هو دَمٌ يَنفُضُه رَحِمُ بالغةٍ لا دَاءَ بها ولا إِياس. وأقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام ولياليها. وأكثرُه عشرة
===
بالإِجماع، لأنَّ مُدَّة المسافر قبلَ استكمالِها تصيرُ مُدَّة المقيم عند الإِقامة، والله أعلم.
(باب الحيض)
هو في أصل اللغة مصدَرُ حاضَ يَحيضُ إذا سال، وفي الشرع: (هو دَمٌ يَنفُضُه) بضم الفاء، أي يَدفَعُه ويَدفُقُه (رَحِمُ بالغةٍ) أي فرجُ آدميَّةٍ أقلُّ عُمرِها تسعُ سنين على المختار، وقيل: ستُّ سنين، وقيل: ضِعْفُها. فخرج ما لا يكون من الفرج، كالرُّعاف، ودَمِ الجراحات، والاستحاضةِ، وما يكون منه ولكن من غير آدمية، وما يكون منه إلا أنه من غير بالغة (^١) (لا دَاء بها) فخرج ما يكون لمرضٍ أو حَبَلٍ أو نِفاس (ولا إِياسَ) فخرج ما تراه الآيِسةُ، وهي عند أكثرهم: بنتُ ستين سنة، وقيل: بنتُ خمس وخمسين، وهو المختار كما في «الظهيرية»، وقيل: بنتُ خمس وأربعين، وفي «الكفاية»: والفتوى في زماننا على أنه خمسون سنة.
(وأقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام ولياليها) أي الثلاثُ، وروى الحسن عن أبي حنيفة: ثلاثةُ أيام والليلتانِ المتخللتان، وعن أبي يوسف: يومانِ وأكثَرُ اليوم الثالث.
وقال الشافعي وأحمد: يومٌ وليلة. وقال مالك: لا حَدَّ لأقلِّه لإِطلاق قوله تعالى: ﴿فاعتَزِلُوا النِّساءَ في المحيض﴾ (^٢) .
والصحيحُ عندنا أنها تَترك الصومَ والصَلاةَ عند رُؤيةِ الدم وإن احتمل انقطاعُه دون الثلاث، لأنَّ الأصل الصحَّة، والحيضُ دَمُ صِحَّة. وروى ابن وَهْب عن مالك: أن أقلَّه في العِدَّة والاستبراءِ ثلاثة أيام ولياليها.
(وأكثرُه عشرة) وقال مالك والشافعي وأحمد وهو قولُ أبي حنيفة الأول: خمسةَ عشرَ يومًا، لأنَّ المرجع في ذلك إلى العُرفِ، وهو كذلك على ما قال عطاءٌ: رأيتُ مِنْ النساءِ مَنْ كانت تحيض يومًا، ومَنْ كانت تحيض خمسةَ عشرَ يومًا. وقال أبو عبد الله الزُّهري: كانتْ مِنْ نسائنا من تحيض يومًا، ومَنْ تحيضُ خمسةَ عشرَ
_________________
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "وما يكون منها إلا أنها … " والمثبت من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى. "فتح باب العناية" ١/ ٢٠١.
(٢) سورة البقرة، آية: (٢٢٢).
[ ١ / ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يومًا.
ولنا قولُه ﷺ في حديثِ أُمِّ سَلَمة الصحيحِ لمَّا سأَلتْه عن المرأة التي تُهراقُ الدَّمَ: «لِتَنْظرْ عدَدَ الأيام والليالي التي كانت تحيض من الشهر ثم لتَغتسِلْ ثم لتُصَلِّ» (^١) . حيث أجابها ﷺ بذكر الأيام مِنْ غير سؤال عن حيضها قبلَ ذلك، وأكثَرُ ما يَتناولُ لفظُ الأيام عشرة، وأقلُّه ثلاثة.
وروى الطبرانيُّ في «معجمه»: عن أبي أُمامة، والدارقطنيُّ عنه: أنْ النبي ﷺ قال: «أقلُّ الحيض للجارية البكرِ والثيِّبِ ثلاثة، وأكثرُ ما يكون عشَرَة أيام، فإذا زاد فهي استحاضة».
وروى الدارقطني عن واثِلة بن الأَسْقَع مرفوعًا: «أقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام وأكثرُهُ عشرة أيام».
وروى ابن عَدِي في «الكامل»: عن أنس مرفوعًا ولفظُه: «الحيضُ ثلاثة أيام، وأربعةٌ، وخمسةٌ، وستةٌ، وسبعةٌ، وثمانيةٌ، وتسعةٌ، وعشرةٌ، فإذا جاوزت العشرة فهي مستحاضة».
وروى الدارقطني عن أنس قال: هي حائض فيما بينها وبين عشرة، فإذا زادت فهي مستحاضة.
وروى ابن عدي عن معاذ بن جبل مرفوعًا: «لا حَيْضَ دون ثلاثة أيام، ولا حيضَ فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، تتوضَّأُ لكلِّ صلاة إلا أيامَ أقرائها، ولا نِفاسَ دون أُسبوعين، ولا نِفاسَ فوق أربعين يومًا، فإن رأتْ النُّفَساءُ الطُّهرَ دون الأربعين صامت وصلَّت، ولا يأتيها زوجُها إلا بعد الأربعين».
وروى العُقَيلي عن معاذ بن جبل مرفوعًا: «لا حيْضَ أقلُّ من ثلاثة، ولا فوقَ عشرة».
وروى ابن الجوزي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «أقلُّ الحيض ثلاثة، وأكثَرُه عشرة، وأقلُّ ما بين الحيضتين خسمةَ عشر يومًا».
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ١/ ١٨٧، كتاب الطهارة (١)، باب في المرأة تستحاض … (١٠٧)، رقم (٢٧٤). والنسائي ١/ ١٢٩، كتاب الطهارة (١)، باب ذكر الاغتسال من الحيض (١٣٤)، رقم (٢٠٨).
[ ١ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وروى الدارقطني بسنده إلى عثمان بن أبي العاص: الحائضُ إذا جاوزتْ عشرةَ أيام فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسِلُ وتصلي. وعثمانُ هذا صحابي. وبطريقٍ آخر له إلى سعيد بن جُبَير قال: الحيضُ ثلاثةَ عَشَر. وأَسند مثلَه عن سفيان (^١) . وهو (^٢) قولُ عُمَر وعلي وابن مسعود وابن عباس.
فهذه عِدَّةُ أحاديث عن النبي ﷺ بطُرقٍ متعددة تَرفعُ الضعيفَ إلى الحسَن. والمقدَّراتُ الشرعية مما لا يُدَركُ بالرأي، فالموقوفُ فيها حُكمُه الرفعُ. بل تسكُنُ النفسُ بكثرة ما رُوي فيه عن الصحابة والتابعين إلى أنَّ المرفوع مما أجاد فيه أولئك الرواةُ الضعفاء. وبالجملة فله أصلٌ في الشرع، بخلافِ قولهم: أكثَرُه خمسةَ عَشَر يومًا، فإنه لم يُعلَم فيه حديثٌ حسَنٌ ولا ضعيف، ولهذا رجَعَ عنه أبو حنيفة، والله سبحانه أعلم.
وأمَّا ما استدلُّوا به مِنْ أنه ﷺ قال: «تَمْكُثُ إحداكُن شطرَ عُمرِها لا تصلي». فقال ابن الجوزي في «التحقيق»: إنه لا يُعرَف، وقال البيهقي: لم أجده في شيء من كتب الحديث، وقال ابن مَنْدَه: لا يَثْبُتُ هذا بوجهٍ من الوجوه عن النبي ﷺ ولو سُلِّم أنه ثابتٌ، فمَنْ بلغتْ بخمسَ عشرةَ سنة إذا حاضَتْ مِنْ كلِّ شهرٍ عشرةً، وماتت في ستين سنة، كانت تاركةً للصلاة شطرَ عُمرها، على أنَّ الشطرَ نصفُ الشيء وجُزؤه كما في «القاموس»، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَك شَطَرَ المسجدِ الحرام﴾ (^٣) . وحديثُ الإِسراء: «فَوَضَعَ شَطْرَها» (^٤) أي بعضَها.
ويُسَنُّ للمرأةِ أن تَحتشِيَ عند الحيض قُطنةً لتتعرَّفَ بها حالَها، وتُطيِّبَها بمِسْكٍ أو غاليةٍ (^٥) لتَذهبَ رائحةُ دمِها.
_________________
(١) وهكذا جاء في "فتح القدير"٢/ ١٦٢. والذي رواه الدارقطني في "سننه" عن سفيان قوله: أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر". وكذلك أسند الترمذي في "سننه" ١/ ٢٢٨، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في المستحاضة … (٩٥)، رقم (١٢٨)، عن سغيان الثوري قوله: "أقل الحيض ثلاثة ثلاثة وأكثره عشرة".
(٢) أي تحديد الحيض بأن أقلَّه ثلاثة وأ كثر عشرة.
(٣) سورة البقرة، آية: (١٤٩). والاستشهاد بهذه الآية هنا غير سديد، لأن الشطر معناه: الجهة والناحية، وليس فيها معنى الجزئية إطلاقًا.
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩، كتاب الصلاة (٨)، باب كيف فرضت الصلوات في الإِسراء (١)، رقم (٣٤٩).
(٥) الغالية: أخلاط من الطيب. المصباح المنير ص ١٧٢، مادة (غلا).
[ ١ / ١٣٤ ]
وأقلُّ الطُّهْرِ خمسةَ عشَرَ يومًا، ولا حَدَّ لأكثرِهِ.
===
(وأقلُّ الطُّهر خَمْسَة عشَرَ يَومًا) لاتفاقِ الصحابة على ذلك. وقد رَوَى جعفرُ بن محمد، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي ﷺ أنه قال: «أقلُّ الحيضِ ثلاث، وأكثرُهُ عَشْر، وأقلُّ ما بين الحيضتين خمسة عشَرَ يومًا». عزاه القاضي أبو العباس إلى الإِمام.
(ولا حَدَّ لأكثرِه) لأنه قد يَمتدُّ إلى سنةٍ وإلى سنتين، وقد لا تحيضُ أصلًا، فلا يُقدَّرُ أكثَرُه إلا لمن استمَرَّ دمُها وهي مُبَتدَأَةٌ (^١)، فإنه يُقدَّرُ لها من كلّ شهرٍ عشرَةٌ حيضًا والباقي استحاضة.