هو في اللغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولهِ إِلَى النَّاسِ﴾ (^١) الآية. وفي الشرع: الإعلامُ بدخول وقت الصلاة، بألْفَاظٍ مخصوصةٍ معلومةٍ. وسبب مَشْرُوعيته في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية منها، لما روى ابن سعد بسنده: عن نافع بن جُبَيْر، وعُرْوة بن الزُّبَيْر، وسعيد بن المُسَيَّبِ: أنهم قالوا: «كان الناس في عَهْدِ رسول الله ﷺ قبل أن يُؤْمَرَ بالأذانِ، ينادي منادي رسول الله ﷺ الصلاةُ جامعةٌ، فتجتمع الناس، فلما صُرِفَتِ القِبْلَة أُمِرَ بالأذان». ووجهُ الدَّلالة أن القِبلَة صُرِفت إلى الكعبة في السنة الثانية.
وفي مسلم من حديث ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدِمُوا المدينة يجتمعون فَيَتَحَيَّنُونَ الصلاة، أي يُقدِّرون حِينَها ليأتوا فيها إليها، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا نَاقوسًا (^٢) مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قَرْنًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلَا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله ﷺ يا بلال قُم فنادي بالصلاةِ».
قال القاضي عِيَاض في «شرح مسلم»: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها. قال النووي في شرحه: وهذا الذي قال محتمل أو متعين، فقد صحَّ عن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه في «سنن أبي داود» وغيرها: أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما رأى، فقال: «قم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذّن (به، فإنه أندَى صوتًا منك، فقام مع بلال، فجعل يُلْقِيه عليه ويُؤذِّن) (^٣)، فسمع عمر ذلك - وهو في بيته - فجاء يَجُرُّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحقّ لقد رأيت مثل ما أُرِي …» الحديث.
وهذا ظاهر في أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع أولًا الإعلام، ثم رأى
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: (٣).
(٢) الناقوس: مِضْراب النصارى الذي يضربونه إِيذانًا بحلول وقت الصلاة. المعجم الوسيط، ص: ٩٤٦، مادة (نقس).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ١٩٨ ]
سُنَّةٌ للفَرَائضِ فَقَطْ.
===
عبد الله بن زيد الأذان، فشرَعَه النبي ﷺ بعد ذلك، إمّا بوحي له، وإمّا باجتهاده على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له، وليس عملًا بمجرد المنام، هذا مما لا شك فيه بين الأنام. انتهى.
والحاصل: أن الأذان ثابت بالكتاب، والسنة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وإِذَا نَادَيْتُم إِلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا ولَعِبًا﴾ (^١) .
وأمّا السنة، فما سبق من حديث عبد الله بن زيد، وهو رواية أبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ، إلاَّ أنَّه لم يَروِ كلمات الأذان والإقامة، وأبو داود روى بلا ترجيع في الأذان، وبالإفراد في الإقامة، وابن ماجه لم يذكر فيه لفظ الإقامة، ورواه ابن حِبّان في «صحيحه» بتمامه. وقال الحاكم: لم يخرجاه في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده، ولكن تداوله بالقَبُولِ فقهاء الإسلام، والعلماء الأعلام.
ثم التكبير في أوْلِ الأذان أربع عند الجمهور، لما رُوِيَ من أذان المَلَك في المنام، وموافقة رأيه ﵊. وقال مالك وأبو يوسف: إنه مرتان لما في «صحيح مسلم»: «أن النبي ﷺ عَلَّم أبا مَحْذُورَة الأذان: الله أكبر الله أكبر مرتين»، قلنا: ورواه أبو داود، والنَّسائي، وذكر التكبير في أوله أربعًا، وإسناده صحيح، فَيُعْمَلُ بالزيادة باعتبار الأصل، وقبول زيادة الثقة.
(سُنَّةٌ للفَرَائِضِ) خبر مبتدأ مقدر وهو «هو»، ويجوز تنوين باب، على أنه خبر هذا، ووقفه بالسكون أيضًا، فيكون الأذان مبتدأ خبره سنة للفرائض، أي العينية (فَقَطْ) أي لا للواجبات، كالعيدين، والوتر، ولا لفرض الكفاية، وهو الجنازة، ولا للسُّنَنِ كالتراويح. والإقامةُ تابعةٌ للأذانِ. وقد روى مسلم عن جابر بن سَمُرة: «صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرةٍ ولا مرتين بغير أذانٍ ولا إقامةٍ». وعن عائشةَ: «خُسِفَتِ الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديًا بـ: الصلاة جامعة». رواه مسلم.
وفي الصحيحين: الأذان للجمعة، (من) (^٢) حديث السائب بن يزيد، فهو بيان
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: (٥٨).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة يقتضيها السياق. وعبارة "فتح القدير": "وفي أذان الجمعة حديث السائب بن يزيد في الصحيح". ١/ ٢١٠ وهي أولى من عبارتنا هنا. وحديث السائب ليس متفقًا عليه، بل هو في "صحيح البخاري" (فتح الباري) ٢/ ٣٩٣، كتاب الجمعة (١١)، باب الأذان يوم الجمعة (٢١)،=
[ ١ / ١٩٩ ]
في وَقْتِهَا، ويُعَادُ لَوْ أُذِّنَ قَبْلَهُ
===
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُوْدِيَ للصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ (^١)، ويعُمُّ المصلّي ولو كان منفردًا، أداءً أو قضاءً، سفرًا أو حضرًا، بلا مشي وكلام فيهما، ولو كان ردَّ سلام لشبهةِ اتصال كلماتهما، واتحاد مكانهما.
وقيل: الأذان واجبٌ لقول محمد: لو أنَّ أهلَ البلدةِ أجْمَعُوا على ترك الأذان لقاتلتهم، ولو ترك واحد لضربته وحبسته. وأُجِيبَ بأن هذا لا يَدُل على الوجوب، لأنه قال أيضًا: لو ترك أهل بلدةٍ سنةً لقاتلتهم عليها، ولو تركها واحدٌ لضَرَبْتُه. وبأن السُّنة إذا كانت من الشعائر يقاتل عليها، والأذَانُ من الشعائر. ومما يدل على أن الأذانَ ليس بواجب: أنه ﵊ عَلَّم الأعرابي الصلاةَ وما تتوقّف عليه، ولم يَذْكُر له الأذان. (في وَقْتِهَا) أي أوقات الفرائض، سواء كان وقتها لأدائها أو لقضائها.
(ويُعَادُ) أي الأذان (لَوْ أُذِّنَ قَبْلَهُ) أي قبل وقت الأداء لعدم الاعتداد بما قبله. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف: يَجُوز الأذانُ للفجر وحده قبل وقته في النصف الأخير من الليل، لما في الصحيحين عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ قال: إن بلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلوا واشْرَبوا حتى تَسْمَعُوا أذانَ ابن أُمِّ مَكْتُوم».
ولنا ما روى مسلم من حديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يصلّي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان، ويخفّفهما». وما أخْرَجَه الطَّحَاويّ والبَيْهَقِيّ عن عبد الكريم الجَزِرِيّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حَفْصة بنت عمر: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ بالفجر، قام فصلّى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد، فحرَّمَ الطعام، وكان لا يُؤَذِّنُ حتى يصبحَ». وعبد الكريم الجَزِرِي قال فيه ابن معين، وابن المَدِينِي: ثَبْتٌ، ثِقَةٌ. وقال الثَوْرِي: ما رأيت مثلَه.
وروى أبو داود عن موسى بن إِسماعيل، وداود بن شَبيب قال: أَخْبَرَنا حمّادٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر قالا: «إن بلالًا أذَّنَ قبل طلوع الفجر، فأَمَرَه النبيُّ ﷺ أن يَرْجِعَ فينادي: ألا إنَّ العبدَ نام»، زاد موسى: «فَرَجَعَ فنادى». وروى البَيْهَقِيّ عن ابنِ عمر: أن النبيَّ ﷺ قال له: «ما حَمَلَكَ على ذلك؟ قال: اسْتَيْقَظْتُ وأنا وَسْنَان (^٢)،
_________________
(١) = رقم (٩١٢)، ولفظه: "كان النداء يوم الجمعة، أوّلُهُ إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبيِّ - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁، وكَثُرَ الناس، زاد النداء الثالث على الزَّوراء". والزوراء: دار عثمان بن عفان ﵁ بالمدينة. "معجم البلدان" ٣/ ١٥٦.
(٢) سورة الجمعة، الآية: (٩).
(٣) الوَشنَان: النائم الذي ليس بِمُسْتَغْرِق في نومه. النهاية: ٥/ ١٨٦.
[ ١ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فظننت أنَّ الفجر قد طلع، فأمره النبيّ ﷺ أن ينادي على نفسه: ألا إنَّ العبدَ قد نام».
وروى الدَّارَقُطْنِي عن أبي يوسف القاضي، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن أنس: «أن بلالًا أذَّنَ قبل الفجر، فأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ أنْ يَصْعَدَ فينادي: إنَّ العبدَ قد نام، فَفَعَلَ، وقال: ليت بلالًا لم تَلِدْهُ أُمّهُ، وابتل مِنْ نضح دم جبينه». وفي رواية قال: «إنَّ العبدَ قد نام» مرتين. لكن قال أبو داود: ورواه الدَّرَاوَرْدِيّ (^١): عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان لعمر مُؤَذِّنٌ يقال له: مسعود»، فذكر نحوه. قال: هذا أصح من ذاك (^٢) . قلت: ولا يبعد تعدد القضية.
وقد روى أبو داود أنه ﵊ قال لبلال: «لا تُؤَذِّن حتى يستبين لك الفجر هكذا»، ومدّ يده عرضًا. وأعَلَّهُ البيهقيُّ بالانقطاع، وهو غير مضرَ عندنا، ويَعْضُدُهُ ما رواه الطّحاوِيّ عن أبي ذر: أنه ﵊ قال لبلال: «إنَّك تُؤَذِّنُ إذا كان الفَجْرُ ساطعًا، وليس ذلك الصُّبْح، إنما الصبحُ هكذا مُعْتَرِضًا». وروى أبو داود بإسنادٍ كل رجاله ثقاتٌ: أنه ﷺ قال: «يا بلال لا تُؤَذِّن حتى يَطْلُعَ الفجر». وقال الطّحَاوِيّ: حديث: «إنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بليل»، على أنَّ الأذانَ كان منه على ظَنِّ طلوع الفجر، ولم يُصِبْ في طلوعه». قال: لِمَا روينا عن أنس أنه ﵊ قال: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بلال، فإن في بصره سوأً».
ولما روينا عن عائشة أنه ﵊ قال: «بلالٌ ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم.
قالت: ولم يَكُنْ بينهما إلا مقدار ما يَنْزِلُ هذا ويَصْعَدُ هذا». قال: فلما كان بين أذانيهما من القُرْب ما ذكرنا، ثبتَ أنهما كانا يَقْصِدَان طلوع الفجرِ، لكن بلال يُخْطِئه، وابن أم مكتوم يصيبه، لأنه لم يكن يُؤَذِّنُ حتى يقولَ له الجماعة: أصبحت.
وفي «الإمام» لابن دقيق العيد: والتعارضُ بينهما لا يتحقق إلا بتقدير أن يكون قوله: «إنَّ بلالًا يؤذن بليل» في سائر العام، وليس كذلك، وإنما كان ذلك في رمضان، يعني بدليل قوله: «كلوا واشربوا».
_________________
(١) حُرِّفت في المخطوطة إلى: الدارقطني. والصواب ما أثبتناه من المطبوعة وسنن أبي داود ١/ ٣٦٥، كتاب الصلاة (٢)، باب في الأذان قبل دخول الوقت (٤٠)، رقم (٥٣٣).
(٢) أي أصح من رواية ثانية عند أبي داود نفسه - في الموضع السابق - قال فيها: إن مؤذنًا لعمر يقال له: مسروح أو غيره.
[ ١ / ٢٠١ ]
ويَتَرَسَّلُ فِيهِ مُسْتقْبِلًا، وأُصْبعَاهُ في أُذُنَيْهِ،
===
والأظهر أن يقال: إن أذان بلال حينئذٍ كان للإعلام بوقت السحور والتَهجُّد ونحوهما، سواء كان بألفاظ الأذان أو بغيرها، على أنَّه إنَّما يتم الاستدلال به لو اكتفى بالأذان الأول، ولم يقع ذلك أصلًا. ثم رأيت البخاري ومسلمًا والطَّحَاوِيّ أخرجوا عن ابن مسعود: أنّ النبي ﷺ قال: «لا يَمْنَعَنَّ أحدَكم أذانُ بلال من سَحوره، فإنه يؤذن - أو قال: ينادي - بليل، لِيَرجِعَ قائِمكُم، ويَنْتَبِهَ نائِمكُم» وذلك لأن الصحابة كانوا فرقتين: فرقةٌ يَتَهَجَّدُون في النصف الأول من الليل، وفرقةٌ في النصف الأخير منه، وكان الفاصل أذان بلال، وإنما كانت الصلاة بأذان ابن أم مكتوم.
ومما يدلّ على أن الأذان لم يكن مرتين ما رواه الأوْزَاعِي، عن الزّهْرِي، عن عُرْوة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سكت المُؤَذِّن بالأذان الأول من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، وأرادت بالأذان الأول احترازًا من الإقامة.
(ويَتَرَسَّلُ) أي يتمهَّل (فِيهِ) أي في الأذان، بأن يفصل بين كل جملتين منه بسكتة يسع فيه الإجابة. لما روى الترمذي والحاكم في «مستدركه». عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «إذا أذَّنْتَ فترسَّل، وإذا أقمت فاحْدُر (^١)، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكْلِهِ، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته». وروى الطَّبَرَاني في «سننه» عن سُوَيد بن غَفَلة قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أنْ نترسَّلَ الأَذانَ، ونَحْدُرَ الإقامة.
(مُسْتَقْبِلًا) لما روينا من استقبال المَلَكِ بهما (وأُصْبَعَاهُ في أُذُنَيْهِ) لقوله ﵊: «إذا أذَّنْتَ فاجعل أُصْبَعيك في أُذُنَيْكَ، فإنَّه أرفع لصوتك» رواه الطَّبَرَانيّ. ولما روى الحاكم في «المستدرك» عن سعد القَرَظ أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أُصْبَعَيه في أُذُنيه، وقال: «إنه أرفعُ لصوتك»، وسعد القَرَظ مؤذن رسول الله ﷺ بقُباء، وسمّي بذلك لأنه كان يتّجر في القَرَظ - محرّكة، وهو: ورق السَّلَم يُدْبَغُ به - فربح فيه، فلزمه فأُضِيفَ إليه: وكان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين غير سعد، وهم: بلال، وابن أم مكتوم وأبو مَحْذُورَة، وهو مؤذنه بمكة.
وأما قول صاحب «الهداية»: وإن لم يفعل، - يعني جعل أصبعيه في أذنيه - فحسن، لأنها ليست بسنة أصلية، ففيه نظر، لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة، مع لفظ الأمر.
_________________
(١) احْدُر: أي أَسْرِع. النهاية: ١/ ٣٥٣.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ولا يَلْحَنُ، ولا يُرَجِّعُ،
===
(ولا يَلْحَنُ) من باب التفعيل، أي لا يتغنّى فيها، بأن نَقَّصَ من الحروف، أو من كيفياتها، وهي الحركات والسَّكنات، أو زاد في شيء منهما. وأما مجرد تحسين الصوت فهو حسن.
رُوِيَ أن رجلًا جاء إلى ابن عمر فقال: إني أحبك في الله، فقال: إني أبغضك في الله، قال: لِمَ؟ قال: بَلَغَنِي أنك تغنِّي في أذانك. وفي «الخلاصة»: ولا بأس بالتحسين من غير تغنَ، فإن تغنّى بِلحْنٍ أو مدَ، أو ما أشبه ذلك يكره، وكذا لو قرأ القرآن. قال شمس الأئمة الحَلْوَانيّ: هذا في الأذكار، أي الوارد في الأذان، وكذا في غيره من الأذكار. قال: فأمَّا قوله: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فلا بأس بإدخال مد ونحوه فيه. انتهى.
وفيه بحث لا يخفى، ويستحب المبالغة في رفع الصوت المُؤَذَّن به، لقوله ﵊: «لا يسمع مدى صوت المُؤذِّن جِنٌ، ولا إنسٌ، ولا شيء إلا شَهِد له يوم القيامة». رواه البخاري.
(ولا يُرَجِّعُ) بتشديد الجيم وكسرها بأن يقول الشهادتين بصوت خَفِيّ، ثم يقولهما بصوتٍ عالٍ. وقال مالكُ والشافعيُّ، وهو رواية عن أحمد: يُرَجِّع، لما رَوَى أبو داود عن أبي مَحْذُورَة، قال: «قلت يا رسول الله: عَلِّمْنِي سنةَ الأذانِ قال: تقول اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، ثم تقول: أشْهَدُ أنَّ لا إله إِلاَّ الله، أشْهَدُ أَنَّ محمّدًا رسول الله، وتَخْفِضُ بهما صوتَك، ثم تَرْفَعُ صوتَك بهما».
ولنا: أن حديث عبد الله بن زيد أصلُ الأذان، ولا ترجيع فيه. وقال أحمدُ بنُ حنبلَ: وهو آخِرُ الأمرين، قيل له: إنَّ أذان أبي مَحْذُورَة بعد فتح مكة، قال: أليس قد رَجَع النبي ﷺ إلى المدينة فَأَقَرَّ بلالًا على أذانِ عبد الله بن زيد.
وروى الطَّبَرَانِيّ في «الأوسط» عن إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي مَحْذُورَة قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي مَحْذُورَة يقول: سمعت أبي - أبا مَحْذُورَة - يقول: أُلْقِيَ على رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا، الله أكبر، الله أكبر … إلى آخره، ولم يَذْكُر فيه ترجيعًا. وأمَّا ما قيل: إنَّ بلالًا رَجَّع، فلم يَصِحَّ، وعدم الترجيع في أذان غير أبي مَحْذُورَة دليلٌ على عدم كَوْنِه من أجزاء الأذان، أو أنَّه من خصائصه لأمرٍ قام به من عدم رفع صوته أولًا، أو على نسخه، ودوامه عليه للتبرك به، فإذا تَعَارضا تساقطا، وتُرَجَّح رواية عدمه.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ويُحَوِّلُ وَجْهَهُ في الحَيْعَلَتَيْنِ يَمْنَةً ويَسْرَةً.
وإنْ لَمْ يَتمَّ الإعْلامُ يَسْتَدِيرُ في المِئْذَنَةِ. والإقَامَةُ مِثْلُهُ،
===
(ويُحَوِّلُ) أي يدير (وَجْهَهُ) أي لا قدميه ولا صدره (في الحَيْعَلَتَيْنِ) أي عند قوله: حيَّ على الصلاة وحيَّ على الفلاح (يَمْنَةً ويَسْرَةً) بفتح أولهما بأنْ يقول: حيَّ على الصلاة مرتين في اليمين، وحيَّ على الفلاح في اليسار مرتين، لِمَا رَوَى الدَّارقُطْنِيّ في «أفراده» من حديث سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ عن بلال قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أذَّنَّا أو أقَمْنَا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها. ولما رَوَى الجماعة من حديث أبي جُحَيْفَة: أنَّه رأى بلالًا يُؤذِّنُ قال: فَجَعلت أتَتَبَّعُ فاهُ ههنا وههنا بالأذان، يقول يمينًا وشمالًا: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح.
ولما في «مسند الإمام إسحاق بن رَاهُويَه»: أخْبرنَا أبو معاوية: حدَّثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، جاء عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي رأيْتُ رجلًا نزل من السماء فقام على جِذْمِ (^١) حائط، فاستقبل القِبلة وقال: الله أكبر، الله أكبر، أشْهَدُ أنْ لا إله إلاَّ الله مرتين، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله مرتين، ثم قال عن يمينه: حيَّ على الصلاة مرتين، ثم قال عن يساره: حيَّ على الفلاح مرتين، ثم استقبل القبلة، فقال: ألله أكبر، ألله أكبر، لا إله إلاَّ الله، ثم قَعَد قَعْدَة، ثم قام فاستقبل القبلة، ففعل ذلك، وقال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.
(وإنْ لَمْ يَتِمَّ الإِعْلَامُ) أي بتحويل وجهه مع الثبات في محله (يَسْتَدِيرُ) أي لتمام الإعلام (في المِئْذَنَةِ) بكسر الميم وسكون الهمزة، ويُبَدِّل موضع الأذان من المنارة وغيرها، ولم يكُنْ في زمنه ﷺ منارةٌ. فقد رَوَى أبو داود من حديث عُروةَ بنِ الزُّبَيْر عن امرأة من بني النَّجّار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المَسجد، فكان بلالٌ يأتي بِسَحَرٍ يَجْلِسُ عليه، فينظر إلى الفجر، فإذا رآه أذَّنَ.
(والإقَامَةُ مِثْلُهُ) أي مثل الأذان في كونه سنةَ الفرائض، وفي عدد كلماته وفي ترتيبها، لِما روى الترمذيُّ عن عبد الله بن زيد أنَّه قال: كان أذانُ رسول الله ﷺ شَفْعًا شَفْعًا، في الأذان والإقامة. ولما روى الترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن أبي مَحْذُورَة قال: علَّمَنِي رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمةً، والإقامة سبع عشرةَ كلمةً، وإنَّما قال: تسعَ عشرةَ كلمةً لأجل الترْجِيع، وقد سبق الكلام عليه.
وروى الطحاويُّ والبيهقيُّ في «الخلافيات» عن أبي العُمَيس قال: سمعت
_________________
(١) الجِذْمُ: الأصل، أراد بَقِيَّة حائط أو قطعة من حائط. النهاية: ١/ ٢٥٢.
[ ١ / ٢٠٤ ]
لَكنْ يَحْدُرُ فِيهَا، ويُزَادُ: قَدْ قَامتِ الصَّلاةُ مَرَّتَيْنِ، وفي الأَذَانِ بَعْدَ الفَلاح في الفَجْرِ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم، مرتين
===
عبد اللهِ بنَ محمد بنِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ الأنصاريَّ يُحَدِّثُ عن أبيه عن جدّه: أنَّه رأى الأَذانَ - يعني في المنام - مَثْنَى مَثْنَى، والإقامةَ مَثْنَى مَثْنَى، قال: فأتَيْتُ النبيّ ﷺ فأخبرته، فقال عَلِّمْهُنَّ بلالًا، قال: فتقدمت فأمرني أنْ أُقِيمَ فَأَقَمْتُ. وعن مالك: أنَّ الإقامةَ فرضٌ، وعلى من تركها الإعادةُ، وهو قول الأوزاعيّ وعطاء ومُجَاهد وابن أبي ليلى وأهل الظاهر، لأنَّه ﵊ أَمَرَ الأَعرابيَّ بها كما أمره بالتكبير والاستقبال.
(لَكِنْ يَحْدُرُ) بضم الدال وبالكسر أي يُسْرِع (فِيهَا) أي في كلمات الإقامة من غير سكتةٍ بينها لما روينا، (ويُزَادُ) على ألفاظِ الأذانِ: (قَدْ قَامتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) لحديث أبي مَحْذُورَة السابق.
(و) يُزَادُ (في الأَذَانِ بَعْدَ الفَلَاح في الفَجْرِ: الصَّلَاة خَيْرٌ من النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ)، لِمَا رَوَى أبو داود في «سُننه» في تعليم النبي ﷺ أبا مَحْذُورَة الأذانَ قال: فإنْ كان صلاة الصُّبْحِ قلت: الصلاة خيرٌ من النوم، الصلاة خير من النوم. ولِمَا في «معجم الطَّبَرانيّ» عن عائشةَ قالت: جاء بلال إلى النبيّ ﷺ يُؤْذِنُه بصلاة الصبح، فوجده نائِمًا فقال: الصلاة خير من النوم. فأُقِرَّت في أذانِ الصُّبْحِ، وفي رواية: فقال النبيُّ ﷺ «ما أَحْسَنَ هذا يا بلال، اجعله في أَذانك»، وزاد في أُخْرى: «إذا أذَّنْتَ للصبح»، فجعل بلال يقولها إذا أَذَّنَ للصبح.
ثم اعلم أنَّ الشافعيّ شَفَعَ معنا في الإقامةِ «قد قامت الصلاة» وحدها، وأَفْرَد البواقي، لِمَا في البخاري وأبي داود والطَّحاوِيّ: أَمَرَ بِلالًا أنْ يَشْفَعَ الأَذانَ، ويُوتر الإِقامة إلا الإقامة.
وأفردها مالك كلها لما في الدَّارقُطْنِي عن عبد الملك بن أبي مَحْذُورَة أنَّه سَمِعَ أباه يقول: إِنَّ النبي ﷺ أمره أنْ يَشْفَعَ الأَذانَ ويُوتِرَ الإِقامة.، وعن يزيد بن أبي عبيد، عن سَلَمة بن الأَكْوَع قال: كان الأَذَانُ على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فُرَادَى. وهكذا رواه أبو داود والنَّسائي والطَّحَاويّ عن ابن عمر، غير أنَّه قال في الأذان: مرتين مرتين، وفي الإقامة: مرة مرة.
ولنا ما في «مصنف ابن أبي شَيْبَة» قال: حَدَّثنا وكيع: حدَّثنا الأعْمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدَّثنا أصحاب محمد ﷺ «أنَّ عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيتُ في المنامِ كَأَنَّ رجلًا
[ ١ / ٢٠٥ ]
ولا يُتَكَلَّمُ فِيهِمَا.
===
قام وعليه بُرْدان أَخْضران، فقام على حائط، فَأَذَّنَ مَثْنَى مَثْنَى، وأقام مَثْنَى مَثْنَى». وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين. وقال الطَّحاوِيّ: «فأَذَّن مَثْنَى، وأقام مَثْنَى، وقَعَد قَعْدَةً فيما بينهما». وزاد في سنن أبي داود: «فاستقبل القبلة».
والجوابُ عن الأمرِ بإيتارها: لأَنها من باب الاختصار في بعض الأحوال تعليمًا للجواز، لا يستمر سُنَّةً، بدليل ما روى الطحاويّ وابن الجَوْزِيّ: أنَّ بلالًا كان يُثَنِّي الإقامة إلى أنْ مات، وبأنَّ إبراهيم النَّخَعِي قال: كانَت الإقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك، فجعلوها واحدة واحدة للسرعة إذا خرجوا - يعني بني أمية ـ.
(ولا يُتَكَلَّمُ) بصيغة المجهول (فِيهِمَا) أي في الأذان والإقامة لأَنَّه ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ كالخُطْبة.
وفي «الخلاصة»: رجل سَلَّمَ على المُؤَذِّن في أذانه، أو عطس وحَمِدَ الله وسمعه المؤذِّن، أو سَلَّم على المصلِّي، أو على قاراء القرآن، أو على الإمام وقت الخطبة. فعن أبي حنيفة: يَرُدُّ السلام ويُشَمِّتُ في نفسه. وعن محمد: يَرُدُّ بعد الفراغ. وعن أبي يوسف: لا يَرُدُّ في نفسه ولا بعد الفراغ، وهو الصحيح، - يعني عدم لزومه - فلا تنافي. واتفقوا على أنَّ المُتَغَوِّطَ لا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ قبل الفراغ ولا بعده. انتهى.
ولا يخفى أنَّ الأفضلَ أنَّه يَرُدُّه بعده، لحديث ورد بذلك (^١) . ويُسْتَحَبُّ إجابة المُؤَذِّن باللسان، فَيُمْسِكُ عن التلاوة، وغيرها، في المسجد وغيره، ويقول السامع مثل المُؤَذِّن في التكبير والشهادتين، ويُحَوْقِلُ في الحيْعَلَتَيْنِ، لأنَّ النبي ﷺ كان إذا سَمِعَ المُؤَذِّن قال مثل ما قال، وإذا قال: حَيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قال: «لَا حَوْلَ ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم». رواه مسلم. وإذا قال: الصلاة خَيْرٌ من النوم في أذان الفجر قال: «صدقت وبَرَرْت، وبالحق نَطَقْت»، لورود الخبر هكذا (^٢) .
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٢٨١، كتاب الحيض (٣)، باب التيم (٢٨)، رقم (١١٥ - ٣٧٠)، بلفظ: أن رجلًا مرّ ورسول الله - ﷺ - يَبُول، فسلَّم فلم يَرُدَّ عليه. وانظر سنن أبي داود ١/ ٢٢، كتاب الطهارة (١)، باب (٨)، رقم (١٧،١٦).
(٢) أورده النووي في "الأذكار" ١/ ٦٦، باب ما يقول من سمع المؤذن. ولم يَعْزُهُ إلى مصدر! وقال ابن عَلَّان في "الفتوحات الربانية": لخبر ورد قاله ابن الرِّفعة، وقال غيره: لم نره في كتب الحديث، وقال بعض العارفين: هو من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. اهـ. ٢/ ١١٠.
[ ١ / ٢٠٦ ]
والتَّثْوِيبُ حَسَنٌ. ويَجْلِسُ بَينَهُما إلَّا في المَغْرِبِ،
===
ثم دعا بعد الفَرَاغ بالوسيلة للنبي ﷺ لقوله ﵊: «إذا سَمِعْتُم المُؤَذِّنَ فَقُولوا مثلَ ما يَقُول، ثم صلّوا عَليَّ، فإنَّه من صلّى عليَّ صلاةً، صلّى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا الله لِيَ الوسيلة، فإنَّها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّة لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ من عباد الله، وأَرجُو أنْ أكُونَ أنا هو، فَمَنْ سأل اللهَ لِيَ الوسيلةَ حَلَّتْ له الشفاعة». رواه مسلم. ولقوله ﵊: «منْ قال حين يسمع النداء: اللهم رَبَّ هذه الدَّعوة التامّة والصلاةِ القائمة، آتِ محمّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حَلَّتْ له شفاعتي يوم القيامة». رواه البخاري.
ولقوله ﵊: «مَنْ قَالَ حين يسمع الأذانَ: وأنا أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، رَضِيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ ﷺ رسولًا، غُفِرَ له ذنوبه». رواه مسلم وغيره. ولِمَا حَكَى ابنُ عمرَ: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله إنَّ المؤذنين يَفْضُلُونَنَا فقال ﵊: «قُلْ ما يقولون، فإذا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ». رواه أبو داود والنَّسائي. وأجاب الأذانَ الأولَ إنْ تكرَّر وإنْ كان في غير مَسجده، لأنَّه حيث سمعه نُدِبَ له أنْ يُجِيبَهُ لِتَحَقُّق السببِ في حَقِّه، فصار كتعدده في مسجده.
(والتَّثْوِيبُ) وهو الإعلام بالصلاة بين الأَذان والإِقامة بحسب ما تعارفه أهل كل بلد من لفظه (حَسَنٌ) في كل صلاة لِتَوَاني الناس في الأمور الدينية. وقال أصحابُنا المتقدمون: إنَّه مكروهٌ في غير الفجر، لما روى الترمذيُّ وابن ماجه من حديث ابن أبي ليلى عن بلال قال: أمرني رسول الله ﷺ أنْ لا أُثَوِّبَ في شيء من الصلاة إلاَّ في الفجر.
قال أصحابُنا: هو أنْ يقول بين الأذان والإقامة: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح مرتين: وقال غيرهُم: هو أنْ يقولَ في أذانِ الفجر: الصلاةُ خيرٌ من النومِ مرتين، ولما رُوِيَ أنَّ عليًا ﵁ رَأَى مُؤَذِّنًا يُثَوِّبُ في العشاء، قال: أخْرِجُوا هذا المُبْتَدِعَ من المسجد. وكذا كَرِهَهُ مالكٌ والشافعيُّ مطلقًا.
(ويَجْلِسُ) أي يَمْكُثُ (بَيْنَهُما) أي بين الأذان والإقامة لِمَا سبق من الحديث، (إلاَّ في المَغْرِبِ) فلا يَجْلِسُ بين أذانها وإقامتها عند أبي حنيفة لاستلزامه تأخير المغرب، وقالا: يَجْلِسُ جَلْسَةً خفيفةً كما في سائر الصلوات. وهذا أَوْفق لإطلاق الحديث.
ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ المُؤَذِّنُ صالحًا لقوله ﵊: «ليُؤَذِّن لكم
[ ١ / ٢٠٧ ]
ويُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ ويُقِيمُ، وكذا لأُولَى الفَوائِتِ، ولِكُلٍّ مِنَ البَوَاقِي يَأْتِي بِهِمَا، أوْ بِهَا وَحْدَهَا.
وكُرِهَ إقَامَةُ المحْدِثِ لا
===
خِيَارُكُم، وليَؤُمَّكم أقْرَؤُكُمْ». رواه أبو داود وابن ماجه. وأنْ يكونَ عالِمًا بالأوقات لقوله ﵊: «الإمامُ ضامنٌ والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللهم أَرْشِد الأئمة واغفر للمؤذنين». رواه أبو داود.
(ويُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ ويُقِيمُ) لِمَا روى أبو داود عن عِمْران بن حُصَيْن: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان في مَسِيرٍ له فناموا عن صلاة الفجر، فَاسْتَيْقَظُوا بحر الشمس، فارْتَفعوا قليلًا حتى اسْتَقَلَّتِ الشمس، ثمَّ أمر مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ، فصلّى رَكْعَتَين قبل الفجر، ثم صلّى الفجر بإقامته وَفْقَ عادته». وفي رواية لأبي داود عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَحَوَّلُوا عن مكانِكم الذي أصابَتْكُم فيه الغَفْلَةُ»، وأمر بلالًا فأذَّنَ وأقامَ فصلّى.
وفي رواية البخاري ومسلم، - واللفظ للبخاري - قال: «سِرْنَا مع رسول الله ﷺ ليلةً فقال القومُ: لو عَرَّسْتَ - أي نزلت - بنا يا رسول الله ﷺ قال: أخافُ أنْ تَنَامُوا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أُوقِظُكُمْ، فاضْطَجَعُوا، وأسْنَد بلالٌ ظهرَه إلى راحلتهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاه فنامَ فَاسْتَيقَظَ رسول الله ﷺ وقد طَلَعَ حَاجِبُ الشمس، فقال: يا بلالُ أيْنَ ما قُلْتَ؟. قال: ما أُلْقِيتْ عَلَيَّ نَوْمةٌ مِثلُها قطُّ، قال: إنَّ اللهَ قَبَضَ أرْوَاحَكُم حينَ شاء، ورَدَّها عليكم حين شاء، يا بلال قم فَأَذِّنْ بالناس للصلاة، فتَوَضَّأَ فلما ارْتَفَعَتِ الشمسُ وابْيَضَّت، قام فصلّى». وفي سياق مسلم: «ثم أَذَّنَ بلالُ بالصلاة، فصلّى النبي ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما يصنع كل يوم». وفيه: «ليس في النوم تفريطٌ، إنَّما التفريطُ على مَنْ لم يُصَلِّ حتى يَجِيءَ وقتُ الصلاةِ الأخرى».
(وكذا) أي يُؤَذِّنُ ويُقِيمُ (لأُولى الفَوائِتِ) لِمَا سبق (ولِكُلَ مِنَ البَوَاقِي يَأْتِي بِهِمَا) أي بالأذانِ والإقامةِ، ليكُونَ القضاءُ على وَفْقِ الأداءِ (أوْ) يأتي (بِهَا) أي بالإقامةِ (وَحْدَهَا) لأَنَّ الأَذان للاستحضارِ وهم حضور، ولقول ابن مسعود: «إنَّ النبيّ ﷺ فاته يوم الخندق أربعُ صلوات، حتى ذهب ما شاء الله من الليل، فأمر بلالًا فأَذَّنَ، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أَقامَ فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء». رواه الترمذي.
(وكُرِهَ إقَامَةُ المحْدِثِ) لأَنَّ الإِقامةَ لم تشرع إلا متصلةً بصلاة مَنْ يُقِيمُ (لا
[ ١ / ٢٠٨ ]
أذَانُهُ، ولم تُعَدْ. وكُرِهَا مِن الجُنُبِ، ولا تُعَادُ هي بَل يُعَادُ هُوَ، كأذَانِ المَرْأةِ والمَجْنُونِ والسَّكْرَانِ. وكُرهَ تَرْكُهُمَا في السَّفَر
===
أذَانُهُ) أي لا يُكْرَه أذانُ المُحْدث لأَنَّه ذِكْرٌ يُسْتَحَبُّ فيه الطهارة، فلا يُكْرَه بدونها كقراءة القرآن، وقيل يُكْرَه، لِمَا روى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لَا يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِّاءٌ». (ولم تُعَدْ) أي الإِقامةُ لأَنَّ تكريرَها غيرُ مشروعٍ.
(وكُرِهَا) أي الأذانُ والإقامةُ (مِنْ الجُنُبِ، ولا تُعَادُ هي) أي الإقامةُ مِنَ الجُنُبِ لِمَا سَبَقَ (بَلْ يُعَادُ) أي استحبابًا (هُوَ) أي الأَذانُ لأَنَّ تكريرَه في الشرع مُعْتَبرٌ في الجُمُعَةِ، فإنَّ الأَذانَ الأَولَ شُرِعَ في زمان عثمانَ، ولأَنَّ الأَذانَ لإعلام الغَائِبين، فتكريرُه مفيدٌ لاحتمال عدم سماع البعض.
(كأذَانِ المَرْأةِ) أي كما كُرِهَ أذانُ المرأةِ واسْتُحِبَّ إعادته، أمَّا كَرَاهةُ أَذَانِها، فلأَنَّها مَنْهِيَّةٌ عن رفع صوتها، وأمَّا استحبابُ إعادتهِ فَلِيَقَعَ على الوجهِ المَسْنُونِ. وسَنَّ الشافعيُّ الإِقامةَ للنساء اعتبارًا لهن بالرجال.
قلت: رُوِيَ عن أَنس وابن عمر: كراهتهما لهن.
(والمَجْنُونِ) عَطْفٌ على الجُنُبِ، أي وكُرِهَا من المَجْنُونِ، وكان حَقُّه أنْ يقول: «ومن المجنون» لَئِلاَّ يُتَوَهَّم عَطْفُه على المرأةِ. (والسَّكْرَانِ) لعدم الوُثُوقِ بقولهما ولفقد تَميزِهما، فَيَتَعَيَّنُ إعادةُ أذانهِما وإقامتِهما، وكذا يُعَادُ أذانُ الصبيِّ الذي لا يَعْقِلُ كما صَرَّحَ به قَاضِيخَان.
(وكُرِهَ تَرْكهُمَا) أي الأَذان والإِقامة جميعًا (في السَّفَرِ) لِمَا روى الجماعة عن مالك بن الحُوَيْرِثِ قال: «أتَيْتُ النبيَّ ﷺ أنا وصاحبٌ لي - وفي رواية: وابنُ عمَ لي، وفي رواية: وكنّا متقاربَين في القراءة ـ، فلما أَرَدْنَا الانصرافَ قال لنا: إذا حَضَرَتِ الصلاة فأَذِّنَا وأَقِيمَا». أي لِيُؤَذِّنْ وَلْيُقِمْ أحدُكما ولَيَؤُمَّكما أكْبَرُكما - أي سنًا أو رتبةً ـ، ولقوله ﵊: «إذا كان الرجلُ بأرضٍ قَفْرٍ فَحَانَتِ الصلاة، فَلْيَتَوَضَّأْ، فإنْ لم يَجدْ فَلْيَتَيمَّمْ، فإنْ أَقَامَ صلَّى معه مَلَكَانِ، وإنْ أَذَّنَ وأَقَامَ صلّى خلفه من جنودِ الله ما لا يُرَى طرفاه». رواه عبد الرَّزَّاق.
ولقول عليّ: المسافرُ بالخيار، إنْ شَاءَ أَذَّنَ وأقام، وإنْ شَاءَ أقام ولم يُؤَذِّن.
وأمَّا قولُ صاحب «الهداية» لقوله: ﵊ لابْنَي أبي مُلَيْكَة: «إذا سَافَرْتُما أَذِّنَا وأَقِيمَا»، فقولهُ: لابْنَي أبي مُلَيْكَةَ، غَلَطٌ، والصوابُ: مالكُ بن الحُوَيْرِث
[ ١ / ٢٠٩ ]
وجَمَاعَةِ المَسْجِدِ، لا في بَيْتِهِ في مِصْرٍ.
===
وابنُ عمَ له، كما تَقَدَّمَ. والله تعالى أعلم.
وفي «الظَّهِيرية»: لَوْ تَرَك في السَّفَرِ الأَذَانَ وحدَه لم يُكْرَه، ولو تَرَكَ الإِقامةَ وحدَها كُرِه، لأَنَّ الأَذانَ لإعلامِ الغائبين، والرفقةُ حاضرون، والإقامةُ لإعلام افتتاح الصلاة، وهم مُحْتاجون إلى ذلك.
(و) في (جَمَاعَةِ المَسْجِدِ) أي: وكذا كُرِهَ تَرْكُهُما في مسجد جماعةٍ، وكذا تَرْكُ واحدٍ منهما لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما سنّةٌ مؤكدةٌ فيها، (لا في بَيْتِهِ) أي لا يُكْرَهُ تَرْكُهما لِمُصَلَ في بيته (في مِصْرٍ) أي إذا فُعِلا في مسجدِ مَحَلَّته، لأَنَّهم لما نَصَّبُوا مؤذِّنًا، صار فعله كفعلهم حكمًا، كما يشير إليه ابن مسعود حين صلَّى بعلقمةَ والأسود في داره بلا أذانٍ ولا إقامة، حيث قال: أذَانُ الحيِّ يَكْفِينَا، رواه الأَثْرَمُ، حكاه سِبْط ابن الجوزيّ وغيرُه. (وفي رواية: إقامة المِصْر تكفينا) (^١) .
وفي رواية: «أنَّ الأسودَ وعَلْقَمَةَ كانا مع عبد الله في الدَّار فقال عبد الله: أصلَّى هؤلاء؟ قالوا: نعم، قال: فصلَّى بهم بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ». رواهما الطبرانيّ.
ولا يُكْرَهُ عندنا إقامةُ غير المُؤَذِّنِ برضاه، وبه قال مالكٌ وكَرِهَهَا الشافعيُّ. أمّا لَوْ لَمْ يَحْضُرْ فلا يُكْرَهُ اتفاقًا. له ما رواه أبو داود والطَّحاويّ عن زياد بن الحارث الصُّدَائِي واللفظ للطَّحاوي، قال: «أَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَلَمَّا كان أَذَانُ الصُّبْحِ، أمَرَنِي فأَذَّنْتُ، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال لِيُقِيمَ، فقال رسول الله ﷺ إنَّ أخا صُدَاء أذَّنَ، ومَن أذَّنَ فهو يُقِيمُ».
ولنا ما روياه أيضًا عن عبد الله بن زيدٍ - واللفظ له أيضًا - قال: «أَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فأَخْبَرْتُه كيف رأيتُ الأذانَ فقال: ألْقِه على بلالٍ فإنَّه أَنْدَى صوتًا منك، فلمَّا أذَّنَ بلالُ نَدِمَ عبدُ الله، فأمره رسول الله ﷺ أَنْ يُقِيم». ولفظ أبي داود: «أنا رأيته وإني كنت أريده، قال: فَأَقِمْ أَنْتَ». وأُجِيبَ بأنَّه إِنَّما أرادَ به تَطْيِيبَ قَلْبِه لفوات إرادته، أو تعليمًا للجواز.
قلنا: وإنَّما مَنَعَ بلالًا منها لعدم رضاءِ الصُّدَائيّ بإقامةِ غيره، لِمَا في أبي داود من قوله: «فجعلت أقولُ: أُقِيمُ يا رسول الله؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى ناحية المشرِق إلى الفجر فيقول: لا، حتى إذا طَلَعَ الفجر - أي أَسْفَرَ - نَزَلَ فَتَبَرَّزَ …» الحديثَ. ولأَنَّ الكراهةَ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٢١٠ ]
وَيَقُومُ الإِمَامُ عِنْدَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، ويَشْرَعُ عِنْدَ: قَدْ قَامَتِ الصلاة.
===
لَيْسَت لِعَيْنِ الذِّكْرَين (^١) بدليل عدمها عند غيبته (^٢)، بل للوحشة بين الذَّاكِرَين، فتنتفي بانتفائها. نعم، الأفضلُ أنْ يكونَ المُؤَذِّنُ هو المُقيمُ.
(وَيَقُومُ الإِمَامُ) والقَومُ (عِنْدَ) قول المقيم (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) لأَنَّهُ أمرٌ بالإقبالِ عليها، فَيُسْتَحَبُّ المُسَارَعَةُ إليها. (ويَشْرَعُ) أي الإمامُ والقومُ معه (عِنْدَ) قول المقيمِ (قَدْ قَامَتِ الصلاة) في قول أبي حنيفةَ ومحمد، وعند الفراغ من الإِقامةِ في قَول أبي يوسف.
والمعنى: إذا فَرَغ المُؤَذِّنُ من قوله: قد قامتِ الصلاة، شَرَعَ الإِمامُ. في «الخلاصة»: هذا هو الأصح، وقيل: مَعْناه أنَّه شَرَعَ فيها قبل تمام هذا القول. وفي «المحيط»: قال الإمام الحَلْوَانيّ: هذا هو الصحيح. وذكر في «الخِزَانة»: أنَّه لو لم يَشْرَعْ حتى فَرَغَ من الأَقامةِ فلا بَأْسَ به. والكلامُ في الاستحباب لا في الجواز. انتهى.
والجمهور على قول أبي يوسف لِيُدْرِكَ المُؤَذِّنُ أوَّلَ صلاة الإِمام، وعليه عَمَلُ أَهْلِ الحَرَمَيْن، والله تعالى أعلم.
وعند مالكٍ والشافعيّ: يُؤَخِّرُ الشُّرُوعَ إلى الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف، لقول النُّعْمَان بنِ بَشِيرٍ: «كان رسولُ الله ﷺ يُسَوِّي صفوفَنا إذا قُمْنَا إلى الصلاة، فإذا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ». ولقول أَنَس: «كان رسول الله ﷺ يقول عن يمينه: اعتدلوا، سَوُّوا صفوفكم، وعن يساره: اعتدلوا، سوُّوا صفوفَكم». رواهما أبو داود.
هذا، ويُكْرَهُ للمُؤَذِّنِ أَخذُ الأجرةِ لِمَا رُوِيَ عن عثمان بن أبي العاص قال: «يا رسول الله ﷺ اجعلني إمامَ قَوْمي، قال: أنت إمامهُم واقْتَدِ بأضعفهم واتخذ مُؤَذِّنًَا لا يَأْخُذُ على أذانه أجرًا». رواه أبو داود بسند حسن. ولأَنَّه أجْرَةٌ على الطاعةِ وهي غيرُ جائزةٍ، وكذا أَخْذُ الأجرةِ على الحجِّ وتعليمِ القرآنِ والفقهِ، ولَكِنَّ المتأخرين جوَّزُوا على التعليمِ والإمامةِ في زماننا لحاجةِ النَّاس وظهورِ التَّوَاني في الأمور الدينية، وعليه الفتوى. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أي: الأذان والإقامة، وفي المخطوط: الذاكرَيْن، والمثبت من المطبوع وهو أولى.
(٢) أي: بدليل عدم الكراهة عند غيبة المؤذن. يعني لو أقام رجلٌ آخر غيرُ المؤذن، عند غيبة المؤذن، لا يُكره.
[ ١ / ٢١١ ]