(ولا تَزْيِينُهُ) أي ولا يُكْرَه تزيين المسجد ونَقْشُهِ بالجَصِّ والسَّاج (^٢) وماء الذهب. وقيل: يُكْرَه، لقوله ﵊: «إن من أشراط الساعة أن تُزَيَّنَ المساجد». قلنا: محمل الكراهة: التكلُّف بدقائق النقوش، خصوصًا في جانب المحراب للافتخار والكبرياء والسمعة والرياء. أو التزيين مع ترك الصلاة، بدليل آخِرِ الحديث: «قلوبهم خاوية من الإيمان». وتمام أحكامه مذكورة في باب المسجد من «قاضيخان».
وقيل: يُسْتَحَبُّ لتزيين عثمان ﵁ مسجد النبيّ ﷺ وذلك أنه ﵊ بنى مسجدًا بالْلَّبِنِ، وسَقَفَهُ بالجريد، وجعل عُمُدَه خشب النخل، وجعل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له: باب الرحمة، وبابًا يدخل منه. فَلَمَّا كان أيام عمر ﵁، زاد فيه وبناه على بنائه الأول، ثم غيَّره عثمان
_________________
(١) المَذْي: تقدّم شرحها ص: ٢٠٤، التعليقة رقم: (٢).
(٢) السَّاج: ضرب من الشجر، يعظم جدًّا، ويذهب طولًا وعرضًا، وله ورق كبير. المعجم الوسيط ص: ٤٦٠، مادة (ساج).
[ ١ / ٣١٣ ]
ولا صَلَاتُهُ إلى ظَهْرِ مَنْ لا يُصَلِّي.
وقَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ فِيهَا
===
﵁، وزاد فيه كثيرًا وبنى جُدُرَهُ بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عُمُدَه حجارة منقوشة. ثم لَمَّا كان وليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَله، وَسَّعه ببيوت نسائه ﷺ ثم بناه المَهْدِيّ سنة ستين ومئة، ثم زاد فيه المَأْمُون، وأتقن بناءه سنة ثنتين ومئتين. قال السُّهَيْلِيّ: وهو على حاله إلى الآن.
(ولا) تكره (صَلَاتُهُ إلى ظَهْرِ مَنْ لا يُصَلِّي) وإن كان يتحدث، لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: عن وَكِيع، عن هِشَام بن الغَازِي، عن نَافِع أنه قال: «كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية من سواري المسجد قال لي: وَلِّنِي ظهرك».
وأما ما روى البَزّار عن عليّ ﵁: «أنه ﵊ رأى رجلًا يصلّي إلى رجل، فأمره أنْ يُعِيدَ الصلاة». فواقِعَة حال لا تستلزم كون وجهه إلى ظهره لجواز كونه مستقبله، فأمره بالإعادة لدفع الكراهة. قال البخاري في «صحيحه»: «كَرِه عثمان ﵁ استقبال الرجل في الصلاة. قال: وهذا إذا اشتغل (^١) به. فإن لم يشتغل به، فقد قال زيد بن ثابت: «ما باليت أن الرجل لا يقطع صلاة الرجل».
وأمّا حديث النهي عن الصلاة خلف النائم والمتحدث، فرواه أبو داود. إلاَّ أنَّ النَّوَوِي قال: اتفقوا على ضعفه. قلت: وقد رواه ابن ماجه، عن أبي أمامة، ولفظه: «نهى أن يصلّي خلف المتحدث والنائم» (^٢) . ولا يبعد أن يترقى به عن الضعْفِ إلى الحَسَنِ. ووجه الكراهة ظاهر أيضًا لشغل الخاطر، خصوصًا خلف المتحدث (والنائم)، وكذا لا يكره إذا كان متوجِّهًا إلى شمع، أو سراج موقَدٍ، لأنهم لا يعبدونها كذلك، بل إذا كانت مُضْرَمة. وقيل: يكره. كما لو كان بين يديه كانون (^٣) فيه جَمْرة أو نار موقدة.
(و) لا يكره (قَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ فِيهَا) أي في الصلاة، لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، وقال الترمذي: حسن صحيح. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «اقتلوا الأَسْوَدَيْنِ في الصلاة: الحيَّة والعقرب». وفي «المَبْسُوطِ»: الأظهر أن لا يُفْصَّلُ في قتلهما بين الفعل الكثير والقليل، لأنه رخصة كالمشي والتَّوَضُّاءِ في سبق
_________________
(١) في المخطوط: استقبل، والمثبت من المطبوع، وهو الصواب لموافقته لما في البخاري تعليقًا (فتح الباري) ١/ ٥٨٦ - ٥٨٧، كتاب الصلاة (٨)، باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي (١٠٢).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٣) تقدم شرحها ص: ٣١١، التعليقة رقم: (٣).
[ ١ / ٣١٤ ]
ويَأْثَمُ بالمُرُورِ أمَامَ المُصلِّي في مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، وأمَّا فِي غَيْرِه، فَفِيمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ بَصَرُهُ، نَاظِرًا في مَسْجِدهِ، وَحَاذَى الأَعْضَاءُ الأَعْضَاءَ، إِنْ صلَّى عَلَى دُكَّانٍ،
===
الحدث. قالوا: وينبغي أن لا يقتل الحية البيضاء التي تمشي مستوية، لأنها من الجان. وقال الطحاويّ: لا بأس بقتل الكل، لأنه ﵊ عاهد الجن أن لا يدخلوا بيوت أمّته ولا يُظْهِرُوا أنفسهم، فإن نقضوا عهدهم، فلا حُرْمة لهم. والأَوْلَى في غير الصلاة أن يُنْذِرَ الحيَّة ويقول: ارجعي بإذن الله، أو خَلِّي طريق المسلمين، فإنْ أَبَتْ قتلها.
(ويَأْثَمُ) المار (بالمُرُورِ أمَامَ المُصَلِّي) أي قُدَّامه وبين يديه. لِمَا في «الصحيحين» عن أبي النَّضْر، عن بِشْر بن سعيد: «أنّ زيد بن خالد الجُهَنِيِّ أرسله إلى أبي جُهَيْم يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلِّي؟ فقال أبو جُهَيْم: قال رسول الله ﷺ «لو يَعْلَمُ المارّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه من الإثم؟ لكان أنْ يقف أربعين، خيرًا له من أن يمر بين يديه». قال أبو نَضْر: لا أدري قال أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة». وفي رواية البَزَّار في «مسنده»: «لكان أن يقوم أربعين خريفًا، خيرًا له من أنْ يمرَّ بين يديه».
(في مَسْجِدٍ صَغِيرٍ) في «شرح الوقاية»: إعلم أن الصلاة إنْ كانت في مسجد صغير، (فالمرور أمام المصلي) (^١) حيث كان، يُوجِب الإثم، لأن المسجد الصغير مكان واحد، فأمام المصلي حيث كان، في حكم موضع سجوده.
(وأمَّا فِي غَيْرِه) سواء كان مسجدًا كبيرًا أو صحراء (فَفِيمَا) أي فيأثم بأن يمر فيما (يَنْتَهِي إِلَيْهِ بَصَرُهُ) أي بصر المصلي حال كونه (نَاظِرًا في مَسْجِدهِ) أي موضع سجوده. وبه قال فخر الإسلام تَبَعًا لبعض المشايخ، ومختار شمس الأئمة، وشيخ الإسلام، وقاضيخان: أن الموضع الذي يُكْره المرور منه بين يدي المصلِّي، موضع سجوده. ولا يُكْرَه ما وراءه، وهو الأظهر، لأن ذلك القدر موضع صلاته دون ما وراءه. وفي تحريم ما وراءه تضييق على المارة، وبه قالت الأئمة.
(وَحَاذَى الأَعْضَاء الأَعْضَاءَ إِنْ صلَّى عَلَى دُكَّانٍ) ومر الآخر أمامه تحت الدُّكَّان (^٢)، لأنه إذا لم يُحَاذِ بأن كان ارتفاع الدُّكَّان بقدر قامة المار يعتبر ذلك سُتْرَة. وهذا الذي ذكره من اشتراط المحاذاة، إنما هو على ما قال فخر الإسلام، لا على ما
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) الدُّكّان: سبق شرحها ص ٢٩١، التعليقة رقم (١).
[ ١ / ٣١٥ ]
إنْ لَمْ يَكُنْ لِلمُصَلِّي سُتْرَةٌ بِمِقْدارِ ذِرَاعٍ وغِلَظِ أُصْبَعٍ، تُغْرَزُ حَذْوَ أحَدِ حَاجِبَيهِ بِقُرْبِهِ.
===
اختاره شمس الأئمة، وبعض الأعلام.
ثم هذا كله (إنْ لَمْ يَكُنْ لِلمُصَلِّي سُتْرَةٌ) أي خَشَب، وأقلها أنْ يكون (بِمِقْدارِ ذِرَاعٍ وغِلَظِ أُصْبَعٍ) لِمَا روى مسلم عن طَلْحَة بن عُبَيْد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جعلت بين يديك مثل مُؤْخِرةَ الرَّحْلِ (^١)، فلا يَضُرُّك من مرَّ بين يديك». وفي لفظ (له) (^٢) وللترمذي: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَة الرَّحل فَلْيُصَلِّ، ولا يُبَالِ من مر وراء ذلك». وروى صاحب السنن: أن آخِرَة الرَّحْل: ذراع فما فوقها.
ولقوله ﵊: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم». رواه البُخَارِي في «تاريخه الكبير». ولقوله ﵊: «إذا صَلَّى أحدكم فليجعل تِلْقَاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلْيَنْصِب عصًا، فإن لم يكن عصًا، فَلْيَخُطَّ خطًا، ثم لا يضره ما مرَّ أمامه». رواه أبو داود، وابن ماجه. قال النووي: قال الحُفَّاظُ: هو ضعيف، لكن قال البيهقي: ولا بأس بالعمل بهذا الحديث في هذا الحكم إن شاء الله سبحانه، وهذا الذي اختاره المختار، انتهى.
ويؤيده: أن في الباب أحاديث صِحَاحًا بألفاظ مختلفة المَبنَى، متفقة المعنى. وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊: «إذا صلّى أحدكم في الصحراء فليجعل بين يديه سُتْرَة». فقوله: في الصحراء، غير معروف.
(تُغْرَزُ) لتبدو للناظر (حَذْوَ أحَدِ حَاجِبَيْهِ) الأيمن أو الأيسر. لما روى أبو داود بسند ضعيف: عن المِقْدَاد بن الأَسود قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلّي إلى عُودٍ ولا عمود ولا شجرة إلاَّ جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يَصْمُدُ إليه صَمْدًا». أي لا يقابله مستويًا، بل يميل عنه. (بِقُرْبِهِ) لما روى أبو داود والنَّسائي بإسناد صحيح، عن سهل بن أبي حَثْمَة (^٣): أن النبيّ ﷺ قال: «إذا صلّى أحدكم إلى سُتْرة، فَلْيَدْنُ
_________________
(١) مُؤْخِرَة الرَّحْلِ: هي الخشبة التي يَسْتَند إليها الرَّاكب من كُور البعير. النهاية: ١/ ٢٩. والكُور: هو رَحْل الناقة بأَداته، وهو كالسَّرْج وآلته للفرس. النهاية: ٤/ ٢٠٨.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب إثباته، وذلك لوجود هذه الرواية في صحيح مسلم ١/ ٣٥٨ كتاب الصلاة (٤)، باب سترة المصلي (٤٧)، رقم (٢٤١ - ٤٩٩).
(٣) في المخطوط: سهل بن أبي خَيْثَمَة، والمثبت من المطبوع وهو الصواب، لموافقته لما في سنن أَبي داود ١/ ٣٥٨، كتاب الصلاة (٢)، باب الدُّنو من السترة (١٠٦)، رقم (٦٩٥) ولما في سنن النَّسائي ٢/ ٣٩٥، كتاب القِبْلَةَ (٩)، باب الأمر بالدنو من السُّتْرة (٥)، رقم (٧٤٧).
[ ١ / ٣١٦ ]
ويَكْفِي سُتْرَةُ الإِمَامٍ، وجَازَ تَرْكُها عِنْدَ عَدَمِ المُرُورِ وَعَدَمِ الطَّرِيقِ.
ويَدْرَأُ بالتَّسْبِيحِ والإشَارَةِ إنْ عَدِمَ سُتْرَةً، أو مَرّ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا.
===
منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته».
(ويَكْفِي سُتْرَةُ الإِمَامِ) أي تجزي عن سُتْرة المأموم. لِمَا في «الصحيحين» عن أبي جُحَيْفة: «أن النبيّ ﷺ صلّى بهم بالبطحاء وبين يديه عَنَزَةٌ، والمرأة والحمار يمرون من ورائها، ولم يأمر من صلّى خلفه باتخاذ سُتْرة». والعَنَزَة: عصًا صغيرة. وأما قول صاحب «الهداية»: لأنه ﵊ صلى ببَطْحَاء مكة، ولم يكن للقوم سُتْرَة. فغير معروف بهذا اللفظ.
(وجَازَ تَرْكُها) أي ترك السُّتْرَة إذا عَدِمَ الداعي إليها. وذلك (عِنْدَ عَدَمِ المُرُورِ) أي عَدم ظنّه (وَعَدَمِ الطَّرِيقِ). لِمَا روى أبو داود من حديث فضل بن عباس قال: «أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية ومعه العباس، فصلَّى في صحراء ليس بين يديه سُتْرة، وحمارةٌ وكلبةٌ تَعْبَثَانِ (^١) بين يديه، فما بَالَى ذلك».
(ويَدْرَأُ) أي يدفع الرجل المار بين يديه (بالتَّسْبِيحِ) أي يقول: سبحان الله (والإشَارَةِ) بيده أو كُمِّهِ (إنْ عَدِمَ سُتْرَةً، أو مَرّ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا) لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ نابه شيء في صلاته فليُسَبِّح، فإنه إذا سَبَّح التَفَت إليه، وإنما التصفيق للنساء».
وروى ابن ماجه عن أم سَلَمَة - زوج النبي ﷺ قالت: «كان النبيّ ﷺ يصلي في حُجْرَة أم سَلَمَة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سَلَمَة (^٢) فقال بيده - أي أشار بها - فرجع، فمرت زَيْنَبُ بنت أم سَلَمَة (فقال) (^٣) بيده، فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: هنّ أغلب (^٤)». ولقوله ﷺ «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يَدَعْ أحدًا يمر بين يديه، وليدرأ ما استطاع، فإن أبَى، فليقاتله فإنما هو شيطان» (^٥) . أي يبالغ
_________________
(١) تعبثان: من العبث وهو اللعب. النهاية ٣/ ١٦٩.
(٢) في المخطوط: فمر بين يديه عبد الله بن عمرو أو عمرو بن سَلَمة. والمثبت من المطبوع وهو الصواب لموافقته لما في سنن ابن ماجه ١/ ٣٠٥، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (٥)، باب ما يقطع الصلاة (٣٨)، رقم (٩٤٨).
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٤) هن أغلب: أي النساء أغلب في المخالفة والمعصية. فلذلك امتنع الغلام عن المرور ومضت الجارية.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٦٢، كتاب الصلاة (٤)، باب منع المارّ بين يدي المصلي (٤٨)، رقم (٢٥٨ - ٥٠٥).
[ ١ / ٣١٧ ]