سُنَّ للمُحْتَضَرِ
===
بِمُقِيمٍ) تبعًا لإمامهما. وهذا كله عند أبي حنيفة، وهو مَرْوِي عن ابن مسعود، وابن عمر ﵃. وقالا: يجب التكبير على كل من يُصَلِّي المكتوبة، لأن التكبير تبع للمكتوبة. لأبي حنيفة أنَّ الجهر بالتكبير خلاف الأصل، والنص الوارد فيه اجتمعت هذه الأمور فيه، فتراعى.
(إلى عَصْرِ العِيدِ) غاية لقوله: من فجر عَرَفَةَ، وهذا عند أبي حنيفة، لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن الأسود قال: «كان عبد الله بن مسعود يكبر من صلاة فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، فيقول: اللهُ أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد».
(وقالَا: إلى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وهو قول الشافعي - رَجَّحَه جماعة من أصحابه - وقول أحمد بن حنبل.
(وبه يُعْمَلُ) أي وعليه الفَتْوَى، لأنه مَرْوِي عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، ولأنه أخْذٌ بالأكثر، وهو أحوط في العبادات. وعن الشافعي - وهو قول مالك ـ: أنَّ ابتداء التكبير من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق.
(ولا يَدَعُهُ المُؤْتَمُّ ولَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ) لأن التكبير يُؤَدَّى لا في نفس الصلاة، فلا يكون الإمام فيه حتمًا، بل مستحبًا، كسجدة التلاوة، بخلاف ما لو ترك الإمام سجود السهو، فإنه يتبعه المَأْمُوم في تركه، لأنه يُؤَدَّى في حُرْمَة الصلاة. لكن ينبغي للمأموم أن ينتظر الإمام إلى أن يأتي بشيء يقطع التكبير، كالخروج من المسجد والحَدَث العمد، والكلام المُنَافي، والله أعلم.
باب في الجَنَائِزِ
وهو بفتح الجيم لا غير: جمع جِنَازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح. وقيل: الفتح للميت، والكسر لسريره الذي يُحْمَلُ عليه. وقيل: بالعكس.
(سُنَّ للمُحْتَضَرِ) بفتح الضاد: وهو من حضره الموت أو ملائكته. وعلامة ذلك
[ ١ / ٤٢٧ ]
أنْ يُوَجَّهَ إلى القِبْلَةِ عَلَى يَمِينِهِ، واخْتِيرَ الاسْتِلْقَاءُ. ويُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، فإذا مَاتَ تُشَدُّ لَحْيَاهُ، وتُغْمَضُ عَيْنَاهُ،
===
استرخاء قدميه، وانعواج أنفه، واسوداد ظفره، وانخساف صُدْغَيْه (^١) . (أنْ يُوَجَّهَ) أي يجعل وجهه (إلى القِبْلَةِ) لِمَا روى الحاكم في «المستدرك» عن أبي قتادة: «أن النبيّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة سأل عن البَرَاء بن مَعْرُور فقالوا: تُوُفِّي وأوْصَى بثلثه لك (^٢)، وأوْصَى أن يُوَجَّهَ إلى القِبلة لَمَّا احْتُضِرَ. فقال رسول الله ﷺ أصاب الفِطْرَة، وقد رَدَدتُ ثُلُثَهُ على ولده». (عَلَى يَمِينِهِ) لأنه يوضع عليه في القَبْر فكذلك في هذا الوقت.
(واخْتِيرَ) عند بعض المشايخ (الاسْتِلْقَاءُ) لأنه أسهل في شدِّ اللَّحْيَيْنِ، وتغميض العينين، وأمنع من تقوّس أعضائه. قيل: وفي خروج الروح. ويُرْفَع رأسه قليلًا، ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء.
(ويُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) لِمَا روى الجماعة إلاَّ البُخَارِي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «لَقِّنُوا أمواتكم: لا إله إلا الله». أي من قَرُبَ من الموت. وزاد ابن شاهين، عن ابن عمر مرفوعًا: «فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلاَّ أنْجَتْه من النار». وكيفية التلقين: أنْ يُقَال عنده وهو يسمع، ولا يُؤْمَرُ بها، ولا يُلَحُّ عليه، لأن الحال صعب لديه. فإذا أتى بها، ولم يتكلم بعدها يُمْسَكُ عنه، لأن المقصود أنْ يكون خَتَم كلامه بها. لقوله ﵊: «من كان آخرَ كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة». رواه أبو داود. ولا يلَقَّنُ بعد الموت على القبر. وقيل: يُلَقَّنُ. وقيل: (لا يُؤْمَرُ به.) (^٣) ولا يُنْهَى عنه.
(فإذا مَاتَ تُشَدُّ لَحْيَاهُ) بفتح اللام، تثنية لَحْي: وهو مَنْبِت اللحية من الإنسان وغيره. (وتُغْمَضُ عَيْنَاهُ) إزالةً لشناعة منظره، وأمنًا من دخول شيء من الهوامّ في جوفه من فمه، ولقوله ﷺ «إذا حضرتم موتاكم فأغْمِضُوا البصر، فإنّ البصر يتبع الروح. وقولوا خيرًا، فإن الملائكة تُؤَمِّنُ على ما قال أهل البيت». رواه ابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولِمَا رَوَى مسلم من حديث أم سَلَمة قالت: «دخل رسول الله
_________________
(١) الصدْغ: سبق شرحها، ص: ٢١٩، التعليقة رقم: (٢).
(٢) عبارة المطبوع: وأوصى بثلث ماله. وما أثبتناه من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لرواية الحاكم في "المستدرك" ١/ ٣٥٣.
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ويُجَمَّرُ تَخْتُهُ وكَفَنُهُ وِتْرًا.
ويُغَسَّلُ
===
ﷺ على أبي سَلَمَة وقد شَقَّ بَصَرُه، فأغْمَضَه، ثم قال: إن الروح إذا قُبِضَ (^١) تبعه البصر، فَضَجَّ ناس من أهله - أي فصاحوا - فقال: لا تَدْعُوا على أنفسكم إلاَّ بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المَهْدِيِّين، واخْلُفْه في عقِبهِ في الغابرين» (^٢) . شَقَّ بصره، بفتح الشين ورفعِ البصر، وضَبَطَه بعضهم بالنصب معناه: شَخَصَ. ويقول مُغْمِضه: باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله ﷺ ويُسْتَحب تعجيل دفنه.
(ويُجَمَّرُ) بصيغة المجهول مخففًا أو مشددًا أي يُبَخَّر (تَخْتُهُ) أي سريره. قيل: ويوضع عليه طولًا إلى القبلة. وقيل: عرضًا، والأصح كما قال السَّرَخْسِي: كيفما تيسر ليَنْصَبَّ عليه الماء، وكان أقرب إلى التنظيف (وكَفَنُهُ) عند إرادة غسله، بأن تدار المِجْمَرَة حوله، إزالة لِمَا عسى أنْ يكون من الرائحة الكريهة. (وِتْرًا) مرة أو ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، ولا يزاد على ذلك. روى أحمد، وابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم وصححه، عن جابر: أن النبيّ ﷺ قال: «إذا أجْمَرْتُم الميت، فأجْمِرُوه وِتْرًا». وفي رواية: «فأجْمِرُوه ثلاثًا».
(ويُغَسَّلُ) بالتخفيف والتشديد. وغسلُه فرضُ كفاية على الأحياء بالاتفاق، حتى لو وُجِدَ ميت في الماء غسل، وإن كان تَفَسَّخَ صُبَّ عليه الماء.
واختلفوا في سبب غسله: فقيل: حَدَثٌ يَحُلُّ بالميت، لاسترخاء مفاصله. فإن الآدمي لا يَنْجُسُ بالموت، كرامةً له. وإنما لم يُقْتَصَرْ على أعضاء الوضوء، لأن في الاقتصار عليها في الحياة نفيًا للحرج فيما يتكرر كل يوم، والحَدَثُ بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة. وقال العراقيون: سببه النجاسة بالموت كسائر الحيوانات، لأن شخصًا لو حمل إنسانًا ميتًا وصَلَّى لم تجز صلاته. ولو حمل مُحْدِثًا، فصلى جازت. وزوال نجاسته بالغسل دون باقي الحيوانات، كرامةً له، هذا هو الأظهر، إلاَّ أنَّ حديث أبي هريرة: «سبحان الله، إنّ المؤمن لا يَنْجُس حيًا ولا ميتًا» (^٣) . فإن صحّت الرواية،
_________________
(١) في المطبوع أفل، والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في صحيح مسلم ٢/ ٦٣٤، كتاب الجنائز (١١)، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حُضِرَ (٤). رقم (٧ - ٩٢٠).
(٢) أي: كُن خليفةً له في ذريته الباقين.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ١/ ٣٩٠، كتاب الغسل (٥)، باب عرق الجنب وأن المسلم … (٢٣)، رقم (٢٨٣).
[ ١ / ٤٢٩ ]
ويُجَرَّدُ بِلا مَضْمَضَةٍ واسْتِنْشَاقٍ،
===
وجب ترجيح أنه للحدث.
وتُستر عَوْرَتُه لأن النظر إليها حرام كالحيّ، وهو ما تحت سرته إلى ركبته، كما في الحيّ. وقيل: الغليظة. وفي «الهداية»: هو الصحيح تيسيرًا. قلت: وهو ظاهر الرواية. والأول رواية «النوادر»، وصححها في «النهاية»، واختاره الكَرْخِيّ لقوله ﷺ لعليّ: «لا تنظر إلى فَخذِ حيّ ولا ميت» (^١) . ولذا لا يَحِلُّ للرجل غسل النساء، وبالعكس.
(ويُجَرَّدُ) عن ثيابه وهو قول مالك، للاعتبار بحال حياته. وقد كان هذا التجريد مشهورًا فيما بين الصحابة بدليل ما رُوِيَ أنهم قالوا: أنُجرِّدُه كما نُجَرِّدُ موتانا أم نُغَسِّلُه في ثيابه؟ فسمعوا هاتفًا يقول: لا تجرّدوا رسول الله ﷺ وفي رواية: «اغسلوه في قميصه الذي مات فيه». ولأنه (^٢) قد يتنجس مما يخرج منه (^٣)، وينجس الميت به، ويَشِيعُ بصب الماء عليه، بخلاف النبيّ ﷺ لأنه لم يخرج منه إلاَّ طيب. فقد قال عليّ: «طِبْتَ حيًّا وميتًا».
ويُوَضَّأُ أولًا اعتبارًا بحال الحياة، إلاَّ أنه لا يُقدَّمُ غَسْلُ يديه، بل يُبْدَأُ بوجهه، بخلاف الجُنُبِ، لأنه يتطهّر بهما. والميت يُغَسَّلُ بيد غيره. ولا يُمْسَحُ رأسُه في رواية، والمختار: أن يُمْسَحَ ويُنَجَّى (^٤) عند أبي حنيفة ومحمد، بعد ما يَلُفُّ على يده خِرْقَةً لحرمة المس كالنظر. وعند أبي يوسف: لا يُنَجَّى، لأن المُسْكَةَ (^٥) قد زالت، فلو نُجِّيَ ربما يزداد الاسترخاء، فتخرج نجاسة أخرى. فيُكْتَفَى بوصول الماء إليه (^٦) .
ولهما: أن موضع استنجاء الميت لا يخلو عن نجاسة، فَتُزَال كما في الحياة، وكما لو كانت في موضع آخر من بدنه.
(بِلَا مَضْمَضَةٍ واسْتِنْشَاقٍ) وهو قول مالك وأحمد، خلافًا للشافعي قياسًا على الحيّ. ولنا: أن في إدخال الماء في أنفه وفمه وإخراجه منهما حرجًا، فيُتْرَكَان.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٦٩، كتاب الجنائز (٦)، باب ما جاء في غسل الميت (٨)، رقم (١٤٦٠).
(٢) أي الثوب أو القميص.
(٣) أي من الميت.
(٤) أي يُزَال عنه النَّجْوُ من غائط وأذى.
(٥) المُسْكَة: أي القوة. المصباح المنير، ص: ٥٧٣، مادة (مسك).
(٦) أي: إلى موضع الاستنجاء.
[ ١ / ٤٣٠ ]
ولا قَلْمِ ظُفُرٍ، ولا تَسْرِيحِ شَعْرٍ
===
ولو وُلِدَ ميتًا، رُوِي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه لا يُغَسَّلُ، لأن الغسل لأجل الصلاة، وهو لا يُصَلَّى عليه. وعن أبي يوسف: يُغَسَّلُ، لأنه يشبه الجزء من وَجْهٍ، والنفس من وجه، فَيُغَسَّلُ اعتبارًا بالنفس، ولا يُصَلَّى عليه اعتبارًا بالجزء. وفي «الخلاصة»: السِّقْطُ (^١) الذي لم تتمّ أعضاؤه لا يصلّى عليه، ولكن يُغَسَّلُ ويُدْفَنُ في خِرْقَةٍ، وكأَنه اختار رواية أبي يوسف.
(ولا قَلْمِ ظُفُرٍ) أي وبلا قطعه. وعن (أبي حنيفة) (^٢) وأبي يوسف: إذا كان الظُّفُرُ منكسرًا، فلا بأس بأخذه. وكذا لا يُقَصُّ شاربه ولا يُنْتَفُ إبْطُه ونحو ذلك.
(ولا تَسْرِيحِ شَعْرٍ) أي من رأسه ولحيته لِمَا رَوَى محمد بن الحسن في «آثاره»، عن أبي حنيفة، وعبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن سفيان الثوري كلاهما عن حَمَّاد، عن إبراهيم: «أنَّ عائشة رأت امرأة يَكْدُون (^٣) شعرها بمشط فقالت: علام تُنْصُون ميتكم؟» أي تَمُدُّونَ ناصيته. وتكدون وتنصون على زِنَة تبكون - فأرادت عائشة أنَّ الميت لا يحتاج إلى تسريح الرأس. وعَبَّرَت بالأخذ بالناصية تنفيرًا.
ومذهب الشافعيّ: قَصُّ ظُفُرهِ وشاربه، وتسريح لحيته وشعره بمشط واسع. وكذا غسله في قميص وبماء بارد اعتبارًا له بالحي، واعتبارًا بغسل النبيّ ﷺ في قميصه، ولقول أم عَطِيَّة في غسل بنت النبيّ ﷺ «فضَفَرْنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها». ولأن المُسَخَّنَ يوجب انحلال ما في الباطن فيكثر الخارج.
ولنا: أنَّ في الماء الحار مبالغةً في التنظيف كالسِّدْرِ (^٤) والحُرضِ (^٥) . وكون سخونته توجب الانحلال داع لا مانع، لأن المقصود يتم به، إذ باستفراغ ما في الباطن يحصل تمام النظافة، والأمان من تلويث الكَفَن عند تحريك الحَامِلِين. وقد سبق أنَّ غسله ﷺ في قميصه كان من خصائصه. ولا يلزم من تضفير الشعر تسريحه كما لا
_________________
(١) السِّقْط: الولد ذكرًا كان أو أنثى يسقط قبل تمامه وهو مُسْتبِينُ الخَلْقِ. المصباح المنير، ص: ٢٨٠، مادة (سقط).
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٣) كَدَّ شعره: مَشَطَه. المعجم الوسيط، ص: ٧٧٩، مادة (كدّ).
(٤) السِّدْر: الورق المطحون من شجرة النَّبْقِ. المصباح المنير، ص: ٢٧١، مادة (سدر). وشجرة النَّبْقَ: شجرة من الفصيلة السِّدْرية قليلة الارتفاع، أغصانها مُلْسٌ بيض اللون تحمل أَوراقًا متبادلة مُلْسًا، وأَزهارها صغيرة متجمعة إبطية، وثمرتها حَسَلَة حلوة تؤكل، وهى تنمو في مصر وفى غيرها من بلاد إفريقيا الشمالية. المعجم الوسيط، ص: ٨٩٨.
(٥) الحُرْض: رمادٌ إِذا أحرق ورُشّ عليه الماء انعقد وصار كالصابون تنظَّف به الأيدي والملابس. المعجم الوسيط، ص: ١٦٧، مادة (حرض).
[ ١ / ٤٣١ ]
ويُجْعَل الحَنُوطُ
===
يخفى. وجواب الباقي تقدم والله تعالى أعلم.
وفي «المحيط»: أن الصبيّ والصبية إذا لم يبلغا حَدَّ الشهوة فهما في الغسل كالبالغ، وإن كانا لا يعقلان لا يُوَضَّآن عند الغسل.
ولا تَغْسِل الأَمَةُ سيّدها لزوال مِلْكه عنها إلى الورثة، ولا المُدَبَّرَةُ مولاها لعتقها بموته، ولا أمّ الولد مولاها، وإن كانت تعتد منه، لأن عدّتها لم تجب قضاء لحقِّه. وعند زُفَر: تغسله. وتغسل المرأة زوجها اتفاقًا، وإن كانت مُحْرِمَة أو صائمة. ولا يغسل الرجل امرأته عندنا (^١) خلافًا للثلاثة.
ثم يُصَبُّ عليه ماء مَغْلِي بسِدْرٍ أَوْ حُرْضٍ إِنْ وُجِدَ، وإلاَّ فالماء الخالص المسخن أولى. ويغسل رأسه ولحيته بالخَطْمِيّ (^٢) لأنه أبلغ في استخراج الوسخ. فإنْ لم يُوجَد فبالصابون ونحوه لعمله عَمَلَه.
ويُضْجِعُه بعد ذلك على يساره فيغسل جانبه الأيمن حتى يصل الماء إلى ما يلي التخت منه - وهو الجانب الأيسر - وهذه غِسْلَة. ثم يُضْجِعُه على يمينه ويغسله كذلك حتى يُنقيه، ويرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت - وهو الجانب الأيمن - وهذه ثانية. ثم يُجْلِسُه مسنَدًا إليه، ويسند ظهره إلى ركبته ويمسح بطنه برفق حتى لو بقي شيء يسيل، فلا تتلوث أكفانه. فإن خرج منه شيء، كفى غسل موضعه، ولا يجب إعادة غسله. لأنه إنما عُرِفَ وجوبه بالنص مرة واحدة، مع قيام سبب النجاسة. إذ الحدث - وهو الموت - أعمُّ من أن يكون قبل خروج شيء أو بعده، فلا يُعَاد، لأن الحاصل بعد إعادته هو الذي كان قبله، ثم يُضْجِعهُ على جنبه الأيسر، ويغسله بماء فيه كافور (^٣)، وقد تمّت الثلاث. ثم ينشِّفه بثوب أو خِرْقة كما في حالة الحياة لئلاَّ تبتل ثيابه.
(ويُجْعَلُ الحَنُوطُ) بفتح الحاء المهملة، أخلاط من طيب مجتمع للميت خاصة. وفي «المحيط»: لا بأس بسائر الطيب في الحَنُوط غير الزَّعْفَرَان (^٤)
_________________
(١) لأن الملك يبطل محله. حاشية ابن عابدين، ١/ ٥٧٦.
(٢) الخَطْمِيّ: نبات من الفصيلة الخُبَّازية، كثير النفع، يُدَقُّ ورقه يابسًا ويجعل غِسْلًا للرأس. المعجم الوسيط، ص: ٢٤٥، مادة (خطم).
(٣) الكافور: شجر من الفصيلة الغارية يتخذ منه مادة شفَّافة بلورية الشكل يميل لونها إلى البياض رائحتها عطرية وطعمها مُرٌّ. المعجم الوسيط، ص: ٧٩٢، مادة (كفر).
(٤) الزعفران: نبات بصليّ معمَّر من الفصيلة السَّوْسَنِيَّة. المعجم الوسيط، ص: ٣٩٤، مادة (زعفر).
[ ١ / ٤٣٢ ]
عَلَى رَأْسِهِ ولِحْييَهِ، والكَافُورُ عَلَى مسَاجِدِهِ.
===
والوَرْس (^١) لأنهما للزينة. وقيل: يجوز للنساء دون الرجال.
(عَلَى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ والكَافُورُ عَلَى مسَاجِدِهِ) وهي مواضع السجود من بدن الإنسان، جمع مسجَد، بفتح الجيم لا غير. قال الإمام السَّرَخْسِي: يعني بها جبهته، وأنفه، ويديه، وركبتيه، وقدميه، لأن الطيب سُنَّةٌ وكرامة. والرأس ومواضع السجود أحق بالكرامة، لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء، وذلك لقوله ﷺ «كان آدم النبيّ ﵊ رجلًا أشعر طُوَالًا كأنه نخلة سَحُوق (^٢)، فلمَّا حَضَره الموت، نزلت الملائكة بحَنُوطٍ وكَفَنٍ من الجنة. فلمَّا مات ﵊ غسلوه بالماء والسِّدْر ثلاثًا، وجعلوه في الثالثة كَافُورًا، وكفَّنُوه في وترٍ من الثياب، وحفروا له لحدًا (^٣)، وصلَّوا عليه، وقالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده».
وفي رواية قالوا: «يا بني آدم هذه سنتكم من بعده، فكذلكم فافعلوا». رواه الحاكم من طريقين سكت عن أحدهما، وصحح الآخر. ولقول أم عَطِيَّة: «دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: اغْسِلْنَها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك - إن رأيتن ذلك - بماء وسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي. فلمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاه. فألقى إلينا حِقْوَه - أي إزاره - فقال: أشْعِرْنَها إيّاه». أي اجعلنه شعارًا لها. وفي رواية: «اغْسِلْنَها وِتْرًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، وابْدَأْن بِمَيَامِنِها ومواضع الوضوء منها …» الحديث. متفق عليه.
وروى الحاكم في «المُسْتَدْرَك» بإسناد حسن، عن أبي وائل قال: «كان عند عليّ ﵁ مِسْكٌ فأوصى أنْ يُحَنَّطَ به. وقال: هو فضل حَنُوط رسول الله ﷺ. وروى ابن أبي شَيْبَة أيضًا عن أبي وائل، وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سَلْمان: «أنه استودع امرأته مِسْكًا، فقال: إذا مِتُّ فَطَيِّبُوني به، فإنه يَحْضُرَني خلق من خلق الله، لا ينالون من الطعام والشراب، وإنما يجدون الريح». وروى مسلم في الطِّيب عن (أبي سعيد) الخُدْرِي مرفوعًا: «إن أطيب طيبكم المسك» (^٤) . ولِمَا في مصنف ابن
_________________
(١) الوَرْس: نبت من الفصيلة القرنية ينبت في بلاد العرب والحبشة والهند، وثمرتها قرن مغطَّى عند نضجه بغدد حمراء، يستعمل لتلوين الملابس الحريرية لاحتوائه على مادة حمراء. المعجم الوسيط، ص: ١٠٢٥، مادة (ورس).
(٢) السَّحُوق: الطويلة. المعجم الوسيط، مادة (سحق)، ص: ٤٢٠.
(٣) اللحد: الشقُّ يكون في جانب القبر للميِّت. المعجم الوسيط، مادة (لحد)، ص: ٨١٧.
(٤) رواه المُصَنَّف المعنى ولفظه عند مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها: " والمسك أطيب الطيب"، حديث (٢٢٥٢). وما بين الحاصرتين منه.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وسُنَّةُ الكَفَنِ لَهُ: إزَارٌ وقَمِيصٌ ولِفَافَةٌ،
===
أبي شَيْبَة»، عن ابن مسعود أنه قال: «يوضع الكَافُور على مواضع سجود الميت».
وروى عبد الرَّزَّاق، عن الحسن بن عليّ ﵁: «أنه لَمَّا غَسَّل الأَشْعَث بن قيس، دعا بكافور فجعله على وجهه، وفي يديه ورأسه ورجليه ثم قال: أدْرِجُوه» (^١) . وليس في الغسل استعمال القطن في الروايات الظاهرة. وعن أبي حنيفة: أنه يجعل القطن المحلول في مَنْخِرَيْه وفمه. وقال بعضهم: في صِمَاخِه (^٢) أيضًا. وقال بعضهم: في دُبُره أيضًا، واسْتَقْبَحه عامة العلماء كما في «الظَّهِيرِيَّة».
ويُكْرَه أن يكون الغاسل جُنُبًا أو حائضًا، ويُسْتَحَبُّ غسل الميت، لقوله ﵊: «من غسل ميتًا (فكتم) (^٣) عليه، غُفِرَ له أربعون كبيرة، ومن كَفَّنَه، كساه الله من السُّنْدُس (^٤) والإسْتَبْرَقِ (^٥)، ومن حفر له قبرًا حتى يَكِنَّهُ (^٦)، فكأنما أسكنه مَسْكَنًا حتى يُبْعَثَ».
رواه البيهقي في «المعرفة»، والحاكم في «المستدرك» وقال: على شرط مسلم. ولقوله ﵊: «يا عليّ: اغسل الموتى، فإنه من غسل ميتًا، غُفِرَ له سبعون مغفرة، لو قُسِمَتْ مغفرة منها على جميع الخلائق لوسعتهم. قلت: ما يقول من يغسل ميتًا؟ قال: غفرانك يا رحمن حتى يفرُغ من الغسل». رواه أبو حفص (^٧) بن شاهين في كتاب الجنائز.
(وسُنَّةُ الكَفَنِ لَهُ) أي للرجل (إزَارٌ) وهو من القَرْن إلى القدم. (وقَمِيصٌ) وهو من أصل العُنُقِ إلى القدم بلا دِخْرِيص (^٨)، ولا جيب، ولا كُمَّين. (ولِفَافَةٌ) وهو أيضًا من القَرْن إلى القدم. لِمَا رَوَى أبو داود من حديث عائشة: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحُلَّة نجرانية». قال أبو عُبَيْد الحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلَّة إلا من ثوبين، وروى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم ﵏ أنه ﵊ «كُفِّن في حُلَّة يمانية، وقميص». وقال جابر بن سَمُرَة: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار،
_________________
(١) أدْرَج: أي لَفَّ. النهاية: ٢/ ١١٢
(٢) الصِّمَاخ: قناة الأُذن التي تفضي إلى طبلته. المعجم الوسيط، ص: ٥٢٢، مادة (صمخ).
(٣) في المطبوع: فختم. والمثبت من المخطوط.
(٤) السُّنْدُسُ: ضرب من رقيق الديباج - الحرير -. المعجم الوسيط، ص: ٤٥٤، مادة (سند).
(٥) الإستبرق: هو ما غَلُظ من الحرير والإِبْرَيْسَم. النهاية: ١/ ٤٧.
(٦) في المطبوع: يحنه والمثبت من المخطوط. وقد سبق شرح الكِن، ص: ٢٤٧، التعليقة رقم: (١).
(٧) في المخطوط: أبو جعفر، والصواب ما أثبتناه.
(٨) الدِّخْرِيص: ما يُوصَل به بدن الثوب أو الدرع ليتَّسع. المعجم الوسيط، ص: ٢٧٤، مادة (دخرص).
[ ١ / ٤٣٤ ]
واسْتُحْسِنَ العِمَامَةُ
===
ولِفَافة». رواه ابن عَدِيّ في «الكامل». إلاَّ أنَّ النَّسائي لَيَّنَ رواية ناصح بن عبد الله الكوفي، وقال: إنه ممن يُكْتَبُ حديثه. وقال النَّخَعِيّ: «كُفِّنَ النبيّ ﷺ في حُلَّة يمانية، وقميص». رواه عبد الرَّزَّاق (في «مصنفه» عنه مُرْسلًا، وهو حجة. ونحوه عن الحسن البَصْرِيّ مُرْسَلًا. ورواه عبد الرَّزَّاق) (^١) . وقال ابن عباس: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحُلَّة نجرانية». رواه أبو داود. إلاّ أن في سنده: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف.
(واسْتُحْسِنَ) عند المتأخرين (العِمَامَةُ) وهو بظاهره مخالف لقول عائشة: «كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيّة من كُرْسُف (^٢) ليس فيهن قميص، ولا عِمَامة». متفق عليه. وسحول بفتح السين وبضمها: قرية باليمن. وقد تظافرت الطرق في كون واحد منها قميصًا، والحال في الصِّفة أكشف على الرجال من النساء. كيف لا؟ وقد دُفِنَ ليلًا، فيترجح الإثبات على النفي. ولا يبعد أن يحمل النفي على القميص الذي غُسِلَ فيه، والإثبات على الذي مات فيه.
ثم البياض من القطن أفضل لِمَا قدمنا، ولقوله ﵊: «الْبَسُوا من البياض، فإنه من خير ثيابكم، وكَفِّنُوا فيها موتاكم». رواه أبو داود. ولا بأس بالبُرُود (^٣) والكَتَّان للرجال. وجاز الحرير والمُزَعْفَر (^٤) والمُعَصْفَر (^٥) للنساء، اعتبارًا للكفن باللباس في الحياة.
والكفن من مال الميت مقدم على الدَّين والوصية والإرث. فإن لم يكن له مال، فكفنه على من تجب نفقته عليه، وإلا فعلى بيت المال. وقال محمد: لا يجب على الزوج كفن الزوجة ولو كانت فقيرة، لانقطاع الوُصْلَة. وقال أبو يوسف: يجب على الزوج تجهيزها، وإن تركت مالًا. قيل: وعليه الفتوى، والأظهر أنه يجب عليه إن كانت فقيرة.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) الكُرْسف: القطن. المعجم الوسيط ص: ٧٨٢.
(٣) البُرُود: جمع بُرْد وهو كساء مخطط يُلْتحف به. المعجم الوسيط، ص: ٤٨، مادة (برد).
(٤) المُزَعَفر: المصبوغ بالزَّعْفَران وقد سبق شرحه ص: ٣١٢، التعليقة رقم: (٢).
(٥) المُعَصْفَر: المصبوغ بالعُصْفر: وهو نبات صيفي من الفصيلة المركبة، أنبوبية الزهر، يُستعمل زهرها تابلًا، ويُستخرج منه صبغ أحمر. المعجم الوسيط ص: ٦٠٥، مادة (عَصْفَر).
[ ١ / ٤٣٥ ]
ويُزَادُ لَهَا خِمَارٌ وخِرْقَةٌ، تُرْبَطُ بها فَوْقَ ثَدْيَيْهَا. وكِفَايَتُهُ لَهُ إزارٌ ولِفَافَةٌ
===
(ويُزَادُ) على القميص والإزار واللِفَافة (لَهَا) أي للمرأة في كفن السُّنَّة (خِمَارٌ) فوق رأسها (وخِرْقَةٌ تُرْبَطُ بها فَوْقَ ثَدْيَيْهَا) وعرضها ما بين الثدي إلى السُّرَّة. وقيل: إلى الركبة. والأصل في كون كفنها خمسة قول ليلى بنت قَانِفٍ (^١) قالت: «كنت فيمن غسل أم كُلْثُوم - بنت رسول الله ﷺ فكان أول ما أعطانا الحِقا (^٢)، ثم الدِّرْع (^٣)، ثم الخِمَار، ثم الملحفة، ثم أُدْرِجَتْ بعدُ في الثوب الآخر. (قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب معه كفنها، يناولناها ثوبًا ثوبًا) (^٤)» رواه أبو داود.
وروى مالك في «المُوَطَّأ» من حديث أم عَطِيَّة الأَنصارية قالت: «دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته ﵊ فقال: اغْسِلْنَها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك - إن رأيتن ذلك - بماء وسِدْر، واجْعَلْنَ في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاه، فأعْطَانا حِقْوَه، فقال: أشْعِرْنَها إياه». قال مالك: يعني بحقوه: إزاره، انتهى. ومعنى أشعرنها إياه: اجعلنه مما يلي شعر جسدها. وهذه البنت المتوفاة: هي زينب - زوجة أبي العاص بن الربيع - على الصحيح. وهي أكبر بناته ﷺ وأم كلثوم كانت زوجة عثمان، وكانت وفاتها والنبيُّ ﷺ غائب ببدر.
ثم طريق تكفينها أن يُجْعَلَ شعرها ضفيرتين على صدرها فوق القميص، ثم يُجْعَلَ الخِمَار تحت اللِّفَافة، ثم تجعل الخرقة فوقها.
(وكِفَايَتُهُ) أي كفاية الكفن (لَهُ) أي للرجل (إزارٌ ولِفَافَةٌ) لأنّ أدنى ما يَلْبَسُه الإنسان حال حياته، ويؤدي به الصلاة من غير كراهة: ثوبان. ولِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: «قال أبو بكر - لِثَوْبَيْهِ اللَّذَين كان يُمرَّض فيهما ـ: اغسلوهما وكَفِّنُوني فيهما. فقالت عائشة: ألا نشتري لك جديدًا؟ فقال: لا، ألا إن الحيّ أحوج إلى الجديد من الميت». وقال محمد بن
_________________
(١) حُرِّفت في المخطوط والمطبوع إلى قايف. وما أثبتناه هو الصواب لموافقته لما في سنن أبي داود ٣/ ٥٠٩، كتاب الجنائز (٢٠)، باب في كفن المرأَة (٣١، ٣٢)، رقم (٣١٥٧).
(٢) الحِقا: سيأتي شرحها بعد قليل عند المؤلف.
(٣) الدِّرْع: قميص المرأة. أو ثوب قصير تلبسه الجارية في البيت. المعجم الوسيط، ص: ٢٨٠، مادة (درع).
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط. والصواب إثباته. لموافقته لما في سنن أبي داود ٣/ ٥٠٩ - ٥١٠، كتاب الجنائز (٢٠)، باب في كفن المرأة (٣١، ٣٢)، رقم (٣١٥٧).
[ ١ / ٤٣٦ ]
ويُزَادُ لهَا الخِمَارُ. ويُعْقَدُ إنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ.
وصَلَاتُه فَرْضُ كِفَايَةٍ،
===
الحسن في «الآثار»: بلغنا عن أبي بكر الصديق أنه قال: «اغسلوا ثوبيّ هذين، وكَفِّنُوني فيهما». لكن في «صحيح البخاري»: أن أبا بكر قال: «اغسلوا لي ثَوْبِي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها».
(ويُزَادُ لهَا) أي للمرأة في كفن الكفاية على الإزار واللِّفَافة (الخِمَارُ) لأن هذا المقدار أقل ما تَلْبَسه المرأة حال حياتها وتصح صلاتها فيه من غير كراهة. وأما ضرورة الكفن: فما يُوجَدُ، لِمَا روى الجماعة إلاَّ ابن ماجه عن خَبَّاب بن الأَرَتّ قال: «هاجرنا مع النبيّ ﷺ نريد وجه الله تعالى، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عُمَيْر قتل يوم أحد، وترك نَمِرَة» (^١) . فكنا إذا غَطَّيْنَا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطّينا بها رجليه، بدا رأسه. فأمرنا رسول الله ﷺ أنَّ نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه شيئًا من الإذْخِرِ» (^٢) . وفيه أيضًا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي في الكفن كما هو مذهبنا. وفي «الخُلَاصة»: إنْ كان في المال كَثْرةٌ وفي الورثة قِلَّة، فكفن السُّنَّة أولى، وإن كان على العكس، فكفن الكفاية أولى. قلت: لعل المأخذ: صنيع (^٣) أبي بكر الصديق ﵁، والله وليّ التوفيق.
(ويُعْقَدُ) الكفن (إنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ) صيانة للميت عن انكشافه ويُجَمَّرُ (^٤) الكفن، وترًا قبل أن يُدْرج فيه (لقوله ﵊: «إن الله وِتْر يحب الوتر». رواه أبو داود. ولِمَا روينا من قوله) (^٥) ﷺ «إذا أجمرتم الميت فأجْمِرُوه ثلاثًا» (^٦) . وفي البيهقي: «أَجْمِرُوا كفن الميت ثلاثًا». ولقول أسماء عند موتها: «إذا أنا متّ، فاغسلوني، وكفّنوني، وأَجْمِرُوا ثيابي، وحنّطوني، ولا تَتْبَعُوني بنار». رواه مالك في «المُوَطَّأ». وأما قول صاحب «الهداية»: لأنه ﷺ أمر بإجْمَار أكفان بنته، فغير معروف.