(وصَلَاتُه) أي صلاة الناس عليه (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجماعًا لظاهر قوله تعالى:
_________________
(١) النَّمِرَة: كِسَاء فيه خطوط بيض وسود. المعجم الوسيط ص: ٩٥٤، مادة (نمر).
(٢) الإِذْخِرُ: نبات ذكي الريح إِذا جَفَّ ابْيَضَّ. المصباح المنير ص: ٢٠٧، مادة (ذخر).
(٣) حُرِّفت في المطبوع إلى: "منع"، والصواب ما أثبتناه من المخطوط.
(٤) يُجَمَّر: يُبَخَّر. المصباح المنير، ص: ١٠٨، مادة (جمَّر).
(٥) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٣٣١.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وهي أنْ يُكَبِّرَ اللهَ ويُثْنِيَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُصَلِّي على النبيّ - ﷺ -، ثُمَّ يُكَبِّرَ ويَدْعُوَ،
===
﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) مع قوله ﷺ «صلُّوا على صاحبكم» (^٢) لكونه عليه دين لا وفاء له. ولو كانت فرض عين لَمَا تركها ﵊، لكن بشرط إسلام الميت، فلا يجوز على كافر لقوله تعالى: ﴿ولَا تُصَلِّ على أحدٍ مِنْهُمْ مات أبدًا ولا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا باللَّهِ ورَسُولهِ﴾ (^٣) وبشرط طهارته، فلا يجوز (الصلاة) (^٤) عليه بلا غسل، أو تيمم. إلا إذا دُفِنَ بدون أحدهما، ولم يمكن إخراجه إلاَّ بالنَّبْشِ، فإنه يصلى على قبره للضرورة، وبشرط أن يكون موضوعًا أمام المصلي، فلا يجوز على غائب، ولا على موضوع خلف المُصَلِّي لأنه كالإمام من وجه.
(وهي أنْ يُكَبِّرَ اللهَ) للتحريمة (ويُثْنِيَ) بأن يحمد الله مطلقًا - وهو ظاهر الرواية - وقيل: بأن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … إلخ. ولا يقرأ الفاتحة (إلا بنية الثناء. وبه قال مالك. وأوجب الشافعي قراءة الفاتحة فيها) (^٥) لكونها صلاة من وجه. فيتناولها قوله ﵊: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (^٦) . ولنا: قول ابن مسعود: «لم يُوقت النبي ﷺ شيئًا من القرآن في صلاة الجنازة». وفي «المحيط»: ركنها: التكبيرات، والقيام. وشرطها على الخصوص: كونه مسلمًا، وكونه مغسولًا. وسننها: التحميد، والثناء، والصلاة على المصطفى ﵊، والدعاء.
(ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُصَلِّي على النبيّ
ﷺ
لِمَا روى أبو داود والنَّسَائي، والترمذي وقال: حسن صحيح. من حديث فَضَالة بن عُبَيْد قال: «سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو، ولم يحمد الله تعالى، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ عَجِلَ هذا. ثم دعاه، فقال: إذا صلى أحدكم - أي دعا - فليبدأ بتمجيد ربه تعالى، والثناء عليه، ثم يُصَلِّي على النبيّ ﷺ ثم يدعو بعدُ بما شاء».
(ثُمَّ يُكَبِّرَ ويَدْعُوَ) للميت. فقد رَوَى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: «صلى رسول الله ﷺ على جِنَازة، فقال: اللهم اغفر لحيّنا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذَكَرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا،
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: (١٠٣).
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا (فتح الباري) ٣/ ١٨٩، كتاب الجائز (٢٣)، باب سنّة الصلاة …، (٥٦).
(٣) سورة التوبة، الآية: (٨٤).
(٤) ما بين الحاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٥) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٦) تقدم تخريجه في واجبات الصلاة، ص ٢٣١.
[ ١ / ٤٣٨ ]
ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُسَلِّم
===
اللهم من أحييتَه منا، فأحْيِهِ على الإسلام، ومن تَوَفَّيْتَه منا، فَتَوَفَّه على الإيمان». وفي رواية بتقديم شاهدنا وغائبنا على صغيرنا. وفي رواية زيادة: «اللهم إن كان محسنًا، فزد في إحسانه. وإن كان مسيئًا، فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تَفْتِنَّا بعده».
وروى مسلم، والترمذي، والنَّسائي، من حديث عَوْفِ بن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ على جِنَازة. فحفظتُ من دعائه ﵊: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكْرِم نُزُله، ووسِّع مَدْخَلَه، واغْسِلْه بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّه من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وعُذْهُ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت». وفي الصبي والمجنون يقول: اللهم اجعله لنا فَرَطًا، واجعله لنا ذُخْرًا، واجعله لنا شافعًا ومُشَفَّعًا. وأصل الفَرَط: من يتقدَّم الواردة - أي السَّيَّارة (^١) ـ. ومنه قوله ﵊: «أنا فَرَطُكم على الحوض» (^٢) .
(ثُمَّ يُكَبِّرَ ويُسَلِّمَ) تسليمتين ينوي فيهما ما ينوي في تسليمتي الصلاة، وينوي الميت بدل الإمام. وظاهر الرواية: أنه ليس بعد التكبيرة الرابعة سوى السلام. واختار بعضهم أن يقول ﴿رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنةً﴾ (^٣) الآية وبعضهم: أن يقول ﴿رَبِّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا﴾ (^٤) الآية وبعضهم: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تَفْتِنَّا بعده، واغفر لنا وله». وهو مختار الشافعي.
وفي «المحيط»: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من اسْتَهَلَّ بعد الولادة، سُمِّيَ، وغُسِلَ، وصُلَّيَ عليه، ووَرِث ويُوَرَّثُ، فإن لم يستهل: لم يُسَمَّ، ولم يُغَسَّلْ، ولم يَرِثْ، ولم يُوَرَّث. لأن الاستهلال دَلَالة الحياة. وروى الترمذي، وابن ماجه: «أن رسول الله ﷺ قال: «الطفل لا يُصَلَّى عليه، ولا يَرِث ولا يُورَث حتى يستهل».
وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن عليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في السِّقْطِ (^٥): «لا يُصَلَّى عليه حتى يستهل، فإذا استهل صُلِّيَ عليه، وعَقَلَ (^٦)، ووَرِثَ.
_________________
(١) السَّيَّارة: القافلة. المعجم الوسيط ص: ٤٦٧، مادة (سار).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ١١/ ٤٦٣، كتاب الرقاق (٨١)، باب في الحوض … (٥٣)، رقم (٦٥٧٦).
(٣) سورة البقرة، الآية: (٢٠١).
(٤) سورة آل عمران، الآية: (٨).
(٥) السِّقْط: سبق شرحها ص: ٣١١، التعليقة رقم: (١).
(٦) عَقَلَ: أي دفع الدِّية بكونه واحدًا من العاقلة، وهم العصبة والأقارب من قِبَل الأب الذين يُعْطُون دِيَةِ قَتيل الخطأ. النهاية: ٣/ ٢٧٨، بتصرف.
[ ١ / ٤٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإن لم يستهل لم يُصَلَّ عليه ولم يورث ولم يَعْقِل». ونحوه عن جابر من طرق، مرفوعًا عند الترمذي والنَّسائي، وابن ماجه، والحاكم وصحح بعضها.
وموقوفًا عند ابن أبي شَيْبَة، عن شَعْث بن سَوَّار، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر قال: «إذا استهل الصبيّ صُلِّي عليه، ووَرِثَ، وإذا لم يستهل لم يُصَلَّ عليه، ولا يُوَرَث». والاستهلال: ما يوجد منه مما يدل على الحياة من رفع صوت أو حركة عضو. والمعتبر خروج أكثره حيًّا، وما دونه لا يعتبر.
وذهب أحمد إلى أن الطفل يُصَلَّى عليه إذا استكمل أربعة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي، لقوله ﵊: «السِّقْطُ يُصلَّى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة». رواه أصحاب «السنن». قلنا: هو محمول على ذي الروح بصريح النهي عنه.
ولو مات كافر وله قريب مسلم، غسله كالثوب النجس، ولَفَّه في خِرْقَة، وألقاه في حفرة من غير مراعاة السنة في شيء من ذلك، لقول عليّ كرَّم الله وجهه لَمَّا مات أبو طالب: «انطلقتُ إلى النبيّ ﷺ فقلت له: إنَّ عمك الشيخ الضالَّ قد مات. قال: اذهب فوارِ أباك ثم لا تُحْدِثَنَّ شيئًا حتى تأتيَني، فذهبت فواريْتُه وجئته. فأمرني، فاغتسلت ودعا لي». رواه أبو داود، والنَّسائي، وكذا أحمد، وابن أبي شَيْبَة، والبَزَّار في مسانيدهم.
وروى الوَاقِدَيّ عن علي قال: «أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب، فبكى، ثم قال: اذهب فاغسله، وكَفِّنه، ووَارِه. فقال: ففعلت ثم أتيته. فقال: اذهب فاغتسل. قال: وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أيامًا، ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبرائيل عليه والسلام بهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلْنَّبِي والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للمُشْرِكِينَ ولَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (^١) . الآية».