يَطْهُرُ الشَّيءُ عن نَجَسٍ مَرئيٌّ بَزَوَالِ عَيْنِهِ، وإن بقي أثَرٌ يَشُقُّ زوالُه بالماء، وبكُلِّ مائعٍ مُزِيلٍ.
===
(باب الأنجاس)
أي معرفةِ أنواعِ النجاسة وبيانِ كيفية الطهارة منها. وهو جمعُ نَجَس، وهو في عُرف الفقهاء بفتح الجيم عينُ النجاسة، وبكسرها: ما لا يكونُ طاهرًا، كذا قيل. والأظهرُ أنه الذي يَصيرُ نَجِسًا حين لاقَى نَجَسًا. وفي اللغة يقال: نَجِسَ الشيءُ بالكسر يَنْجَسُ نَجَسًا فهو نَجِس ونَجَسٌ أيضًا، قال تعالى: ﴿إنَّما المشركون نَجَسٌ﴾ (^١) والظاهُر أنَّ المرادَ به المعنى المصدريُّ في الآية للمبالغة في النجاسة الباطنية، لاشتمالِ قلوبهم على العقائد الرَّديَّة.
(يطَهُرُ الشيء) بَدَنًا كان، أو ثوبًا، أو مكانًا، أو غيرَ ذلك (عن نَجَسٍ) بفتح الجيم (مَرْئيّ) أي جِرْمُه (بزوال عينه) لأنَّ تنجُّسَ ذلك الشيء لاتصالِ النجاسة به، فإزالتُها ولو بغَسلةٍ واحدة تطهيرٌ له. وقال الفقيه أبو جعفر: يُغسَلُ بعدَ زوالِ العينِ مرةً أو مرتين، وقيل: ثلاثًا، كذا في «الكافي». (وإِن بقي أثر يَشُقُّ زوالُه) بأن يُحتاجَ في إخراجه إلى نحوِ الصابون والأُشنان (^٢) .
(بالماءِ) متعلِّقٌ بـ يَطْهُرُ، وهو أنسَبُ، أَوْ بزوالِ عينه وهو أقرب.
والأصلُ فيه ما جاء عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إنَّ إحدانا يُصيبُ ثوبَها مِنْ دمٍ الحيض، كيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّه، ثم تَقرُصُه بالماء، ثم تَنْضَحُه، ثم تصلِّي فيه». أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي. وعن أُمِّ قيس بنتِ مِحْصَن أنها سألت رسولَ الله ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: «حُكِّيه بضِلْع (^٣)، واغْسِلِيه بماءٍ وسِدْر (^٤)». أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
(وبكلِّ مائع) ذائبٍ جارٍ كماءِ الورد والخَلِّ (مُزِيلٍ) احتَرَز به عن نحوِ الدُّهنِ واللَّبَنِ والعصير مما ليس بمُزِيلٍ.
_________________
(١) سورة التوبة، آية: (٢٨).
(٢) مر شرحه ص ٧٥، التعليقة رقم (١).
(٣) أي بعُود. النهاية ٦/ ٩٦.
(٤) تقدم شرحها ص ٨٢، التعليقة رقم (٢).
[ ١ / ١٥١ ]
وعن ما لم يُرَ بغَسْلِه وعَصْرِه ثلاثًا إِن أمكَنَ، وإلا يُغسَل ويُترَك إِلى عَدَمِ القَطَرانِ، ثُمَّ وثُمَّ
===
وقال مالك والشافعي ومحمد وزفر: لا يَطْهُرُ النَّجِسُ إلا بالماء، لأنَّ المائع يَتنجَّسُ بأَوَّلِ الملاقاة، والنَّجِسُ لا يُفيدُ الطهارة، لكن تُرِكَ هذا القياسُ في الماءِ بالإِجماع. ولعلَّ سندَهُ جَعْلُه تعالى الماءَ طَهُورًا؟.
ولهما: أنْ الماء مطهِّرٌ لكونه مائعًا مُزِيلًا للنجاسة عن المحلِّ، فكلُّ ما يكون كذلك فهو مطهِّرٌ كالماء. و: ما رَوى البخاري من حديث عائشة أنها قالت: ما كان لإِحدانا إلا ثوبٌ واحدٌ تَحِيضُ فيه. فإذا أصابه شيءٌ من دَمٍ قالَتْ - أي فعَلَتْ - برِيقِها فمَصَعتْه بظُفُرِها». ويُروَى: فقَصَعَتْه. والمَصْعُ بمهملتين: الإِذهابُ، والقَصْعُ بمهملتين: الدَّلْكُ. وفيه أنَّه إنما يَتم الاستدلالُ لو ثبَتَ أنها قد صلَّتْ به، و: كان زائدًا على قَدْرِ العفو، و: اطَّلَع عليه النبيُّ ﷺ و: أَقرَّها عليه.
وذكَرَ التُّمُرْتَاشيُّ: أنَّ الدم إذا غُسِلَ ببولِ ما يُؤكلُ لحمُه تَزولُ نجاسةُ الدمِ وتَبقى نجاسةُ البول. وأمَّا الماءُ المستعَملُ فيجوز به إزالةُ النجاسةِ الحقيقيةِ اتفاقًا.
(وعن ما) أي ويَطهُرُ الشيءُ عن نَجَسٍ (لم يُرَ) أي لم يكن مَرْئيًَّا (بغَسْلهِ وعَصْرِه) من غيرِ لَيِّهِ إلى أن ينقطِعَ تقاطُرُه (ثلاثًا) أي ثلاثَ مرات، وهو قيدٌ لهما. وعن محمد أنَّ العصر في المرَّةِ الثالثة كاف، وهو أرفق، والأوَّلُ ظاهر الرواية. وقيل عن أبي يوسف ومحمد أيضًا: إنه يطْهُرُ إنْ ظُنَّ طهارَتُه بالغَسَلاتِ الثلاث بلا عَصْر، والمدارُ على غلبةِ الظنّ لأنه دليلٌ شرعي. وعند الشافعي رحمه الله تعالى: المرَّةُ كافية. وإنَّما قُدِّرتْ غلبةُ الظن بالثلاثِ لأنها تَحصُلُ عند هذا العدد غالبًا. وقيل: بالسبع دفعًا للوسوسة كما في الاستنجاء.
(إِنْ أمكَنَ) أي عَصْرُه (وإِلا) أي وإن لم يُمكِن عَصْرُه كالخَشَب والجِلْد المدبوغ بالنَّجَس (يُغسَل ويُترك إلى عدم القَطَران) أي قَطْرِ الماء، وهو بفتح القاف والطاء، في آخرِه نون، مَصدَرٌ لقَطَرِ الماء، وهو بفتح الطاء يَقطُرُ بضمها. وفي بعض النسخ: بمثناة فوقية مكان النون، جَمْعُ قطرة. وإنما يُترَكُ إلى ذلك لأنه يقومُ مقامَ العصر. (ثُمَّ) يُغسَل ويُترَك إلى عدَم القَطَرانِ (وثُمَّ) يُغسَل ويُترَك إلى عدَمِ القَطَران، وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: ما لم يُمكِن عصرُه لا يَطْهُر. ويَطهُرُ عند أبي يوسف ما لا يَنعصر إذا تنجَّسَ بغسلِه وتجفيفِه (^١) ثلاثًا كالحنطةِ المتنجِّسة، والخَزَفِ، والخشبِ
_________________
(١) معنى التجفيف هنا: أن يُخَلّيه حتى ينقطع منه التقاطر، ولا تبتل منه اليد، وليس معناه: اليُبْس وانتفاء الرطوبة بالمرّة. أفاده الشيخ عبد الفتاح ﵀. انظر "رد المحتار" ١/ ٢٢١.
[ ١ / ١٥٢ ]
وعن المَنِيّ بغَسْلِهِ أو فَرْكِ يابِسِه.
===
الجديدين، والحصيرِ، والسكينِ المموَّهِ بالماء النَّجِس، واللحمِ المُغْلَى به.
واعلم أنَّ أصلَ مذهبنا في غير المَرْئيَّةِ من النجاسة اعتبارُ غلبة الظن في طهارة محلِّها، لا المرَّةَ الواحدةَ كما اعتَبَرها الشافعي (^١)، بناءً على أنَّ إزالتها حُكمٌ شرعي، فيُكتفَى فيه بالمرَّةِ كالحُكمي.
ولنا أنَّ الحُكميَّ عُرِفَ ثبوتُه بالشرع، وهو حَكَمَ بزوالِه بغسلِه مرَّةً، فإنه ﷺ توضَّأ مرَّةً وقال: «هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاةَ إلا به» (^٢) . فحَكَم بزواله بمرَّة، والحقيقيُّ عُرِفَ ثبوتُه بالحقيقة، فعُرِف زوالُه بها. وذا بتكرار الغَسْل للاستخراج، ولا يُقطَع بزواله، فاعتُبِرَ غلبةُ الظنّ كما في أمر القِبلة. وتُقدَّرُ غلبةُ الظنّ بالغَسْل ثلاثًا لحصولها بها في الأغلب، فأقمنا السببَ الظاهرَ مُقامَها تيسيرًا، ولأنَّ حديث المستيقظِ شَرَطَ الغَسْلَ ثلاثًا عند توهُّمِ النجاسة، فعند تحقُّقِها أَولى.
(وعن المَنِيّ) أي ويَطْهُرُ الشيءُ ثوبًا كان، أو بدنًا، أو مكانًا عنه سواء كان مَنِيَّ رجلٍ أو امرأة (بغَسْلِه) مطلقًا (أو فَرْكِ يابسِه).
واعلم أنَّ المنيَّ نَجِسٌ عندنا وعند مالك، لكن عندنا يجبُ غسلُه أو فركُ يابسِه، وعند مالكٍ وزُفَر: لا يَطهُرُ إلا بالماء.
وعند الشافعي وهو المشهورُ من قولِ أحمد: أنه طاهر، لأنه أصلُ أولياءِ الله. ولِما روى الدارقطني والطبراني عن ابن عباس قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن المنيِّ يصيب الثوبَ؟ فقال: «إنما هو بمنزلة المُخاطِ والبُزاق، وإنَّما يَكفيك أن تَمسحه بخِرقة أو بإذْخِرة» والصحيحُ: أنه موقوفٌ كما في «البيهقي». وأخرج أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يَسلُتُ المنيَّ من ثوبه بعِرْقِ الإِذْخِر، ثم يصلي فيه.
ولنا: ما روى مسلم عن عائشة: كنتُ أفرُكُ المنيَّ مِنْ ثوب رسول الله ﷺ فيُصلي فيه - بالفاء ـ، وفيه أيضًا عن عبد الله بن شهاب الخَوْلَاني قال: «كنتُ نازلًا على عائشة - أي ضيفًا - فاحتلمتُ في ثوبيَّ فغمستُهما في الماء (^٣)، فرأَتْني جارِيَةٌ
_________________
(١) عبارة المطبوعة: "اعتبار غلبة الظن في طهارة محلها، لأن المرة الواحدة كما اعتبرها الشافعي … " والمثبت من المخطوطة.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ١٤٥، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثة (٤٧)، رقم (٤١٩).
(٣) في المخطوطة: "فغسلتهما" والمثبت من المطبوعة وصحيح مسلم ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠، كتاب الطهارة (٢)، باب حكم المني (٣٢)، رقم (١٠٩ - ٢٩٠). ولعل "فغسلتهما" رواية من روايات مسلم.
[ ١ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لعائشة فأخبرَتها، فبعثَتْ إليَّ عائشة فقالت: ما حَمَلك على ما صنعتَ بثوبيك؟ فقلتُ: رأيتُ ما يَرَى النائم، قالت: هل رأيتَ بثوبَيْكَ شيئًا؟ قلتُ: لا، قالت: لو رأيتَ شيئًا غَسَلْتَه، لقد رأيتُنِي وإني لأَحكُّه مِنْ ثوبِ رسول الله ﷺ يابسًا بظُفُري». زاد الطحاوي: «ثم يُصلّي فيه ولا يَغسله».
و: ما روى الدارقطني في «سننه» والبَزَّار في «مسندهِ» عن عائشة قالت: كنتُ أفرُكُ المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسِلُه إذا كان رَطْبًا». وفي رواية: «فيَخرُجُ إلى الصلاة وإنَّ بُقَع الماء لفي ثوبه». وفي «مسلم» عنها: أنه ﷺ كان يَغسلُ المنيَّ ثم يَخرجُ إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه».
و: ما رواه الدارقطني من حديث ثابت بن حمَّاد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيَّب، عن عمَّار بن ياسر قال: أَتى علَي رسولُ الله ﷺ وأنا على بئر أدْلُو ماءً في رَكْوَةٍ لي، فقال: «يا عمَّار ما تصنع»؟ قلتُ: يا رسول الله بأبي وأُمِّي: أَغسِلُ ثوبي مِنْ نُخامةٍ أصابَته، فقال: «يا عمَّار إنما يُغسَلُ الثوبُ من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمنيّ، يا عمَّار ما نُخامَتُك ودُموعُ عينيكَ والماءُ الذي في ركْوَتِك إلا سواء». وفي سَنَدِه ضعيف، وهو ثابتُ بن حمَّاد، لكنْ له مُتابِعٌ عند الطبراني، رواه في «الكبير» من حديث حمَّاد بن سَلَمة عن علي بن زيدٍ سندًا ومتنًا، فبطَلَ جزْمُ البيهقي ببطلانِ الحديث بسببِ أنه لم يَروه عن عليّ بن زيدٍ سوى ثابت، ودُفِعَ قولُه في عليَ هذا - إنَّه غيرُ محتَجَ به ـ: بأنَّ مسلمًا روى له مقرونًا بغيره. وقال العِجْليُّ: لا بأس به، وروى له الحاكم في «المستدرك»، وقال الترمذي: صدوق.
و: ما رواه الطحاوي بسنده:
إِلى معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أُختَه أُمَّ حَبِيبة زوجَ النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يُصلِّي في الثوب الذي يُضاجعكِ فيه؟ قالت: نعم إذا لم يُصبه أذى.
وإِلى عُمَر أنه احتَلَم في السفرِ وقد كاد أن يُصبح، فلم يجد في الرَّكْبِ ماءً، فركِبَ حتى جاء الماءَ فجعل يَغْسِلُ ما رأى من الاحتلام حتى أَسفر، فقال له عَمْرو بن العاص: أَصبحتَ ومعنا ثيابٌ فدَعْ ثوبَك، فقالَ عُمَر: بل أغسِلُ ما رأيتُ، وأَنضَحُ ما لم أَره.
وإِلى أبي هريرة قال في المنيِّ يُصيب الثوبَ: إن رأيتَه فاغسِلْ، وإلا فاغسِلْ
[ ١ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثوب كلَّه.
وإِلى جابرِ بن سَمُرة أنه سُئل عن الرجل يصلي في الثوب الذي يُجامِع فيه أهلَه؟ قال: صَلِّ فيه إلا أن تَرى فيه شيئًا فاغسِله، ولا تَنْضَحْه فإنَّ النضح لا يَزيدُه إلا شَرًا.
وإِلى أنس بن مالك أنه سُئل عن قَطِيفة (^١) أصابَتْها جنابةٌ لا يُدرَى أين موضِعُها؟ قال: اغسِلْها.
وروى ابن أبي شيبة: أنَّ رجلًا سأل عُمَر ﵁ فقال: إني احتَلمتُ على طِنْفِسَة؟ فقال: إن كان رَطْبًا فاغسِلْه، وإن كان يابسًا فاحْكُكْه، وإن خَفِيَ عليك فارْشُشْه بالماء. والطِّنْفسةُ: مثلَّثةُ الطاءِ والفاءِ، وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكسِ: واحدةُ الطنافسِ: للبُسُطِ والثيابِ والحصيرِ من سَعَف عَرْضُه ذراع.
وأُجيب عن قولهم: إنه أصلُ أولياءِ الله تعالى بأنه أصلُ أعدائه، فينبغي أن لا يكون طاهرًا، فإذا تعارَضَا تَسَاقَطَا، فلا يصلح الاستدلالُ في هذه الحال. على أنه لا استبعادَ في أن يتكوَّنَ الطاهرُ مِنْ النَّجِس كاللَّبَنِ من الدَّم، بل إظهارٌ لكمالِ القُدرة.
ثم إذا فُرِكَ المنيُّ حُكِمَ بالطهارةِ عند أبي يوسف ومحمد وهو الأصح، وبتقليلِ النجاسة وتخفيفيها في أظهر الروايتينِ عن أبي حنيفة، فلو أصابه ماءٌ عاد نَجِسًا عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وفي «الخلاصة»: المختارُ أنه لا يعود نَجِسًا.
ولهذه المسألة نظائر (^٢): الخُفُّ إذا أصابه نَجَسٌ فدُلِكَ، والأرضُ إذا أصابها نجاسةٌ وذهَبَ أثرُها، والبِئرُ إذ غار ماؤها وكانت نَجِسةً، وجِلدُ الميتة إذا دُبِغَ بنحوِ الشمس، بخلاف ما إذا دُبِغَ بنحو القَرَظِ - محرَّكةً - وهو وَرَقُ السَّلَم.
ثم البَدَنُ مثلُ الثوبِ في الاكتفاءِ بالفَرْكِ في ظاهر الرواية، لأنَّ البَلْوَى فيه أشدُّ لانفصالِ الثوب عن المنيِّ دون البَدَن، فالتَحقَ به دلالةً. وروى الحسنُ عن أبي حنيفة: أنه لا يُجزاءُ فيه الفَرْكُ، وهو روايةٌ عن أبي يوسف.
_________________
(١) القطفة: ثوب مُخْمَل. مختار الصحاح ص ٢٢٧، مادة (قطف).
(٢) أي هذا الخلاف الذي يجرى في هذا الفرع يجري في نظائر له من كل ما حُكِمَ بطهارته بغير مائع، مع العلم أن المعتَمد في هذه النظائر قول الصاحبين، وهو بقاء طهارتها إذا أصابها الماء. أفاده الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى.
[ ١ / ١٥٥ ]
والخُفُّ عن نَجَسٍ ذي جِرْم بالدَّلكِ بالأرض.
وعن غيرِه بالغَسْلِ فقط، والسيفُ ونحوُه بالمسح، والبِساطُ بجرْي الماء عليه ليلةً، والأرضُ وما اتَّصلَ بها، كالخُصِّ والكَلأ، باليُبْسِ
===
(و) يَطْهُرُ (الخُفُّ) وكذا النَّعْلُ (عن نَجَسٍ ذي جِرْم) سواءٌ كان جِرْمُه منه كالدَّمِ والعَذِرة، أو من غيره كالبول الملتصقِ به تراب، وأيضًا سواء جَفَّ ذو الجِرْم أو لم يَجفَّ، وهو قولُ أبي يوسف وعليه الأكثر، وفي «النهاية»: وعليه الفتوى. وقال أبو حنيفةَ: يُشترَط جفافُ ذي الجِرْم في طهارة الخُفّ (بالدَّلْكِ بالأرض).
وقال محمد وزفر ومالك والشافعي: لا يَطْهُرُ الخُفُّ من غير المنيِّ الجافِّ إلا بالغَسْل كالنجاسة التي لا جِرْم لها (^١) .
ولأبي حنيفة وأبي يوسف ما رواه أبو داود، وابن حبان، وابن خُزيمة، والحاكم وقال: صحيحٌ على شرط مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وَطِيءَ أحدُكم الأَذى بخُفَّيه فطهورُهما التراب». ولما رواه الطحاوي وأبو داود عن أبي سعيد: «إذا جاء أحدُكم المسجدَ فلْيَنظر فإنْ رأى في نعليه قَذَرًا أو أذىً فلْيَمسَحه وليُصلِّ فيهما». لكنَّ أبا حنيفة يقول: إنَّ الرَّطْب لا يزول بالدَّلكِ، فيُشترَطُ الجفاف.
(وعن غيرِه) أي غيرِ ذي الجِرْم (بالغَسْلِ فقط) لأنَّ أجزاء النجاسة تَتشرَّب في الخفِّ فلا تَخرجُ منه إلا بالغَسْل، بخلافِ ذي الجِرْم، فإنه يَجذبُ ما في الخفِّ من الأجزاء النَّجِسة بجِرْمه إذا جَفّ.
(و) يَطْهُرُ (السيفُ) أي الصَّقِيل (ونَحوُه) في الصَّقالةِ وعدمِ المسامّ، سواءٌ كان النَّجَسُ رَطْبًا أو يابسًا (بالمسحِ) لأنَّ الغَسْلَ يُفسده، وفيه خلافُ محمد. ولهما: أنَّ الصحابة كانوا يقتلون الكفَّار بسيوفهم ثم يَمسحونها ويصلُّون معها. وقيَّدْنا بالصقيل لأنه لو كان السيفُ غيرَ صقيل أو كان الثوبُ صقيلًا: لا يَطْهُرُ إلا بالغسل.
(و) يَطْهُر (البِساطُ) أي الكبيرُ الذي لا يُمكن عصره (بجَرْي الماء عليه ليلةً) أي قَدْرَ ليلةٍ أو يوم، لأنَّ بذلك يُظَن زوالُ النجاسةِ منه. والتقديرُ بالليلةِ لقطع الوسوسة.
(و) تَطهرُ (الأرضُ وما اتَّصلَ بها كالخُصِّ) بضم المعجمة وتشديد المهملة: البيتُ مِنْ قَصَبٍ وجَرِيدٍ ونحوهما (والكلأ) وهو بالهمزة مقصورًا: العُشْبُ (باليُبْسِ
_________________
(١) لكن رجع الإمام محمد إلى قول الشيخين: أبي حنيفة وأبي يوسف من طهارة الخُفِّ بالدَّلك، بعد دخول الرَّيّ ومشاهدته فيها بلوى الناس بالأرواث ونحوها. أفاده الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى. انظر "تبيين الحقائق" ١/ ٧١.
[ ١ / ١٥٦ ]
وذهابِ الأثر للصلاةِ لا التيمُّم.
===
وذهابِ الأثر) سواءٌ كان ذلك بشمسٍ أو ريحٍ أو نار. قيَّدَ بالاتصالِ لأنه لو كان منفصلًا لا يَطهُرُ إلا بالغَسْل (للصلاةِ) متعلِّقٌ بـ: تَطْهُرُ المقدَّر، أي تَطْهُرُ في حقِّ الصلاة (لا) في حقِّ (التيمُّم) اتفاقًا. وعن أبي حنيفة: تَطهُرُ للتيمُّم أيضًا (^١) .
أمَّا الطهارةُ للصلاة فلِما روى مالك في «الموطَّأ»، وأبو داود في «سننه»، وابن خُزيمة في «صحيحه» عن ابن عُمَر قال: كنت فتًى شابًا عَزِبًا - بكسر الزاي - أبيتُ في المسجد، وكانت الكلابُ تبولُ وتُقبِلُ وتُدبِرُ في المسجد، فلم يكونوا يَرُشُّون شيئًا من ذلك.
وأمَّا عدَمُ الطهارةِ للتيمّم، فلأنَّ طهارة الأرض للتيمم ثبتَتْ بالكتاب فلا تتأدَّى بما ثبَتَ بخبر الواحد، كما لا يتأدَّى مسحُ الرأس الثابتُ بالكتاب بمسحِ الأُذن الثابتِ كونُها من الرأس بخبر الواحد، وكما لا تتأدَّى التوجُّهُ إلى البيتِ الثابتُ بالكتاب بالتوجُّهِ إلى الحَطِيم الثابتِ كونُه من البيتِ بخبر الواحد.
وقال مالك والشافعي وزفر: لا تَطهُرُ الأرض باليُبس.
ولنا: ما رُوي عن عائشة ومحمد بن الحنفية: ذكاةُ الأرض يُبْسُها (^٢) . وجعَلَه في «الهداية» مرفوعًا، ولم أره. وعن أبي قِلَابة: جُفوفُ الأرض طَهورُها (^٣) . وجعَلَ في «المبسوط» قولَه: أيُّما أرضٍ جَفَّتْ فقد ذَكَتْ، حديثًا مرفوعًا. و: ما في «سنن أبي داود» بابُ طَهورِ الأرض إذا يَبِسَتْ، وأَسنَدَ عن ابن عُمَر قال: كنتُ أبِيتُ في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وكنتُ فتىً شابًّا عَزِبًا، وكانت الكلابُ تَبولُ وتُقبِلُ وتُدبرُ في المسجد، ولم يكونوا يَرُشُون شيئًا من ذلك. انتهى. فلولا اعتبارُ أنها تَطهرُ بالجفاف كان ذلك تبقيةً لها بوصفِ النجاسة، مع العلم بأنهم يقومون عليها في
_________________
(١) قال الزيلعي في "تبيين الحقائق" ١/ ٧٣: وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز التيمم به - أي بالأرض التي كانت نجسة ثم يبست وجفت - فعلى هذا لا فرق بينهما، والظاهر الأول. أي: لا يجوز التيمم بها.
(٢) يريد بذكاتها طهارتها من النجاسة. النهاية ٢/ ١٦٤. والحديث لا أصل له في المرفوع؛ ذكره ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" موقوفًا على أبي جعفر محمد بن علي الباقر بلفظ الكتاب، ١/ ٥٧، كتاب الطهارات، باب الرجل يطأ الموضع القذر. وأخرج عن ابن الحنفية وأبي قِلابة، قال: إذا جفَت الأرض فقد ذَكَت. المصدر السابق، باب من قال: إذا كانت جافة فهو ذكاتها. انظر نصب الراية ١/ ٢١١، والتلخيص الحبير ١/ ٣٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ١٥٨، باب تزيين المساجد والممر في المسجد، رقم (٥١٤٣).
[ ١ / ١٥٧ ]
ويُعفَى ما دون رُبعِ الثوب مِن نَجِسٍ خَفَّ
===
الصلاة البتة لصِغَرِ المسجد وكثرةِ المصلين.
(ويُعفَى ما دون رُبعِ الثوب) وكذا حُكمُ البَدَن.
(مِنْ نَجِسٍ) بكسر الجيم أي ذي نجاسةٍ (خَفَّ) (^١) وهو الصحيحُ من قول أبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف حيث قال: المانعُ شِبْرٌ في شِبْر، وهو روايةُ الحسنِ عن أبي حنيفة، والمذهبُ هو الأوَّل، لأنَّ ما دون رُبعِ الثوب ليس بفاحش، والمانعُ في النجاسةِ الخفيفةِ هو الفاحش، ولقيامِ الربع مقامَ الكُلِّ في وجوبِ الصلاة في ثوبٍ رُبعهُ طاهر، وفي وجوبِ مسح ربعِ الرأس في الوضوء، وفي لزوم الجزاءِ بحَلْقِ رُبعِه وهو مُحرِمٌ، وفي انكشافِ رُبعِ العورة.
فقيل: مرادُهم رُبعُ أدنى ثوب تجوزُ الصلاةُ فيه كالإِزار. وقيل: رُبعُ جميع الثوبِ أو البدن. قال في «المبسوط»: وهو الصحيح. وقيل: رُبعُ الموضعِ الذي أصابته النجاسة كالذَّيْل والكُمِّ والدِّخْرِيصِ (^٢) - معرَّب التَّيرِيز - وكالرِّجْلِ واليَدِ والظَّهرِ والبَطْن، قال صاحب «التحفة»: وهو الأصحّ.
وسبَبُ تخفيف النجاسة عند أبي حنيفة تعارُضُ النَّصَّينِ في طهارتِه ونجاستِه وترجُّحُ النجاسة. وعندَهُما اختلافُ العلماءِ المتقدِّمين من الصحابة والتابعين في طهارتِه ونجاستِه وترجُّحُ النجاسة. وسبَبُ تغليظِ النجاسة عندَهُ عدَمُ تعارضِ النَّصَّين، وعندَهُما عدَمُ اختلافِ العلماء فيها.
وثمرةُ الخلافِ تَظهرُ في الرَّوْثِ والخِثْي والبَعْر، فعندهما نجاسةٌ مخفَّفة لاختلافِ العلماء فيها، وعنده مغلَّظة، لأنَّ ما رواه البخاري من حديث ابن مسعود أنَّ النبي ﷺ ألقى الرَّوثةَ وقال: «إنَّها رِكْس»: لم يُعارِضْه نصٌّ. والرِّكْسُ: بكسر الراء: الرِّجْسُ. والرَّوثُ للفرسِ والبغلِ والحمار. والخِثْيُ بكسر الخاء وسكون الثاء للبقرِ والجاموس. والبَعْرُ للبعيرِ والشَّاة.
وإن مالكًا يَرى طهارتَها، لأنها وقودُ أهل الحرمين (^٣)، وبه يَثبُتُ التخفيفُ
_________________
(١) أي كانت النجاسة فيه من قسم النجاسة الخفيفة.
(٢) الدَّخْرِيص: الشق في أسفل الثوب ليساعد لابسه على المشي. معجم لغة الفقهاء ص ٢٠٧.
(٣) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة ﵀: هذا التعليل عليل لا أصل له في كتب السادة المالكية، وقد راجعت الكثير منها: المطولات والمختصرات، راجعت من شروح "مختصر خليل" شرح الخطَّاب =
[ ١ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عندهما، وهو الأظهرُ لعموم البَلْوَى بامتلاءِ الطرق بها، بخلافِ بولِ الحمار وغيره مما لا يؤكلُ لحمُه، فإنَّ الأرض تَنْشَفُه.
وطهَّرها محمدٌ آخِرًا وقال: لا يَمنعُ الرَّوثُ وإنْ فَحُش، لِمَا رأى مِنْ بَلْوَى الناس من امتلاءِ الطرق والخانَاتِ بها لمَّا دخَلَ الرَّيَّ مع الخليفة. وقاس المشايخُ على هذا طينَ بخارى، لأنَّ ممشَى الناسِ والدَّوابِّ فيها واحد، وعند ذلك رُويَ رجوعُه في الخُفّ حتى قال: إذا أصابَتْه عَذِرَةٌ يَطهُرُ بالدَّلْك، وفي الرَّوثِ لا يُحتاج إليه عنده.
وأمَّا قولُ النَّسائيِّ: هو طعامُ الجِنِّ - أي دَوابِّهم - فتفسيرٌ من حيث الشريعة لا من حيث اللغة، لِما روى مسلم والترمذي واللفظ له من حديث ابن مسعود (^١) قال:
_________________
(١) = والموَّاق والخرشي، ومن شروح "رسالة ابن أبي زيد القيرواني" شرح زروق وابن ناجي وأبي الحسن والنفراوي، وراجحت "الذخيرة" للقرافي و"الشرح الصغير" للدردير و"إرشاد السالك" للشهاب البغدادي و"القوانين الفقهية" لابن جزي و"بداية المجتهد" لابن رشد و"الفقه على المذاهب الأربعة". فلم أرَ لهذا التعليل ذكرًا. ثم فيما نقله الشارح عن مذهب مالك تسامح كبير منه، فإن مالكًا يرى طهارة فضلات الحيوان المباح أكله، أما المحرم أو المكروه أكله ففضلا - له نجسة عنده، ومن الححرم أكله عنده: الفرس والبغل والحمار. ثم يشترط في طهارة فضلات المباح أكله شرط، وهو أن لا يكون قد أكل أو شرب النجاسة، فإن أكلها أو شربها ففضلاته نجسة. وهذه عبارة "الشرح الصغير" للدردير ١: ٢٢ و٢٣ و٢٦ "ومن الطاهر فضلة الحيوان المباح أكله من روث وبعر وبول وزبل دجاج وحمام وجميع الطور ما لم يستعمل النجاسة، فإن استعملها أكلًا أو شربًا ففضلته نجسة، ومن النجس: فضلة غير مباح الأكل كالخيل والبغال والحمير، أو مكروهة كالهر والسبع، و: فضلة مستعمل النجاسة من الطيور كالدجاج وغيره أكلًا أو شربًا. فإذا شربت البهائم من الماء المتنجس أو أكلت نجاسة ففضلتها من بول أو روث نجسة". واستدل المالكية لطهارة فضلات المباح أكله بما قاله الخرشي في "شرح مختصر خليل" (١: ٨٦ و٩٤ "مقتضى القياس أن تكون الأرواث والأبوال نجسة من كل حيوان كما قال المخالف للاستقذار. خرج المباح بدليل وهو طوافه ﵇ على بحير، وتجويزه الصلاة على مرابض الغنم، وبقى ماعداه على الأصل. ويستحب عند مالك غسل بول المباح وعذرته الطاهرة من الثوب ونحوه، إما لاستقذاره أو مراعاة للخلاف". واستدل القرافي في "الذخيرة" ١: ١٧٧ على طهارتها بحديث العرنيين الذين أمرهم الرسول بشرب أبوال الإبل وألبانها. وتبين لك من هذا كله بطلان التعليل الذي أورد الشارح رحمه الله تعالى وفقد الدقة والضبط فيما نقله من مذهب مالك ﵁. اهـ. نقلًا عن تعليق الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى على "فتح باب العناية" ١/ ٢٥١ - ٢٥٢.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "من حديث أبي سعيد قال، ولعله سهو من الشارح ﵀. إذ هو عند مسلم ١/ ٣٣٢، كتاب الصلاة (٤)، باب الجهر كالقراءة في الصبح .. (٣٣)، رقم (١٥٠ - ٤٥٠). =
[ ١ / ١٥٩ ]
كبولِ فرسِ وما أُكِلَ، وخُرءِ طيرٍ لا يُؤكل. وأمَّا خُرءُ طيرٍ يوْكَلُ فطاهِرٌ
===
قال رسول الله ﷺ «لا تستنجوا بالرَّوثِ ولا بالعظام، فإنَّهُ زادُ إخوانِكم مِنْ الجِنّ».
(كبول فرسٍ وما أُكِلَ) أي لحمُه. وهذا مثالٌ للنَّجِس الخفيف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: بولُ الفرس وما أُكِلَ لحمُه طاهر.
وقال مالك وأحمد: بولُ ما أُكِلَ وَرَوْثُه طاهرٌ، لحديث العُرَنِيِّين من أنه ﵊ أَمَرَهم بشُربِ أبوالِ الإِبل وألبانِها، وهو حديثٌ متفق عليه. ولِما رواه البَرَاءُ قال: قال رسول الله ﷺ «لا بأسَ ببولِ ما يُؤكلُ لحمُه». وفي روايةِ جابر: «ما أُكِلَ لحمُه فلا بأسَ ببوله». رواهما أحمد والدارقطني. ولحمُ الفرسِ مأكولٌ عند محمد.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف قولُه ﵊: «استنزِهوا من البولِ فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه». أخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال: على شرطهما، ورواه الدارقطني عن أنس.
فيجوز عندهم شربُ بولِ ما يُؤكل لحمُه للتداوي وغيره، ويجوز عند أبي يوسف للتداوي.
ولا يجوز عند أبي حنيفة مطلقًا. وأُجيبَ عن إطلاقِ شُربه ﵊ للعُرَنِيِّين بأنه إمَّا منسوخ، أو اطلَّعَ ﵊ بالوحي أو المنام على أنَّ شفاءَهم فيه.
(وخُرءِ طيرٍ) بفتح الخاءِ وضَمِّها وسكون الراء (لا يُؤكل) أي لحمُه. وهذا أيضًا مثالٌ للنَّجِس الخفيف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد مغلَّظ. وقيل: طاهر، وصحَّحه السَّرَخْسِيّ. فوَجْهُ الطهارةِ عدَمُ الأمرِ بتنحيةِ الطيور عن المساجد، وذلك دليلٌ على طهارةِ خُرئِها، ووَجْهُ التغليظِ أنه لا تكثر إصابتُه للثياب، وقد تغيَّر بطبع الحيوان فصار كخرء الدجاجةِ والبَطِّ. ووَجْهُ التخفيفِ عمومُ البلْوَى به والضرورةُ.
(وأمَّا خرءُ طيرٍ يُؤكلُ) أي لحمُه (فطاهِرٌ)، وبه قال مالك، لأنَّ في التوقي عنه حرجًا.
ونجَّسَه الشافعي لإِحالةِ الطبع إيَّاه إلى نَتْنٍ وفساد.
_________________
(١) = والترمذي ١/ ٢٩، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به (١٤)، رقم (١٨)، عن ابن مسعود، وليس عن أبي سعيد الخُدْري.
[ ١ / ١٦٠ ]
إِلا الدَّجاجَ فإنه غَلِيظٌ كسائرِ ما خرَجَ من المَخرجَيْنِ
===
ولنا أنَّ عبدَ الله بن مسعود خَرِئتْ عليه حمامةٌ فمسَحَهُ بإصبعه (^١) . وابنُ عُمَر زَرَقَ عليه طائر فمسَحَهُ بحَصَاةٍ وصلَّى ولم يَغسله. ولأنَّ إجماعَ الناس على تركِ الحَمَامات في المساجد مع القدرةِ على إخراجها إجماعٌ منهم على طهارته، ولأنها تَزْرُقُ من الهواء، والحرَجُ لاحقٌ بسبب التوقي عن ذلك، فيَسقُطُ اعتبارُ نجاسته، بخلافِ الدجاجةِ والبطِّ لإِمكانِ التحامي عنه.
وفيه نظر، لاحتمالِ سقوطِ حكمِ القليلِ للضرورة، كما سقَطَ حكمُ قدْرِ الدرهم من المغلَّظة وما دون الرُّبع من المخفَّفةِ مع بقاءِ وصفِ النجاسة، ولا ضرورةَ إلى حكم الطهارة.
(إلا الدَّجاج) بفتح أوله ويُثَلَّث. وكذا البَطُّ الأهلي والأوَزُّ (فإنَّه غليظ) لأنَّ التوقِّي عنه لا حرَجَ فيه (كسائِر) أي كباقي (ما خرَجَ من المَخرجَيْن) وهو خُرء الفَرَس، وخُرءُ ما يؤكل لحمُه، وبولُ ما لا يؤكلُ لحمه، وخُرءُه، وبولُ الآدمي، وخُرءُه، ونَجْوُ الكلب، ورَجيعُ السباع، ولُعابُها لتولُّدِه من لحمها، وما يَنقُضُ الطهارةَ بخروجه من بَدَنِ الإِنسان، فهذه الأشياء نجاسَتُها غليظة اتفاقًا.
أمَّا عند أبي حنيفة فلورُودِ النَّصِّ في نجاستها من غير مُعارِض، وهو قولُه تعالى: ﴿ويُحرَّمُ عليهم الخبائثَ﴾ (^٢) . والطباعُ السليمةُ تَستخبثُ هذه الأشياء. والتحريمُ لا لاحترامِها آيةُ نجاستِها. وأمَّا عندهما فلعدمِ مساغِ الاجتهاد في طهارتها.
وأمَّا خُرء الفأر وبولُه فمعفوٌّ عنه في الطعامِ والثوبِ لعدمِ إمكان التحامي عنه، لأنَّ الفأرة غالبًا تخرجُ في الليالي وتَدخُل المضايق، بخلاف الماءِ فإنَّ حفظه ممكن، كذا في «شرح تحفة الملوك» للعَيْني.
وقال الشافعي وأحمد: يَكفي في بولِ الطفل الذي لم يَطْعَم ولم يَشرب إلا اللبنَ الرَّشُّ بالماء، ويَتعيَّنُ في بولِ الصَّبِيَّةِ الغَسلُ لورود النَّضْحِ في بولِ الصبيِّ دون الصَبيَّة.
وأجاب الطحاوي بأنَّ النَّضح الوارد في بول الصبيَّ المراد به الصبُّ، لما روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أُتي رسولُ الله ﷺ بصبيّ فبال عليه، فقال: «صُبُّوا عليه الماءَ صبًّا». قال: فعُلِمَ منه أنَّ حُكَم بولِ الغلام الغَسلُ، إلا أنَّه
_________________
(١) مر تخريجه ص ٩٨.
(٢) سورة الأعراف، آية: (١٥٧).
[ ١ / ١٦١ ]
والدَّمِ والخمرِ،
===
يُجزئِ فيه الصبُّ، وحُكمَ بولِ الجارية أيضًا الغَسلُ، إلا أنه لا يَكفي فيه الصبُّ، لأنَّ بولَ الغلام يكونُ في موضعٍ واحدٍ لضيقِ مخرجه، وبولَ الجارية يتفرَّقُ في مواضع لسعةِ مَخْرَجِها.
(والدَّمِ) أي وكالدَّمِ السائل، لا الباقي في عُروق لحمِ المذبوح، لقوله تعالى: ﴿أو دَمًا مسفوحًا﴾ (^١) . كذا لحمُ الميتةِ ذاتِ الدم وإهابُها قبل الدبغ، وليس دمُ البراغيث بشيء، لأنه ليس بدمٍ سائل، ولعدمِ إمكان الامتناع منه خصوصًا في زمان الصيف، لا سيَّما في حقّ من ليس له إلا ثوبٌ واحد ينام فيه، كما كان لأصحاب الصُّفَّة في عهد النبي ﷺ
(والخمرِ) لقوله ﷾: ﴿إنَّما الخمرُ والمَيْسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ﴾ (^٢) .
قال ابنُ أمير الحاجّ في «شرح المُنية»: لم أقف في كتب المذهب على ذِكرِ الزَّبَادِ (^٣) بطهارةٍ ولا نجاسة، والظاهرُ طهارتُه كما ذكره غيرُ واحد من متأخري الشافعية، قال شيخُنا، يعني ابنَ الهُمَام: وذاكرتُ بعض الإِخوان من المغاربة في الزَّبَاد فقلتُ: إنه يقال: إنَّه عَرَقُ حيوان مُحرَّمِ الأكل. فقال: ما يُحِيلُه الطَّبعُ إلى صلاحٍ كالطِّيبِيَّةِ يَخرجُ من النجاسة كالمِسك، انتهى. زاد البِرْجَندِي: فإنه وإن كان دمًا فقد
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: (١٤٥).
(٢) سورة المائدة، آية: (٩). تتمة مهمة: أغفل الشارح رحمه الله تعالى بيان حكم باقي المسكرات غير الخمر، وقال العلامة الحَصْكفي في "الدر المختار" ١/ ٢١٣: "وفي باقي الأشربة المسكرة - غير الخمر - ثلاث روايات: التغليظ، والتخفيف، والطهارة، ورجَّح في "البحر" التغليظ، ورجَّح في "النهر" التخفيف. انتهى. فعلى رواية التخفيف يُعفى عما دون ربع الثوب المصاب أو البدن. وكان العلّامة أحمد الزرقا شيخ شيوخنا في حلب (رحمه الله تعالى) يعتمد رواية الطهارة ويُفتي بها. وكان شيخنا العلامة المحقق الكوثري رحمه الله تعالى يقول: المسكر غير الخمر - كالإسبرتو - يجوز استعماله، ويَحْرُم شربه، وَيذْكُر أن هذا مذهب الإمام أبي حنيفة. ولا يخفى أن فتوى هذين الشيخين الجليلين فيها يسرٌ وسماحة للناس، لشيوع استعمال هذه المادة الهامة (الإسبرتو) في كثير من مرافق الحياة اليوم ولا ريب أن التنزه عن استعمالها لمن استطاعه أولى، لما فيها من اختلاف العلماء في طهارتها، والله تعالى أعلم. انتهى مما أفاده الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة رحمه الله تعالى.
(٣) الزَّبَاد: حيوان ثدييّ من الفصيلة الزبادية قريب من السنانير، له كيس عطر قريب من الشرج يفرز مادة دهنية تستخدم في الشرق أساسًا للعطر. المعجم الوسيط. ص ٣٨٨، مادة (زبد).
[ ١ / ١٦٢ ]
ويُعفَى منه قدْرُ الدِّرهم. وهو مِقالٌ في الكثيف، وقدْرُ عَرْضِ الكَفّ في الرقيق.
وبولٌ انتَضَح مِثلَ رُؤس الإبَر ليس بشيء. وماءٌ ورَدَ على نَجَسٍ نَجِسٌ، كعكسه. ورَمادُ القَذَرِ طاهرٌ كحمارٍ صار مِلْحًا.
===
تغيَّرَ فصار كرَمَادِ العَذِرَة.
(ويُعفَى منه) أي من الغليظ (قدْرُ الدِّرهم).
قال الشافعي وزفر: لا يُعفَى من النجاسة شيء، لأنَّ النصَّ الموجِبَ لتطهير النجاسة لم يُفصِّل بين قليلها وكثيرها. وقال مالك: كلُّ نجاسةٍ سوى الدَّمِ لا يُصلَّى بشيءٍ منها، لأنها يُمكن الاحترازُ عن جنسها.
ولنا أنَّ القليل من النجاسة لا يمكن التحرُّزُ عنه فكان عفْوًا. وقدَّرناه بالدرهم أخذًا من موضعِ الاستنجاء، قال النَّخَعِي: أرادوا أن يقولوا: قَدْرَ المَقْعَد فاستقبحوه، فقالوا: قَدْرَ الدرهم، لأنه لا يزيد على مساحة الدرهم. وعن محمد الاعتبارُ بوزنِ الدرهمِ الكبير الذي قَدْرُه مثقال. وعنه الاعتبارُ بمِساحةِ الدرهم، وهو قَدْرُ عَرْضِ الكَفّ. ووفَّق أبو جعفرٍ بين الروايتين فقال:
(وهو مِثقالٌ في الكثيف) كالخُرء (وقدْرُ عَرْضِ الكَفّ في الرقيق) كالبولِ والخمر، وذلك لقول عُمَر ﵁: مِثلُ ظُفري هذا لا يَمنع حتى يكونَ أكثرَ منه. وظُفُره كان قريبًا مِنْ كفِّنا. ذكره العَيْني، وهو غريبٌ جدًا.
(وبولٌ انتَضَح) أي على البائلِ ونحوِه (مِثلَ رُؤوس الإِبَر) وفي «شرح الكنز»: وكذا إذا كان مثلَ جانِبها الآخر (ليس بشيء) لأنه لا يمكن الاحترازُ منه.
(وماءٌ) بهمزة في آخره (ورَدَ على نَجَسٍ) بالفتح (نَجِسٌ) بالكسر، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: ليس بنَجِس، لأمره ﷺ بصبِّ دلوٍ من ماء على بولِ الأعرابي الذي بالَ في المسجِد.
ولنا ما أشار إليه المصنِّفُ بقوله: (كعكسِه) وهو القياسُ على نَجَسٍ ورَدَ على ماءٍ، فإنه يَنْجُسُ اتفاقًا. وأُجيبَ عن حديث الأعرابي بأنه محمول على أنَّ الأرض كانت رَخْوَة، فيَنْقُلُ الماءُ بصبِّه فيها النجاسةَ إلى باطنها فيَطْهرُ ظاهرُها.
(ورَمَادُ القَذَرِ) بفتح القاف والذال المعجمة: العَذِرَةُ ونحوُها (طاهرٌ كحمارٍ صار مِلْحًا) بوقوعه في مِمْلَحة. ونظيرُه في الشرع النُّطفةُ نَجِسةٌ، وتَصيرُ عَلقَة وهي نَجِسة،
[ ١ / ١٦٣ ]
ويُصلَّى على ثوبٍ بطانتُه نَجِسة، وعلى طَرَفِ بساطٍ طَرَفٌ آخَرُ منه نَجسٌ، وفي ثوبِ ظهَرَ فيه مِن نَجَسٍ نُدُوَّةٌ لا يَقطُرُ شيء إِن عُصِرَ، أو وُضِعَ رَطْبًا على ما طُيِّنَ بطينٍ فيه
===
وتصيرُ مُضغةً فتَطهُر. والعصيرُ طاهرٌ. فيَصيرُ خمرًا فيَنْجُس، فيَصيرُ خَلًا فيَطهُر، فعَرَفنا أنَّ استحالة العينِ تَستتبِعُ زوالَ الوصفِ المرتَّبِ عليها، لأنه استحالَ بطبعه وصُورته. وقال أبو يوسف: ليس بطاهر، لأن أجزاء ذلك النَّجَس باقية من وجه.
(ويُصلَّى على ثوبٍ) أي لا فيه (بِطانتُه نَجِسة) أمَّا إذا لم تكن البطانة مُضرَّبةً أو مَخِيطةً على الظِّهارة (^١) فبالاتفاق، لأنه يكون كثوبينِ بُسِطَ الطَّاهِرُ منهما على النَّجِس. وأمَّا إذا كان أحدُهما مَخِيطًا على الآخر فعند محمد يجوز، لأنَّ الاتصال بينهما اتصالُ مجاورة لا اتصالُ تركيب، وعند أبي يوسف لا يجوز، لأنَّ اتصالهما اتصال تركيب، كما لو كانت النجاسة في حَشْوِ جُبَّتِه أو بِطانتِها.
(وعلى طَرِفِ بِساطٍ طَرَفٌ آخَرُ منه) وفي بعض النسخ: طرفه الآخرُ (نجسٌ) كبيرًا كان البساطُ أو صغيرًا، لأنه بمنزلة الأرض، فيُشتَرطُ فيه طهارة موضع الصلاة. فَقيدُ الطَّرَفِ اتفاقيٌّ. وقيل: إذا كان البساطُ كبِيرًا بحيث لو رُفِعَ أحَدُ طرفيه لا يَتحرَّكُ الطَّرَفُ الآخَرُ جاز وإلا فلا، والأول أصح.
ثم الأصحُّ أنَّ النافِجة (^٢) طاهرةٌ بكلِّ حال، سواء تكون من حيوانٍ مُذَكَّى أو غيرِ مُذَكَّى، على ما ذكره الزيلعي في «شرح الكنز».
(وفي ثوبٍ) عطفٌ على قوله: على ثوبٍ، أو على طرفِ بساط، أي ويُصلَّى في ثوبٍ (ظَهَرَ فيه مِنْ نَجَسٍ) بفتح الجيم (نُدُوَّةٌ) بضم النون والدال وتشديد الواو، أي رطوبةٌ قليلة بحيث (لا يَقطُر شيء) أي منه (إِنْ عُصِرَ) وفيه اختلافُ المشايخ (^٣) .
(أو وُضِعَ) عطفٌ على ظهَرَ، أي ويُصلَّى في ثوبٍ وُضِعَ حالَ كونه (رَطْبًا على ما) أي على شيءٍ (طُيِّنَ) بضم الطاء وتشديد الياء مكسورة، أي خُلِطَ (بطِينٍ فيه
_________________
(١) الظَّهارة من الثوب: ما يظهر للعين منه ولا يلي الجسد، وهو خلاف البطانة. المعجم الوسيط ص ٥٧٨، مادة (ظهر).
(٢) النَّافجة: وعاء المسك. يعني الجلدة التي يجتمع فيها. القاموس المحيط ص ٢٦٦، مادة (نفج). بتصرف.
(٣) قال ابن عابدين في "رد المحتار" ١/ ٢٣١: اعلم أنه إذا لف طاهر جاف في نجس مبتلّ واكتسب الطاهر منه، اختلف فيه المشايخ، فقيل: يتنجس الطاهر، واختار الحَلْوَاني أنه لا يتنجس إِن كان الطاهر بحيث لا يسيل منه شيء ولا يتقاطر لو عصر، وهو الأصح.
[ ١ / ١٦٤ ]
سِرْقِين فيَبِسَ، أو نُسيَ محلُّ النجاسة منه، فغُسِلَ طرَفٌ منه، كحِنطةٍ بالَ عليها حُمُرٌ تَدُوسُها، فغُسِلَ بعضُها، أو ذهَبَ، فإنها تَطهُرُ.