ثم اعلم أنه إنما كان التكبير في الجنازة أربعًا لِمَا روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم: «أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمسًا، (وسِتًَّا،) (^١) وأربعًا حتى قُبِضَ النبيّ ﷺ ثم كَبَّرُوا كذلك في ولاية أبي بكر، ثم وَلِيَ عمر ففعلوا ذلك. فقال لهم عمر: إنكم أصحاب محمد، متى تختلفون يختلف الناس بعدكم والناس حديثو عهد بجهل، فأَجْمِعوا على شيء يُجْمِع عليه من بعدكم. فَأَجْمَعَ رأي أصحاب رسول الله ﷺ أن ينظروا إلى آخر جِنَازةٍ كَبَّر عليها فيأخذوا به، ويرفضوا ما سواه، فوجدوا آخر جِنَازة كَبَّر عليها أربعًا».
والانقطاع الذي بين إبراهيم وعمر لا يُعْتَبَرُ عندنا. وقد رواه أحمد من طريق آخر موصولًا قال: حدَّثنا وَكِيع: حدَّثنا سُفْيَان، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: «جمع عمر الناس فاستشارهم في التكبير على الجِنَازة، فقال بعضهم: كَبَّر النبيّ ﷺ سبعًا (وقال بعضهم: خمسًا) (^٢)، وقال بعضهم: أربعًا. فجمع عمر على أربع كأطول الصلاة.
وروى أبو نُعَيْم الأَصْبَهَانِيّ، عن ابن عباس: «أن النبيّ ﷺ كان يُكَبِّرُ على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بَنِي هاشم خمس تكبيرات. ثم كان آخر صلاته أربعَ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تكبيرات إلى أنْ خرج من الدنيا». وروى البَيْهَقِيّ والطَّبَرَانِيّ، عن ابن عباس أنه قال: «آخر جِنَازَة صلَّى عليها رسول الله ﷺ كَبَّر عليها أربعًا». قال البيهقي: رُوِيَ هذا الحديث من وجوه، كلها ضعيفة. إلاَّ أن اجتماع أكثر الصحابة على الأربع، كالدليل على صحة ذلك.
فلو كَبَّرَ الإمام خمسًا، ترك المأموم متابعته في الخامسة. خلافًا لزُفَر - وهو رواية عن أبي يوسف - لِمَا روى مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زَيْد بن أرْقَم يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كَبَّرَ على جنازة خمسًا، فسألناه، فقال: كان النبيّ ﷺ يكبرها». وقد رُوِيَ أن عليًَّا كَبَّرَ خمسًا.
قلنا: ثبت النسخ بما قررناه آنفًا. والمَرْوي عن زيد يحتمل أن يكون بناء على قول عليّ من تكبيره على أهل بدر ستًا، وعلى الصحابة خمسًا، وعلى سائر المسلمين أربعًا. وروى الطَّحاوي، وابن أبي شَيْبَة، ورواه (هوو) (^١) عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفَيهما»، والبخاري في «تاريخه»: «أن عليًّا صلى على ابن حُنَيف، فكبَّر عليه ستًا، ثم التفت إلينا فقال: إنه بَدْرِيّ». وقد انقرضت الصحابة، فيكون التكبير بعدهم أربعًا لا غير، فمن زاد يكون مخالفًا للإجماع المُقَرَّر، فلا يكون فصلًا مجتَهَدًا فيه، بخلاف تكبيرات العيد. كذا ذكره بعض المحققين.
وفيه نظر: لأن النَّسْخَ بالإجماع مختلف فيه - كما عُلِمَ في موضعه - فلا يخرج عن كونه فصلًا مجتهدًا فيه، مع احتمال أنَّ إجماعهم كان على أن التكبير الأربع يجزاء، لا على أن الزيادة لا تجوز، بدليل ما رُوِيَ عن عليّ، وزيد ﵄. ولا يلزم من وقوع الأربع أخيرًا، أن يكون ناسخًا، لجواز أن يكون لبيان أدنى ما يجزاء، إذ لو كان ناسخًا، لَمَا ساغ لهم بعده الزيادة.
ثم إذا كَبَّر الإمام خمسًا، ينتظر المأموم تسليم الإمام، ولا يسلم قبله في المختار من الرواية عن أبي حنيفة ليصير متابعًا له فيما وجبت المتابعة فيه، إذ البقاء في حرمة الصلاة ليس بخطأ، إنما الخطأ المتابعة في التكبيرة الخامسة. وعنه (^٢): أنه يُسَلِّمُ حين اشتغل إمامه بالخطأ لشرعية التحلل عَقِيبَها بلا فصل، وهذا بناء على تحقيق النسخ.
ولو جاء رجل فوجد الإمام في صلاة الجِنَازة، لا يُكَبِّر عند أبي حنيفة ومحمد
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) أي: عن الإمام أبي حنيفة.
[ ١ / ٤٤٢ ]
ولا يَرْفَعُ اليَدَ إلَّا في التَّكْبيرِ الأَوَّلِ. ويَقُومُ الإِمَامُ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ.
===
حتى يكبر الإمام، فكبر معه. وقال أبو يوسف: يكبر، ولا ينتظر الإمام، كما لو كان حاضرًا في تلك التكبيرة، فإنه لا ينتظر التكبيرة الثانية اتفاقًا لأنه كالمُدْرِك لسائر الصلاة. ولهما (^١): أن كل تكبيرة قائمة مقامَ ركعة، لقول الصحابة: أربع كأربع الظهر. ولذا لو ترك تكبيرة منها، فسدت صلاته. كما لو ترك ركعة من الظهر، فلو لم ينتظر تكبيره، لكان قاضيًا ما فاته قبل أداء ما أدرك معه، وذا منسوخ لِمَا سبق من حديث مُعَاذ.
وثمرة الخلاف تظهر فيمن جاء بعد التكبيرة الرابعة وقبل السلام، فعندهما: لا يدخل مع الإمام، وقد فاتته الصلاة.
وعنده: يدخل. والمسبوق في صلاة الجِنَازة يقضي ما فاته متواليًا بغير دعاء، وإذا رُفِعَتْ الجِنَازة على الأعناق قطع. وقيل: لا يقطع إن كان الجِنَازة إلى الأرض أقرب (^٢) .
(ولا يَرْفَعُ اليَدَ إلاَّ في التَّكْبيرِ الأَوَّلِ) وهو قول الثَّوْرِي. وعن مالك ثلاث روايات: الرفع في الجميع، والترك في الجميع، والرفع في الأول فقط. قال الشافعي، وأحمد: يرفع في الجميع. ولنا: ما روى الترمذي عن أبي هُرَيْرَة: «كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى على الجِنَازة رفع يَديْه في أول تكبيرة، ثم وضع يَدَه اليُمْنَى على اليُسْرَى». واختار كثير من مشايخ بَلْخ: الرفع في كل تكبيرة، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ في «علله»، عن ابن عمر: «أن النبيّ ﷺ كان إذا صلّى على الجِنَازَة، رفع يديه في كل تكبيرة، وإذا انصرف سَلَّمَ». لكن قال الدَّارَقُطْنِيّ: والصواب أنه موقوف على ابن عمر.
قلت: ويقوي ظاهر المذهب ما تقدم من حديث: «لا تُرْفَع الأيدي إلاَّ في سبع مواطن …» (^٣)، الحديث. وقول ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجِنَازة في أول تكبيرة، ثم لا يعود. رواه الدَّارَقُطْنِيّ، وسكت عنه.
(ويَقُومُ الإِمَامُ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ) من الرجل والمرأة في ظاهر الرواية، لقول أبي غالب: «صلّيت خلف أنس على جِنَازة، فقام حِيَال صدره». رواه أحمد. وأما ما في «الصحيحين»: «أنه ﵊ صلّى على امرأة ماتت في نِفَاسها، فقام وسَطَها». فهو لا يُنَافي كونه الصدر، بل الصدر وسط باعتبار الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه، وتحته بطنه وفَخِذَاه. ويحتمل أنه وقف كما قلنا، إلا أنه مال إلى العَوْرة في
_________________
(١) أي: للطرفين: أبي حنيفة محمد.
(٢) عبارة المخطوط: قيل: يقطع إن لم تكن الجنازة …
(٣) تقدم تخريجه ٢٣٨.
[ ١ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين.
ورُوي عن أبي حنيفة: أنه يُحَاذِي رأسه، ويُحَاذي وسطها. وبه قال الشافعي، لمَا روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث نافع - أبي غالب - قال: «كنت في سِكَّة المِرْبَد (^١)، فمرت جِنَازة معها ناس كثير - قالوا: جِنَازة عبد الله بن عُمَيْر - فتبعتها. فإذا أنا برجل عليه كِسَاء رقيق، وعلى رأسه خرقة تقيه من الشمس. فقلت: من هذا الدُّهْقَان؟ - أي الرئيس ـ. فقالوا: أنس بن مالك. فلما وُضِعَتْ الجِنَازة، فصلى عليها، وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، وكبر أربع تكبيرات لم يُطِل، ولم يُسرع، ثم ذهب يقعد فقالوا: يا أبا حمزة: المرأة الأنصارية، فَقَرَّبُوها وعليها نَعْشٌ أخضر، فقام عند عَجِيزَتِها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل، ثم جلس.
فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة: هكذا كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي على الجنازة، يكبر أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل، وعَجِيزَة المرأة؟ قال: نعم. قال أبو غالب: فسألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عَجِيزتها. فحدثوني: أنه إنما كان لأنه لم يكن النُّعُوش، فكان الإمام يقوم حِيَال عجيزتها يسترها من القوم».
ويؤيده لفظ الترمذي، وابن ماجه عن أبي غالب قال: «رأيت أنس بن مالك صلَّى على جِنَازة فقام حِيَال رأسه، فجيء بجنازة أخرى. فقالوا: يا أبا حمزة: صَلِّ عليها، فقام حِيَال وسط السرير».
وفي «المحيط»: لو اجتمع جنائز جاز أن يُصَلَّى عليها صلاة واحدة، بأن يُجْعَل الرجل بين يَدَي الإمام، والصبي وراءه، ثم الخُنْثَى، ثم المرأة، ثم الصبية. لأنهم يقفون حال الحياة في الجماعة هكذا. ولِمَا رَوَى ابن أبي شَيْبَة عن عليّ ﵁ أنه قال: «إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء، جُعِل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القِبْلة. وإذا اجتمع الحُرُّ والعبد، جُعِلَ الحر مما يلي الإمام، والعبد مما يلي القِبْلة». وعن أبي هريرة: «أنه صلى على جنائز رجال ونساء، فقدَّم النساء مما يلي القبلة، والرجال مما يلي الإمام». وعن عثمان وابن عمر، وزيد بن ثابت، ووَاثِلَةِ بن الأَسْقَع ﵃ نحوه.
وروى أبو داود، والنَّسائي، عن عمَّار بن أبي عمَّار قال: «شَهِدت جِنَازة أم كلثوم وابنها. فَجُعِلَ الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك. - وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد،
_________________
(١) المِرْبَد: موقف الإبل. المصباح المنير ص: ٢١٥، مادة (ربد).
[ ١ / ٤٤٤ ]
والأَحَقُّ بالإِمَامَةِ السُّلْطَانُ، ثُمَّ القَاضِي، ثُمَّ إمَامُ الحَيِّ،
===
وأبو قَتَادة، وأبو هريرة - فقالوا: هذه السُّنَّة». وقال النَّوَوي: وسنده صحيح. وفي رواية البَيْهَقِي: «وكان في القوم الحسن، والحُسَيْن، وأبو هريرة، وابن عمر، ونحو من ثمانين من أصحاب رسول الله ﷺ. وفي رواية: «أن الإمام كان ابن عمر، لأنه كان أخاه من أبيه».
قيل: وإن كان حر ومملوك، فكيفما وُضِعَا جاز كما في الوقوف بجماعة، إلاَّ أن الأفضل أن يُجْعَلَ الحرُّ مما يلي الإمام، لِمَا تقدم من حديث عليّ قال: «وإن شاء جعلهما صفًّا واحدًا طولًا كما في حال الحياة». وفيه: أنه يفوته فضيلة سنة الوقوف. وإذا وُضِع واحد خلف آخر، فإن جُعِلَ رأس الآخر أسفل من رأس الأول فحسن. أي قياسًا على النبيّ ﷺ وضَجِيعَيْه (^١) . وإن وُضِعَ رأس كل واحد عند رأس الآخر فحسن، أي نظرًا إلى عدم الفرق بين أهل الفضل وغيرهم. وعليه العمل الآن في الحرمين الشريفين. لكن في «مواهب الرَّحْمَان»: أنه لو صُلِّيَ على جنائز مختلفة جملة، قُدِّمَ الأفضل، فالأفضل إلى الإمام، والحر على العبد في المشهور. ولو جُمِعوا في قبر واحد، يوضعون على عكس ذلك، فَيُقدَّمُ الأفضل فالأفضل إلى القبلة في الرجلين، كما فعل النبيّ ﷺ في قَتْلى أُحُد.
(والأَحَقُّ بالإِمَامَةِ) على الميت (السُّلْطَانُ) أي الخليفة إن حضر. وبه قال مالك، لِمَا رُوِيَ: «أن الحسين بن عليّ قدَّم سعيد بن العاص لَمَّا مات الحسن ﵁ وقال: لولا السنة ما قدمتك». وكان سعيد واليًا بالمدينة. (ثُمَّ القَاضِي) إن لم يحضر السلطان، لأن له ولاية عامة. (ثُمَّ إمَامُ الحَيِّ) لأنه اختاره إمامًا في حياته. وفي «الأصل»: إمام الحَيِّ أوْلَى. ومعناه إن لم يحضر السلطان، ولا من يقوم مقامه. وقال أبو يوسف: الوَلِيُّ أَوْلى كالنكاح - وهو رواية عن أبي حنيفة - وبه قال الشافعي. ولنا: أنَّ تعظيم هؤلاء واجب، وفي التقديم عليهم استخفاف بهم. وفي البخاري: قال الحسن: أدركت الناس، وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه لفرائضهم.
ولو أوْصَى أن يُصَلِّي عليه فلان - وهو غير السلطان، والقاضي، وإمام الحيّ، والوَلِيّ - فالوصية جائزة، ويؤمر فلان بالصلاة لأنها لقضاء حق الميت، فمن رَضِيَ إمامته كان أحق بها. وقد أوصى عمر أن يُصَلِّي عليه صُهَيْب، وأوْصَت أُمُّ سَلَمَة أن يُصَلِّي عليها سعيد بن زيد، - أحد العشرة المُبَشَّرَة ـ، وأوصى أبو بكر أن يُصَلِّي عليه أبو بُرْدَة. وأوصت عائشة ﵂ أن يُصَلِّي عليها أبو هريرة، وأوصى ابن مسعود أن يُصَلِّي عليه الزُّبَيْر. فلا يُلْتَفَتُ إلى ما في «المُنْتَقى» من أن الوصية باطلة. وقال
_________________
(١) أي: أبي بكر وعمر.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ثُمَّ الوَلِيُّ، كَمَا في العَصَبَات ويَصِحُّ، فإنْ صَلَّى غَيْرُهُمْ يُعِيدُ الوَلِيُّ إنْ شَاءَ، ولا يُصَلِّي غَيْرُهُ بَعْدَهُ.
===
الصدر الشهيد: وعليه الفتوى.
(ثُمَّ الوَلِيُّ كَمَا في العَصَبَات) فيُقَدَّم بنو الأعيان - وهم الأخوة لأبوين - على بني العَلاَّت - وهم الأخوة لأب (^١) ـ، ويُقَدَّم الابن على الأب. وذكر محمد في كتاب الصلاة: أن الأب مُقَدَّم. فقيل: هو قول محمد فقط. وقيل: قول الكل. وفي «المحِيط»: هو الأصِحّ، لأن للأب فضيلة، ولها أثر في استحقاق الإمامة، ويؤيده قوله ﵊ في القَسَامة: «ليتكلم أكبركما» (^٢) .
(ويَصِحُّ) الإذن بالصلاة عليها ممن له التقدم، لأن التقدم حقه، فيملك إبطاله بتقديم الغير. (فإنْ صَلَّى غَيْرُهُمْ) أي غير هؤلاء الذين ذُكِرُوا من السلطان، والقاضي، وإمام الحيّ، والوَلِيّ (يُعِيدُ الوَلِيُّ إنْ شَاءَ) لأن الولاية في الحقيقة له. وإذا كان للولي أن يُعِيدَ إذا صلّى غيرهم، كان لمن يتقدم على الوَلِي أن يعيد أيضًا. وهذا إذا لم يَرْضَ به، فلو تابعه وصلَّى معه فلا يعيد. وفي «القُنْيَة»: ليس لمن صلى عليها أنْ يُصَلِّي مع الوَليّ مرة أخرى.
(ولا يُصَلِّي غَيْرُهُ) أي غير الوَلِي (بَعْدَهُ) أي بعد صلاة الوَلِيّ ولو صَلَّى وحده، وبه قال مالك. وفي «شرح الكَنْز»: وكذا بعد صلاة إمام الحيّ، وبعد كل من يتقدم على الولي، لأن الفرض تأدَّى بالأولى، والتَّنَفُّلُ بها غير مشروع. وأجازه الشافعيّ لِقول أبي هريرة: «إنَّ رجلًا أسود كان يَقُمُّ (^٣) المسجد. فسأل النبيُّ ﷺ عنه فقالوا: مات. فقال: أفلا آذَنْتُمُونِي؟ دُلُّوني على قبره. فأتى على قبره، فصلّى عليه». ولقول ابن عباس: «أنَّ النبيّ ﷺ أتى على قبر منبوذ، فصفهم عليه، فكبَّر أربعًا» (^٤) . رواهما الشيخان.
ولقول يزيد بن ثابت - أخي زيد، وكان أكبر منه ـ: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فَلَمَّا وردنا البقيع إذا هو بقبر. فسأل عنه، فقالوا: فلانة، فعرفها. فقال: أَلَا آذَنْتُمُونِي (بها) (^٥)؟، قالوا: كنت قائلًا صائمًا. قال: فلا تفعلوا، لا أَعْرِفَنَّ ما مات منكم ميت ما
_________________
(١) في المخطوط: الإِخوة لأم، والمثبت من المطبوع، وهو الصواب.
(٢) لم نجده.
(٣) في المطبوع: يقيم، والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في الصحيحين. ومعنى يَقُمُّ: يَكْنُس. المصباح المنير ص: ٥١٦، مادة (قَمَّ).
(٤) في المطبوع زيادة في الحديث، وما أثبتناه لفظ المخطوط وهو الأوفق لما في الصحيحين.
(٥) ما بين الحاصرتين من "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" ٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧، كتاب الجنائز، حديث رقم (٣٠٨٧).
[ ١ / ٤٤٦ ]
ومَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فَدُفِنَ، صُلِّيَ مَا لَمْ يُظَنَّ تَفَسُّخُه. ولَمْ تَجُزْ رَاكِبًا. وكُرِهَتْ في مَسْجِدٍ،
===
كنتُ بين أظهركم إلاَّ آذَنْتُمُوني به، فإن صلاتي عليه رحمة. ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبَّر عليها أربعًا». رواه ابن حِبَّانٍ وصححه، والحاكم وسكت عنه. ولصلاة الصحابة على النبيّ ﷺ فوجًا بعد فوج.
قلنا: كان له حق التقدم في الصلاة لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^١) وللولي حق الإعادة. أو كانت من خَوَاصِّه ﷺ ولقول سعيد بن المُسَيَّب: «إن أم سعد - يعني ابن عُبَادة - ماتت والنبيّ ﷺ غائب، فَلَمَّا قَدِمَ صلى عليها وقد مضى لذلك شهر». قال البَيْهَقِي: هو مرسل صحيح. وقد رُوِي موصولًا عن ابن عباس، والمشهور هو المرسل. «ولصلاة النبيّ ﷺ على قَتْلَى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات». رواه أبو داود. وكذلك صلاة الصحابة عليه أفواجًا كانت من الخواص، وإلاَّ لكان يُصَلَّى على قبره إلى قيام الساعة. لأنه ﷺ كما وُضِع، لِمَا صَحَّ «أن لحوم الأنبياء مُحَرَّمةٌ على (^٢) الأرض». ولم يشتغل بها أحد من العلماء والصُّلَحاء الراغبين في التقرب إليه ﷺ فكان دليلًا ظاهرًا على عدم مشروعية التَّنَفُّلِ بها.
(ومَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فَدُفِنَ) بعد غسله أو تيممه (صُلِّيَ) على قبره إقامة للواجب بقدر الإمكان (مَا لَمْ يُظَنَّ تَفَسُّخُه) على الصحيح لأنه يختلف باختلاف الزمان: حَرًّا أو بَرْدًا. والمكان: رَخَاوةً وصلابةً. وحال الميت: سُمْنًا وهُزَالًا. فيعتبر فيه أكبر الرأي. ويُرْوى عن أئمتنا: أنه يُصَلَّى عليه إلى ثلاثة أيام.
(ولَمْ تَجُزْ) الصلاة على الجِنَازة حال كون المُصَلِّي (رَاكِبًا) من غير عذر. وكذا إذا كان الميت على الدابة، أو على أيدي الرجال، لأن الميت بمنزلة الإمام، ولذا يُقَدَّمُ، وكذا لا يجوز إذا كان المُصَلِّي قاعدًا مع القدرة على القيام
(وكُرِهَتْ) الصلاة على الجِنَازة عندنا وعند مالك (في مَسْجِدٍ) غير مُعَدَ لصلاة الجِنَازة كراهة تحريم في رواية، وتنزيهًا في أخرى، واختارها بعض المحققين. وقال الشافعي: لا يُكْره لِمَا في مسلم، عن أبي سَلَمة، عن عائشة أنها قالت لَمَّا تُوُفِّي سعد
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: (٦).
(٢) سنن أبي داود ١/ ٦٣٥، كتاب الصلاة (٢)، باب فضل يوم الجمعة … (٢٠٠ - ٢٠١)، رقم (١٠٤٧): بلفظ "إن الله ﷿ حرم على الأرض أجساد الأنبياء".
[ ١ / ٤٤٧ ]
ولَوْ وُضِعَ المَيِّتُ خَارِجَهُ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ.
===
بن أبي وَقَّاص: «أدخُلُوا به المسجد حتى أُصَلِّيَ عليه، فأُنْكِرَ ذلك عليها. فقالت: والله لقد صلَّى النبيّ ﷺ على ابنَيْ بيضاء في المسجد: سُهَيْلٍ وأخيه».
ولنا: ما أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار»، عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﷺ قال: «من صلّى على جِنَازة في مسجد فلا شيء له». ورواه أبو داود، وابن ماجه، عن أبي ذُؤَيْب، عن صالح - مولى التَّوْأَمة - عن أبي هريرة. ولفظ ابن ماجه: «فليس له شيء». وفي رواية: «فلا شيء عليه». وفي رواية: «فلا أجر له». ورواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» بلفظ: «فلا صلاة له». قال ابن عبد البَرّ: رواية: «فلا أجر له» خطأ فاحش. والصحيح: «فلا شيء له». وصالح مولى التَّوْأَمة مختلف في ضعفه.
قال الطحاوي: وهذا أوْلى من حديث عائشة، لأن حديثها إخبار عن فعل رسول الله ﷺ في حال الإباحة التي لم يتقدمها نهي، وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله ﷺ الذي تقدمته الإباحة، فصار حديث أبي هريرة أوْلى من حديث عائشة، لأنه ناسخ له.
وفي إنكار من أنكر ذلك على عائشة - وهم يومئذ أصحاب رسول الله ﷺ دليل على أنهم قد عَلِمُوا في ذلك خلاف ما قد عَلِمَتْ، ولولا ذلك لَمَا أنكروا عليها. انتهى. ولأن صلاته ﵊ على ابني بيضاء في المسجد: سُهَيْل وأخيه، واقعةُ حالٍ، لا عموم لها، فتجوز أن تكون لضرورة كونه مُعْتَكِفًا ونحوه، أو لبيان الجواز.
وأمَّا ما ثبت أنه صُلِّيَ على أبي بكر وعمر في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شَهِدُوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل على الجواز، كما ذكره الخَطَّابِي، فجوابه: أن صلاتهم عليهما في المسجد كانت لعارض دفنهما عند رسول الله ﷺ والله سبحانه أعلم.
(ولَوْ وُضِعَ المَيِّتُ خَارِجَهُ) أي خارج المسجد، وقام الإمام خارجه ومعه صف، والباقي في المسجد (اخْتَلَفَ المَشَايِخُ) فقيل: لا يُكْرَه، لأنه ليس فيه احتمال تلويث المسجد. وقيل يُكْرَه، لأن المسجد أُعِدَّ لأداء المكتوبات، فلا يُقَام فيه غيرها إلاَّ لعذر. والأول أظهر، لأنه لا يُكْرَه النوافل وغيرها من أنواع الطاعات وأصناف الدعاء. وأمَّا المسجد الحرام فَمُسْتَثْنَى، كما صَرَّح به ابن الضياء إذ هو موضوع لأداء المكتوبات، والجمعة، والعيدين وصلاة الكسوف والخسوف، وصلاة الجِنَازة والاستسقاء، ولعله
[ ١ / ٤٤٨ ]
وسُنَّ في حَمْلِ الجِنَازَةِ أرْبَعَةٌ،
===
بهذا المعنى جُمِع في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (^١) أو لكِبَرهِ وسعة قدره، أو لتعظيم أمره، أو لاشتماله على جهات، كل جهة بمنزلة مسجد، أو لأنه قِبْلة المساجد كلها.
ولا يُصَلَّى عندنا - وفي ظاهر مذهب مالك - على غائب، وعُضْوٍ عُلِمَ موت صاحبه، إلاَّ أن يوجد أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه. لا مطلقًا كما قال الشافعي، معللًا بأنها دعاء، فتجوز بلا قيد حضوره، ولا وجود أكثر بدنه. كيف وقد روى الشيخان، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المُصلَّى، فصف بهم، وكبّر عليه أربع تكبيرات».
قلنا: كان ذلك من خصائصه، بدليل عدم صلاته على الغائبين من أصحابه مع شدة حرصه على الصلاة عليهم لِمَا روينا. وهذا الخلاف مبني في الحقيقة على منع تعدد الصلاة عليها وعدمه.
(وسُنَّ في حَمْلِ الجِنَازَةِ أرْبَعَةٌ) من الرجال، لِمَا رَوَى محمد في «الآثار»، عن أبي حنيفة، عن منصور بن المُعْتَمِر، عن عُبَيْد بن نِسْطَاسٍ (^٢)، عن أبي عُبَيْدَة، عن أبيه، عبد الله بن مسعود أنه قال: «من السُّنَّةِ حمل السرير بجوانبه الأربع». ورواه أبو داود الطَّيَالسِي، وابن أبي شَيْبَة، وعبد الرَّزَّاق، عن شُعْبَة، عن مَنْصُور ولفظهما: «فليأخذ بجوانب السرير الأربع». ورواه ابن ماجه بلفظ: «من اتَّبَعَ جِنَازة، فليأخذ بجوانب السرير الأربع كلها، فإنه من السُّنَّة. فإن شاء فليتطوع، وإن شاء فليَدَعْ». ولقول علي الأزْدِيّ: «رأيت ابن عمر في جِنَازة فحمل بجوانب السرير الأربع». ولقول أبي هريرة: «(من حمل الجِنَازة بجوانبها الأربع، فقد قضى الذي عليه». رواهما عبد الرَّزَّاق. وورد:) (^٣) من «حمل الجِنَازة بجوانب السرير الأربع، غُفِرَ له أربعون كبيرة». رواه ابن عساكر، عن واثلة.
ولا يُسَنُّ ثلاثة كما قاله الشافعي بأن يضع الخشبتين المقدَّمَتَين على عاتقيه ورأسه بينهما، ويحمل المؤخَّرَتَين رجلان. وهذا أفضل من التَّرْبيع في الأصح من
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: (١٨).
(٢) في المخطوط بطاس، والمثبت من المطبوع، وهو الصواب لموافقته لما في سنن ابن ماجه ١/ ٤٧٤، كتاب الجنائز (٦)، باب ما جاء في شهود الجنائز (١٥)، رقم (١٤٧٨).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وأنْ تَضَعَ مُقَدَّمَهَا الأَيْمَن، ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ كَذَا عَلَى يَسَارِكَ. ويُشرِعُونَ بِهَا بلا خَبَبٍ
===
مذهبه، «لأن النبيّ ﷺ حمل جِنَازة سعد بن مُعَاذ من بيته بين العمودين حتى خرج به من الدار» (^١) . قال النَوَوِي: ورواه الشافعي بسند ضعيف. ورواه الواقدي وقال: والدار يكون ثلاثين ذراعًا. «ولأن عمر حَمَل بين عموديْ سريرٍ أُسَيْدَ بن حُضَيْر حتى وضعه بالبقيع، وصَلَّى عليه». و«حسن بن حسن بن علي فعل كذلك في سرير جابر بن عبد الله». رواهما الطَّبَرَانِي في مطولين.
وروى البَيْهَقِي في «المعرفة» من طريق الشافعيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: «رأيت سعد بن أبي وَقَّاص في جِنَازة عبد الرحمن بن عوف، واضعًا السرير على كاهله (^٢)، قائمًا بين العمودين المقدمين». ونحوه عن عثمان بن عفان، وابن عمر في سرير رافع بن خَدِيج، و«حَمَل أبو هريرة بين عَمُودَي سرير سعد بن أبي وقَّاص». و«حمل ابن الزبير بين عموديْ سرير المِسْوَر بن مَخْرَمة». قلنا: هذه موقوفات، والمرفوع منها ضعيف. ثم هي وقائع أحوال، فاحتمل أن يكون للسنة، أو لعارض اقتضى ذلك في خصوص تلك الأوقات.
(وأنْ تَضَعَ مُقَدَّمَهَا الأَيْمَن ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا) الأيْمَن (عَلَى يَمِينِكَ) أتى بلفظ الخطاب تبعًا لأبي حنيفة فإنه خاطب أبا يوسف هكذا. (ثُمَّ كَذَا) تضع مقدمها الأيسر ثم مؤخرها الأيسر (عَلَى يَسَارِكَ) لِمَا روى ابن ماجه من حديث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه قال: «إذا تَبِعَ أحدكم الجنازة، فليأخذ بجوانب السرير الأربع، ثم لَيَتَطَوَّعْ بَعْدُ - أي بالزيادة - أو لِيَذَرْ». - أي ليترك ـ
(ويُسْرِعُونَ بِهَا) لقول النبيّ ﷺ «أسرعوا بالجِنَازة، فإن تَكُ صالحة، فخيرٌ تُقَدِّمونها إليه، وإن تك غير ذلك، فشرٌّ تضعونه عن رقابكم». متفق عليه.
(بلا خَبَبٍ) وهو ضرب من العَدْوِ. وقيل: هو كالرَّمَل. ولو مَشَوا بالخَبَبِ كُرِه، لقول ابن مسعود: «سألنا رسول الله ﷺ عن المَشْي مع الجِنَازة فقال: دون الخَبَبِ، إن يكن خيرًا، تُعَجَّلُ إليه، وإن يكن غير ذلك، فبعدًا لأهل النار، والجنازة متبوعة، ولا تَتْبَع. ليس مِنَّا (^٣)
من تَقَدَّمها». وضَعَّفَه البخاري، ورواه أحمد، وابن أبي شَيْبَة، وإسحاق
_________________
(١) في المخطوط: البلد، والمثبت من المطبوع.
(٢) الكاهل من الإنسان: ما بين كتفيه. المعجم الوسيط ص: ٨٠٣، مادة (كهل).
(٣) في المطبوع والمخطوط: ليس معها …، وما أثبتناه من مسند أحمد ١/ ٣٩٤، ٤١٥، ٤١٩.
[ ١ / ٤٥٠ ]
والمَشْيُ خَلْفَهَا أَحَبُّ
===
بن رَاهُويه، وأبو يَعْلَى في مسانيدهم. وقد روى ابن ماجه: «الجِنَازة متبوعة، وليست بتابعة، ليس معها من تقدَّمها».
(والمَشْيُ خَلْفَهَا أَحَبُّ) وهو مذهب الأَوْزَاعِيّ. وقال الثَّوْرِيّ وطائفة: هما سواء. وقال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل: قُدَّامها أفضل.
لنا ما قدمنا، وقوله ﵊: «لا تَتْبَع الجِنَازَة بصوت، ولا نار، ولا تمشِ بين يديها». رواه أبو داود، وأحمد، وذكره الدَّارَقُطْنِيّ وعلّله بما فيه من الاختلاف. وقول أبي أُمَامَة: «إن رسول الله ﷺ مشى خلف جِنَازة ابنه إبراهيم حافيًا». رواه الحاكم، وسكت عنه. وما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى على جِنَازة، فله قِيرَاط (^١)، ومن تبعها حتى توضع في القبر، فله قيراطان».
وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: «ما مشى رسول الله ﷺ حتى مات - إلا خلف الجِنَازة». وروى أيضًا هو، وابن أبي شَيْبَة، عن عبد الرحمن بن أبْزَى قال: «كنت في جِنَازة وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وعليّ يمشي خلفها.
فقلت لعليّ: أراك تمشي خلف الجِنَازَة، وهذان يمشيان أمامها. قال عليّ: لقد علمنا أنّ فضل المشيُ خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على الفَذِّ لكنهما أحَبَّا أن يُيَسِّرا على الناس».
وعن أبي أُمَامَة قال: «سأل أبو سعيد الخُدْرِيّ عليّ بن أبي طالب: المشيُ خلف الجنازة أفضل، أم أمامها؟ فقال عليّ: والذي بعث محمدًا بالحق، إن فضل الماشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع. فقال له أبو سعيد: أَبِرأيك تقول، أم بشيء سمعته من رسول الله ﷺ فغضب، فقال: لا والله، بل سمعته غير مرة ولا اثنين ولا ثلاثة حتى عدَّ سبعًا. فقال أبو سعيد، إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها، فقال عليّ: يغفر الله لهما، لقد سمعا ذلك من رسول الله ﷺ كما سمعته. إنهما والله لخير هذه الأمّة، ولكنهما كَرِهَا أن يجتمع الناس، ويتضايقوا، فأحبَّا أن يُسَهِّلا على الناس».
_________________
(١) القيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عُشْره في أكثر البلاد. النهاية: ٤/ ٤٢. والمقصود هنا قيراط من الأَجر. ويوضح مقدار هذا القيراط من الأجر قوله - ﷺ - عندما سُئِل: وما القيراط؟ قال: "مِثْلُ أُحُد. وفي رواية سُئلَ: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجَبَلَيْن العظيمين". صحيح مسلم ٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣، كتاب الجنائز (١١)، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها (١٧)، رقم (٥٤ - ٩٤٥) و(٥٢ - ٩٤٥).
[ ١ / ٤٥١ ]
وكُرِهَ الجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا.
ويَلْحَدُ القَبْرُ
===
رواه عبد الرزاق (^١) . وأعلّه ابن عَدِيّ في «الكامل» بمُطَّرِح - من رواته - وقال ابن مَعِين: الضعف على حديثه بيّن.
وعن نافع قال: «خرج عبد الله بن عمر في جِنَازة - وأنا معه - فقلت: يا أبا عبد الرحمن: كيف السُّنَّة في المشي مع الجِنَازة، أمامها أو خلفها؟ فقال: ويحك نافع، أما تراني أمشي خلفها؟». رواه الطَّبرانِيّ. ولأن المَشْي خلفها أوْعَظ، فإنه ينظر إليها، ويتفكّر في حال نفسه لديها، ويتذكر أنه من اللاحقين للسابقين، ولأنه ربما يُحْتَاج إلى التعاون في حملها.
وللشافعي، ومن وافقه ما في السنن الأربع، عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْرِيّ، عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى النبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر يمشيان أمام الجِنَازة». إلاَّ أن عبد الرزاق قال: أخبرنا مَعْمَر عن الزُّهْرِي قال: «كان النبي ﷺ ..»، فذكره مرسلًا. وأسند الترمذي إلى ابن المبارك: أن حديث الزُّهْرِي هذا مرسلًا، أصح من حديث ابن عُيَيْنَة. ولأن أبا هريرة، وأبا قَتَادة، وابن عمر، وأبا أُسَيْد كانوا يمشون أمام الجِنَازة. ولأنهم شفعاء، والشفيع يتقدم ليمهِّد المقصود.
وقال مالك: تُقَدَّمُ على الرُّكَّاب دون المشاة، لِمَا في السنن الأربعة، عن المُغِيرَة بن شُعْبَة قال: قال رسول الله ﷺ «الراكب يسير خلف الجِنَازة، والماشي أمامها، قريبًا منها، عن يمينها أو عن يسارها». ويُكْرَه رفع الصوت بالذكر مع الجِنَازة لأنه بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ بعد النبيّ ﷺ
(وكُرِهَ الجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا) - أي عن أعناق الرجال - موافقة لهم، واستعدادًا لإعانتهم. فإذا وُضِعَتْ على الأرض فلا بأس بالجلوس، ويُحْفَرُ القبر نصف القامة، أو إلى الصدر، وإن زِيدَ كان حسنًا، لأنه أبلغ في منع الرائحة، ودفع السِّبَاع.
(ويُلْحَدُ القَبْرُ) أي يُحْفَرُ حفرة في جانبه - وهو السنة في الدفن - إذا كانت الأرض صلبة. ويكون في الجانب الذي يلي القِبْلة، فيوضع الميت فيه. ولا يُشَقُّ: وهو أن يحفر حفرة في وسط القبر، فيوضع فيه الميت، ويُسَمَّى الضَّرْح. ولا بأس به في
_________________
(١) أورده المؤلف هنا مختصرًا تبعًا للزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ٢٩١، وقد أخرجه عبد الرزاق كاملًا في مصنفه ٣/ ٤٤٧، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة، رقم (٦٢٦٧).
[ ١ / ٤٥٢ ]
ويُدْخَل فِيهِ مِمَّا يَلِي القِبْلَة،
===
الأرض الرخوةِ لِمَا في السنن الأربع، عن عبد الأَعْلَى، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «اللحد لنا - أي معشر أهل المدينة ونحوهم - والشَّقُّ لغيرنا» أي لأهل مكة وأمثالهم. قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وعبد الأَعْلَى فيه مقال بالاضطراب. وعن جَرِير بن عبد الله البَجَلِيّ مرفوعًا نحوه سواء. رواه أحمد، وابن ماجه، وابن أبي شَيْبَة وغيرهم. وفي رواية لابن ماجه: «احْفِرُوا، ووسِّعُوا، وأَحْسِنُوا».
واخْتَلَفُوا في عُمْقِهِ. فقيل: قدر نصف القامة. وقيل: إلى الصَّدْرِ، وإن زادوا فحسن. ولِمَا رَوَى ابن ماجه من حديث أنس بن مالك قال: «لمَّا تُوُفِّي النبيّ ﷺ كان بالمدينة رجل يَلْحَدُ والآخر يَضَرَح. فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيُّهما سبق تركناه. فأُرْسِل إليهما، فسبق صاحب اللَّحْد، فلحدوا للنبيّ ﷺ. ومن حديث عائشة ﵂: «لمَّا مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشَّقِّ حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم. فقال عمر: لا تَصِيحوا عند رسول الله ﷺ حيًّا ولا ميتًا، أو كلمة نحوها. فأرسلوا إلى الشَّاقِّ واللاَّحد، فجاء اللاَّحد، فلَحَد لرسول الله ﷺ ثم دُفِنَ».
ومن حديث ابن عبَّاس قال: «لَمَّا أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ وكان أبو عُبَيْدَة بن الجراح يَضْرَح: أي يشق - كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة وزيد بن سهل يحفر لأهل المدينة، وكان يَلْحَدُ، فدعا العباس رجلين. فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عُبَيْدة، وللآخر: اذهب إلى أبي طَلْحة. اللهم خِرْ لرسولك. فوجد صاحب أبي طَلْحَة أبا طلحة. فجاء به، فَلَحَدَ لرسول الله ﷺ.
«فَلَمَّا فُرِغَ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، وُضِعَ على سريره. وقد كان المسلمون اختلفوا في موضع دفنه. فقال قائل: ندفنه في مسجده. وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قُبِض نبي إلاَّ دُفِنَ حيث قُبِضَ». فرُفِعَ فراش رسول الله ﷺ الذي تُوُفِّيَ فيه، فَحُفِرَ تحته، ثم دُعِيَ الناس لرسول الله ﷺ يصلُّون عليه أرسالًا: الرجال حتى إذا فُرِغَ منهم، أُدْخِلَ النساء، حتى إذا فُرِغَ من النساء، أُدْخِلَ الصّبيان. ولم يَؤُمَّ الناس على رسول الله ﷺ أحدٌ. فدُفِن ﷺ من وسط الليل ليلة الأربعاء. ونزل في حفرته عليّ بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقُثَم أخوه، وشُقْرَان مولى رسول الله ﷺ.
(ويُدْخَلُ) الميت (فِيهِ) أي في اللحد (مِمَّا يَلِي القِبْلَة) بأن توضع الجِنَازة
[ ١ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على جنب القبلة، ثم يحمل منه إلى اللحد. فيكون الآخذ له مستقبل القِبْلة حال الأخذ. وبه قال كثير من أصحاب مالك لقول ابن عباس: «إن النبيّ ﷺ دخل قبرًا ليلًا، فأُسْرِجَ له بِسِراجٍ، فأخذ الميت من قِبَلِ القبلة. وقال: رحمك الله، إن كنت لأوَّاهًا تاليًا للقرآن. وكَبَّر عليه أربعًا». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وأُنْكِرَ عليه، لأن مداره على الحجَّاجَ بن أَرْطاة، وهو مدلِس. ولم يَذْكُر سَمَاعًا. وضعَّف ابن مَعِين من رواته مِنْهَال بن خَلِيفَة. إلاَّ أن هذا يَحُطُّ الحديث عن درجة الصحة لا الحسن. ولِمَا روى ابن أبي شَيْبَة عن عمير (^١) بن سعيد: «أن عليًا كَبَّرَ على يزيد بن المكفف أربعًا، وأدخله من قِبَلِ القِبْلَةِ».
(وعن ابن الحنفية: «أنه وَلِيَ ابنَ عباسٍ فكبَّر عليه أربعًا وأدخله من قِبَلِ القبلة») (^٢) . وعن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن إبراهيم النَّخَعِي: «أن النبيّ ﷺ أُدْخِل من قِبَل القبلة، ولم يُسَلّ سَلاًّ، ورُفِعَ قبره حتى يُعْرَف». رواه أبو داود في «المراسيل». وعن أبي سعيد: «أنَّ رسول الله ﷺ أُخِذَ من قِبَل القِبلة، واسْتُقْبِل استقبالًا». رواه ابن ماجه في «سننه». وروى أبو داود، عن ابن مسعود، وبُرَيْدَة، وابن عباس: «أن النبيّ ﷺ أُدْخِل من قبل القبلة، ولم يُسَلّ سلاًّ».
وقال الشافعي، وأحمد: يُسَلُّ، بأن يوضع السرير في مؤخر القبر، حتى يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر، ثم يُدْخَلُ رأس الميت القبر، ويُسَلُّ كذلك، أو تكون رجلاه موضع رأسه، ثم يُدْخل رجلاه، ويُسَلُّ كذلك. وقد قيل: بكل منهما. والمرويّ للشافعي الأول. قال: أخبرنا الثقة، عن عمر بن العطاء، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: سُلَّ رسول الله ﷺ من قِبَل رأسه. ورَوى عن عِمْرَان بن موسى: «أن رسول الله ﷺ سُلَّ من قِبَل رأسه، وكذلك أبو بكر، وعمر».
ورَوَى أبو عمر بن شاهين في «كتاب الجنائز»، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «يُدْخَلُ الميت من قبل رجليه، ويُسَلُّ سلاًّ». وروى ابن أبي شَيْبَة، عن ابن سِيرِين قال: «كنت مع أنس في جِنَازة، فأمر بالميت، فأُدْخِلَ من قبل رجليه. وعن
_________________
(١) حُرِّفت في المطبوعة والمخطوطة إلى: عمر. والصواب ما أثبتناه من مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٣٢٨، كتاب الجنائز، مَن أدخل ميتًا من قبل القبلة.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المخطوط.
[ ١ / ٤٥٤ ]
ويَقُولُ وَاضِعُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ويُوَجَّهُ إلى القِبْلَةِ. وتُحَلُّ العُقْدَةُ ويُسَوَّى
===
ابنِ عمر: أنه أَدْخَلَ ميِّتًا من قبل رجليه. وروى أبو داود: «أنَّ الحارث أوْصى أن يُصَلِّي عليه عبد الله بن زيد، فصلّى عليه، ثم أدخله القبر من عند رِجْلِ القبر، وقال: هذا من السنة».
(ويَقُولُ وَاضِعُهُ) في قبره (بِاسْمِ اللَّهِ) وبالله (وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ لقول ابن عمر: «كان النبيّ ﷺ إذا أدخل الميت القبر قال: باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله ﷺ. رواه ابن ماجه. وكذا الترمذي وزاد بعد «باسم الله»: «وبالله». وقال: حسن غريب من هذا الوجه. ورواه أبو داود من طريق آخر بدون الزيادة. وكذا الحاكم ولفظه: «وإذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا: باسم الله، وعلى مِلَّة رسول الله». وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخَرِّجاه. ورواه ابن حِبَّان في صحيحه. وأمَّا قول صاحب «الهداية»: وكذا قال ﵊ حين وضع أبا دُجَانة، فهو غلط. لأن أبا دُجَانة كان حيًا بعد رسول الله ﷺ واستشهد يوم اليَمَامة في خلافة أبي بكر الصديق. ولعله اشتبه على الكاتب فصحَّف ذا البِجَادَين (^١) بأبي دُجَانة. ومع هذا لم يثبت أنه ﵊ لَقَّنَه هذا الكلام، وإنما نزل رسول الله ﷺ حفرته، وأبو بكر وعمر يُدْلِيَانه، وهو يقول: «أَدْلِيا (^٢) إليَّ أخاكما فَدَلَّيَاه له، فلما هيَّأه لشقه، قال: اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه» قال عبد الله بن مسعود: وقد شاهدت ذلك، يا ليتني كنت صاحب الحفرة. ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البَرِّ في «الاستيعاب». والله الموفق للصواب.
(ويُوَجَّهُ) أي يجعل وجهه فيه (إلى القِبْلَةِ) على جنبه الأيمن لِمَا روى أبو داود، والنَّسائي، عن قَتَادة اللَّيْثي - وكانت له صحبة - «أن رجلًا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: هي تسع، فذكر منها استحلال البيت الحرام، ثم قال: قبلتكم أحياء وأمواتًا». ورواه الحاكم في «المُسْتَدْرَك»، وقال: قد احتج الشيخان برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سِنَان.
(وتُحَلُّ العُقْدَةُ) لحصول الأمن مما عُقِدَت لأجله (ويُسَوَّى) على اللحد
_________________
(١) ذو البِجَادَين هو: عبد الله بن عبد نهم المُزَني. الإِصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٩٨)، وقد ذكر سبب تسميته بذي البِجَادين فانظره. والبجاد: كساء مُخطّط من أكسية الأعراب. لسان العرب ٣/ ٧٧، مادة (بجد).
(٢) في المخطوط: أدينا.
[ ١ / ٤٥٥ ]
اللّبِنُ والقَصَبُ ويُسَجَّى قَبْرُهَا لا قَبْرُهُ وكُرِهَ الآجُرُّ والخَشَبُ ويُهَالُ التُّرَابُ ويُسَنَّمُ القَبْرُ.
===
(اللّبِنُ) وهو الطُّوب النِّيء (والقَصَبُ) أو الإِذْخِر (^١) . أمّا اللَّبِن فلِمَا في «صحيح مسلم»، عن عامر بن سعد بن أبي وَقَّاص، عن أبيه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «الْحَدُوا لي لَحدًا، وانْصِبُوا عليَّ اللّبِن نصبًا، كما صُنِعَ لرسول الله ﷺ.
وفي «شرح مسلم»: نقلوا أن عدد لَبِنَات لحده ﵊ تسع. وأمَّا القَصَبُ فلما روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، عن الشَّعْبِي: «أن النبيّ ﷺ جُعِلَ على قبره طُنٌّ من قصب». والطُّنُّ بضم المهملة وتشديد النون: حُزْمَة القصب. وهو مرسل. وروى ابن سعد عن أبي إسحاق قال: «أوصى أبو مَيْسَرة عمرو بن شُرَحْبِيل الهَمْدَانيّ أن يُجْعَل على لحده طُنٌّ من قصب. وقال: إني رأيت المهاجرين يستحبون ذلك. قال: فضمُّوا أربعةَ - هَوَادِي (^٢) بعضها إلى بعض وجعلوها لحدًا».
(ويُسَجَّى (^٣) قَبْرُهَا) بثوب، لأن ابن عمر كان يغطي قبر المرأة و(لا) يُسَجَّى (قَبْرُهُ) خلافًا للشافعي، لأن عليًّا مر بقوم قد دفنوا ميتًا وبسطوا على قبره الثوب فجذابه، وقال: «إنما يُصْنَع هذا بالنساء».
(وكُرِهَ الآجُرُّ) وهو الطُوب المطبوخ. (والخَشَبُ) لأنها لإِحْكَام البناء، فلا يكونان في بيت البلاء. لأن الآجُرَّ مسّته النار والخشب مُعَدٌّ لها. ولما رُوِيَ عن ابن عمرو بن العاص أنه قال: «لا تجعلوا في قبري خشبًا ولا حَجَرًا». ولما روى ابن ماجه: «أنه ﵊ نهى عن تجصيص القبور».
(ويُهَالُ التُّرَابُ) أي يصب عليه للتوارث (ويُسَنَّمُ (^٤) القَبْرُ) عندنا. لما روى البخاري تعليقًا، عن سفيان التمَّار: «أنه رأى قبر النبيّ ﷺ مُسَنَّمًا». وروى ابن أبي شيبة عن سُفْيَان التمَّار، قال: «دخلت بالبيت الذي فيه قبر النبيّ ﷺ فرأيت قبر النبيّ ﷺ وأبي بكر، وعمر مُسَنَّمَة». وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم قال: «أخبرني من رأى قبر النبيّ ﷺ وقبر أبي بكر، وعمر ناشزة (^٥) من الأرض، عليها فِلَق (^٦) من مَدَرٍ (^٧) أبيض». وروى ابن شاهين بسنده إلى جابر قال:
_________________
(١) الإِذْخِر: سبق شرحها ص: ٣١٥، التعليقة رقم: (٢).
(٢) يقال: هوادي الخيل: أوائلها، وهوادي الليل أوائله. لسان العرب ١٥/ ٣٥٧.
(٣) يُسَجَّى: أي يُغَطَّى. المعجم الوسيط ص: ٤١٨، مادة سجا.
(٤) يُسَنَّمُ: أي يُرْفَعُ عن الأرض. المصباح المنير ص: ١١١، مادة (سَنَّم).
(٥) ناشزة: أي مرتفعة. المصباح المنير ص: ٦٠٥، مادة (نشز).
(٦) الفِلَق: جمع الفِلْقَة وهي القطعة. المعجم الوسيط ص: ٧٠١، مادة (فلَق).
(٧) المَدَر: الطِّين اللَّزِج المتماسك. المعجم الوسيط، ص: ٨٥٨، مادة (مدر).
[ ١ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
«سألت ثلاثة - كلهم له في قبر النبيّ ﷺ أبٌ - سألت أبا جعفر محمد بن عليّ، وسألت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد الله. قلت: أخبروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة، فكلهم قالوا: إنها مُسَنَّمَة».
ويُكْرَه التَّرْبيع عندنا. ويُسَنّ عند مالك والشافعي لِمَا في «صحيح مسلم»، عن أبي الهَيَّاج الأَسَدِي قال: «قال لي عليّ: أَبْعَثُك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلاَّ طمسته، ولا قبرًا مشرِفًا إلاَّ سوَّيته». وعن أبي عليّ الهَمْدَانِيّ قال: «كنا مع فَضَالة بن عُبَيْد، فَتُوُفِّيَ صاحب لنا، فأمر فَضَالة بقبره فَسُوِّي. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها». زاد أبو داود: «بِرُودِس بأرض الروم. ثم قال: هي جزيرة في البحر. قلنا: هو محمول على ما كانوا يفعلونه من تَعْلِية القبور بالبناء العالي لِمَا رواه محمد بن الحسن في «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبيّ ﷺ «أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها».
ولا يُخْرَجُ الميت من القبر بعد إهالة التراب عليه، وإن قصرت المدة، إلا أنْ تكون الأرض مغصوبة، وشاء صاحبها إخراجه، أو نَسِيَ في القبر متاع إنسان. ولذا لم يُحَوَّلْ كثير من الصحابة، وقد دفنوا بأرض الحرب. ولا بأس بنقله قبل تسوية اللَّبِن عليه نحو ميل أو ميلين، لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار.
قال صاحب «الهداية» في «التَّجْنِيس»: لا إثم في النقل من بلد إلى بلد، لِمَا نُقِلَ: أن يعقوب ﵇ مات بمصر، فنُقِلَ إلى الشام، وموسى ﵇ نَقَل تابوت يوسف ﵇ بعدما أتى عليه زمان من مصر إلى الشام، ليكون مع آبائه. انتهى. ولا يخفى أن هذا شرع من قبلنا، ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعًا لنا، إلاَّ أنه نُقِلَ: «أن سعد بن أبي وَقَّاص مات في ضيعة على أربعة فرَاسِخ (^١) من المدينة، فَحُمِلَ على أعناق الرجال إليها».
ويُكْرَه القعود على القبر، ووطئه، والنوم عنده، والبول، والتغوّط عليه. وقال مالك، والطَّحَاوي: المراد بالجلوس على القبر المَنْهِيّ عنه: الجلوس للحدث. ويَحْرُم البناء عليه للزينة، للإسراف وعدم المنفعة.
_________________
(١) الفَرْسخ: سبق شرحه ص: ٤١١، التعليقة رقم: (١).
[ ١ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وينبغي أن يُعَلَّمَ القبر بعلامة لقول المُطَّلِب: «لَمَّا مات عثمان بن مَظْعُون وأُخْرِجَ بجنازته، فَدُفِن، وأمر النبيّ ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر، ولم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحَسَر (^١) عن ذراعيه، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أَتَعَلَّمُ به قبر أَخي (^٢)، وأَدْفِنُ إليه من مات من أهلي». رواه أبو داود.
ولا بأس بدفن اثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة لقول هشام بن عامر: «جاءت الأنصار إلى النبيّ ﷺ يوم أُحُد. فقالوا: أصابنا قَرْحٌ (^٣) وجهد، فكيف تأمرنا؟ قال: احفِروا، وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. فقيل: أيهم نُقَدِّم؟ قال: أكثرهم قرآنًا. قال: وأصيب أبو عامر يومئذٍ بين اثنين». رواه أبو داود.
ويُكْرَه الدفن ليلًا بلا ضرورة لقوله ﵊: «لا تَدْفِنوا أمواتكم بالليل إلا أن تضطروا». رواه ابن ماجه. وروى مسلم: أن النبيّ ﷺ خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قُبِضَ، ودُفِنَ في كفن غير طائل، وقُبِر ليلًا. فزجر النبيّ ﷺ أن يُقْبَرَ الرجل بالليل حتى يُصَلَّى عليه، إلاَّ أنْ يضطر رجل إلى ذلك. وقال ﷺ «إذا كَفَّنَ أحدكم أخاه، فليحسن كفنه».
ولا يُحْفَرُ قبرٌ لدفن آخر إلاَّ إذا بَلِيَ الأَول، ولم يبق له عظم، إلاَّ أن لا يُوجد بدٌ منه، فيُضَمُّ عظام الأول، ويُهَال بينها وبين الميت بالتراب ونحوه. ويكره الدفن في الأماكن التي تسمى فَسَاقِي (^٤) . ويلقى الميت في البحر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه إنْ بَعُدَ البر، وخيف من الضرر. وعن أحمد: يُثَقَّل ليرسب. وعن الشافعية كذلك، إن كان قريبًا من دار الحرب، وإلاّ شُدَّ بين لوحين، ليقذفه البحر فيدفن.
ويسن الدعاء عند القبور دائمًا، كما كان يفعل النبيّ ﷺ في الخروج إلى البقيع. ويقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وأسأل الله لي ولكم العافية». ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأوْلى. ويُكْرَه
_________________
(١) حَسَرَ: أَي كشف. المعجم الوسيط ص: ١٧٢، مادة "حَسَرَ".
(٢) في المخطوط: أهلي، والمثبت من المطبوع وهو الصواب لموافقته لما في سنن أبي داود ٣/ ٥٤٣، كتاب الجنائز (٢٠)، باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يعلم (٥٧، ٥٩)، رقم (٣٢٠٦).
(٣) القَرْح: الجُرْح. أرادوا ما نالهم من القتل والهزيمة يومئذ. النهاية: ٤/ ٣٥.
(٤) الفَسَاقِيّ: جمع الفَسْقِيَّة وهي حوض من الرخام ونحوه مستدير غالبًا، ويكون في القصور والحدائق والميادين. المعجم الوسيط ص: ٦٨٩، مادة (فسق).
[ ١ / ٤٥٨ ]