صَحَّ في الكَعْبَةِ الفَرْضُ والنَّفْلُ،
===
بأَخْذِ السلاح ليس إِلاَّ لِجَواز القتال، ويُمكن دفعه بأَنه قد يكون للترهيب، أَوْ للاحتياج إِليه إِذا تعدوا عن الحدِّ الموجِب لبطلان الصلاة، لكن يَرِدُ عليه جوازُ قَتْل الحية في الصلاة وإِن كان بعملٍ كثيرٍ على الظاهر.
(والمَشْيُ)، أَراد به أَنه إِذا هرب من العدو ولم يمكنه الوقوف للصلاة، لا يُصَلِّي ماشيًا وإِنْ ذهب الوقت، ولم يُرِد أَنَّ مطلق المشي مُفْسد، لأَن صلاة الخوف قَلَّمَا توجد بدون المَشْي.
(والرُّكُوبُ)، لأَنه عملٌ كثيرٌ، واعلم أَنَّ عند أَهل السِّيَر أَنه ﷺ صلَّى صلاة الخوف في أَربعة مواضع: ذاتِ الرِّقاع، وبَطْنِ نَخْلٍ، وعُسْفَان، وذي قَرَد - بفتحتين: موضع قرب المدينة السكينة ـ، والله سبحانه أَعلم بالصواب.
(ويُفْسِدُها القِتَالُ)، عندنا، خلافًا للشافعي، وهو روايةٌ عن مالك، لأَن الأَمر بأَخْذِ السلاح ليس إِلاَّ لِجَواز القتال، ويُمكن دفعه بأَنه قد يكون للترهيب، أَوْ للاحتياج إِليه إِذا تعدوا عن الحدِّ الموجِب لبطلان الصلاة، لكن يَرِدُ عليه جوازُ قَتْل الحية في الصلاة وإِن كان بعملٍ كثيرٍ على الظاهر.
(والمَشْيُ)، أَراد به أَنه إِذا هرب من العدو ولم يمكنه الوقوف للصلاة، لا يُصَلِّي ماشيًا وإِنْ ذهب الوقت، ولم يُرِد أَنَّ مطلق المشي مُفْسد، لأَن صلاة الخوف قَلَّمَا توجد بدون المَشْي.
(والرُّكُوبُ)، لأَنه عملٌ كثيرٌ، واعلم أَنَّ عند أَهل السِّيَر أَنه ﷺ صلَّى صلاة الخوف في أَربعة مواضع: ذاتِ الرِّقاع، وبَطْنِ نَخْلٍ، وعُسْفَان، وذي قَرَد - بفتحتين: موضع قرب المدينة السكينة ـ، والله سبحانه أَعلم بالصواب.
باب (الصلاة في الكعبة)
الأَنْسَبْ: فصلٌ. (صَحَّ في الكَعْبَةِ الفَرْضُ والنَّفْلُ) خلافًا لمالك في الأَوَّل (^١)، لاستدبار بعضها وأَنه مُبْطل، بخلاف النفل فإِنه جاز اتفاقًا.
ولنا: قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ والعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السجود﴾ (^٢)، فإِنَّ الأَمْر بالتطهير للصلاة فيه، ظاهر في صِحتها فيه مطلقًا، ولأَن شَرْط الجواز استقبالُ جزءٍ من الكعبة، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ (^٣) وقد وُجِدَ الاستدبار غير مفسد لذاته، بل لتضمنه تَرْكَ الاستقبال الذي هو شَرْط الجواز، كما إذا استدبر خارج البيت، على أَنه لا فرق في الشَّرْط بين الفَرْض والنفل.
وقد ثبت أَنه ﷺ صَلَّى في داخل البيت، كما في «الصحيحين» عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ رسول الله ﷺ دخل الكعبةَ هو وأُسامَةُ وبلالُ وعثمانُ بن طلحةَ الحَجَبي فأَغلقها عليه، ثُم مَكَث فيها، قال ابن عمر: فَسَأَلْتُ بلالًا حين
_________________
(١) أي في الفَرْض.
(٢) سورة البقرة، الآية: (١٢٥).
(٣) سورة البقرة، الآية: (١٤٩).
[ ١ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خرَج، ما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ قال: جَعَلَ عمودَيْنِ عن يساره، وعمودًا عن يَمِينِه، وثلاثةَ أَعْمِدة وراءه، ثُمَّ صَلَّى، وكان البيتُ يَومَئذٍ على ستةِ أَعْمِدة».
وفي رواية قال: «قَدِم رسولُ الله ﷺ يومَ الفَتْحِ فنزل بفِنَاءِ الكعبة، فأَرسلَ إِلى عثمانَ بنِ طلحةَ، وأَمَرَ بالبابِ فأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فيه مليًا، ثُم فتح الباب، قال عبدُ الله: فبادَرْتُ البابَ فتلَقَّيْتُ رسولَ الله ﷺ خارجًا، وبلالًا على أَثَره، فقلت لبلال: هل صلَّى فيه رسولُ الله ﷺ قال: نعم، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قال: بَيْنَ العمودَيْن تلقاءَ وَجْهِهِ، ونسيت أَنْ أَسْأَلَه كم صَلَّى»؟
فإِنْ قيل: في «الصحيحين» أَيضًا عن ابن عباس: «أَنْ النبيَّ ﷺ دخل الكعبةَ وفيها ستُّ سواري، فَقَامَ عِنْدَ ساريةٍ فدعا ولم يُصَلِّ». وفي روايةٍ عنه قال: «أَخبرني أُسامَةُ بنُ زيد: أَنَّ رسول الله ﷺ لَمَّا دخل البيت دعا في نواحيه كلِّها ولم يُصَلِّ فيه حتى خرج، فلما خَرج رَكَع في قِبَل البيت ركعتين، وقال: هذه القِبْلة». مختصر. أُجِيبَ: بأَنَّ حديثَ بلال مُثْبِتٌ، فقُدِّم على حديثِ ابن عباس لأَنه نَافٍ.
وقيل: دَخَلها ولم يُصَلِّ، ثُم دخلَها من الغد وصَلَّى، لما رَوى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر قال: «دخل النبيُّ ﷺ البيتَ، ثُم خرج وبلالٌ خَلْفَه، فَقُلْتُ لبلال: هل صلَّى؟ قال: لا، فَلَما كان من الغَدِ دَخَل، فسَأَلْتُ بِلالًا هل صلَّى؟ قال: نعم، صَلَّى ركعتين».
وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: يُحمل حديثُ بلال على يومِ الفَتح، وحديثُ ابن عباس على حَجَّةِ الوَدَاع. واعتُرِض عليه بما روى إسحاق بنُ رَاهُويه في «مسنده»، والطبراني في «مُعْجمه» عن ابن عباس: «أَنَّ النبيَّ ﷺ لم يدخُلِ البيتَ في الحج، ودخل عامَ الفَتْح».
وفي أَبي داودَ عن عبد الرحمن بن صَفْوان قال: «قلت لعمرَ بن الخطاب: كيف صَنَعَ رسولُ الله ﷺ حين دخلَ الكعبةَ؟ قال: صَلَّى رَكْعَتينِ». وفي «صحيح ابن حِبان» من حديث عبد الله بن السَّائب قال: «حَضَرْتُ رسولَ الله ﷺ يومَ الفَتْح وقد صلّى في الكعبة، فخلعَ نَعْليهِ فَوضعَهُما عن يساره، ثم افتتح سورةَ المؤمنين، فَلَمَّا بَلَغَ ذِكْرَ موسى أَوْ عيسى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ».
قال النووي: وأَما نَفْيُ أُسَامَةَ فَسَبَبُهُ: أَنهم لَمَّا دَخَلوا الكعبةَ أَغلقوا البابَ، فاشتغلوا بالدعاء، ورأى أُسَامة النبيَّ ﷺ يَدْعُو، فاشتغل هو أَيضًا في الدعاء في ناحيةٍ من نواحيه، والنبيّ ﷺ يدعو، فاشتغل هو أَيْضًا في الدعاء في ناحيةٍ أُخْرى. وبلالٌ
[ ١ / ٤٧١ ]
ولَوْ كَانَ ظَهْرُهُ إِلى ظَهْرِ إِمَامِهِ لا لِمَنْ ظَهْرُهُ إِلى وَجْهِهِ. وكُرِهَ فَوْقَهَا
===
قريبٌ منه ﷺ فرآه لِقُرْبه، ولم يره أُسامة لِبُعْدِه مَع خِفَّةِ الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء. وجاز له نَفْيُها عملًا بِظَنِّه، على أَنه معارَضٌ بما في «مسند أَحمد»، و«صحيح ابن حِبَّان» عن عُمَارة بن عُمَيْر، عن أَبي الشَّعْثَاءِ عن ابن عمر: «أَخبرني أُسامةُ بن زيد: أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى في الكعبةِ بين السَّارِيَتَيْن ومَكَثَ معه عمر، لم أَسْأَله كم صَلَّى». وهذا سند صحيح.
والأَوْلى الجمع بينهما بما رواه الدَّارَقُطْنِي عن ابن عمر كما تقدم. وبما روى هو والطبرانيُّ عن أَبي حبيب بن أَبي ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: «دخل رسولُ الله ﷺ البيت فَصَلَّى بين الساريتين، ثُم خرج فصلَّى بين الباب والحِجْرِ ركعتين، ثُم قال: هذه القِبْلَةُ»، ثُم دخل مرةً أُخرى فقام يدعو، ثُم خرج ولم يُصَلِّ. قال البيهقيُّ: فَصَلَّى مرةً وترك مرةً، إلا أَنَّ في ثبوت الحديثين نظرًا. والله ولِي التوفيق، وبيده أَزِمَّة
التحقيق.
(ولَوْ كَانَ) المُصَلِّي (ظَهْرُهُ إِلى ظَهْرِ إِمَامِهِ) أَوْ جنبه إِلى جنبه، لأَنَّه توجه إِلى القِبلة غير متقدم على إِمَامهِ ولا معتقد بِخَطَئِهِ، لأَن كل جانب قِبلة بخلاف مسألة التحري (^١) . (لَا لِمَنْ ظَهْرُهُ إِلى وَجْهِهِ) أَي وَجْهُ إِمَامهِ لأَنه مُتقدِّمٌ عليه. ولو كان وَجْهُهُ إِلى وجه إِمامه ولا حائل، جازت الصلاةُ مع الكراهة، لأَنه شِبْهُ عبادةِ الصورة. ولو قام الإِمام في الكعبة وفتح الباب وقام المقتدون حولها، جاز، وكان كقيامه في المحراب في باقي المساجد.
(وكُرِهَ) مع الجواز النَّفْلُ والفَرْضُ (فَوْقَهَا) أَما الجوازُ فلأَنَّ القِبْلة هي العَرْصَة (^٢) والهواء إلى عَنان السماء دون البناء، لأنه قد يُنْقَل، ولأَنها تجوز اتفاقًا على أَبي قُبَيس ولا بناءَ بين يديه يساويه. وأَما الكراهة فلما فيه مِنْ تَرْك التعظيم، ولِما روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر: أَنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى في سَبْعِ مواطن: في المزبلة، والمَجْزَرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّام، ومعاطن (^٣) الإِبل، وظهر بيت الله. ولم يُشترط لصحة الصلاة فوقها سترةٌ بين يَدَي المُصَلِّي. ويشترطها
_________________
(١) قال صاحب "العناية" ٢/ ١٥٢: يعني إِذا صلَّوا في ليلةٍ مظلمة، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام وهو يعلم حاله، فإنه لا تجوز صلاته لأنه اعتقد أن إمامه على الخطأ.
(٢) العَرْصَة: البُقْعة الواسعة بين الدُّور - جمع دار وهي المحل يجمع البناء والساحة - لا بناء فيها المعجم الوسيط ص: ٥٩٣، مادة (عَرَصَ).
(٣) العَطَن: مَبْرَك الإِبل ومَرْبض الغنم عند الماء. المعجم الوسيط ص: ٦٠٩، مادة (عَطَنَ).
[ ١ / ٤٧٢ ]
وإِنِ اقْتَدوا حَوْلَها وبَعْضُهُم أَقرَبُ إِليها مِن إِمَامِهِ، صَحَّ إِنْ لَم يَكُن في جانِبِهِ.
===
الشافعي.
(وإِنِ اقْتَدوا حَوْلَها) بإِمامٍ خارِجَها (وبَعْضُهُم أَقْرَبُ إِليها مِنْ إِمَامِهِ صَحَّ إِنْ لَم يَكُنْ) الأَقرب (في جانِبِهِ) أَي جانب إِمامه، لأَنه لا يُعدَّ مُتقدِّمًا على إِمامه، وفَسَد إِنْ كان الأَقرب في جانب إِمامه، لأَنه يُعَد متقدمًا عليه، لأَن التقدُّم والتأخُّر إِنَّما يَظْهَرَانِ عند اتِّحاد الجهة لأَنهما من الأُمور الإِضافية، ولأَنه في معنى مَنْ ظهره إِلى وجه إِمَامِهِ، ولا يَخْفَى أَنَّ التقدم على الإِمام في المقام مكروهٌ عند الإِمام مالك، فَليُنْظَر في الأَدلة المتعلقة بما هنالك. والله تعالى أَعْلم بالصواب.
[ ١ / ٤٧٣ ]