طُهْرُ بَدَنِ المُصَلِّي مِنْ حَدَثٍ وخَبَثٍ، وثَوْبِهِ، ومَكَانِهِ،
===
بابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ
أي ما يتوقف صِحَّةُ الصلاة على تحقُّقها، ولم تَكُنْ داخلةً في حقيقتها المسماةِ بأركانِها (طُهْرُ بَدَنِ المُصَلِّي) أي منها، أو أحدها، أو هي، والرَّبْطُ بعد العطف، ويجوز أنْ يكونَ البابُ هنا أيضًا بالتنوين، أو بالوقف كما مر، وإنَّما لم يَذْكُرِ الوقت فيها لأَنَّه ليس بشرطٍ للصلاة نفسها، وإنَّما هو شَرْطٌ لصحةِ أدائِها دُونَ قضائِها. وذِكْرُ التَّحْرِيمةِ في باب صفة الصلاة لكونها متّصلةً بأركانِها، وإنْ كانت شرطًا عندنا خلافًا للشافعيّ ومحمد من أصحابنا.
(مِنْ حَدَثٍ) أي مطلقًا لقوله تعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ﴾ (^١) الآيةَ، ولقوله ﵊: «لا صلاة لمَنْ لا وضوء له». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة. ولقوله ﵊: «لا يَقْبلُ اللهُ صلاة أحدكم إذا أَحْدَثَ حتى يتوضأ». رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
(وخَبَثٍ) أي مانع من الصلاة (وثَوْبِهِ) عطف على بدن المصلي (ومَكَانِهِ) أي لقوله تعالى: ﴿وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^٢) وإذا وَجَبَ تطهير ثياب المصلّي، وَجَبَ تطهير بدنه ومكانه، لأَنَّهما أَلْزَمُ له من ثوبه لعدم وجود الصلاة بدونهما بخلافه (^٣)، وذلك أنَّ الصلاة مناجاةُ الرَّبِّ في مقام القُرْبِ، فيجب أن يكونَ المصلي على أَحْسَنِ الأَحوال في طهارتهِ وطهارة ما يتصل به، فمتى ما وجب تطهير ثيابه مع تصور انفكاكه عنها، فلأَنْ يَجِبَ عليه تطهيرهما مع أنَّهما لا يَنْفكَّانِ عنها (^٤) أولى. وقيل: هو أمرٌ بتقصيرها، ومخالفة العرب في تَطْوِيلهم الثياب، وجرِّهم الذيولَ، وذلك لا يُؤْمَنُ معه إصابةُ النجاسةِ.
وفي «المحيط»: ولو صلَّى على مكانٍ طاهرٍ إلاَّ أنَّه إذا سجد تَقَعُ ثيابُه على أرضٍ نجسةٍ، جَازَتْ صلاته.
وفي «الأصل»: إذا كانت في موضع قَدَمَيّ المصلي مَنَعَتْ جوازَ الصلاةِ، وإنْ
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: (٦)
(٢) سورة المدّثِر، الآية: (٤).
(٣) أي بخلاف ثوبه.
(٤) أي الصلاة.
[ ١ / ٢١٢ ]
وسَتْرُ عَوْرَتِهِ،
===
كانت تحت قَدَمٍ واحدٍ أكثرَ من قَدْرِ الدِّرْهَمِ، الأَصَحُّ: أنَّها تَمْنَعُ، وإنْ جَازَتِ الصلاة مع رفعها (^١)، ولا يُجْعَلُ كأنَّها لم تُوضَعْ عليها. أَلَا تَرَى أنَّه لو سَجَد على مكانٍ نجسٍ تَفْسُدُ وإنْ أعاده (^٢) على طاهرٍ خلافًا لأبي يوسف، وقيل: لا يَمْنَعُ بِنَاءً على إمكانِ القيام في الصلاة بأحدهما (^٣)، وأمّا إنْ كانت النجاسةُ في موضع يَدَيْه أو رُكْبَتَيْهِ فلا تَمْنَعُ، وإنْ كانت في موضع سُجُودِهِ تَمْنَعُ (عندهما، وعن أبي حنيفة روايتان: المنعُ وعدمُه، وهو بناء على رواية الاكتفاء في السجود بالأنف) (^٤)، وهو أقل من قدر الدِّرْهم.
وفي «عمدة الفتاوى»: أنّ موضع الركبتين إذا كان نجسًا لا يجوز الصلاة، وكذا في موضع اليدين، وهو اختيار أبي الليث وتصحيحه في «العيون»، لتحقق التَّلبُّسِ بالنجاسة عند وضعهما عليها. والحكم بجواز الصلاة بدون وضعهما ينكره أبو الليث لأَنَّا أُمِرْنا بالسجود على سبعة أعضاءٍ.
(وسَتْرُ عَوْرَتِهِ) عطفٌ على «طُهْرِ بدن المصلي»، وذلك للإجماعِ على افتراضه في الصلاةِ لِمَا نَقَلَه غير واحدٍ من أئمة النقلِ، ومخالفةُ بعض مُتَأَخِّري المالكية كالقاضي إسماعيل بعد تقرر الإجماع لا يجوز، ويحتمل أنْ يكونَ سند الإجماع قوله ﵊: «لا يقبل الله تعالى صلاة حائض إلاَّ بخمار». رواه أبو داود والترمذي، وحَسَّنه الحاكم وصححه. والمراد بالحائض: البالغةُ، أو مَنْ شأنها الحيض لِتَعُمَّ المُراهِقَة.
واستدل في «الهداية» وغيرها بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٥) أي ما يُوَارِي عورتَكم عند كل صلاة، لأَنَّ أخذَ الزينة نفسها - وهي عرض - محالٌ فأُرِيد محلها - وهو الثوب ـ، ولا يجبُ أخذ الزينة لعين المسجد فَدَلَّ أنه للصلاة، لكن كَنَّى عن الصلاة بالمسجد. فالأول من إطلاق اسم الحال على المحل، والثاني عكسه.
فإنْ قيل: رُوِيَ عن ابن عباس: أنَّها نزلت في شأن الطائفين عراة لا في حق
_________________
(١) أي القدم.
(٢) أي السجود.
(٣) أي أحد القدمين.
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٥) سورة الأعراف، الآية: (٣١).
[ ١ / ٢١٣ ]
واسْتِقْبَال القِبْلةِ،
===
الصلاة، أجيب: بأنَّ العبرةَ لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعند كل مسجد عام، فلا يختص بالمسجد الحرام، وفيه بحث إذ الستر في الطواف واجبٌ عندنا حتى لو طاف عُريانًا أَثِمَ وحُكِمَ بسقوطه، وفي الصلاة فرضٌ حتى لا تصح بدونه. ولا يمكن أن يُرَادَا من الآية لاستلزامها الجمع بين المعنى الحقيقي والمجازي معًا، لأنَّها إنْ كانت قطعية الدلالة فموجبها الافتراض، وإنْ كانت ظَنِّيَّة فالوجوب فقط. ومنهم من أخذ منها قطعية الثبوت، ومن حديث: «لا يَقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (^١) قطعية الدلالة، فيثبت الفرض بالمجموع، والله تعالى أعلم.
وفي «الخلاصة»: لو صلى في قميص واحدٍ محلول الجيب (^٢): إنْ كان بحالٍ يقعُ بصرُهُ على عورته لا تجوز صلاته، وكذا لو كان بحالٍ يقع بصرُ غيره عليه من غير تَكَلُّفٍ. كذا ذكره هشام عن محمد. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: إنَّ عورةَ الشخص ليست بعورة في حقّه. قلت: وهذا ضعيفٌ جدًا للإجماع على بطلان مَنْ صلّى صلاة في بيت وحده أو في ظُلْمة من غير ستر عورةٍ إذا لم يكن عن عذر.
(واسْتِقْبَالُ القِبْلةِ) أي حال الأمن والقدرة لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شْطَرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وحَيْثُ ما كُنْتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٣) أي إلى جانبه عينًا أو جهةً. قال بعض العارفين: قِبلةُ البَشَر الكعبة، وقِبلة أهل السماء البيت المعمور، وقِبلة الكَرُوبِيِّين (^٤) الكرسي، وقِبلةُ حَمَلة العرش العرش، ومطلوب الكُلِّ وجهُ الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فأيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٥) .
واتفق العلماء على أَنَّه ﵊ صلّى بالمدينة إلى بيت المقدس، ثم تَحَوَّل إلى الكعبة. والصحيح أَنَّه صلّى إليه سبعة عشر شهرًا، واختلفوا كيف كانت صلاته قبل ذلك، فعن ابن عَبّاسٍ: فرض الله تعالى الصلاة ليلة الإسراء إلى بيت المقدس رَكْعَتين رَكْعَتين، والمَغْرِب ثلاثًا، فكان ﵊ يصلّي إلى الكعبة، ووُجِّه إلى بيت المقدس، ثم زِيد في الصلاة بالمدينة حين صُرِفَ إلى الكعبة ركعتان إلاَّ المغرب. وعن ابن جُرَيْجٍ: «أول ما صَلَّى ﵊ إلى الكعبة، ثم صُرِفَ إلى بيت المقدس - يعني قبل الهجرة - فصلَّتِ الأنصار قبل قدومه بثلاثٍ
_________________
(١) سنن أبي داود ١/ ٤٢١ - ٤٢٢، كتاب الصلاة (٢)، رقم (٦٤١).
(٢) الجَيْب: جيب القميص: ما يُدخل منه الرأس عند لُبْسه. المعجم الوسيط، ص ١٤٩، مادة (جيب).
(٣) سورة البقرة، الآية: (١٥٠).
(٤) الكرُوبيُّيون: المُقَرَّبون. النهاية: ٤/ ١٦١.
(٥) سورة البقرة، الآية: (١١٥).
[ ١ / ٢١٤ ]
والنِّيَّةُ.
وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إلى تَحْتِ رُكْبَتَيِهِ
===
نحو بيت المقدس، وصلى النبيّ ﷺ بعد قدومه ستةَ عشرَ شهرًا».
وروى أبو داود: «أنَّ يهوديًا خاصم أبا العالية في القِبلة، فقال أبو العالية: إنَّ موسى كان يصلّي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبة قِبلته، وكانت الصخرة بين يديه، فقال اليهوديُّ: بيني وبينك مسجد صالح، قال أبو العَالِيَة: فأنا صليت في مسجد صالح وقِبلته إلى الكعبة. وأَخْبَر أَبو العالية أنَّه صلّى في مسجد ذي القَرنين وقِبلته إلى الكعبة».
(والنِّيَّةُ) لقوله تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ (^١) والإخلاص لا يكونُ إلاَّ بالنية، ولقوله ﵊: «إنَّما الأعمالُ بالنيّات». رُوِيَ في الكتب الستة بـ: «إنما»، وفي صحيح ابن حِبَّان بدونها، ورُوي بإفراد النيّة وحدها، وبإفراد العمل وحده، وبإفراد كليهما، وكلها صحاح، وقد بسطنا الكلام عليه في «المِرْقَاة شرح المشكاة» (^٢) .
ومن شروط الصلاة: الوقتُ، وقد تقدَّم.
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) مبتدأ خبره (مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إلى تَحْتِ رُكْبَتَيْهِ) لقوله ﵊: «ما فوق الرُّكُبَتَيْنِ من العَوْرَة، وما أسفل من السُّرَّةِ من العورة». رواه الدَّارقُطْنِي من حديث أبي أيوب، ورَوَى عن عَمْرُو بنُ شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ «مُرُوا صبيانكم بالصلاة في سبع سنين، واضربوهم عليها في عشر سنين، وفَرِّقُوا بينهم في المضاجع، وإذا زَوَّج أحدُكم أَمَتَه عبدَه أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة، فإنَّ ما تحت السرَّة إلى الركبة من العورة». ورواه أحمد ولَفْظُه: «ما أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته». وقيل: ابتداء العورة من السرة لقوله ﵊: «السرَّة من العورة». رواه البيهقي في «الخلافيات». وأخرج الشافعي: «الرُّكْبَةُ من العورة» لما روينا.
ولنا ما في سنن الدَّارقُطْنِي عن عليّ ﵁: أنَّه ﵊ قال: «الرُّكْبَةُ من العورةِ» وقَصَر مالك العورة على السوأتين (^٣) وهما: القُبُل والدُّبُر لظاهر
_________________
(١) سورة البيِّنَة، الآية: (٥).
(٢) ١/ ٣٥ - ٤٣.
(٣) هذا الكلام موهم على إطلاقه، وتحرير الكلام عند المالكية هو كالآتي: ينقسم الكلام عليه إلى ثلاثة أقسام: =
[ ١ / ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قول أنس: «لمَّا غزا رسول الله ﷺ خَيْبَر صلينا عندهما صلاة الغداة بِغَلَس (^١)، وَرَكِبَ النبي ﷺ ورَكِبَ أبو طَلْحَة وأنا رديفه، فأَجْرَى نبي الله ﷺ في زقاق خَيْبَر، ثم انحسر الإزار عن فَخِذَه حتى إنِّي لأَنْظُرُ إلى بياض فَخِذِ النبي ﷺ. والقصةُ في «الصحيحين». ولقول عائشةَ: «كان رسول الله ﷺ مَضْطَجِعًا في بيته كاشِفًا عن فَخِذه أو ساقَيْهِ، فاستأَذَنَ أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فَتَحدَّث، ثم استأذن عثمانُ فجلس رسول الله ﷺ وسَوَّى عليه
_________________
(١) = ١) العورة في الصلاة. ٢) حكم العورة المغلَّظة والمخُفَّفَة. ٣) العورة بالنسبة للنظر. ١) العورة في الصلاة: تنقسم العورة في الصلاة إلى مغلَّظة ومخفَّفة للرجل والمرأة. - فعورة الرجل ما بين السرة والركبة، والمغلظة منها: السَّوأتان، من المقدَّم: الذَّكر والأُنثيان، ومن المؤخَّر: ما بين أليَانِهِ. (مفردها ألْيَة، والحمع: ألْيَات، والمثنّى: ألْيَان) وعورته المخففة من المؤخَّر: الأليان، ومن المقدَّم: العانة وما فوقها إلى السرّة. - والمرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين، والمغلظة منها: البطن والفخذان وما بينهما، وما حاذاهما من الخلف. والمخففة ما عدا ذلك، كالصدر والظهر، وأعالي الكتفين والأطراف، كظهور قدميها إلى ركبتيها، وذراعها وشعرها، وما فوق منحرها. ٢) حكم العورة المغلظة والمخففة: ستر العورة المغلظة واجب للصلاة، وشرط فيها مع القدرة، فلو صلى عُريانًا ناسيًا أو عامدًا، أو جاهلًا، فصلاته باطلة، يعيدها أبدًا، وإن صلى عُريانًا لحجز أعاد في الوقت. أما المخففة، فقد اتفق العلماء على وجوب سترها، واتفقوا على أن ستر العورة ليس شرطًا في صحة الصلاة، فمن صلى كاشفًا للعورة المخففة عمدًا أو جهلًا أو نسيانًا أعاد في الوقت استحبابًا، وإن كان كَشْفُها حرامًا أو مكروهًا في الصلاة، ويحرم النظر إليها من غيره بتاتًا. وهذه المسألة كمن لبس خاتم الذهب في الصلاة، فصلاته صحيحة ولبسه لخاتم الذهب حرام. ٣) العورة بالنسبة للنظر: أما العورة الواجب سترها عن أعين الناس فهي: من الرجل: ما بين السرة والركبة، بالنسبة للرجال والمحارم، أما بالنسبة للمرأة الأجنبية، فلا يجوز أن ترى من الرجل الأجنبي إلا الوجه والأطراف. وعورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل، ما بين السرة والركبة، ومع المحارم ما عدا الوجه والأطراف، وكلها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي إلا الوجه والكفين. انظر "الفقه المالكي في ثوبه الجديد" ١/ ١٧٧ - ١٨٠ و"منح الجليل شرح مختصر سيدي خليل" ٩/ ٢١١ - ٢٣٠. وبهذا يتيبن لنا أن التفريق بين العورة المغلظة والمخففة هو في الصلاة فقط، أما ستر العورة عن أعين الناس، فلم يفرقوا فيه بين مغلظة ومخففة، وإن كانتا تختلفان في الإثم من حيث درجة الحرمة، ولكن العلماء اتفقوا على وجوب سترها عن الأعين، وحرمة كشفها. ويظهر لنا أن ما يتناقله العوام من أن مذهب الإمام مالك يبيح كشف ما عدا السوأتين كلامٌ مغلوط وموهم وناشره بين الناس آثم ومضلِّل، نسأل الله السلامة. ونعتذر عن هذه الإطالة ولكن لما تفاقم الأمر وانتشر احتاج إلى بيان.
(٢) سبق شرحها ص ١٨٤، التعليقة رقم (٤).
[ ١ / ٢١٦ ]
والأَمَةُ: هَذَا مَعْ ظَهْرِهَا وبَطْنِهَا. والحرَّةُ: بَدَنُهَا
===
ثيابه» الحديثَ (^١) .
قلنا يُحْتَمَلُ أنه ﷺ غَطَّى فَخِذَه بسرعة لَمَّا انكشف. وتَرْدِيدُ الراوي في الحديث الثاني بين فَخذِهِ وساقه يمنع تمام الاستدلال به. وعلى التَّنزُّل يُحْمَل الكشف على جانبها دون جانبهما (^٢)، أو على طرف فَخِذِه وهو الرُّكبة والساق، كما يشير إليه شكُّ الراوي. ومما يؤيد الجمهور قولهُ ﵊: «الفَخِذُ عورةٌ». رواه الترمذي عن ابن عباس وغيره. وقوله ﵊: «لا تُبْرِزْ فَخِذَك، ولا تَنْظُرْ إلى فَخِذِ حيّ ولا ميت». رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم في «مستدركه» عن علي كَرَّم الله وجهه.
(والأَمَةُ) أي وعورةُ الأَمَةِ ولو كانت مُدَبَّرة (^٣)، أو أمّ ولدٍ (^٤)، أو مُكَاتَبَة (^٥) . (هَذَا) أي ما ذُكِرَ: من تحت (السرة إلى تحت) (^٦) الركبة (مَعْ ظَهْرِهَا وبَطْنِهَا) لأنَّ النظر إليهما سبب للفتنة بها، وما عدا ذلك منها فليس بعورة فيها، لِمَا في «آثار محمد بن الحَسَن»: أخبرنا أبو حنيفة: عن حَمَّاد بن سليمان، عن إبْرَاهيم النَّخَعي: «أنَّ عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء أنْ يَتَقَنَّعْنَ، ويقول: لا تُشَبَّهْنَ بالحرائر». وفي «مصنف عبد الرَزَّاق»: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتَادة، عن أنس: «أنَّ عمر ضرب أمةً لآل أنس رآها مُتَقَنِّعةَ، فقال: اكشفي رأسك لا تتشبهي بالحرائر». وأصله قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ من جَلَابِيبِهِنَّ ذلك أَدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ﴾ (^٧) .
(والحرُّةُ) أي وعورة الحرةِ (بَدَنُهَا) أي جميع أعضائها لقوله ﵊: «المرأةُ عورةٌ». رواه الترمذيّ وصحّحه، وفي رواية النَّسائي: «الحُرَّة».
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه ٤/ ١٨٦٦، كتاب فضائل الصحابة (٤٤)، باب من فضائل عثمان (٣)، رقم (٢٦)، بلفظ: "كاشفًا عن فخذيه". بالتثنية.
(٢) المقصود هنا حَمْل الكَشْفِ على جانب من العورة - أي جزء منها - لا على الجانبين - أي كلها -.
(٣) المُدَبَّرَة: الرقيق الذي عُلِّق عِتْقُها على موتِ سيدها، ومثاله قولُ السيِّد لعبده: إِنْ مِتُّ فأنت حُرٌّ. معجم لغة الفقهاء ص: ٤١٨.
(٤) أُمُّ الولد: الأمة التي حملت من سيِّدها وأتت بِوَلد. معجم لغة الفقهاء ص: ٨٨.
(٥) مُكَاتَبة: الرقيقة (العبدة) التي تَمَّ عقد بينها وبين سيدها على أن تدفع له مبلغًا من المال نجومًا (مُقَسَّطًا) لتصيرَ حُرَّة. معجم لغة الفقهاء ص: ٤٥٥ بتصرف.
(٦) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٧) سورة الأحزاب، الآية: (٥٩).
[ ١ / ٢١٧ ]
إلّا الوَجْهَ والكفِّ والقَدَمَ.
وكَشْفُ رُبْعِ العُضْوِ يَمْنَعُ الصَّلاةَ. والسَّاقُ عُضْوٌ وَحْدَه، كالفَخِذِ، والذَّكَرِ مُنْفَرِدًا، والأُنْثَيَيْنِ،
===
(إلاّ الوَجْهَ والكفَّ والقَدَمَ) لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ (^١) أي إلاَّ ما جَرَتْ به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم، إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداءُ مواضعها، والكحلُ زينةُ الوجه، والخَاتَم زينة الكف، ولأنَّ المرأة لا تجد بُدًّا من مزاولة الأشياء بيديها. ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصًا: الشهادةُ والمحاكمةُ، وتَضْطَرُّ إلى المَشْي في الطرقات وظهور قَدَمَيْها خصوصًا الفقيرات. وعن أبي حنيفة: أنَّ القَدمَ عورةٌ، وبه قال الشافعيُّ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ أُمَّ سلمةَ قالت: سألت النبيّ ﷺ أَتُصَلِّي المرأةُ في دِرْعٍ (^٢) وخِمَارٍ وليس لها إزارٌ؟ قال: إذا كان الدِّرْع سَابِغًا (^٣) يُغَطِّي ظهور قدميها».
(وكَشْفُ رُبْعِ العُضْوِ) أي أيُّ عضوٍ كان (يَمْنَعُ) أيْ صحة (الصَّلَاةَ) ولا تَفسد الصلاة عندنَا بانكشاف القليل من العورة في زمن كثير، وهو ما يُؤَدَّى فيه رُكْنٌ كعكسه: وهو أنْ يَنْكَشِفَ منها كثيرٌ في زمن يسير، كما لو هَبَّتِ الريح فَكَشَفَتْ عَوْرَتَهُ، فتدارك سترها في الحال. وأفسدها مالك والشافعيّ، لأنَّ السترَ شرطُ صحةِ الصلاة مطلقًا ولم يوجد. ولنا اعتبارها بالوفاقية (^٤)، بجامع الضرورة.
(والسَّاق) أي ساق الحرة (عُضْوٌ) أي كامل (وَحْدَه) وهو من عورتها فيمنع انكشاف رُبْعِه الصحة (كالفَخِذِ) أيْ من الرجل والمرأة، والركبة من الفخذ، وقيل: عضوٌ منفردٌ.
(والذَّكَرِ) عطف على الفَخِذ دون الساقِ لقوله بعد هذا والأُنْثَيَيْن بالجر (مُنْفَرِدًا) احترز به عن قول بعضهم: أنَّ الذَّكَرَ مع الأُنْثَيَيْن عضوٌ واحدٌ (والأُنْثَيَيْنِ) أيْ منفردين كما في الدِّيَةِ. وأُذُنُها عورةٌ بانفرادها، وأمَّا ثَدْيُها فإنْ كان مرتفعًا تَبِعَ صَدْرَها، وإنْ كان مُنْكَسِرًا صار أصلًا بنفسه. وكلٌّ من الأَلْيَتَيْنِ عضوٌ على حدة، والدُّبُرُ ثالثهما في الصحيح.
_________________
(١) سورة النور، الآية: (٣١).
(٢) دِرْعُ المرأة: قميصها. النهاية: ٢/ ١١٤.
(٣) سَابِغًا: أي تامًّا. النهاية: ٢/ ٣٣٨.
(٤) في المطبوع: "بالوقاية".
[ ١ / ٢١٨ ]
وشَعْرٍ نَزَلَ.
===
وبهذا تَبَيَّنَ أنَّه لا فرق بين العورة الغليظة وهي: القُبُلُ والدُبُرُ، وبين العورة الخفيفة وهي: غيرهما من موضع العورة في حقِّ الانكشافِ المانعِ وغيرِ المانعِ في صحة الصلاة وفسادها، وهذا أيضًا على الصحيح.
وذَكَر الكَرْخِيُّ: أنَّهُ يُعْتَبَرُ في الغليظة قَدْرُ الدرهم، وفي الخفيفة الرُبْعُ (^١)، كما في نوعي النجاسة. وهو ليس بقوي، لأنه قَصَدَ به التغليظ في العورة الغليظة، وهو في الحقيقة تخفيفٌ، لأَنَّه اعتُبِر في الدُّبر قَدْرَ الدرهم، والدُّبُرُ لا يكونُ أكْثَرَ من قدرِ الدرهم. فهذا يقتضي جواز الصلاة وإنْ كان كل الدُّبُرِ مكشوفًا، وهو تناقضٌ، فافهم.
ثم الساترُ الرقيقُ الذي لا يَمْنَعُ رُؤْيةَ العورةِ لا يكفي لجوازِ الصلاة لعدم الستر الواجب عليه. وإذا صلّى في ثوبٍ واحدٍ محلول الجيب، اخْتُلِفَ فيهِ: ففي «نوادر ابن شجاع» أشار إلى أَنَّه يجوز، وسَوَّى بين كثيف اللحية وخفيفها، فإنَّه ذكر عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أَنَّه لو نظر إلى عورته لا تَفْسُدُ صلاته وهو الصحيح. وفي «الواقعات»: وذلك لأنَّ العورةَ إنما تُعْتَبَرُ عورةً في حق غيره دون نفسه. انتهى. لكن يُشْكِل بمسألة إذا صلّى في مفازةٍ أو بيت مظلم من غير ستر، فإنَّه لا يجوز اتفاقًا إذا كان على الستر قادرًا.
(وشَعْرٍ) بالجر أي وكشعر (نَزَلَ) أي من رأس المرأة في المختار من الروايتين. وفي «المحيط»: الأصح أنه عورة وإلاَّ جاز النظر إلى صُدْغِ (^٢) الأجنبية، أو طرف ناصيتها، وهذا يؤدي إلى الفتنة، وإنما لا يجب غسله على النساء في الجَنَابة على الصحيح لأَنَّ في غسله حرجًا. انتهى.
اعْتُرِضَ عليه بأنَّه لا ملازمة بين كون العضو غير عورة وجواز النظر إليه، إذ حِلُّ النظر منوطٌ بعدم خشية الشهوة مع انتفاء العورة، ولذا حُرِّمَ النظر إلى وجهها، ووجه الأَمْرَدِ (^٣)، إذا شك في الشهوة مع انعدام العورة، وهذا وجه الرواية النافية.
ثم العورة تنقسم إلى غليظة وخفيفة، فالغليظة: القُبُل والدُّبُر، والخفيفة: ما عدا ذلك، ويترتب على ما ذُكِرَ مراتب احتساب هنالك (^٤) .
_________________
(١) أي ربع العضو.
(٢) الصُدْغ: جانب الوجه من العين إلى الأذن. المعجم الوسيط، ص: ٥١٠، مادة (صدغ).
(٣) الأمْرَد: الذي أبطأ بنات وجهه، وقيل: الذي لم تنبت لحيته. المصباح المنير، ص: ٢١٧، مادة (مرد).
(٤) أي تُجمع بالأجزاء، مثاله: انكشف ثُمُن فخذه من موضع وثمن فخذه من مرضع آخر، يُجمع الثمن إلى الثمن حسابًا، فيكون ربعًا، فيمنع. ولو انكشف ثمن فخذه من موضع من فخذه، ونصف ثمن =
[ ١ / ٢١٩ ]
وعَادِمُ مُزِيل النَّجِسِ صَلَّى مَعَهُ ولَمْ يُعِدْ. ولَمْ تَجُزْ عَارِيًا ورُبْعُ ثَوْبهِ طَاهِرٌ، وفي أقَلَّ: الأَفْضَلُ مَعَهُ. وعَادِمُ الثُّوْبِ يَجُوزُ صَلَاته قَائِمًا، ويُندَبُ قَاعِدًا مُومِئًا.
===
(وعَادِمُ مُزِيل النَّجِسِ) أيْ الخَبَث عدمًا حقيقيًا أو حكميًا، كما إذا كان معه ماء، لكن يخاف العطش. (صَلَّى مَعَهُ) للضرورة (ولَمْ يُعِدْ) وإنْ كان الوقت باقيًا، لأنه فَعَل ما في وسعه.
(ولَمْ تَجُزْ) أي الصلاة حال كون المصلي (عَارِيًا ورُبْعُ ثَوْبِهِ طَاهِرٌ) لأنَّ نجاسةَ ربعِ الثوبِ تقوم مقام نجاسة كله حال عدم الاضطرار، فيقوم طهارة ربعه مقام طهارة كله حال الاضطرار (وفي أقَلَّ) أيْ وفي ثوب أقل من ربعه طاهر، وكذا في نجاسة الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف (الأَفْضَلُ) أنْ يصلي (مَعَهُ) لحصول الركوع والسجود وستر العورة، ولأَنَّ فرض الستر عام لا يختص بالصلاة، وفرض الطهارة مختص بها. ويجوز أن يصلي عُرْيانًا قاعدًا يُومِاء، ويجوز أن يصلي عُرْيَانًا يركع ويسجد، وهذا دونها في الفضل.
(وعَادِمُ الثَّوْبِ) أيْ ما يستر عورته من حشيش وغيره، كتلطيخ بدنه من طين ونحوه (يَجُوزُ صَلَاتُه قَائِمًَا) يركع ويسجد (ويُنْدَبُ قَاعِدًا) مَادًّا رجليه، واضعًا يديه بين فخذيه، لأنه أستر (مومئًا) بالركوع والسجود لأن في القيام ترك الستر من كل وجه، وفي القعود إتْيَان به، وبالركوع والسجود من وجه.
وأوجبَ القيام زُفَر كمالك والشافعي، لأنَّ في القيامِ تركُ الستر، وهو غير مخاطب به، وفي الإيماء ترك فروض وهو مخاطب بها. ولنا ما رُوِيَ عن أنس: «أنَّ بعض أصحاب رسول الله ﷺ رَكِبُوا في سفينة فانْكَسَرت بهم، فخرجوا من البحر عُرَاةً، فصلَّوا قعودًا بإيماء». قال سِبْطُ ابنُ الجوزيّ: رواه الخلاّل. وعن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «العاري يُصَلِّيَ قاعدًا بالإيماء». وعن عَطَاءٍ وعِكْرمَةَ وقَتَادَة: مثله. وقال قَتَادَةُ: إذا خرج ناس من البحر عُرَاةً فَأَمَّهُمْ أَحدُهم، صَلَّوا قاعدين، وكان إمَامُهم مَعَهُم في الصَّفِ يُومِئُونَ إيماءً. وعن عليّ ﵁: «أنَّه سُئِلَ عن صلاة العُرْيَان، فقال: إنْ كان حيث يراه الناس صلَّى جالسًا، وإذا كان حيث لا يراه الناس صلّى قائمًا». رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفّه». وهو تفصيل حسن من أبي الحسن.
_________________
(١) = ذلك الفخذ من موضع آخر، لا يمنع. انتهى. "رد المحتار على الدر المختار" ١/ ٢٧٤. وقد ذكر تفصيلًا مهمًا حول أعضاء عورة الرجل والمرأة. فانظره، فإنه مفيد.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وقِبْلَةُ خَائِفِ الاسْتِقْبَالِ جِهَةُ قُدْرَتِهِ. وإنْ عَدِمَ مَنْ يَعْلَمُ القِبلَةَ تَحَرَّى
===
(وقِبْلَةُ خَائِفِ الاسْتِقْبَالِ) من عَدُوَ، أو سَبُعٍ، أو غَرَقٍ بأنْ كان على خشبة في البحر، فقبلة مبتدأٌ خبره (جِهَةُ قُدْرَتِهِ) لتحقق عجزه عن التوجه إلى قِبلته. وكذا المريض الذي لا قدرة له على الاستقبال، ولا يجد من يُوَجِّهُهُ إلى القِبلة. وكذا العاجز عن النزول عن دابة سائرة لخوفٍ، أو لمرضٍ أو لطين ورَدْغَةٍ (^١)، أو لنفورِها، وعدم وقوفها، أو لعجزه عن ركوبها بعد نزوله عنها.
وقِبْلةُ مَنْ بمكةَ إصابة عين الكعبة للمكي المشاهِدِ لها، لأنَّه الأصل، ولا حرج فيه. وقيل: يجب عليه إصابة عينها وإنْ كان بينه وبينها حائل لإمكان إدراكه. والأصح: أنَّه كالغائب، للزوم الحرج في إلزام حقيقة المُسَامَتَةِ (^٢) في كل بقعة يُصَلِّي فيها، لأنَّ أدنى انحراف من القريب يُخْرِجُه عنها، كما هو مُشَاهَدٌ في المَشَاهِد. وأَغْرَب العَيْنِيُّ في قوله: وفَرْضُ عين الكعبةِ للمكيّ بالإجماع، حتى لو صلّى المكيُّ في بيته ينبغي أنْ يُصَلِّي بحيث لو أُزِيلَت الجدْرَان يقع استقباله على شطر الكعبة. انتهى. ولا يَخْفَى بين قوله: فرضٌ، وبين قوله: ينبغي.
هذا، وقد ذكر ابن الهُمَام: أنَّ في النَّظْمِ: الكعبةُ قبلة من بالمسجد، والمسجد قبلة من بمكّة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة العالم. قال المصنف - يعني صاحب «الهداية» - في «التجنيس»: هذا يُشِير إلى أَنَّ مَنْ كان بمعاينتها، فالشرط إصابة عينها. ومن لم يكن يعاينها، فالشرط إصابة جهتها. وهو المختار. انتهى كلام صاحب «الهداية»، والله الهادي في البداية والنهاية.
وأمّا النائي عنها فيكفي إصابة جهتها، ولا يُشْتَرط نية عينها عند عامة المشايخ وهو الصحيح. وقال الجُرْجَانِيّ: عين الكعبة، لأَنَّ النَّص لم يُفَصِّل بين مكة وغيرها في افتراض عينها، وبه قال الشافعي .. وأُجِيبَ بأنَّ التكليف على حسب الوسع: وهو في حق من ليس بمكة الجهة. لما رَوَى ابن ماجه والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين المشرق والمغرب قبلة».
(وإنْ عَدِمَ) أي لم يجد مريد الصلاة (مَنْ يَعْلَمُ القِبْلَةَ) وهو يجهلها بانطماسِ الأَعلام، وتراكم الظلام، وتَضَامِّ الغمام (^٣) (تَحَرَّى) أي صلَّى إلى جهة اجتهاده لأَنَّها
_________________
(١) الرَّدْغَة: الوحل الكثير. المعجم الوسيط، ص: ٣٣٨، مادة (رَدَغَ).
(٢) المُسَامتة: المقابلة.
(٣) تضامّ الغمام: انضمُّ - أي اجتمع - بعضه إِلى بعضٍ. المعجم الوسيط، مادة (ضم)، ص: ٥٤٤.
[ ١ / ٢٢١ ]
ولَمْ يُعِدْ مُخْطِئٌ تَحَرَّى، بَلْ مُصِيبٌ لم يَتَحَرَّ. وإنْ تَحوَّلَ رَأْيُهُ مُصَلّيًا اسْتَدَارَ.
===
قبلته حيث يسع قدرته، لقوله تعالى ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (^١) أيْ قبلته كما ارتضاه. فإنَّ الآية نزلت في الصلاة حال الاشتباه. ولما رُوِيَ من طرق ضعيفة قد يُحَسَّنُ الحديث بتعددها: «أنَّ بعض الصحابة تَحرَّوا القبلة في ليلة مظلمة، وصلَّوا وخَطُّوا خطوطًا، فلما أصبحوا وجدوها لغير القبلة، فلم يأمرهم النبيُّ ﷺ بالإعادة». ولما رَوَى ابن ماجه والترمذيّ من حديث عَامِر بن رَبِيعة، عن أبيه، قال: «كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر»، زاد الترمذي: «في ليلة مظلمة، فَتغَيَّمَتِ السماء وأشْكَلَت القبلة، فصلّينا، فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا لغير القِبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾».
(ولَمْ يُعِدْ مُخْطِاءٌ تَحَرَّى) القبلة وصلى، ثم تبين خطؤه، لأنه أتى بالواجب في حقه: وهو الصلاة إلى جهة تحريه. وأوجب مالك إعادته في الوقت، والشافعي مطلقًا. (بَلْ) يعيد (مُصِيبٌ لم يَتَحَرَّ) بأنْ شَكَّ في القبلة، وصلّى من غير تحرَ، ثم تبين أنَّه أصاب، وهذا إذا تبين أنه أصاب وهو في الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف. وأمّا إذا تبين أنه أصاب بعد الفراغ، فصلاته جائزة بالاتفاق لحصول المقصود. وفي «الظهيرية»: الأعْمَى إذا صلى ركعة فأخطأ القبلة، فجاء رجل وسوَّاه يمضي في صلاته ولا يقتدي ذلك الرجل به. قال: وعندي هذا محمول على ما إذا لم يجد من يسأله.
(وإنْ تَحوَّلَ رَأْيُهُ) أي رأي المتحري حال كونه (مُصَلّيًا اسْتَدَارَ) لأَنَّ تبدُّلَ الاجتهاد بمنزلة النسخ، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقُبَاء إذ جاءهم آتٍ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه الليلة قرآن، وقد أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ القبلة فاسْتَقْبِلُوها، وكانت وجوههم إلَى الشام، فاستداروا إلى الكعبة». ورواه مسلم من رواية أنس وقال فيه: «فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلَّوا ركعة فنادى: أَلاَّ إنَّ القبلة حُوِّلت، فَمَالوا كما هم نحو الكعبة، واستحسنه النبي ﷺ.
قال ابن الجَوْزِيّ: في السنة الثانية حُوِّلَتِ القبلة - يعني من الهجرة - قال: وقال محمد بن حَبِيبٍ الهَاشِميّ: «حُوِّلَتْ - يعني القبلة - الظهر يوم الثلاثاء، النصف من شعبان: زار رسول الله ﷺ أم بِشْر بن البَرَاء بن المَعْرُور في بني سَلَمَةَ، فتغدّى هو وأصحابه، وحانت الظهر، فصلى بأصحابه في مسجد القبلتين ركعتين من الظهر إلى
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١١٥).
[ ١ / ٢٢٢ ]
ولا يَضُرُّ جَهْلُهُ جِهَةَ إِمَامِهِ، بَلْ تَقَدُّمُهُ، أوْ عِلْمُ مُخَالَفَتِهِ. ويَقْصدُ صلاتَهُ واقْتِدَاءَه، إن اقْتَدَى مُتَّصِلًا بالتَّحْرِيمَةِ،
===
الشام، ثم أُمِرَ أنْ يستقبل القبلة وهو راكع في الركعة الثانية، فاستدار إلى الكعبة ودارت الصفوف خلفه، ثم أَتَمَّ الصلاة، فسُمِّيَ مسجد القبلتين لهذا.
(ولا يَضُرُّ جَهْلُهُ) أي المُقْتَدي (جِهَةَ إِمَامِهِ) يعني: أنَّ من صلَّى في ليلة مظلمة مع إمامه، وتوجه كل منهما بالتحري إلى جهة، وكان المأموم جاهلًا جهة إمامه، لا تبطل صلاته، لأنه توجّه إلى ما هو القبلة في حقه، وهو جهة تحريه. وصار كما لو صلّى داخل الكعبة إلى غير جهة إمامه، ولم يَعْلَم مخالفة جهة إمامه، لعدم اعتقاده بأن إمامه على الخطأ في توجّهه (إذا علم أنه ليس خلفه) (^١) .
(بَلْ) يضر (تَقَدُّمُهُ) على إمامه لِتَرْك فرض مقامه، كما إذا صلى داخل الكعبة مع إمامه. (أوْ عِلْمُ مخالفته) جهة إمامه لاعتقاده أنَّ إمامه، على الخطأ، «فعلم» مصدر مرفوع بالعطف على تَقدّمه.
(ويَقْصِدُ) أي المصلي بقلبه (صَلَاتَهُ) سواء صلّى منفردًا أو إمامًا أو مقتديًا لقوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيّات». رواه الشيخان وغيرهما، يُجْمَع على صحته، فقد رواه سبع مئة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره، غريبٌ بالنسبة إلى أوله، وليس متواترًا لفقد الشرط في بدئه، ولأنَّ بالنية تتميز العبادات عن العادات.
وعن محمد: أنَّ من توضَّأ يريد به صلاة الوقت، وغَرَبَتْ (^٢) عنه النيّة عند الشروع جازت صلاته. وفي «الرَّقِّيَّات»: من خرج من منزله يريد الصلاة التي كان القوم فيها، فَلَمَّا انتهى إلى القوم كَبَّر ولم تحضره النية، فهو داخل مع القوم، لأنَّ النية وُجِدَت فتبقى حكمًا حتى يأتي المُبْطِل ولم يوجد. انتهى.
ولا يخفى أن هذا كله مبني على أنّ النية من شروط الصلاة، ولا يشترط فيها الاتصال بخلاف الأركان، وفي هذا توسعة ورفق بأهل الإيمان والله المستعان.
(و) يقصد (اقْتِدَاءَه) بالإمام (إن اقْتَدَى) لأَنَّه يلزم الفساد من جهته، فلا بد له من التزامه في نيّته، ولو نوى الاقتداء بزيد فإذا عمرو لا يجوز، لأنه اقتدى بغائب، ولو نوى الاقتداء ظانًا أنه زيد فإذا هو عمرو، يجوز.
(مُتَّصِلًا) ذلك القصد (بالتَّحْرِيمَةِ) أي بتكبيرة الافتتاح من غير فصل بينهما
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) غَرَبَ: أَي بَعُدَ. مختار الصحاح ص: ١٩٧ مادة (غرب).
[ ١ / ٢٢٣ ]
ومَعَ اللَّفْظِ أفْضَلُ. ويَكْفِي لِغَيرِ الفَرْضِ والوَاجِبِ نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلاةِ، وشرِطَ لَهُمَا التَّعْيين لا العَدَدُ.
===
بعمل يمنع الاتصال كالكلام، والأكل، والشرب، ونحوها، ولا يجوز الصلاة بنية مُتأخِّرة عن التكبيرة، لئلا يخلو أول جزء من القيام عن النية فلا يكون عبادة، فلا يكون الباقي أيضًا عبادة، لأنه مبني عليه، وهذا هو الصواب وهو ظاهر الرواية. وقال الكرْخِيّ: يصح ما دام في الثناء، وقيل: يصح إذا تقدمت على الركوع، وهذا أيضًا مبني على أنَّ تكبيرة التحريمة شرط، ولا ترتيب بين الشرائط. وإنَّما لا بد (من) (^١) وجود كلها قبل أركان الصلاة. فإذا وُجِدَت النية بل الركوع فقد قارنت بعض القيام وحصل المرام.
(ومَعَ اللَّفْظِ) أي والقصد مع التَلَفُّظ بما يدل عليه (أفْضَلُ) منه بلا تَلَفُّظٍ، لأنَّ اللسان ترجمان الجَنان، وهذا بدعة حسنة استحسنها المشايخ للتقوية، أو لدفع الوسوسة، ولا عبرة بالنطق باللسان وحده، حتى لو نَطَقَ بظُهْرٍ ونوى عصرًا، يكون عصرًا.
وأمَّا التكبير، فلا بد منه للشروع في الصلاة، إلاَّ على قول أبي بَكْرٍ الأَصَمِّ، وإسماعيل بن عُلَيَّة، فإنَّهما يقولان: يَصِيرُ شارعًا بمجرد النية، والأَذْكار عندهما كالتكبير والقراءة زينة الصلاة، وليست من الواجبات. وشَرَطَ الشافعيّ المقارنة بينهما. وفي كيفيتهما لأصحابه وجهان: إمّا النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان والفراغ منهما معًا، وإمَّا القِران العرْفي بحيث يُعَدُّ مستحضرًا للصلاة غير غافل عنها، وهو اختيار إمام الحرمين، والغزالي، وقريب من مذهب أصحابنا.
(ويَكْفِي لِغَيْرِ الفَرْضِ والوَاجِبِ) سواء كان نفلًا، أو سنة مؤكّدة، (نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلاةِ) لأَنَّ تعيين النوافل والسنن بوقوعها في أوقاتها، فلا يَفْتَقِرُ إلى تعيين (وشُرِطَ لَهُمَا) أي للفرض والواجب (التَّعْيِينُ) لأَنَّ الفروض والواجبات كثيرة، فلا بد من تعيين ما يراد أداؤه في النيّة (لا العَدَدُ) أي لا يُشْتَرَطُ للفرض والواجب نية عدد الركعات، لأَنَّ قصد التعيين مُغْنٍ عنه، ولو نوى الظهر ثلاثًا، أو الفجر أربعًا جاز. وكذا لا يشترط نيّة الكعبة، لا عينها ولا جهتها، لأن القيام لَمَّا تَعَيَّنَ للصلاة بالنية، تَعَيَّنَ الاستقبال للصلاة ضرورة، ولأن الاستقبال شرط، والشرط لا يحتاج إلى نية كما تقدم، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢٢٤ ]