ فيه لا يتنجَّسُ. وإِمَّا حُكمًا كما أشار إليه بقوله:
(أو عَشْرًا في عَشْر) وبه قال عامَّةُ المشايخ، وعليه الفتوى. كما قال أبو الليث. وقيل: ثمانٍ في ثمانٍ، و: اثْنَيْ عَشَر في اثْنَيْ عَشَر.
وفي «الهداية» وغيرها: تُعتَبَرُ بذراعِ الكِرْباسِ (^٣) توسعةً على الناس، وهو سَبْعُ مُشْتات (^٤)، ليس فوق كل مُشْت إِصْبَعٌ قائمة. وفي «الخانيَّة»: يُعتَبَرُ ذراعُ المَساحة، لأنه أليَقُ بالممسوحات، وهو سَبْعُ مُشْتات، فوقَ
_________________
(١) المَدُّ: السّيل. القاموس المحيط، ص ٤٠٦، مادة (مد).
(٢) في المخطوطة: "نَعْنِي" بدل "مَعْنيّ".
(٣) الكِرباس: ثوب من القطن الأبيض. القاموس المحيط ص ٧٣، مادة (الكرباس). والمراد هنا ذراع القُمَاش، لا ذراع المساحة.
(٤) المُشْت: قبضة الأصابع الأربع مضمومة. وهي لفظة فارسية. انظر الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى من فتح باب العناية ١/ ١٠٨.
[ ١ / ٨٣ ]
لا تَنْحَسِرُ أرضُه بالغَرْفِ: لا يَنْجَس،
===
كلِّ مُشْت إصْبَعٌ قائمة. وفي «المحيط»: الأصَحُّ أن يُعتَبَر في كلِّ زَمانٍ ومكانٍ ذراعُهُ.
وفي «شرح الوقاية»: إنما قدَّرنا الغَدِيرَ بعَشْر في عَشْر بناءً على قوله ﷺ «مَنْ حفَرَ بِئرًا فله حَرِيمُها أربعون ذِراعًا» (^١) فيكون له حَرِيمُها مِنْ كلِّ جانبٍ عَشَرةَ أذْرُع، ففُهِمَ مِنْ مَنْعِ غيرِ صاحب البئر عن حَفْرِ بئرٍ في العَشْر لانجذاب الماء إلى ما يَحفِرُه، ومِن عَدَمِ منعِهِ عن الحَفْر فيما وراء ذلك لعدم انجذاب الماءِ إليه، اعتبارُ العَشْرِ في العَشْر، هذا خُلاصَةُ كلامه. وفيه نظر، لأنَّ كونَ حَرِيم البئر عشرةَ أذرع مِنْ كلّ جانبٍ قولُ البعض، والصحيحُ أنه أربعون ذِراعًا من كلّ جانبٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محلِّه (^٢) .
(لا تَنْحَسِرُ) أي لا تنكشف (أرضُه بالغَرْفِ) أي بالاغتراف بكفَ واحدٍ أو بكفَّينِ. وقيل: يُعتبَرُ تقديرُ عُمقه بذِراعٍ أَوْ شِبْر (لا يَنْجَس) بفتح الجِيم وضَمِّها، وهو مجزومٌ على جواب قوله: فإن كان، ويجوزُ رفعُهُ. أمَّا عدَمُ نجاسة الجاري، فإنَّ عدَمَ أثَرِ النجاسةِ دليلٌ على عدَمِ بقائِها، وأمَّا عدَمُ نجاسةِ العَشْر فى العَشْر فَلأَنَّه في معنى الجاري.
وكلامُ المصنِّفِ ظاهرٌ في عدَمِ نجاسةِ موضعِ وقوعِ النجاسة، وهو مرويٌّ عن أبي يوسف، وبه أخذَ مشايخُ بُخارَى وبَلْخ توسِعةً على الناس، إذا لم تكن النجاسةُ مَرْئيَّة. وفي «المبسوط» و«البدائع» و«المفيد»: أنَّه يَنْجُسُ، وإليه أشار القُدُوريُّ في «مختصره» بقوله: جازَ الوضوءُ مِنْ الجانبِ الآخَر، وعن أبي يوسف: أنه كالماءِ الجاري لا يَنْجُسُ إلاَّ بالتغيُّرِ، وهو الذي ينبغي تصحيحُه، فينبغي عليه عدَمُ التفرقةِ بين المَرْئيَّة وغيرِها، لِمَا روى الطَّحاويُّ عن جابرٍ وَأبي سعيدٍ قالا: «كنا مع رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ فانتهينا إلى غَدِيرٍ فيه جِيفَة، فكَفَفْنا وكفَّ الناسُ، حتى أتانا النبيُّ ﷺ فقال: «مالَكم لا تَسْتَقُون»؟. فقلنا: يا رسول الله هذه جِيفةٌ، قال: «اسْتَقُوا فإنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شيء، فاستقينا وارتوينا».
ومِن الفروع: إذا وجَدَ الماءَ مُتَغيِّرَ اللونِ والريحِ يَتوضَّأ منه ما لم يَعلم أنه مِنْ نجاسةٍ، لأنَّ التغيُّرَ قد يكون لِطاهرٍ أو لمَكْثٍ.
واعلم أنَّ علماءنا اتَّفقوا على أنّ الغَدِيرَ العظيمَ في حكم الجاري، واختلفوا بماذا يُعتَبَر؟ فقال المتقدِّمون: بعدَمِ تحرُّكِ طَرَفِه عند تحريك الطَّرَفِ الآخَر، بأن لا يَنخفِضَ ويرتفعَ من ساعته. ثُمَّ عن أبي حنيفة ﵀: تحريكُ الاغتسال، لأنَّ الحاجة إلى
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه ٢/ ٨٣١، كتاب الرهون (١٦): باب حريم البئر (٢٢)، رقم (٢٤٨٦). بلفظ قريب.
(٢) في كتاب إحياء الموات.
[ ١ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحِيَاض فيه أشدّ (^١)، وهو روايةٌ عن أبي يوسف، وعنه (^٢) تحريكُ اليَدِ توسعةً على الناس، وعن محمد تحريكُ التوضُّؤ، لأنه الوسَط، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة. وفي «الغاية»: ظاهِرُ الرواية عن أبي حنيفة اعتبارُهُ بغلبة الظنّ، فإن غَلَبَ على ظنّ المتوضِّاء وصولُ النجاسة إلى الجانب الآخَر لا يتوضَّأ به، وإلا توضَّأ، قال: وهو الأصحّ. وقال أبو عِصْمة: كان محمدٌ يقدِّره بعَشْرٍ في عَشْرٍ، ثم رجَعَ إلى قول أبي حنيفة وقالَ: لا أُقدِّرِ فيه شيئًا. لكنَّ التقديرَ مختارُ ابن المبارك ومشايخِ بَلْخٍ وجماعةٍ من المتأخرِين. قال أبو الليث: وعليه الفتوى، وبه قال صاحبُ «الهداية». ثم العِبرةُ بحالِ الوقوع، فإن نقَصَ بعده لا يَنجُسُ، وعلى العكس لا يَتطهَّر.
ولو كان الماءُ له طُولٌ وليس له عَرْضٌ، أو عُمقٌ بلا طُول، فالأصحُّ أنه إن كان بحالٍ لو ضُمَّ طُولُه إلى عَرْضِه يصيرُ عَشْرًا في عَشْر يجوزُ الوضوءُ منه، ولا ينجُسُ بوقوع النجاسة فيه، لأنَّ اعتبارَ العَرْض يُوجِبُ تنجُّسَه، واعتبارَ الطُّولِ لا يُوجِبه، فوقع الشكُّ في تنجُّسِه، والأصلُ فيه هو الطهارةُ فيَبقَى طاهرًا، وإن كان الحوض مُدوَّرًا فقُدِّرَ بأربعةٍ وأربعين، وثمانيةٍ وأربعين، والمختارُ ستةٌ وأربعون في الأصل.
ويَتوضَّأ من الحوض الذي يَخافُ أن يكون فيه قذَرٌ ولا يَستيقنُهُ، وليس عليه أن يَسألَ ولا أن يدَعَ التوضُّؤَ منه حتى يَسْتيقن، لقولِ عُمَر ﵁ حين سألَ عَمْرُو بنُ العاص صاحبَ الحوض: أَيَرِدُه السِّباعُ؟ ـ: يا صاحِبَ الحوضِ لا تُخْبِرْنَا. ذكره في «الموطَّأ». ولا بأسَ بالوضوء مِنْ حُبَ (^٣) يُوضعُ كُوزُه (^٤) في نواحي الدار ويُشرَبُ منه، ما لم يَعلم أنه قَذر (^٥) . ويُكرَهُ للرجل أن يَستخلص لنفسه إناءً يَتوضَّأ منه ولا يَتوضَّأ من غيره. وقيل: التوضُّؤُ من الحوض أفضلُ من التوضُّؤ من النهر، لأنَّ أهلَ الاعتزالَ لا يَرون التوضُّؤَ من الحياض جائزًا، فنحن نتوضَّأ رغمًا لهم. وفي «الواقعات» و«فتاوى أبي الليث»: أنَّ البول في الماء الجاري مكروه، وأمَّا البولُ في الماءِ الراكد فحرام.
ثم اعلم أنَّ الشافعي قَدَّرَه بقُلَّتينِ (^٦)، وهي خمسُ مئة رطلٍ بالعراقيّ، وقيل: ست
_________________
(١) أي لأن الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشد من الحاجة إلى التوضؤ، لأن الوضوء يكون في البيوت عادة. أفادة الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة رحمه الله تعالى.
(٢) أي عن أبي حنيفة.
(٣) الحُبُّ: الجرَّة، أو الضخمة منها. القاموس المحيط ص ٩١، مادة (حب).
(٤) الكوز: إناء بعُرْوة يشرب به الماء. المعجم الوسيط، ص ٨٠٤، مادة (كوز).
(٥) أي متنجِّس.
(٦) القُلَّة: جرة بقدر ما يطيق الإنسان الموسط حملها لو مُلئت ماءً، والقلتان عند الشافعية تساوي: ٩٣.٧٥ صاعًا = ١٦٠.٥ لَترًا من الماء. معجم لغة الفقهاء ص ٣٦٨.
[ ١ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مئة رطل، وقال: إذا بَلَغهما لم يَنْجُس إلا بالتغيُّرِ لقوله ﷺ «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يَحمِل الخَبَث». رواه أصحاب «السنن الأربعة» عن ابن عُمَر، وفي روايةٍ أخرى لأبي داود: «فإنه لا يَنْجُسُ»، وأخرجه ابنُ خُزَيمة والحاكمُ في «صحيحيهما».
قلنا: ضعَّفَه جماعةٌ، منهم الحافظُ ابنُ عبد البَرّ، والقاضي إسماعيلُ بنُ إسحاق، وأبو بكر بنُ العربي: المالكيُّون، وقال البيهقي: إنه ليس بالقويّ. وقد تَرَكه الغزاليُّ والرُّوْيَانيُّ مع شدَّةِ اتّباعِهما للشافعي، وعن أستاذِ البخاري عليِّ بنِ المَدِيني (^١) أنَّه قال: لم يَثبُت حديث القُلَّتَين، ولأن ابن العباس وابن الزُّبَيْر أَمَرا بنزح ماء زمزم حين مات فيها الزُّنجيُّ، ولو كان هذا صحيحًا لاحتَجَّ به بقيَّةُ الصحابةِ والتابعين عليهما، فعُلِمَ أنه شاذٌّ في حادثةٍ تعُمُّ بها البَلْوَى، فيُرَدُّ، كخبرَ الوضوءِ مما مَسَّتْه النارُ.
ثم حديثُ القُلَّتين ضَعَّفه أبو داود أيضًا للاضطرابِ فى سَنَدِه وكذا فى مَتْنِهِ، ففي روايةٍ: «لم يُنَجِّسْه شيء»، وفي روايةٍ: «لم يَحمِل الخَبَث»، قال البيهقيُّ: وهو غريب، وفي روايةٍ: «إذا بَلَغ الماءُ قُلَّتَينِ أو ثلاثًا لم يُنَجِّسه شيء»، وفي روايةٍ: «إذا بلَغَ الماءُ أربعين قُلَّةً فإنه لا يَحمِلُ الخَبَث». وضعَّفَه الدَّارقُطْنيُّ وذَكَر أنَّ جماعةً رَوَوْا عن ابن عُمَر موقوفًا: «إذا بلَغَ الماءُ أربعين قُلَّةً لم يَنْجُس». وفي روايةٍ: «لم يُنَجِّسه شيء». وفي أُخرى: «لم يَحمِل خَبَثًا». قال الدارقطنيُّ: ورَوَى غيرُ واحدٍ عن أبي هريرة فقالوا: «أربعين غَرْبًا» (^٢)، ومنهم من قال: «أربعين دَلْوًا».
وهذا الاضطرابُ يُوجبُ الضعفَ وإن وُثِّقَ الرجال، مع ما فيه من الاضطراب في معناه أيضًا حيث قيل: معنى لم يَحمِل خَبَثًا أنه يَضْعفُ عن حَمْلِ النجاسة فيتنجَّس، كما يُقال: هو لا يحمِلُ الكَلَّ، أي لا يُطيقه. وأيضًا القُلَّةُ مشتركةٌ بين الجَرَّةِ والقِرْبةِ ورأسِ الجَبَل.
وأمَّا قولُ الشافعي في «مسنده»: أخبرني مُسلِمُ بن خالد الزنجيُّ، عن ابنِ جُرَيْج بإسنادٍ لا يَحضُرني: أنه ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يَحمِل خَبَثًا»، فمُنقطِعٌ للجهالة، وفي روايةِ ابن عَدِيّ، عن ابن عُمَر مرفوعًا: «إذا كان الماءُ قُلَّتينِ مِنْ قِلالِ هَجَر لم يُنجِّسه شيء»، ويُذْكَرُ أنهما فَرَقان، والفَرَقُ: بفتح الراء سِتَّةَ عَشَرَ رطلًا، كذا في «مُجمَل اللغة» (^٣) . وقال ابنُ جُرَيج: رأيتُ قِلالَ هَجَر، فالقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أو قِرْبَتَينِ
_________________
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "المدني" وهو تحريف.
(٢) الغَرْبُ: الدلو العظيمة. مختار الصحاح ص ١٩٧، مادة (غرب).
(٣) مجمل اللغة ٣/ ٧١٨.
[ ١ / ٨٦ ]
إِلا إِذا غيَّر طعمَهُ أو لونَهُ أو ريحَهُ، وإن لم يكن، يَنْجُسْ. ولا بأسَ بموتِ مائيِّ المَوْلدِ، ولا بِمَوتِ ما ليس له دَمٌ سائل.
===
وشيئًا. وقال الشافعيُّ: فالاحتياطُ أن يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ ونصفًا. لكن قال ابنُ عَدِيّ: قولُهُ في مَتْنِه: «مِنْ قِلالِ هَجَر» غيرُ محفوظٍ، لا يُذكَرُ إلاَّ مِنْ روايةِ مُغِيرة بن سِقْلاب يُكنَى أبا بِشْر، مُنكَرُ الحديث. وروى ابنُ عَدِيّ عنه عن ابن عُمَر مرفوعًا: «إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يُنَجِّسه شي». والقُلَّةُ أربعةُ أَصْوُع. هذا خلاصَةُ ما ذكَرَ ابنُ الهُمَام من تلخيص ما ذكره الشيخ تقيُّ الدين بن دقيق العِيد في «الإِمام»، وقد أفرده الناسُ بالتصنيف.
واعتَبَر مالكٌ أوصافَ الماءِ قليلًا كان الماءُ أو كثيرًا، لقولِهِ ﷺ: «إنَّ الماء طاهِرٌ إلا أن يتغيَّرَ ريحُهُ أو طعمُهُ أو لونُهُ بنجاسةٍ تَحْدُثُ فيه» (^١)، وقولِهِ: «إنَّ الماءَ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شيء» (^٢) .
قلنا: الحديثُ الأوَّلُ غيرُ قويّ كما ذكره البيهقي. والثاني ليس على إطلاقه لقوله ﷺ «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم ولا يَغْتَسِلَنَّ فيه من الجنابة»، أو: «ثُمَّ يَغْتَسِل منه» أو: «فيه» كما هو رواية «الصحيحين». فلو لم يكن مُفْسِدًا للماءِ لما كان للنهي عنه فائدة.
(إِلا إِذا غيَّر طعمَهُ أو لونَهُ أو ريحَهُ) يتعلَّقُ بالماءِ الجاري وماءِ الحوض جميعًا، فإنه إذا اختلَطَ النَّجَسُ بأحدِهما وغيَّرَ أحدَ أوصافِه الثلاثةِ يَصِيرُ نَجِسًا. (وإِن لم يكن) الماءُ جاريًا ولا عَشْرًا في عَشْرٍ على الوجه المذكور (يَنْجُسْ) ذلك الماءُ لوقوع النجاسة فيه قليلةً كانت أو كثيرة.
(ولا بأسَ بموتِ مائيِّ المَوْلدِ) وهو ما يَتولَّدُ في الماء، كالسَّمَكِ والضِّفْدَعِ والسَّرَطان (ولا بموتِ ما ليس له دَمٌ سائل) كالبقِّ والذُّبابِ والخُنافسِ (^٣) لقوله ﷺ «يا سَلمانُ كلُّ طعامٍ وشرابٍ وقعَتْ فيه دابَّةٌ ليس لها دَمٌ سائل فماتتْ فيه فهو حلالٌ أكلُه وشُرْبُه ووضوؤه» رواه الدارقطنيُّ وقالَ: لم يَرفعه إلا بَقِيَّةُ عن سَعِيد بن أبي سَعِيد الزُّبَيدِي وهو ضعيف. انتهى. وأعلَّه ابنُ عَدِيّ بجهالةِ سعيد، ودُفِعَا بأنَّ بَقيَّةَ هذا هو أبو الوليدِ رَوَى عنه الأئمةُ مثلُ الحمَّادَينِ، وابنِ المبارك، ويزيدَ بن هارون، وابنِ عيينة،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٢٦٠.
(٢) أخرجه أبو داود في السنن ١/ ٥٤ - ٥٥، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في بئر بضاعة (٣٤)، رقم (٦٦). والترمذي ١/ ٩٥ - ٩٦، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء (٤٩)، رقم (٦٦).
(٣) الخُنْفُسَاء: حشرة سوداء، منته الريح. المعجم الوسيط ص ٢٥٩، مادة (خنفس).
[ ١ / ٨٧ ]
ولا يَتوضَّأ بماءٍ اعتُصِرَ، ولا بماءٍ استْعْمِلَ لقُرْبةٍ أو رَفْعِ حدَثٍ.
===
ووكيعٍ، والأوزاعيِّ، وإسحاق بن رَاهُويَه، وشُعْبةَ، وناهِيك بشعبة واحتياطِه، قال يحيى: كان شُعْبة مُبَجِّلًا لبقيَّةَ حين قَدِمَ بغداد، وقد رَوَى له الجماعةُ إلا البخاريَّ. وأمَّا سعيدُ ابنُ أبي سعيد هذا فذكره الخطيب قال: واسمُ أبيه: عبدُ الجبَّار، وكان ثقةً فانتفت الجهالة، والحديثُ مع هذا لا يَنْزِلُ عن الحَسَن.
ولقوله ﷺ «إذا وقَعَ الذُّبابُ في شرابِ أحدِكم فليَغْمِسْه ثم لِيَنْزِعْه فإنَّ في أَحَدِ جناحَيه داءً وفي الآخَرِ شفاءً» رواه البخاري، وزاد أبو داود: «وإنه يَتَّقي بجَناحِه الذي فيه الداء»، وفي روايةِ ابن ماجه والنَّسائي: «وإذا وقع في الطعام فامْقُلُوه (^١) فيه، فإنه يُقدِّمُ السُّمَّ ويُؤخِّرُ الشّفاءَ». ولولا أنَّ موتَه فيه لا بأسَ به لم يَأْمُر ﷺ بغَمْسِه الذي هو في العادة سبَبٌ لموته. قال ابنُ المُنذِر: ولا أعلمُ في ذلك خلافًا إلا ما كان من أحَدِ قولي الشافعي.
ثم إطلاقُ المصنِّفِ يقتضي أنه لا فَرْقَ بينَ الموتِ في الماء والإِلقاءِ فيه بعد الموت، ولا بينَ الماءِ وباقِي المائعات، وهو الصحيحُ. وهذه المسألة داخلةٌ فيما قبلها لأنَّ ما يَعيشُ في الماءِ لا دَمَ فيه، ذكَره ابنُ الهُمَام. وفيه نَظَر، إذ المُرادُ به غيرُ مائيِّ المَوْلِد بقرينةِ المقابلة، على أنه قد يكون مائيَّ المَوْلِد وله دمٌ سائل كالخِنزيرِ المائيّ والكلب المائيّ، فإنَّ الأصحَّ أنه لا بأسَ به كما في «الهداية» و«الكافي». ولا يَبْعُدُ أن يكون مائي المَوْلِد مطلقًا: مما ليس له دَمٌ سائل. وعلامتُهُ أنَّ دمه إذا أُلقِي في الشمس لم يَسودَّ بل يَبْيَضُّ.
(ولا يَتوضَّأُ) أي ولا يَرفَعُ الحدَثَ (بماءٍ اعتُصِرَ) يجوز قَصْرُ ألف الماءِ ومَدُّها، أي بماءٍ اعتَصَرَهُ الخالقُ أو المخلوقُ من شجر أو ثمر، لأنه ليس بماءٍ مُطلَق. والشَّجَرُ يَعُمُّ ما نبتَ من الأرض، كان له ساقٌ أوْ لا. والثَّمَرُ يَشمَلُ البَذْرَ والحُبوبَ. (ولا بماءٍ استُعْمِلَ لقُرْبةٍ) واجبةٍ أو مندوبةٍ كالوضوء (على الوضوء) (^٢)، أو أُرِيدَ بها أن يَنوِيَ الوضوءَ حتى يصيرَ عبادةً (أو رَفْعِ حدَثٍ).
والحاصِلُ: أنَّه (^٣) عند أبي حنيفة وأبي يوسف كلٌّ مِنْ رفعِ الحدثِ والتقرُّبِ،
_________________
(١) أي اغمِسوه. يقال: مَقَلْت الشيءَ أمْقُلُه مَقْلًا: إذا غَمَسْتُه في الماء ونحوه. النهاية ٤/ ٣٤٧.
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٣) أي سبب استعمال الماء.
[ ١ / ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعند محمد التقرُّبُ (^١) كان معه رَفْعٌ أوْ لا، وعند زُفَر الرَّفْعُ (^٢) كان معه تقرُّبٌ أوْ لا. وإنما حصَرَ محمدٌ الاستعمالَ بالقُربة لأنه إنما هو بانتقالِ نجاسة الذُّنُوب إليه، كما ورد في الحديثِ الدالِّ عليه (^٣)، وذا لا يكون إلا بِنيَّةِ القُربة لديه.
ووافَقَنا الشافعيُّ في الجديد خلافًا لمالك، لأنه ماءٌ طاهر لاقَى محلًا طاهرًا فيَبقَى على حاله، كما لو غَسَل به ثوبًا طاهرًا، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الماءُ طاهرٌ إلا أن يتغيَّرَ ريحُه أو لونُه أو طعمُه بنجاسةٍ تَحدُثُ فيه». لكنَّ الحديثَ غيرُ قوي، كما تقدَّم عن البيهقي (^٤) .
واعلم أنَّ كلامَ المصنِّف دالٌّ على حُكم الماءِ المستعمَل بعدم التوضّوء به، وليس بدالَ على حُكمِه بالطهارةِ أو عَدَمِها، فنقول: لم يُثبِتْ مشايخُ العراقِ خلافًا بين الأئمةِ الثلاثةِ (^٥) في أنَّ الماءَ المستعمَل طاهرٌ غير طَهُور، وأثبَتَهُ مشايخُ ما وراءَ النهر، واختلافَ الرواية (^٦): فعن أبي حنيفة في رواية الحَسَن عنه - وهو قولُه ـ: أنه نَجِسٌ نجاسةً مغلَّظة، وعن أبي يوسف وهو روايةٌ عن أبي حنيفة: أنه نَجِسٌ نجاسةً مخفَّفة، وعن محمد وهو روايةٌ عن أبي حنيفة وهو الأقَيسُ: أنه طاهرٌ غيرُ طَهُور، واختار هذه الروايةَ المحقِّقون من مشايخِ ما وراءَ النهرِ وغيرِهم، وهو ظاهِرُ الرواية، وعليها الفتوى.
أمَّا دليلُ النجاسة فما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا يَعْتَسِلَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم وهو جُنُب»، مع ما رواه أيضًا عن جابر أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الراكدِ»، وفي «سنن أبي داود»: أنه ﷺ قال: «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم ولا يَغْتَسِلَنَّ فيه مِنْ الجنابةِ». ووَجْهُ الدلالةِ أنه ﷺ
_________________
(١) هكذا جاء في غير كتاب، ولكن قال الإمام شمس الأئمة السَّرَخْسِي في "المبسوط" ١/ ٥٣: "هذا المذهب غير محفوظ عن محمد نصًّا، ولكن الصحيح - أي عند محمد - أن إزالة الحدث بالماء مفسد للماء - أي يجعله مستَعْمَلًا ولو من غير قصد القُربة - إلا عند الضرورة كما ذكروه في الجُنب يُدخل يده في الإناء وفي البئر لطلب الدلو"، أفاده الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة رحمه الله تعالى.
(٢) أي حصول رفع الحدث، سواء كان بنية من المتوضئ أم بغير نية.
(٣) وهو: "إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل رجليه خرج كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء. حتى يخرج نقيًا من الذنوب". أخرجه مسلم ١/ ٢١٥ كتاب الطهارة (٢)، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء (١١)، رقم (٣٢ - ٢٤٤).
(٤) ص ١٤٤.
(٥) أي أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد.
(٦) أي وأثبتوا اختلاف الرواية.
[ ١ / ٨٩ ]