مُسْلِمٌ طَاهِرٌ
===
في المسجد. ويُسْتَحَبُّ التعزية للرجال والنساء اللاتي لا يَفْتِنَّ لقوله ﵊: «من عزَّى مُصَابًا فله مثل أجره». رواه الترمذي، وابن ماجه، عن ابن مسعود. وقوله ﵊: «من عزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا في الجنة». رواه الترمذي عن أبي بَرْزَةَ (^١) . ويُكْرَه اتخاذ الضِّيَافة من أهل الميت، لأنه شُرِعَ في السرور لا في ضده، وهي بدعة مستقبحة.
ويستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لهم يُشْبِعهم يومهم وليلتهم لقوله ﵊: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد جاءهم ما يَشْغَلُهم». رواه الترمذي وحَسَّنَه، والحاكم وصححه. ويُلَحُّ عليهم في الأكل، لأن الحُزْنَ يمنعهم من ذلك فيضعفون هنالك. والله الموفِّق للصبر، والمُعَوِّض للأجر.
بابُ الشَّهِيدِ
فعيل بمعنى مفعول لأنه مشهود له بالجنة بالنص، ولأن الملائكة يشهدون موته إكرامًا له. أو بمعنى فاعل لأنه حيٌّ عند الله حاضرٌ. قال الله تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية (^٢) .
(مُسْلِمٌ طَاهِرٌ) أي ليس بجُنُبٍ ولا حَائِضٍ ولا نُفُسَاء. لأن هؤلاء يُغَسَّلُون عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يُغَسَّلُون، لأن ما وجب قبل الموت من غسل الجنابة ونحوها، سقط بالموت لانتهاء التكليف به. ولأبي حنيفة - وهو قول أحمد - ما روى ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «مُسْتَدْرَكِه» وقال: على شرط الشيخين، عن الزُّبَيْر قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول - وقد قُتِل حَنْظَلة بن أبي عامر الثَّقَفِيّ ـ: إن صاحبكم تُغَسِّلُه الملائكة. فسألوا صاحبته. فقالت: خرج وهو جُنُب لَمَّا سمع الهَائِعَة - أي الصيحة المُفْزِعَة - فقال رسول الله ﷺ لذلك غَسَّلَتْهُ الملائكة».
وليس عند الحاكم: «فسألوا صاحبته» - يعني زوجته - وهي جميلة بنت أُبَيّ بن
_________________
(١) في المطبوع: أبي بردة. والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في سنن الترمذي ٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨، كتاب الجنائز (٨)، باب آخر في فضل التعزية (٧٥)، رقم (١٠٧٦).
(٢) سورة آل عمران، الآية: (١٦٩).
[ ١ / ٤٥٩ ]
بَالِغٌ، قُتِلَ ظُلْمًا وَلمْ يَجِبْ بِهِ مَالٌ،
===
سلول أخت عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، وكانت قد بنى بها تلك الليلة. فرأت في منامها كأن بابًا من السماء فُتِحَ فدخل (^١) فأُغْلِقَ دونه، فعرفت أنه مقتول. فَلَمَّا أصبحت، دعت بأربعة من قومها وأشهدتهم أنه دخل بها خشية أن يقع في ذلك نزاع.
ذكره الواقديّ، وكذا ابن سعد في «الطبقات» في ترجمة حَنْظَلَة وزاد: وقال رسول الله ﷺ «إني رأيت الملائكة تغسل حَنْظَلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المُزْنِ (^٢) في صِحَاف الفضة». قال أبو أُسَيْد السَّاعِدِيّ: «فذهبنا إليه فوجدناه يقطر من رأسه ماء، فرجعت فأخبرت رسول الله ﷺ (فذَكَرَتْ أنه خرج وهو جُنُب) (^٣)».
فغُسْلُ الملائكة له، تعليم لنا بما نفعله بمثله.
فإن قيل: لو اشْتُرِطَ في الشهادة الطهارة لأمر ﵊ بغسل الحنظلة. أُجِيبَ: بأن الواجب هو الغسل كائنًا من كان الغاسل، وقد حصل بفعل الملائكة.
(بَالِغٌ) لأن الصبي يُغَسَّل، وكذا المجنون، فكان حقه أن يقيد بقوله: عاقلٌ أو مُكَلَّفٌ. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يُغَسَّلان. لأن عدم الغسل للكرامة، وهما أحق بها. ولأبي حنيفة: أن السيف كَفَى عن الغسل في حق شهداء أُحُد، لكونه طُهْرَة لذنوبهم، ولا ذنب للصبيّ، فلا يُلْحَق بهم.
(قُتِلَ ظُلْمًا) سواء قتله أهل الحرب، أو أهل البَغْي، أو قُطَّاع الطريق، بأي سبب كان، إذا كان موته مضافًا إليهم. فلو نَفَّرُوا دابته فرمته فمات، أو خَرَقَوا سفينته، ومات، كان شهيدًا. ولو انفلتت دابة حربي فوطئت مسلمًا فمات، غُسِّلَ لعدم نسبة الفعل للحربي. ولو مَشَى مسلم على حسك (^٤) وضعوه، أو وقع في خَنْدَق حفروه، فمات، غُسِّل، لأن فعله يقطع النسبة عنهم. قيد بقوله: ظُلْمًا لأنه لو قتل لقصاص، أو رُجِمَ لزنا، أو قتل بسَبُعٍ، أو سَيْلٍ، أو هَدْمٍ، أو سقوط، يُغَسَّل.
(ولَمْ يَجِبْ بِهِ) بنفس القتل (مَالٌ) حتى لو قتل الأبُ ابنَه ظلمًا، أو صالح القاتل عن المقتول عمدًا بمال، لا يُغَسَّلان، وإن وجب المال فيهما، لأن وجوبه ليس لنفس القتل، وإنما هو للأبوّة في الأول، وللصلح في الثاني. وخرج به المقتول خطأ، لأنه
_________________
(١) أي حنظلة.
(٢) المُزْن: السحاب يحمل الماء. المعجم الوسيط ص: ٨٦٧، مادة (مَزَنَ).
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٤) الحسك: من الحديد: ما يُعْمل على مثال الحسك، كان يُلْقَى حول العسكر ويُبَث في مذاهب الخيل، فيشب في حوافرها. المعجم الوسيط ص ١٧٣ مادة (حسك).
[ ١ / ٤٦٠ ]
ولَمْ يَرْتَثَّ، فَيُنْزَعُ عَنْهُ غَيْرُ ثَوْبِهِ، ويُزَادُ ويُنْقَصُ لِيَتِمَّ كَفَنُهُ، ولا يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عَلَيْهِ،
===
يجب المال بنفس القتل. ولو قُتِل ظلمًا بغير حديدة ليس له حكم الشهيد عند أبي حنيفة، فَيُغَسَّل. وله حكمه عندهما، فلا يُغَسَّل. بناء على أن موجب هذا القتل: المال، وهو قول أبي حنيفة، أو: القصاص، وهو قولهما، وبه قال مالك والشافعي.
(ولَمْ يَرْتَثَّ) بتشديد المثلثة أي: لم يرتفق بشيء من مرافق الحياة، أو لم يثبت له حكمٌ من أحكامها كما سيأتي بيانه.
ولا يختص الشهيد عندنا بمن مات في قتال الكفار بسببه، كما خصَّه مالك والشافعي، اعتبارًا بشهداء أُحُد بجامع كون القاتل كافرًا. قلنا: أهل البغي كأهل الحرب، لأن محاربتهم مأمور بها. قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^١) فهو في هذه المحاربة باذل نفسه لابتغاء مرضاة الله تعالى كالمقتول في محاربة الكُفَّار، وكذا قُطَّاع الطَّريق، لأنه تعالى وصفهم بكونهم محاربين اللَّهَ ورسولهَ.
(فَيُنْزَعُ عَنْهُ غَيْرُ ثَوْبِهِ) أي غير ثوب يختص بالميت كالفَرْوِ، والحَشْوِ، والقَلَنْسُوَة، والسلاح، والخُفِّ. (ويُزَادُ) إن نقص ما عليه من الكفن (ويُنْقَصُ) إن زاد (لِيَتِمَّ كَفَنُهُ) لأن ذلك لا يزيل أثر الشهادة. ولما روى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتلى أُحُد أن يُنْزَعَ عنهم الحديد والجلود، وأنْ يدفنوا بدمائهم وثيابهم».
(ولا يُغَسَّلُ) لِمَا روى البخاري وأصحاب السنن الأربعة عن اللَّيْث بن سعد، عن الزُّهْرِيّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قَتْلَى أُحُد. وقال: أيهما أكثر قرآنًا فإذا أشِير إلى أحدهما قَدَّمه في اللحد. فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلهم». زاد البخاري والترمذي: ولم يُصَلِّ عليهم.
قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال النَّسائي: لا أعلم أحدًا تابع اللَّيث من أصحاب الزُّهْرِيّ على هذا الإسناد، واخْتُلِفَ عليه فيه. انتهى. ولم يُؤَثِّر عند البخاري والترمذي تفرَّد الليث بهذا الإسناد، بل احتج به البخاري، وصححه الترمذي.
(ويُصَلَّى عَلَيْهِ) وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: لا يُصَلَّى عليه لِمَا قَدَّمناه. ولنا: ما روى البخاري من حديث عُقْبَة بن عامر: «أن النبيّ ﷺ خرج
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: (٩).
[ ١ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يومًا، فصلى على قَتْلَى أحد صلاته على الميِّت، ثم انصرف إلى المِنْبَر فقال: إني فَرَطُكم - أي على الحوض - وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعْطِيتُ مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنْ تنافسوا فيها». وروى أيضًا: «أن النبيّ ﷺ صلّى على قَتْلَى أُحُد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات».
فثبت بهذا أنَّ الشهيد يُصَلَّى عليه، لأنه آخر فعله في شهداء أُحُد. وروى الحاكم وصححه، عن جابر قال: «فقد رسول الله ﷺ حمزة حين فاء الناس من القتال - أي رَجَعوا - فقال رجل: أنا رأيته عند تلك الشجرة، فجاء رسول الله ﷺ نحوه فلما رآه، ورأى ما مُثِّلَ به، شَهِقَ، وبَكَى. فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب، ثم جِيء بحمزة فصلّى عليه. ثم جيء بالشهداء كلهم». وفي «مسند أحمد»: حدَّثنا عفان بن مسلم: حدَّثنا (حمَّاد بن) سلمة (^١): حدَّثَنا عطاء بن السائب، عن الشَّعْبِي، عن ابن مسعود - رَضِي الله تعالى عنهم - قال: «كان النِّساء بأُحُد خلف المسلمين يُجْهِزْن على جرحى المشركين. إلى أن قال: فوضع النبيّ ﷺ حمزة، وجيء برجل من الأنصار فَوُضِعَ إلى جنبه، فصلّى عليه ثم رُفِعَ. وتُرِكَ حَمْزَة حتى صَلَّى عليه يومئذٍ سبعين صلاة». ورواه عبد الرزاق عن الشَّعْبِي مرسلًا، ولم يذكر ابن مسعود.
وفي «المُسْتَدْرَك»، و«سنن البيهقي»، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباس - رضِيَ الله تعالى عنهم - قال: «أمر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أُحُد فَهُيِّءَ للقبلة ثم كَبَّر سبعًا. ثم جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة». وزاد الطَّبَرَانِيّ: «ثم وقف عليهم حتى واراهم». وسكت الحاكم عنه. وفي «مراسيل أبي داود»، عن عطاء بن أبي رَبَاح: «أنه ﷺ صلّى على قَتْلى أُحُد». أسنده الواقِدِيّ في «المَغَازِي» قال: حدثني زيد بن عبد الله، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
وأسند في «فتوح الشام» عن سيف مولى ربيعة بن قيس اليَشْكُري قال: «كنت في الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العَاص أَيْلَة وفلسطين». فذكر القصة بطولها وفيها: «أنه قُتِلَ من المسلمين مئة وثلاثون. وصلى عليهم عمرو بن العاص ومن معه من المسلمين، وكانوا تسعة آلاف».
_________________
(١) في المطبوع: حدّثنا سلمة، والمثبت من المخطوط وهو الصواب لموافقته لما في "مسند الإمام أحمد" ١/ ٤٦٣.
[ ١ / ٤٦٢ ]
ويُدْفَنُ بِدَمِهِ.
وغُسِّلَ مَنْ وُجِدَ قَتِيلًا في مِصْرٍ لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ، أوْ جُرِحَ وارْتَثَّ، بأنْ نَامَ، أوْ أكَلَ، أوْ شَرِبَ، أوْ عُولِجَ، أو آوَاهُ خَيْمَةً، أو نُقِلَ مِنَ المِعْرَكَةِ حَيًّا، أوْ بَقِي عَاقِلًا وَقْتَ صَلاةٍ كامِلٍ،
===
فإن قيل: حديث جابر على ما رواه البخاري والترمذي نصٌّ في عدم الصلاة على الشهيد. فالجواب: أن رواية المُثْبِت موافقة للأصول، فتُقَدَّم على رواية النافي لمخالفتها لها، ولأن الصلاة واجبة علينا بيقين، فلا تسقط بظني مُعَارَض بمثله أو أمثاله. وأمَّا قول السُّهَيْلِي: ولم يُرْوَ أنه ﷺ صلّى على شهيد في شيء من مغازيه إلاَّ هذه. فمُعْتَرَضٌ عليه بما ذكره النَّسائي: «أن النبيّ ﷺ صلّى على أعرابي في غزوة أخرى».
(ويُدْفَنُ بِدَمِهِ) لما روينا، ولِمَا في «سنن أبي داود»، عن جابر. قال: «رُمِيَ رجل بسهم في صدره أو حلقه فمات، فأُدْرِجَ في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله ﷺ. ولِمَا في «سنن النَّسائي»، عن عبد الله بن ثَعْلَبَة قال: قال رسول الله ﷺ «زمِّلُوهم (^١) بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌ (^٢) يُكْلَمُ في سبيل الله إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى، لونه لون الدَّم، وريحه ريح المسك». وفي «مسند أحمد»، عن عبد الله بن ثَعْلَبَة: «أنّ النبيّ ﷺ أشرف على قَتْلَى أُحُد. فقال: «إني شهيد على هؤلاء، زَمِّلُوهم بكُلُومِهِم ودِمَائِهم».
(وغُسِّلَ مَنْ وُجِدَ قَتِيلًا في مِصْرٍ لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ) سواء عُلِمَ أنه قُتِلَ بحديدة أو بعصًا كبيرةٍ أو صغيرةٍ. لأن الواجب فيه الدِّيَة والقَسَامة (^٣) . وأمَّا إذا عُلِمَ القاتل، فإنْ عُلِمَ أن القتل بالحديدة، لا يغسل، لأنه شهيد. وإن عُلِمَ أنه بالعصا الكبيرة يُغَسَّل عند أبي حنيفة، خلافًا لهما. وإنْ عُلِم أنه بالعصا الصغيرة يُغَسَّل اتفاقًا.
(أوْ جُرِحَ) أي وكذا غُسِّلَ من جرح (وارْتَثَّ بأنْ نَامَ أوْ أكَلَ أوْ شَرِبَ أوْ عُولِجَ) بدواء (أو آوَاهُ خَيْمَةً) وكذا شجرة أو بيتًا ليمرَّض فيها (أو نُقِلَ مِنَ المعْرَكَةِ حَيًَّا) لا لخوف أن يُدَاس لأنه نال من الراحة، فلم يكن في معنى شهداء أُحُد. «وأصاب سعد بن مُعَاذ سهم يوم الخَنْدَق فحُمِلَ إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك. فغسَّله رسول الله ﷺ.
(أوْ بَقِي عَاقِلًا وَقْتَ صَلَاةٍ كامِلٍ) لأنه وجب عليه قضاؤها وهو حكم من أحكام
_________________
(١) زَمَّل: لفَّف وغَطَّى. المعجم الوسيط ص: ٤٠٠، مادة (زمل).
(٢) الكَلمْ: الجُرْح. المعجم الوسيط ص: ٧٩٦، مادة (كَلمَ).
(٣) القَسَامة: اليمين، وهي أن يُقْسِم خمسون من أولياء الدَّم على استحقاقهم دمَ صاحبهم إذا وجدوه قتيلًا بين قوم ولم يُعرف قاتله. فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينًا. ولا يكون فيهم صبيٌّ ولا امرأَة ولا مجنون ولا عبد، أو يُقْسِم بها المتَّهمون على نفي القتل عنهم - فإن حلف المدَّعون استحقّوا الدِّية وإن حلف المتَّهمون لم تلزمهم الدِّية. المعجم الوسيط ص: ٧٣٥، مادة (قسم).
[ ١ / ٤٦٣ ]
أوْ أَوْصَى بِشيء، وصُلِّيَ علَيْهِ.
وإِنْ قُتِلَ لِسِعَايَةٍ، أو لِبَغْي، أَو قَطْعِ طَرِيقٍ، غُسِّل ولا يُصَلَّى عليه.
===
الدنيا في حق الأحياء، فنال رفقهم إذ التكليف منه لطف من الله سبحانه. (أوْ أَوْصَى بِشيءٍ) من أمور الدنيا أو الأخْرَى عند أبي يوسف خلافًا لمحمد. قيل: اختلافهما (في الأمور الدنيوية، وأما الأخروية، فلا يغسل اتفاقًا، وقيل: وأما الدنيوية فيغسل اتفاقًا. وقيل: قول أبي يوسف) (^١) في الأمور الدنيوية. وقول محمد في الأخروية. وفي «المُحيط»: وهو الأظهر. لأن الوصية بأمور الدنيا من أمور الأحياء.
(وصُلِّيَ علَيْهِ) عطف على غُسِّلَ. وفي «شرح الكنْز»: هذا كله بعد انقضاء الحرب. وأما قبله، فلا يكون مرتثًّا بشيء منه. ثم المُرْتَثُّ وإن غُسِّلَ فله ثواب الشهداء كالغريق، والحريق، والمبطون، والمطعون، والغريب، فإنهم يُغَسَّلُون وهم شهداء، على لسان رسول الله ﷺ أَلَا ترى أنَّ عمر وعليًَّا حُمِلا إلى بيتهما بعد الطعن وغُسِّلا، وكانا شهيدَين، وعثمان لم يَرْتَثَّ (^٢) بل أُجْهِزَ عليه في مصرعه، فلم يغسل، فعرفنا بذلك أَنَّ الشهيد الذي لا يُغَسَّل مَنْ أُجْهِزَ عليه في مصرعه دون مَنْ حُمِل حيًَّا ليمرَّض.
(وإِنْ قُتِلَ لِسِعَايَةٍ) في الأَرض فسادًا (أَوْ لِبَغْيٍ) على الإمام العدل (أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، غُسِّل ولا يُصَلَّى عليه) للفَرْق بينه وبين الشهداء. وقيل: لا يُغسل ولا يصلَّى عليه إهانةً له، «لأَن عليًَّا ﵁ لم يغسل أَهل النهروان، ولم يصلِّ عليهم، فقيل: أكفارٌ هم؟ فقال: لا ولكنهم إخواننا بغوا». إشارة إِلى أَنَّ تَرْك الغسل والصلاة عقوبةً لهم، وليكون زجرًا لغيرهم، وهو نظير تَرْك المصلوب على خشبته عقوبة له، زجرًا لغيره، كذا ذكره السَّرَخْسِي. واستغربه الزَّيْلَعِي المُخَرِّج لأَحاديث «الهداية».
ثُم هذا إذا قُتل الباغي وقاطع الطريق حال المحاربة، وأَما إِذا قُتِلا بعد ثبوت يد الإِمام عليهما فإِنهما يُغَسَّلان ويُصَلَّى عليهما، لأَنَّ قَتْل قاطع الطريق حينئذٍ لِلحَدِّ أو القصاص، وقَتْل الباغي للسياسة وكَسْر الشوكة. وأَمَّا المقتول بالعصبيةِ فحكمُه حُكْم الباغي، وكذا من قتَل نفسه عند أَبي يوسف. وقال محمد: يُصَلَّى عليه لأَنَّ بَغْيَه على نفسه، فكان كسائر الفُساق.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٢) الارْتثاث: ارتفاقُ - أي تمتع - الجريح بشيء من مرافق الحياة كالأكل والشرب ونحوهما - معجم لغة الفقهاء ص:٥٣.
[ ١ / ٤٦٤ ]