ولا يَجُوزُ صَلاةٌ،
===
وذلك أفضل». ولقوله ﵊: «اجعلوا آخِرَ صلاتِكم بالليل وِتْرًا». رواه الشيخان. وفي رواية لمسلم عن جابر مرفوعًا: «أيّكم خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر ثم ليرقد».
(و) يُستحب (تَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) لما روينا في الإبراد (و) تعجيل (المَغْرِبِ) أي مغرب الصحو، سواء كان في الشتاء أو في الصيف، لصلاة جبرائيل إياها في أول وقتها في اليومين، ولما روى أبو داود والحاكم وقال: صحيحٌ على شرط مسلم، عن مَرْثد بن عبد الله قال: قَدِم علينا أبو أيوب غازيًا، وعُقْبة بن عامر يومئذٍ على مصر، فأخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عُقْبة؟ قال: شُغِلْنا، قال: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال أمّتي بخير - أو على الفطرة - ما لم يؤخّروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم». وفي رواية أحمد: «إلى اشتباك النجوم». وأما ما في «الهداية» لقوله ﵊: «لا تزال أمّتي بخير ما عجّلوا المغرب، وأخّروا العشاء»، فغير معروف بهذا اللفظ.
(ويَوْمُ غَيْمٍ يُعَجَّلُ العَصْرُ) لأن في تأخيرها توهم وقوعها في الوقت المكروه (والعِشَاءُ) لأن في تأخيرها تقليل الجماعة على اعتبار المطر (ويُؤخَّرُ غَيْرُهُمَا) أي في يوم الغيم. أما في الفجر، فلأنَّه لو عَجّل فيه لأدَّى إلى تقليل الجماعة بسبب الظلمة، ولا يأمَن من وقوعها قبل وقتها، وأمّا في الظهر والمغرب، فلئِلا تقعا قبل وقتهما. وروى الحسن عن أبي حنيفة استحباب تأخير كل صلاة في يوم الغيم، لأن في التأخير ترددًا بين القضاء والأداء، وفي التعجيل ترددًا بين الصحة والفساد، فيكون التأخير أولى لِتَيَقُّن براءة ذمّته.
(الأوقات المكروهة)
(ولا يَجُوزُ) أي ولا تصحّ (صَلَاةٌ) أي فرض، أو واجب، وأما لو صلّى التطوع في هذه الأوقات فيجوز، ويكره على ما ذكره الإسْبِيجَابي في «شرح الطَّحاوي»، ويحتمل أن يراد مطلق الصلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، بناءً على ما رُويَ من أن النفل في هذه الأوقات لا يجوز. والمعنى: لا يجوز الشروع في صلاة، وعدم جواز الشروع في الصلاة لا ينافي لزومها بعد الشروع فيها، كما يقال: لا يجوز البيع الفاسد، ولو باع
[ ١ / ١٨٨ ]
وسَجْدَةُ تِلاوَةٍ، وصَلاةُ جِنَازَةٍ عِنْدَ طُلُوعِهَا وقِيَامِهَا وغُرُوبِهَا،
===
وقبض المبيع، ثبت الملك. وإنما قلنا ذلك لما ذكر شمس الأئمة لزوم قضائه بلا خلاف، وذكر التُّمُرْتَاشي لزومه عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقيل: يُكْرَهُ النفل فيها تحريمًا، وهو مُفَسَّرٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف بما كان إلى الحرام أقرب، وعند محمد بالحرام. وإنما كره تحريمًا لما عُرِف أن النهي إذا كان ظَنِّيَّ الثبوت ولم يُصْرَف عن مقتضاه أفاد كراهة التحريم، وإذا كان قطعي الثبوت أفاد التحريم، فالتحريم في مقابلة الفرض في الرتبة، وكراهة التحريم في رتبة الواجب، والتنزيه في رتبة المندوب، والنهي الوارد من النوع الأول، فكان الثابت به كراهة التحريم، فلو شرع في النفل في أحدهما صح شروعه، حتى يجب قضاؤه إذا قطعه خلافًا لِزُفَر، ويجب قطعه وقضاؤه في وقت غير مكروه في ظاهر الرواية، ولو أتمّه خرج عن عُهْدَةِ ما لزمه بذلك الشروع.
(وسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ) أي إذا تُليت قبل الأوقات المذكورة، لأن التي تُليت فيها تجوز من غير كراهة، لكن الأفضل تأخيرها، ليؤديها في الوقت المستحب لها، لأنها لا تفوت بتأخيرها (وصَلَاةُ جِنَازَةٍ) أي إذا حضرت قبل ذلك، لأن التي حضرت فيه تجوز، لأنها وجبت ناقصة، فتؤدى كما وجبت، إذ الوجوب بالحضور وهو أفضل، والتأخير مكروه لقوله ﵊: «ثلاثٌ لا يُؤخَّرْنَ، وذكر منها: الجنازة إذا حضرت» (^١) .
(عِنْدَ طُلُوعِهَا) أي مع طلوع الشمس (وقِيَامِهَا) أي حال استوائها (وغُرُوبِهَا) وقال مالك: لا يصلى على الجنازة بعد الإسفار والاصفرار حتى تطلع الشمس أو تغرب، إلاَّ أنْ يخشى عليها التغير. وقال الشافعي: لا يكره الصلاة عليها في أوقات النهي، إلا أنْ يتعمّد تأخيرَها إلى ذلك بغير سبب.
لنا ما روى الجماعة إلا البخاري من حديث عُقْبة بن عامر الجُهَني قال: «ثلاثُ ساعات كان رسول الله ﷺ نهانا أنْ نصلّي فيهن، وأن نَقْبُرَ فيهنَّ موتانا: حين تَطْلُعُ الشمس بازغةً حتى ترتفعَ، وحين يقوم قائم الظَّهِيرَة (^٢) حتى تميل، وحين تَضَيَّفُ (^٣) للغروب حتى تَغْرُب». قال الترمذي: قبر الموتى هنا محمول على الصلاة عليها،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ٣/ ٣٨٧، كتاب الجنائز (٨)، باب ما جاء في تعجيل الجنازة (٧٤)، رقم (١٠٧٥)، ولفظه: يا علي ثلاث لا تؤخرها …
(٢) قائم الظهيرة: أي قيام الشمس وقت الزوال. النهاية: ٤/ ١٢٥.
(٣) تضيَّفت: أي مالت. النهاية ٣/ ١٠٨.
[ ١ / ١٨٩ ]
إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ
===
وكذلك رُوِيَ، عن ابن المبارك. وروى ابن دقيق العيد في «الإمام» عن عُقْبة بن عامر قال: نهانا رسول الله ﷺ أنْ نصلّي على موتانا عند طلوع الشمس.
(إلاَّ عَصْرَ يَوْمِهِ) هذا استثناء من عدم جواز الصلاة وقت الغروب، فإنَّ عصر اليوم يجوز في وقت الغروب من غير كراهة في أدائها، وإنما الكراهة في تأخيرها، والفرق بين عصر اليوم - حيث يجوز عند الغروب - وفجر اليوم - حيث لا يجوز عند الطلوع - أنَّ سبب الصلاة جزءٌ من وقتها مُلَاقٍ لأدائها، وآخر وقت العصر وهو وقت التغير ناقص، لأنه وقت كراهة، وإذا شرع فيه، فقد وجبت ناقصة، فلا تفسد بطروء الغروب الذي هو وقت الفساد للملائمة بينهما في النقصان. وأما الفجر فإنَّ جميعَ وقتها كامل، فإذا شرع فيها، فقد وجبت كاملة، فتفسد بطروء الطلوع الذي هو وقت الفساد لعدم الملائمة بينهما.
فإن قيل: روى الجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرُبَ الشمس، فقد أدرك العصر». أجيب بأنَّ التعارض لما وقع بين هذا الحديث، وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، فَرَجَّحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم النهي في صلاة الفجر. وذهب الطَّحاوي إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، لِئَلا يلزم العمل ببعض الحديث وترك بعضِه، مع أنَّ النقص قارن العصر ابتداءً، والفجر بقاءً.
ورُوِيَ عن أبي يوسف جوازُ الفجر أيضًا إذا أمسك عن تكميلها عند طلوع الشمس، وهو فيها، وكمَّلها بعد طلوعها، لأنه لم يَتَحرَّ بها طلوعها، وامتثل الأمر بالإمساك عنها، وتأخّرها حتى تبرز، ولم يوجد التشبه الحقيقي بعبُّادها. وذلك لما روى الطَّحاوي عن ابن عمر (^١) عن النبي ﷺ «لا تَحَرَّوا بصلاتكم عند طلوع الشمس ولا غروبها، وإذا بدأ حاجب الشمس، فأخِّروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس، فأخِّروا الصلاة حتى تغيب».
أقول: ومما يؤيد أصل المذهب ظاهر حديث الحاكم: «من صلّى ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس، فليصل الصبح»، أيْ قضاءً وإلاَّ لقال: «فليتِمه». وأما صحّة
_________________
(١) في المطبوع: ابن مسعود، والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في "شرح معاني الآثار" ١/ ١٥١ و١٥٢.
[ ١ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
السجدة والجنازة فيها، فلأنّهما أُدِّيَتَا كما وجبتا ناقصتين، لأنَّهما إنَّما وجبتا لإظهارِ مخالفة الكفار بالانقياد، ولقضاء حق الميت المسلم بالدعاء له، وكل منهما يتحقق مع النقصان.
وجوَّز مالك والشافعي الفرائض كلها فيها، لقوله ﵊: «من نام عن صلاة أو نَسِيَها فليُصلِّها إذا ذكرها»، متفق عليه. وأنه عام في الأوقات كلها، ولقوله ﵊: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أنْ تغرُبَ الشمسُ فليُتمَّ صلاته. وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أنْ تطلع الشمس فَلْيُتمَّ صلاته». رواه البخاري. واعتبارًا بعصر يومه.
ولنا ما روينا من حديث عُقْبة، وما في مسلم: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان». وما في «الموطأ» والنَّسائي من قوله ﵊: «إنَّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، وإذا دنت للغروب قارنها، وإذا غربت فارقها»، ونهى عن الصلاة في تلك الساعات.
ويكره عندنا وعند مالك فيها صلاة ذات سبب، كركعتي الوضوء وتحية المسجد، والطواف، والمنذورات، والسنن الرواتب ولو في مكة. وجوَّزها الشافعي لقول بلال: ما جدَّدتُ طهارةً إلا صليت ما قُدِّرَ لي، ولإطلاق قوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد، فَلْيُحَيِّه بركعتين» (^١) . ولقوله ﵊: «يا بني عبد مَنَاف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أيَّة ساعة شاء، من ليل أو نهار». رواه أصحاب السنن الأربعة.
ولنا ما رويناه، وهو نصٌ، فيُقيَّد به المبيح المطلق، وجوَّز الصلاة أبو يوسف ومعه الشافعي في الأصح عند استواء الشمس يوم الجمعة، لما في حديث عُقْبة: «إلا يوم الجمعة»، ولما في حديث أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة في نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة». رواه الشافعي في «مسنده». وكره أبو حنيفة ومحمد الصلاة فيه لإطلاق حديث عُقْبة. وهذه الزيادة غريبةٌ فيه، فلا تقيَّد بها، وهو مُحَرِّم، فيقدم على حديث أبي هريرة المبيح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ١/ ٥٣٧، كتاب الصلاة (٨)، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين (٦٠)، رقم (٤٤٤). ولفظه: " … فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
[ ١ / ١٩١ ]
وتُكْرَهُ إذَا خَرَجَ الإمَامُ للخُطْبَةِ.
ويُكْرَهُ النَّفْلُ فَقَطْ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَّا سُنَّتَهُ، وبَعْدَ أَدَاءِ العَصْرِ إلى أدَاءِ المَغْرِبِ.
===
(وتُكْرَهُ) أي الصلاة، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، إلا الفائتة لصاحب الترتيب (إذَا خَرَجَ) أي صَعِدَ (الإمَامُ) المنبر (للخُطْبَةِ) أي خطبة الجمعة، أو العيدين، أو الحج، أو الكسوف، أو الاستسقاء، للإخلال باستماع الخُطبة والإعراض عنها، ولقوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغَوْت». كما رواه الشيخان. فإنْ كان الأمر بالمعروف مع كونه فرضًا، صار حرامًا في هذا الوقت، فما بالك بالنفل.
فإن قيل: روى الجماعة عن جابر بن عبد الله: «أن رجلًا جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: «أَصَلَّيتَ يا فلان؟، قال: لا، قال: فَصَلِّ ركعتين، وتجوَّز فيهما»، أي اختصر. وأُجيب عنه بأنَّ النبيّ ﷺ أنصت له حتى فرغ من صلاته، لما روى الدَّارَقُطْنِي من حديث أنس قال: «دخل رجل المسجد»، فذكر الحديث. وفيه: «وأمسك رسول الله ﷺ حتى فرغ من صلاته»، ولأنَّ ذلك كان قبل الشُّروع في الخطبة.
وقد بوَّب النَّسائي في «سننه الكبرى»: باب الصلاة قبل الخطبة، ثم أخرج عن جابر قال: «جاء سُلَيْك الغَطَفَاني ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سُلَيْك قبل أن يصلّي، فقال له ﵊: «أرَكَعْتَ ركعتين»؟ قال: لا، قال: «قم فارْكَعْهُما». وكذا يكره بعد الفراغ من خطبة الجمعة إلى الشروع في الصلاة عند أبي حنيفة، خلافًا لهما.
(ويُكْرَهُ النَّفْلُ فَقَطْ) أي دون الفوائت، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة (بَعْدَ الصُّبْحِ) أي بعد طلوعه (إلاَّ سُنَّتَهُ وبَعْدَ أَدَاءِ العَصْرِ إلى أدَاءِ المَغْرِبِ). أمَّا بعد الصبح، فلما روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدَّارَقُطْنِي، من حديث يَسَار - مولى ابن عمر ـ، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين». ورواه الطَّبَرَانِي. وفي طريق آخر له: «بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر»، ولقوله ﵊: «لِيُبَلِّغْ شاهدكم غائبكم، لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين». رواه أبو داود. ولقول حَفْصَة: «كان النبي ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلّي إلا ركعتين خفيفتين»، رواه مسلم.
قيل: وحكمة هذا النهي أن يصير الوقت كالمشغول بفرضه وما يتبعه، ولهذا كُرِه الكلامُ بين سنته وفرضه، إلا إذا كان كلام خير، فيظهر النهي في حق النفل، وكلّ
[ ١ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ما وجب بسبب عن المكلف كالمنذور، وقضاء النفل الذي شرع فيه ثم أفسده، وركعتي الطواف. ورُوِي: «أن عمر ﵁ طاف بالبيت سبعًا بعد الفجر ولم يصلِّ حتى خرج إلى ذي طُوَى، فصلّى ركعتي الطواف بعد ما ارتفعت الشمس».
وأما كراهتها بعد أداء العصر، فلما روى الجماعة عن ابن عباس ﵄ قال: «شهد عندي رجال مرضيون، - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». ولقول علي ﵁: «كان النبيّ ﷺ يصلّي دُبُر كل صلاة إلا الفجر والعصر». وتقول عائشة: «إن رسول الله ﷺ لم يكن يصلّي الصلاة إلا أتْبعَها ركعتين، غير العصر والغَدَاة (^١)، فإنه كان يُعَجِّلُ الركعتين قبلهما»، رواهما الطَّحَاويّ.
وساق في خصوص العصر روايات بطرق مختلفة، ثم قال: فقد جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ متواترة بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وعَمِل بذلك أصحابه من بعده، فلا ينبغي لأحد أنْ يخالِف ذلك. ثم أسند إلى أبي سعيد الخُدْري أنه قال: «أمرني عمر ابن الخطاب أن أَضْرِبَ من كان يصلّي بعد العصر الركعتين بالدِّرة» (^٢) . «وأنَّ خالد بن الوليد كان يَضْرِبُ الناس على الصلاة بعد العصر كعمر». «وأن طاوسًا سأل ابن عباس عن الركعتين بعد العصر، فنهاه وقال: ﴿وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللهُ ورَسُولُهُ أمرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ﴾» (^٣) .
ثم روى عن عائشة من طرق: «كان النبي ﷺ لا يدع الركعتين عندي بعد العصر». (وفي رواية: «والله ما ترك رسول الله ﷺ الركعتين عندي بعد العصر) (^٤) قطُّ»، ولفظ الصحيحين: «ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلّى ركعتين»، وفي لفظ للبخاري، عنها: «والذي ذَهَبَ به، ما تركهما حتى لَقِيَ الله، وما لقي الله تعالى حتى ثَقُلَ عن الصلاة، وكان النبي ﷺ يصليهما، ولا يصليهما في المسجد مخافة أنْ يُثْقِلَ على أمّتهُ، وكان يحب ما يُخَفّف عنهم».
وأجاب بأنَّ معاوية بن أبي سفيان لَمَّا أَرْسَلَ إليها لِيَسْأَلَها عنهما، قالت: «لا
_________________
(١) الغداة: بالفتح: ما بين الفجر وطلوع الشمس. معجم لغة الفقهاء ص ٣٢٨. والمقصود هنا: صلاة الفجر.
(٢) الدِّرَّة: السَّوْط: المعجم الوسيط، ص ٢٧٩، مادة (دَرّ).
(٣) سورة الأحزاب، الآية: (٣٦).
(٤) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أدري سَلُوا أُمَّ سَلَمة». وبأنَّ ابن عباس، وعبد الرحمن بن أزْهر، والمِسْور بن مَخْرَمة لما أَرْسَلوا كُرَيبًا يَسْأَلُهَا عنهما قالت: «سَلْ أمّ سلمة»، وبأنَّها قالت: «ليس عندي صلاَّهما، ولكن أم سَلَمة حَدَّثَتْنِي: أنه صلاّهما عندها». فهذا يُعَارِض ما قبله، فلا يصحّ الاحتجاج به على عدم كراهتهما، كيف وقد كشفت هي مع أم سلمة عن حقيقة أمرهما. أما هي فروى مسلم عن أبي سلمة: «أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يُصَلِّيهما بعد العصر، فقالت: كان يُصَلِّيهما قبل العصر، ثم شُغِلَ عنهما، أو نَسِيَهما، فصلاَّهما بعد العصر، ثم أثْبَتَهما. وكان إذا صلّى صلاة أثْبَتَها»، يعني داوم عليها.
وروى أبو داود عن ذَكْوان - مولى عائشة - عنها: «أنها حَدَّثَتْه أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلّي بعد العصر، ويَنْهَى عنهما، ويُوَاصِلُ ويَنْهى عن الوِصَال». وأما أم سلمة فقالت: سمعت رسول الله ﷺ نهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، فقيل له في ذلك فقال: «إنه أتانِي نَاسٌ من عبد القَيْس بالإسلام من قومِهم، فَشَغَلُوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان». رواه الشيخان والطَّحَاوِيّ، وفي لفظ له عنها أنها قالت: صلاَّهما رسول الله ﷺ عندي لم أرَه صلاَّهما قَبْلُ ولا بَعْدُ، فقلت يا رسول الله: ما سجدتان رَأَيْتُكَ صلّيتهما بعد العصر، ما صلَّيْتَهما قَبْلُ ولا بَعْدُ؟ فقال: «هما سَجْدَتَانِ كُنْتُ أُصلِّيهما بعد الظهر، فَقَدِمَ عليَّ قلائص (^١) من الصَّدقة، فَنَسِيتُهما حتى صَلَّيْتُ العصر، ثم ذَكَرْتُهما، فكَرِهْت أن أُصَلِّيهما في المسجد والناس يَرَوْنِي (^٢) فصليتهما عندك»، وفي رواية: قلت: يا رسول الله أفَنَقْضِيهما إذا فاتتا؟ قال: «لا». فَعُلُمَ من هذا كُلِّه أنَّ قضاءهما، ثم استمرار فِعْلِهِما كان من خصائصه ﷺ فلا يَحِلُّ لأحد التَشَبُّهَ به مع نَهْيهِ عنهما، كما في سائر خصائصه.
وأما كراهتهما بعد الغروب قبل صلاة المغرب، فلما فيه من تأخير صلاة المغرب. وعن الشافعية في الركعتين قبل المغرب وجهان: أشهرهما أنها لا تُسْتَحبُّ. وأصحُّهما: أنها تُسْتَحبُّ، لما في «صحيح مسلم» عن مختار بن فُلْفُل قال: سألت أنس بن مالك عن التطَوُّع بعد العصر، فقال: كان عمر يَضْرِبُ الأيدي على الصلاة بعد العصر، وكنا نصلّي علَى عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ يصلّيهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا.
_________________
(١) قلائص: جَمْع قَلُوص، وهي الناقة الشابَّة. النهاية: ٤/ ١٠٠.
(٢) في المخطوط والمطبوع: يرونه، والمثبت من شرح معاني الآثار للطحاوي: ١/ ٣٠٢.
[ ١ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولما في البخاري أنه ﵊ قال: «صَلُّوا قبل صلاة المغرب». ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». خشية أن يتخذها الناس سنة، ولقوله ﵊: «بين كل أذانين صلاة». ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». ولقول أنس: كان المؤذن إذا أذَّن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، فيركعون ركعتين (قبل المغرب) (^١)، حتى إن الرجلَ الغريبَ ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صلّيت من كثرة من يصليهما. رواهما الشيخان. وفي لفظٍ للبخاري: «حتى يَخْرُجَ النبي ﷺ وهم كذلك، يُصَلُّون ركعتين قبل المَغْرِب». وفيه أيضًا عن مَرْثَد بن عبد الله (^٢) قال: أتيت عُقْبَة بنَ عامرٍ، فقلتُ: ألا أُعجِّبُكَ من أبي تميم، ركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال عُقْبة: إنَّا كنَّا نفعله على عهد النبي ﷺ قلت: فما يَمْنَعُكَ الآن؟ قال: الشُّغْلُ.
ولنا ما في أبي داود، عن طاوس قال: «سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب. فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله ﷺ يصلِّيهما، ورخّص في الركعتين بعد العصر». وسكت عنه أبو داود والمُنْذِري في «مختصره»، وهذا تصحيح عندهما. وفي «سنن الدَّارْقُطْنِي» ثم البَيْهَقِيّ: عن حيّان بن عُبَيْد الله العَدَوِيّ: حدّثنا عبد الله بن بُرَيْدَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا المغرب». ورواه البزَّار في «مسنده» وقال: لا نَعْلَمُ رواه عن ابن بُرَيْدَة إلاَّ حيَّان بن عبيد الله، وهو رجل مشهور من أهل البصرة، لا بأس به.
وفي الطَّبَرَانِي عن جابر قال: «سَأَلْنَا نساء رسول الله ﷺ هل رأيْتُنَّ رسول الله ﷺ يصلّي الركعتين قبل المغرب؟ فقلن: لا، غير أن أمّ سلمة قالت: صلاَّهما (عندي) (^٣) مرةً، فسَألته ما هذه الصلاة؟ فقال: نسيت الركعتين من قبل العصر فصلّيتهما الآن». وفي «آثار محمد بن الحسن»: أخبرنا أبو حنيفة: حدّثنا حَمّاد بن سُلَيْمَان: أنه سأل إبراهيم النَّخَعي عن الصلاة قبل المغرب؟ قال: فنهى عنها وقال: «إن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ لم يكونوا يصلونهما».
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٢) في المخطوط: عبد الله بن مَرْثَد، وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه، كما جاء في "صحيح البخاري" حديث رقم (١١٨٤).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ١٩٥ ]
ومَنْ هُوَ أهْلُ فَرْضٍ في آخِرِ وَقْتِهِ، يَقْضِيهِ فَقْط،
===
لكن لا يخفى أن هذا القدر لا يتم به، إذ عَدَمُ روايتهما لا يدل على كراهتهما، كيف وقد جاء الأمر بهما، واستثناء المغرب مقدوح في صحته. فقد حكم الفلاَّس على حَيَّان بن عُبَيْد الله بالكذب، وهو مقدَّمٌ على قول البزار: لا بأس به. كيف، وقد روى ابن المبارك، عن كَهْمَس في هذا الحديث قال: «وكان ابن بُرَيْدة يصلي قبل المغرب ركعتين». ورَوى حُسَيْن المُعَلِّم، عن عبد الله بن بُرَيْدَة، عن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ «صلوا قبل المغرب ركعتين …» الحديث، رواه البخاري.
هذا، ويكره عندنا وعند الشافعي لمصلي ليل نام عن حزبه، أن يأتي به ما بين طلوع الفجر وصلاته، وما بعدها إلى طلوع الشمس، لما تقدم. وأجازه مالك لقوله ﵊: «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتِبَ له كأنَّما قرأه من الليل» (^١) . قلنا: حقيقة اللفظ لا يدل عليه.
(ومَنْ هُوَ أهْلُ فَرْضٍ في آخِرِ وَقْتِهِ) بأن بَلَغ، أو أَسْلَم آخر الوقت، أو طَهُرت لأكثر الحيضِ أو النِّفَاس، وقد بقي قدر التحريمة، أو طَهُرت لأقل من أكثره، وقد بقي قدر التَّحْريمة والغُسْل، (يَقْضِيهِ) أي يقضي ذلك الفرض (فَقْط) أي لا يقضي غيره فيه، لأن آخر الوقت هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء في أول الوقت، فمن كان أهلًا فيه وجب عليه فرض ذلك الوقت، ومن لم يكن أهلًا فيه سقط عنه. وقال الشافعي وأحمد: إن كان ذلك الفرض صبحًا، أو ظهرًا، أو مغربًا، يقضي ذلك الفرض فقط، وإن كان عصرًا أو عِشَاءً، يقضي مع العصر الظهر، ومع العشاء المغرب.
وهذا بناءً على أن وقت العصر والظهر واحد عندهما، وكذا المغرب والعشاء، إلا أنَّ المكلَّفَ أُمِرَ بالتفريق بينهما في الأداء، ألا ترى كيف قُدِّمَتِ العصر إلى وقت الظهر في عَرَفَة، وأُخِّرَت المغرب إلى وقت العشاء في المُزْدَلِفة، والتقديم والتأخير عمدًا لا يجوز، فعُلِم أن وقتهما واحد، وعندنا متعدد، قال الله تعالى: ﴿إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^٢) . وقد بينت السنة المشهورة أوائل الأوقات وأواخرها. ومقتضاه أن تكون المكتوبات مع أوقاتها خمسًا لا ثلاثًا، فيختصّ كل وقت بحكم، وسيأتي تمامه في محله.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥١٥، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦)، باب جامع صلاة الليل … (١٨)، رقم (١٤٢ - ٧٤٧).
(٢) سورة النساء، الآية: (١٠٣).
[ ١ / ١٩٦ ]
لا مَنْ حَاضَتْ فِيهِ.
===
(لا مَنْ حَاضَتْ) أي لا تقضي فرضًا من حاضت، وكذا من نَفِسَت (فِيهِ) أي في آخر الوقت، مع تَمَكُّنِها من الأداء في أول الوقت بقدر ما يسع الفرض، ولم تُصَلِّ حتى طَرَأَ الحيض، لما قدمنا.
وأوجبه الشافعي، إذ الوجوب بالخطاب، وهو متوجه إلى المُكلَّف من أول الوقت، ولهذا يقعُ أداءً إذا صلى فيه، ولو كان بآخره لوقع نفلًا، فإذا ثبت الوجوب، لم يبطل باعتراض الحيض، كما لو اعترض بعد الوقت. والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===