وأمَّا المعتادةُ الناسيةُ عدَدَ أيام حيضِها ودَوْرِها مِنْ كلِّ شهر: فإنْ كان لها ظنٌ تحرَّتْ ومضَتْ على غالبِ ظنها، وإنْ لم يكن لها ظنّ - وتُسمَّى المحيَّرة والمُضلَّلة - فإنها لا يُحكَمُ لها بشيء من الطُّهر أو الحيض على التعيين، بل تأخذُ بالأحوط في حقّ الأحكام بأن تصوم وتصلي (^٢) لجواز أن لا تكون حائضًا، ولا يطأَها زوجُها لاحتمالِ أن تكون حائضًا.
وهل يُقدَّرُ طُهرُها في حق انقضاءِ العِدَّة؟ قيل: لا يُقدَّرُ بشيء ولا تنقضي عِدَّتُها، وقال الأكثر: يُقدَّرْ، واختلفوا في قدره:
فقال محمدُ بن إبراهيم المَيْدَاني: يُقدَّرُ بستةِ أشهر إلاَّ ساعة، وعليه الأكثر، لأنَّ مُدَّة الطُّهر أقل مِنْ أدنى مدَّة الحَمْل عادةً، فَنَقَصْنا مِنْ ذلك ساعةً، وعلى هذا تنقضي عدَّتُها بتسعةَ عشَرَ شهرًا إلا ثلاثَ ساعات، لأنها تحتاج إلى ثلاث حيَض كلُّ حيضةٍ عشرة أيام، وإلى ثلاثة أطهار كلُّ طُهر ستةُ أشهر إلا ساعة. قال البِرْجَنْدي: وهذا إنما يصحُّ لو كان الطلاق في أوَّل الطهر، إذ لو كان الطلاق في آخره انقضَتْ بثلاثةَ عشَرَ شهرًا إلا ساعتين. وفي «شرح الكنز»: ينبغي أن يزيدوا على ذلك لجواز أن يكون طلاقها في أوَّل الحيض، فلا يُعتدُّ بتلك الحيضة، فتنقضي العِدَّةُ بتسعةَ عشَرَ شهرًا وعشرةِ أيام إلا أربعَ ساعات. فثلاثُ ساعات لما مَرَّ، وواحدةٌ لزمان إيقاع الطلاق.
وروى ابنُ سَمَاعة عن محمد بن الحسن: أنه يُقدَّرُ الطُّهرُ بشهرين. وهو اختيارُ أبي سهل الغزاليِّ والحاكمِ في «مختصره». وقيل: وعليه الفتوى (^٣) . لأنَّ العادة من
_________________
(١) أي بَلَغَت حائضًا واستمر نزول دمها.
(٢) أي مع الاغتسال لكل صلاة.
(٣) ويؤيد هذا ما ذكره الحَصْكَفِي في "الدر المختار" ١/ ١٩٠: حيث قال: به يفتى.
[ ١ / ١٣٥ ]
والطُّهْرُ المُتخلِّلُ في مُدَّته، وما رأتْ مِن لونٍ فيها سوى البياضِ: حيضٌ.
===
العَوْد، والحيضُ والطُّهرُ مما يعود في شهرين عادة، فلا يكون الطهرُ أكثرَ من شهرين.
وأمَّا في حقّ ما عدا العِدَّة، فلم يُقدِّرُوا لها الطُّهرَ بشيء، بل قالوا: تَجتَنِبُ ما تَجتنبُ الحائضُ من قراءةِ القرآن ومَسِّه ودخولِ المسجد وإتيانِ الزوج، وتَغتسِلُ لكلّ صلاة فتؤدِّي به الفرضَ والوتر (^١)، وتقرأُ فيهما قَدْرَ ما تجوزُ به الصلاة ولا تزيدُ، وقيل: تقرأُ الفاتحةَ والسورةَ، لأنهما واجبتانِ وهو الأصحُّ الأحوط. وإنْ حجَّتْ تَطوفُ للزيارة، لأنه ركنٌ ثم تُعيده بعدَ عشرةِ أيام، وتطوفُ للصَّدَرِ لأنه واجب، وتصومُ شهرَ رمضان لاحتمالِ أنها طاهرة، ثم تَقضي خمسةً وعشرين يومًا، لاحتمالِ أنها حاضَتْ فيه خمسَةَ عشرَ يومًا، عشرةٌ في أوَّله وخمسةٌ في آخره أو بالعكس، واحتمالِ أنها حاضت في القضاء عشَرَة.
(والطُّهْرُ المُتخلِّلُ) أي بين الدَّمَيْنِ (في مُدَّته) أي مُدَّةِ الحيض (وما رأتْ مِنْ لونٍ فيها) أي المُدَّة (سوى البياضِ حيضٌ).
أمَّا كونُ ما عدا البياضَ الخالصَ حيضًا، فلِمَا في «الموطأ»: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أُمِّه مولاةِ عائشة أنها قالت: كانت النساءُ يَبعْثنَ إلى عائشة بالدُّرْجة فيها الكُرْسُف فيه الصُّفْرَةُ من دَمِ الحيض يَسألْنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: لا تَعْجلن حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ. تُريدُ بذلك الطُّهرَ من الحيضة. والكُرْسُف: بضم الكاف والسين المهملة: القُطنُ. والدُّرْجة: بضم الدال: حُقَّةٌ (^٢) تضعُ المرأةُ فيها طِيبَها ونحوَه. والقَصَّةُ: بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة: شيء كالخيط الأبيض يَخرُجُ مِنْ قُبُل المرأة عَقِيبَ انقطاع الدم، يُعرَف به أنها طَهُرَتْ (^٣) .
وأمَّا كونُ الطُّهرِ المُتخلِّل بين الدَّمَيْنِ في مُدَّةِ الحيض حيضًا فهو روايةُ محمدٍ عن أبي حنيفة، ولا يجوز على هذه الرواية بُداءةُ الحيضِ بالطهر ولا الختمُ به. ووَجْهُها أنَّ استيعابَ الدَّمِ مُدةَ الحيض ليس بشرط إجماعًا، فيُعتَبَرُ أوَّلُها وآخِرُها كالنِّصاب في باب الزكاة.
_________________
(١) وتُؤدي به أيضًا السنن المؤكدة، ولا تصلي به شيئًا من التطوعات، كما في حاشية الشبلي على "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٦٣. أفاده الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة رحمه الله تعالى.
(٢) الحُقَّة: وعاء من خشب. القاموس المحيط ص ١١٣٠، مادة (حق).
(٣) هذا أحد معنيين للقَصَّة. والمعنى الثاني هو: أن تَخْرُج القُطْنَة أو الخِرقة التي تَحتشي بها الحائض كأنها قصَّة بيضاء، لا يُخَالطها صُفرة. والقَصَّة: الجِصّ. أي أن تخرج بيضاء كالجص لا شيء عليها كما دخلت بيضاء. انظر "النهاية في غريب الحديث" ٤/ ٧١.
[ ١ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال أبو يوسف - وهو روايةٌ عن أبي حنيفة وقيل: هو آخِرُ أقواله ـ: إن كان الطُّهرُ أقلَّ من خمسةَ عشَرَ يومًا لا يَفصِل لأنه طُهرٌ فاسد، فصار بمنزلة الدَّم، وحكمُه حكمُ دمٍ منفصِل، فيُنظَرُ: إن كان ذلك كلُّه لا يزيد على العشرة فالكلُّ حيض: ما رأتْ فيه الدَّمَ وما لم تَر، سواءٌ كانتْ مُبتَدَأةً أو صاحبةَ عادة.
وإن زاد على العشرة: إن كان لها عادةٌ رَدَّتْ إليها، ويكون الزائد استحاضة. وإن كانت مُبتَدَأةً فالعشرةُ حيضٌ: ما رأت فيه الدمَ وما لم تَر، وما زاد استحاضة. وكثيرٌ من المتأخرين أفتَوا بهذه الرواية لأنها أيسر على المفتي والمستفتي لقلَّةِ التفاصيلِ التي يَشقُّ ضبطُها. ويجوزُ على هذه الرواية البداءةُ بالطُّهرِ والختمُ به، لكن يُشترَطُ إحاطةُ الدم من الجانبين، كما إذا رأت قبلَ عادتِها يومًا دمًا وعشرةً طهرًا ويومًا دمًا، فالعشرةُ حيض.
وروى ابنُ المبارك عن أبي حنيفة: أنه يُشترَط أن يكون الدمُ في العشرة ثلاثةَ أيام، وهو قولُ زفر، لأن الحيض لا يكون أقلَّ من ثلاثة.
وحكَمَ محمدٌ بفصلِ الثلاثةِ من الطُّهر في مدة الحيض إن زادت على الدمين. قال في «المبسوط»: وهو الأصحُّ وعليه الفتوى. فلو رأت يومًا دمًا وثلاثةً طهرًا ويومًا دمًا، لم يكن شيء منها حيضًا، لأن الطهر بلَغَ ثلاثة أيام، وهو غالبٌ على الدَّمينِ فصار فاصلًا، وكذلك إن زاد الطُّهر. وإنْ رأتْ يومًا دمًا وثلاثةً طهرًا ويومينِ دمًا، فالستَّةُ حيضٌ، لأن الدم ساوَى الطُّهر في طَرَفي الستَّة فصار غالبًا. ولو رأتْ ثلاثةً دمًا وخمسًا طُهرًا ويومًا دمًا، فحيضُها الثلاثةُ الأُولى، لأَنَّ الطهر غالب فصار فاصلًا، والمتقدِّمُ يمكن أن يُجعلَ بانفراده حيضًا، فجعلناه حيضًا.
وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنَّ الطهر المتخلِّل بين الدَّمَيْنِ إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلًا، وإذا بلغ ثلاثة أيام فَصَلَ على كلِّ حال، ثم يُنظَرُ إن أمكن أن يُجعَلَ أحدُهما بانفرادِه حيضًا جُعِلَ حيضًا، كما بيَّنا مِنْ مذهبِ محمد وإنْ خالفه في حرفٍ واحد، وهو أنه لم يَعتبِر غلبةَ الدم ولا مساواةَ الدم بالطهر، فلو رأتْ مُبتدَأةٌ يومًا دمًا ويومين طهرًا ويومًا دمًا يكون الأربعةُ حيضًا. ولو رأتْ يومينِ دمًا وثلاثةً طهرًا ويومًا دمًا لم يكن شيء منه حيضًا، لأنَّ الطُّهر المتخلِّل بلَغ ثلاثة أيام، وواحدٌ منهُمَا بانفرادِه لا يمكن أن يُجْعَل حيضًا، ولو رأتْ يومًا دمًا وثلاثةً طهرًا وثلاثةً دمًا كانت الثلاثةُ الأخيرةُ حيضًا.
ولا نُميِّزُ نحن ومالكٌ بين دَمَي الحيضِ والاستحاضةِ باللون عند اتصال الدَّمَين.
[ ١ / ١٣٧ ]
يَمنَعُ الصلاةَ والصُّومَ، ويُقضَى هو لا هي،
===
وميَّزَ الشافعيُّ به بينهما وقال: إذا عبَرَ الدمُ الأكثرَ وكانت مُبتدَأةً مميِّزةً وهي التي تَرى في بعض الأيام دمًا قويًا كالأسْودِ، وفي بعضها دمًا ضعيفًا كالأحمر، فيجعلُها حائضًا في وقت القوي، ومستحاضةً في وقت الضعيف، بشرط أن لا يَنقُصَ القويُّ عن أقلِّ الحيض (^١)، ولا يَزِيدَ على أكثرِه ليُمكِنَ جعلُه حيضًا، وأن لا يَنقُصَ الضعيفُ عن أقلِّ الطهر ليُمكِنَ جعلُه طهرًا بين الحيضتين. وإن كانت معتادةً مميِّزةً فيأخُذ بمقتضَى التميُّزِ دون العادة على الأصحِّ عنده لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيش: «إنَّ دَمَ الحيضِ غليظٌ أسوَدُ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان غيرُه فاغتسلي وصلِّي» (^٢) .
ولنا قولُه ﷺ «المستحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها» (^٣) . وقولُه: «دَعي الصلاة أيامَ أقرائك» (^٤) . اعتَبَر الأيامَ دون اللونِ وغيرِه، ومذهبُنا رُوي عن عليّ وابن عباس، ومثلُه عن سالمِ بن عبد الله، والقاسمِ بن محمد، ومكحولٍ، والحسنِ، وإبراهيم، وابنِ سيرين. وما رواه موقوفٌ على عائشة، ومعارَضٌ بقولِ عليّ وابن عباس، وقد روى ابن ماجه عن عائشة قالت: جاءت فاطمةُ بنت أبي حُبَيش إلى النبي ﷺ فقالت: إني امرأةٌ أُستحاضُ فلا أَطهُر، أفادَعُ الصلاة؟ فقال: «لا، اجتنبي الصلاةَ أيام مَحِيضك، ثم اغتسلي وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ وإن قطَرَ الدَّمُ على الحصير».
(يَمْنَعُ) أي الحيضُ (الصلاةَ والصومَ) بإجماع المسلمين (ويُقضَى هو) أي الصومُ (لا هي) أي الصلاةُ لما في «الكتب الستة»: عن مُعاذَةَ العَدَوِيَّة قالت: سألتُ عائشةَ: ما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ قلتُ: لستُ بحَرُورِيَّة ولكني أسأل؟ قالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤمَرُ بقضاءِ الصوم، ولا نُؤمرُ بقضاءِ الصلاة». انتهى. وعليه الإِجماعُ. ولأنَّ في قضاء الصلاة حرجًا لكثرتِها وتكرُّرِ الحيض، بخلافِ الصوم، فإنه يجب في السنة شهرًا، ولا تحيضُ المرأةُ في الشهر بحسب العادة إلا مرَّةً.
والحَرُورِيَّة: بفتحٍ فضم نسبة إلى حَرُوراءَ، وهي قريةٌ بالكوفة كان اجتماعُ أوَّلِ
_________________
(١) وهو عنده يوم وليلة.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ١/ ١٩٧ - ١٩٨، كتاب الطهارة (١)، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (١٠٩)، رقم (٢٨٦). بلفظ قريب.
(٣) أخرجه أبو داود بلفظ قريب (الموضع السابق).
(٤) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٢١٢، كتاب الحيض، رقم (٣٦).
[ ١ / ١٣٨ ]
ودخولَ المسجد والطوافَ واستمتاعَ ما تحتَ الإِزارِ
===
الخوارِجِ بها. وإنما قالت ذلك لها، لأنَّ طائفةً من الخوارج يُوجبون على الحائض قضاءَ الصلاة. والاستفهامُ إنكاريٌّ بأنَّ هذه طريقةُ الحَرُورِيَّة. وقيل: إنما قالت ذلك لأنها تعمَّقَتْ في الدين، وأهلُ حَرُوراء تعمَّقوا فيه حتى خرجوا عنه.
(و) يَمنعُ الحيضُ (دخولَ المسجد) لِمَا روى أبو داود من حديث عائشة قالت: جاء رسولُ الله ﷺ ووجوهُ بيوتِ أصحابه شارعةٌ في المسجد (^١)، فقال: «وجِّهُوا هذه البيوتَ عن المسجد». ثم دخل ولم يَصنع القومُ شيئًا رجاءَ أن يَنزِلَ فيهم رُخصة، فخرج إليهم فقال: «وجِّهُوا هذه البيوتَ عن المسجدِ، فإنِّي لا أُحِلُّ المسجدَ لجُنُبٍ ولا حائض».
(و) يَمنعُ (الطوافَ) بالكعبة لأنَّه في المسجد. واحْتِيجَ إلى ذكرِه لئلا يُتوهَّمَ أنه لمَّا جاز لها الوقوفُ (^٢) مع أنه أقوى أركانِ الحجّ، فَلأَنْ يجوزَ لها الطَّوافُ أولى، ولِيَدُلَّ على أنه كما يَحرُمُ عليها الدخولُ في المسجد يَحرمُ عليها الطواف، ولأنها إذا دخَلَتْ المسجد طاهرةً ثم حاضَتْ لا تطوفُ، إِذْ يجبُ عليها الخروجُ في ساعته بتيمُّمٍ وهو الأولى.
(و) يَمنعُ (استمتاعَ ما تحتَ الإِزارِ) من المرأةِ حائضًا أو نُفَساء، وهو: ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبة.
وقال محمد وأحمد بن حنبل: يَمنعُ الحيضُ الاستمتاعَ بالفرج خاصةً، وهو قولٌ للشافعيّ، واختاره النوويُّ لما رواه الجماعة إلا البخاريَّ عن أنس: أنَّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ لم يُواكِلُوها، ولم يُجامِعُوها في البيوت، أي لم يُساكِنُوها فيها. فسأل أصحابُ النبيّ (^٣) ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسئلونَك عن المَحِيضِ قُلْ هو أَذًى﴾ (^٤) … الآية. فقال ﷺ: «اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاحَ»، أي الجماع كما في رواية.
ولنا: ما رَوَى أبو داود عن عبد الله بن سَعْد قال: سألتُ رسول الله ﷺ ما يَحِلُّ لي مِنْ امرأتي وهي حائض؟ فقال ﷺ «لكَ ما فوقَ الإِزار». وقد حسَّنه البعض، وقال
_________________
(١) أي مفتوحة إلى المسجد، يدخلون منها إليه.
(٢) أي بعرفة.
(٣) في المطبوعة: "فسأل أصحابه - ﷺ - عن ذلك … ".
(٤) سورة البقرة، آية: (٢٢٢).
[ ١ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شارحُه أبو زُرْعة العراقيُّ: ينبغي أن يكون صحيحًا.
وما صَحَّ مِنْ قولِ عائشة: وكان يأمُرني فأتَّزِرُ، فيُباشِرُني وأنا حائض. أي يُلامِسُني. وفي المتفق عليه: أنه ﷺ كان لا يُباشِرُ إحداهُنَّ حتى يَأمُرَها أنْ تأتَزِر. ولولا مَنْعُ ما تحتَ الإِزار لم يكن لأمْرها بالإِزار (^١) قبلَ المباشرةِ معنى، إلا أنه يُحتَملُ أن يكون من باب الاحتياط، فإنَّ الراعيَ حول الحِمَى يُوشِكُ أن يقع فيه، ويُمكِنُ حملُ قوله ﷺ «إلا النكاح» على الجماع حقيقةً أو حُكمًا، فالمسأَلةُ ظنيةٌ غيرُ قطعية.
ثم المشهورُ من رواية المحدِّثين وغيرهِم فأَتَّزِرُ بهمزةِ قطعٍ فمُثنَّاة فوقية مشدّدة. وقال المُطرِّزي (^٢): الصوابُ فأَءْتَزِرُ بهمزتين: الأُولى للوصل، والثانيةُ ساكنةٌ، هي فاءُ افتعل من الإِزار، كذا نقله الشُمُنِّي. وهو خطأٌ في نقلِ عبارته، فإنَّ الصواب أن يقول: بهمزتين: الأُولى للقطع لأنها همزة متكلِّم، والثانيةُ مُبدَلَةُ الفاء. ونَصَّ الزمخشريُّ أيضًا على خطأ أَتَّزِرُ بالإِدغام وتَبعه الطِّيبيُّ في «شرح المِشكاة»، ولا يَخفى أنَّ رواية المحدِّثين أقوى من نقلِ اللغويين.
وقد قال ابنُ مالك: إنَّ إدغام الهمزة في التاء مقصورٌ على السماع. وقد سُمِعَ: اتَّزَرَ من الإِزار، واتَّكلَ من الأَكْل. وقرأ ابنُ مُحَيْصِن ﴿فليُؤدِّ الذي اتُّمِنَ﴾ (^٣) بهزةِ وصل وتاءٍ مشدَّدةِ مضمومة، وهو من الأمانة. والقراءةُ الشاذَّةُ بمنزلةِ خبر الآحاد. ويؤيِّدُه قراءةُ الجمهور ﴿اتَّخَذْتُم﴾ بالإِدغام، فالظاهرُ أنه مأخوذٌ من الأَخْذ لا من اتَّخَذَ.
وفي «المحيط»: رَوَى ابنُ رُسْتُم: أنَّ من قال بأنَّ جِماع الحائض حلالٌ كُفِّرْ، أي إذا كان يعتقده أنه ليس بمنهي عنه، لأنه يصير جاحدًا لحكمِ الكتاب. ومَنْ جامع (^٤) وهو عالمٌ بالتحريم فليس عليه إلا التوبةُ والاستغفار، لأنه باشَرَ كبيرةً فكفَّارتُها غيرُ مشروعة إلا بالتوبة. ويُستحَبُّ أن يتصدَّقَ بدينارٍ أو نصفِ دينار. وقيل: إن أصابها في الدَّمِ فبدينار، وفي انقطاعِه فبنِصفِ دينار. ويَشهدُ للقولِ الأوَّلِ: ما أخرجه أبو داود في «سننه» عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأتَه وهي حائض قال: «يَتصدَّقُ بدينارٍ أو بنصفِ دينار». قال أبو داود: هكذا الروايةُ الصحيحةُ: «بدينارٍ أو
_________________
(١) عبارة المخطوط: "لم يكن الأمر لها بالاتزار قبل المباشرة معنى".
(٢) المغرب في ترتيب المعرب ١/ ٣٧ - ٣٨، مادة (أزر).
(٣) سورة البقرة، آية: (٢٨٣).
(٤) لفظ: "جامع" سقط من المطبوعة.
[ ١ / ١٤٠ ]
ولا تَقرأ كجُنُبٍ ونُفَساء، بخلافِ المُحْدِث.
===
بنصفِ دينار». وللقولِ الثاني: ما أخرجه أبو داود أيضًا عن ابن عباس: قال: إذا أصابها في أوَّل الدم فدينارٌ، وإذا أصابها في انقطاعه فنصفُ دينار. قلتُ: فهذا تفسيرٌ للحديث الأوَّل، والإِشعارُ بأنَّ «أوْ» للتنويع لا للشكّ.
(ولا تَقرأُ) أي الحائضُ آيةً ولا ما دُونَها (كجُنُبٍ ونُفَساء) أي كما لا يَقرأ جنبٌ ونُفَساءُ شيئًا منه، وهذا اختيارُ الكرخي. واختيارُ الطحاوي: أنه لا بأس بقراءة ما دون الآية لأن النَّظْم والمعنى قاصرانِ فيه، ولهذا لا تجوزُ به الصلاة. وفي «البخاري»: قال إبراهيمُ - أي النَّخَعِيُّ ـ: لا بأسَ أن تقرأ الحائضُ الآية. ولم يرَ ابنُ عباس بالقراءة للجنب بأسًا.
ووَجْهُ الأوَّل ما روى الترمذي وابن ماجه مِنْ حديث ابن عُمَر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تَقرأُ الحائضُ والجُنُبُ شيئًا من القرآن». وفي «المحيط»: وهذا إذا قرأتْ على قصدِ التلاوة، إذْ لو قرأتْ على قصدِ الذكر والثناءِ نحو: بسمِ الله الرحمن الرحيم، والحمدُ لله ربّ العالمين (^١)، أو علَّمتْ الحائضُ أو الجنُبُ حرفًا حرفًا فلا بأس به بالاتفاق لأجلِ العُذْرِ والضرورة.
(بخلاف المُحْدِث) فإنه يَقرأُ لما في «السنن الأربعة» وصحَّحه الحاكم عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يَحجُبه - أو لا يَحْجُزه - عن القرآن شيءٌ، ليس الجنابة. قال الترمذي: حسَنٌ صحيح.
ولم يَمنع مالكٌ الحائضَ التلاوةَ لاحتياجِها إليها خوفًا من النسيان، ولعدمِ قدرتها على رَفعِ الحيض، بخلاف الجنابة لقدرتها على إزالتها (^٢) .
ولنا ما رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عُمَر أنه ﷺ قال: «لا تَقرأُ الحائضُ والجُنُبُ شيئًا من القرآن». ورواه الدارقطني في «سننه» عن جابر مرفوعًا نحوَه.
_________________
(١) أو على قصد الدعاء نحو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا …﴾ فلا بأس بذلك، وأما ما لا ذكر فيه ولا ثناء ولا دعاء، فلا تجوز قراءته للحائض أو الجنب، كقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ونحوها من آيات الأحكام. انتهى. مما أفاده الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة رحمه الله تعالى.
(٢) مذهب الإمام مالك جواز قراءة القرآن للحائض والنفساء من غير أن تمسّ المصحف، سواء خافت النسيان أو لم تخفه. فقول الشارح هنا: "خوفًا من النسيان" غير سديد، ويجوز للحائض والنفساء أن تَمسَّ المصحف إذا كانت معلِّمة أو متعلمة. ويجوز للجُنُب قراءة اليسير من القرآن للتعوُّذ عند النوم، أو خوف، أو للتبرُّك، أو للرُّقيا، أو للاستدلال على حكم شرعي. انتهى ملخصًا مما أفاده الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى. وانظر "الشرح الصغير" للدردير بحاشية الصاوي ١/ ٦٥،٩٢ - ٩٣ و: ١/ ٧٦.
[ ١ / ١٤١ ]
ولا يَمَسُّ هؤلاء مصحفًا إِلا بغِلافٍ متُجَافٍ. وكُرِهَ بالكمّ. ولا دِرهمًا فيه سُورة إِلا بِصُرَّة
===
(ولا يَمَسُّ هؤلاءِ) أي الحائضُ، والنُّفَساءُ، والجُنُبُ، والمُحْدِثُ (مصحفًا) لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المطهَّرون﴾ (^١) . ولقوله ﷺ «لا يَمَسُّ القرآنَ إلا طاهر». رواه أبو داود (^٢) . ولِمَا روى الحاكم في «المستدرك» وصحَّحه عن حَكِيم بن حِزام قال: لَمَّا بَعَثني رسول الله ﷺ إلى اليَمَن قال: «لا تَمسَّ القرآنَ إلا وأنت طاهر». (إِلا بغِلافٍ مُتَجافٍ) أي منفصلٍ نحوِ الخَرِيطة (^٣)، لأنَّ المنفصِلَ عنه لا يكون تبعًا له. وفي «البخاري» عن أبي وائلٍ أنه كان يُرسِلُ خادِمَهُ وهي حائض إلى أبي رَزِينٍ لتأتيَه بالمصحف فتُمسِكَ بعِلاقته (^٤) .
(وكُرِهَ) أي المَسُّ (بالكُمّ) أي بشيءٍ من الثوب الذي على الماسِّ، لأنه تَبَعٌ له فلا يَصيرُ حائلًا بينه وبين المصحف. ولهذا لو حلَفَ لا يَجلِسُ على الأرض فلَبِسَ ثوبًا وجلَسَ على ذيله على الأرض يَحنث. وفي «النوادر»: أنه لا بأسَ به لأنَّ المحرَّم المسُّ وهو اسمٌ للمباشرةِ من غير حائل.
وكُرِهَ لهم أيضًا مَسُّ التفسير، وكتبِ السُّنَنِ، والفقهِ، لأنها لا تخلو عن آيات (^٥) . ولا بأسَ بمسِّها بالكُمّ بلا خلاف. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: يُكرَهُ لهم أن يكتبوا كتابًا فيه آية، لأنَّ الكتابة بالقلم وهو في اليد. وذكَرَ أبو الليث أنهم لا يكتبون، وإن كانت الصحيفةُ على الأرض (^٦) والمكتوبُ دون آية، وذكر القدوري: أنه لا بأسَ بالكتابة إذا كانت الصَّحيفةُ على الأرض. وقيل: هو قولُ أبي يوسف. وكَرِهَ بعضُهم دفعَ المصحفِ أو اللوحِ الذي عليه القرآنُ مكتوبٌ إلى الصبيّ إذا كان مُحدِثًا، والصحيحُ: أنه لا بأسَ به، لأنَّ في تكليفهم بالطهارة حرجًا.
(ولا دِرهمًا) أي مَثَلًا فيَشمَلُ دينارًا ونحوَه، عطفًا على مصحفًا (فيه سُورة) أي شيءٌ من القرآن آيةٌ أو أكثر. قال المصنِّف: وإنما قيل: سُورةٌ لأنَّ الغالبَ كَتْبُ نحو سورةِ الإِخلاص على الدراهم (إِلا بصُرَّة) أي مِنْ هِمْيانٍ (^٧) وغيرِه لأنها بمنزلةِ غلافٍ
_________________
(١) سورة الواقعة، آية: (٧٩).
(٢) في "المراسيل" ص ١٢١، حديث رقم (٩٢).
(٣) الخريطة: وعاء من آدَمٍ - جلد - وغيره. القاموس المحيط ص ٨٥٨، مادة (خرط).
(٤) أي الخيط الذي يعلق به كيس المصحف.
(٥) هذا قول الصاحبين، أما قول الإِمام فلا يكره. انظر رد المحتار ١/ ١١٨ - ١١٩.
(٦) أي إذا وضع على الصحيفة ما يحول بينها وبين يده.
(٧) الهِمْيان: شِداد السراويل - حزام - ووعاء الدراهم. القاموس المحيط ص ١٧٣٥، مادة (همى).
[ ١ / ١٤٢ ]
وحَلَّ وطءُ من انقَطعَ دَمُها لأكثرِ الحيضِ أو النِّفَاسِ، قبلَ الغُسْل، دُونَ من انقَطعَ دَمُها لأقلّ، إِلا إِذا مَضَى وقتٌ يسَعُ الغُسلَ والتحريمة.
===
متجافٍ.
(وحَلَّ وطءُ من انقَطعَ دَمُها لأكثرِ الحيضِ أو النفاسِ قبلَ الغُسْل) ظَرْفٌ للوطء (دُون) أي لا (مَنْ انقطَعَ دَمُها لأقلَّ) أي أقلَّ من أكثرِ الحيضِ أو النفاسِ، يعني أنَّ الحائضَ التي انقطَعَ حيضُها لأكثرِ الحيض، والنُّفَسَاءَ التي انقطَعَ نِفاسُها لأكثرِ النِّفاس: يَحلُّ وطءُ كلِّ واحدةٍ منهما وإن لم تَغتسِل (^١) . والحائضَ التي انقطَعَ حيضُها لأقلَّ مِنْ أكثرِ الحيض، والنُّفساءَ التي انقطع نِفاسُها لأقلَّ من أكثرِ النفاس: لا يَحِلُّ وطؤها.
(إِلا إِذا) اغتَسلَتْ بلا خلاف، أو تيمَّمتْ في السفر أو الحضر عند العجزِ عن الماءِ وصلَّتْ باتفاق، أو لم تُصَلّ عند محمدٍ قياسًا على ما إذا اغتسلَتْ. ولهما: أنَّ التيمُّمَ لا استقرارَ لَه لجوازِ بُطلانه بالماء ولا كذلك الغُسل.
أو إذا (مَضَى وقتٌ يسَعُ الغُسلَ والتحريمةَ) لأنَّ وقت التحريمة يَتحقَّقُ به إدراكُ وقت الصلاة، إذ لا تجبُ في ذِمَّتِها ما لم تُدرِك قدرَ ذلك من الوقت، ووقتُ الغُسلِ محسوبٌ من الحيض، ولهذا لو طَهَرَتْ قبلَ الصبح بأقلَّ مِنْ وقتٍ يسع الغُسل لا يُجزئها صومُ ذلك اليوم ولا يجب عليها صلاةُ العشاء.
وهذا كلُّه في حقّ التي استكملَتْ عادتَها. وأمَّا التي لم تستكمِل فلا يَحلُّ وطؤها وإن اغتسلَتْ حتى تمضي عادتُها لاحتمالِ عودِ الدَّم إليها، لكنَّها تغتسلُ وتصومُ احتياطًا. وفي «مواهب الرحمن»: إلا أن تَغتسِلَ أو تصيرَ الصلاةُ دَيْنًا في ذِمَّتِها بخروج وقتِها.
والمرادُ من قولِ بعضهم: أو يَمضيَ عليها أدنى وقتِ صلاة: أدناهُ الواقعُ آخِرًا، أعني أن تَطْهُرَ في وقتٍ منه إلى خروجهِ قدْرَ الاغتسالِ والتحريمة، لا أعمَّ من هذا ومِن أن تطهر في أوله ويمضي منه هذا المقدار، لأنَّ هذا لا يُنزلُها طاهرةً كما غلِطَ به بعضُهم، ألا تَرى إلى تعليلهم بأنَّ تلك الصلاة صارت دَيْنًا في ذِمَّتِها وذلك بخروج الوقت، ولذا لم يَذكر غيرُ واحدٍ لفظةَ أدنى. وعبارة «الكافي»: أو تصيرَ الصلاةُ دَيْنًا في ذِمتِها بمضي أدنى وقتِ صلاة بقَدْرِ الغُسلِ والتحريمة بأن انقطعَتْ في آخِرِ الوقت، لأنَّ الشرع حكَمَ بطهارتها لمَّا أَوجبَ الصلاةَ عليها.
_________________
(١) لكن يُندب له أن لا يقربها حتى تغتسل. انظر "رد المحتار" ١/ ١٩٦.
[ ١ / ١٤٣ ]