ويَجُوزُ دَفْعُ القِيَم في: الزكاةِ، والفِطرِ، والكفَّارَةِ، والعُشْرِ، والنَّذْرِ،
===
قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «في الإِبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البَزِّ صدقتها، ومَنْ دفع دراهمَ أَوْ دنانير أَوْ تِبْرًا (^١)، أَوْ فضة، لا يُعِدها لغريم ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كَنْزٌ يُكْوَى به يوم القيامة». ورواه أَحمد والدَّارَقُطْنِيّ. قال النووي: هو بالباء والزاي: الثياب التي هي أَمتعة البزَّاز، وقد صَحَّفَه بعضهم بالراء، وضم الباء، وهو غلط.
(دفع القيمة)
(ويَجُوزُ دَفْعُ القِيَم في الزكاةِ والفِطْرِ والكَفَّارَةِ والعُشْرِ) وكذا الخَرَاج (والنَّذْرِ) وقال مالك، وأَحمد، والشافعي: لا يجوز لأَنها قُرْبَةٌ تعلقت بِمَحل، فلا تُؤَدَّى بغيره، كالهدايا والضحايا، ولقوله ﷺ «في أَربعين شاةً شاةٌ» (^٢) . وإِنَّه بيانٌ لإِجْمَال الكتاب، فتعلق حقُّ الفقير بعين الشاة، وفي جواز دفع القيمة بالتعليل (^٣) إِبطال حَقِّه (^٤) من العين المنصوص عليها، فلا يجوز.
ولنا ما رَوى البخاري مُعَلَّقًا - وتعليقه صحيح - عن طاوس أَنَّ مُعَاذًا قال لأَهل اليمن: ائتوني بعَرْضٍ: ثِيَابٍ: خَمِيصٍ، أَوْ لَبِيس في الصدقة - أَي الزكاة - مكانَ الشعير والذُّرة أَهْون عليكم، وخيرٌ لأَصحاب رسول الله ﷺ والخَمِيص: ثياب خَزّ أَوْ صوف مُعَلَّمة كانوا يَلْبَسَونها، والمشهور بخميس، قال أَبو عبيدة: هو ما طوله خمسة أَذْرُع. واللَّبِيس: الملبوس.
وما رواه ابن أَبي شيبةَ عن (الصُّنَابِحي) (^٥): أَبْصَرَ النبيُّ ﷺ ناقةً حسنةً في إِبل الصدقة، فقال: «ما هذه؟» قال صاحب الصدقة: إِنِّي ارتجعتُها بِبَعِيرَيْنِ من حواشي الإِبل، قال: «نعم إِذن».
_________________
(١) تقدم شرحها، ص: ٤٩٩، تعليق رقم (١).
(٢) أخرجه الترمذي في سُننه ٣/ ١٧، كتاب الزكاة (٥)، باب ما جاء في زكاة الإِبل والغنم (٤)، رقم (٦٢١).
(٣) أي بالقياس بعد معرفة عِلَّة الحُكْم.
(٤) أي حقّ الفقير.
(٥) في المطبوع: الضايحي وهو مُحَرّف والصواب ما أثبتناه من المخطوط، و"مصنف ابن أبي شيبة" ٦/ ١١٦، كتاب البيوع والأقضية، في العبد بالعبدين والبعير بالبعيرين، رقم (٤٨٣). و"تقريب التهذيب" ص ٣٤٦.
[ ١ / ٥٠٤ ]
والهَلاكُ بَعدَ الحَوْلِ يَسْقُطُ بحِصَّتِهِ. والزَّكَاة في النِّصَابِ لا العَفْوِ،
===
وما رواه البخاريُّ من حديثِ ثُمَامَةَ: أَنَّ أَنسًا حَدَّثه أَنَّ أَبا بكر كتَب (له) (^١) الفريضة التي أَمَر اللهُ تعالى ورسوله: «مَنْ بلغتْ عِنْده من الإِبل صدقةُ الجَذَعَةِ (^٢) وليس عنده جذعة وعنده حِقَّةٌ (^٣)، فإِنه تُقْبل منه الحِقَّة » الحديثَ. ولأَن أَداء البعير عن خمس من الإِبل بدلًا عن الشاة جائز باتفاق مع أَنه غير منصوص، وذلك بطريق القيمة، وإِنَّما لم تَجُزْ القيمةُ في الضحايا والهدايا، لأَن القربة فيهما إِراقة الدم، وهي غير معقولة المعنى (^٤)، وفي المُتَنَازَع فيه سدّ حاجة الفقير، وهو معقول.
(والهَلَاكُ بَعدَ الحَوْلِ يَسْقُطُ) من الزكاة (بِحِصَّتِهِ) أَي بِحِصَّةِ الهالِك، فإِنْ هلك جميع النصاب سقط زكاته، وإِنْ هلك بعضه سقط ما يَخُصُّه (^٥) . وقال مالك والشافعي وأَحمد في رواية: لا يسقط. ومبنى الخلاف: على أَنَّ الوجوب في الذِّمة، وهو قولهم، أَوْ في المال وهو قولنا.
ولنا قوله تعالى: ﴿وفي أَمْوَالِهِم حَقٌّ﴾ (^٦)، وقوله ﷺ «في أَربعين شَاةً شَاةٌ، وفيما سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْر» (^٧) . فأَما الاستهلاك فلا يسقط اتفاقًا لوجود التعدي. ولو هلك النصاب بعد طلب الساعي لا يسقط عند العراقيين، وهو اختيار الكَرْخِي، لأَنه نوعٌ من التعدي، ويسقط عند مشايخ ما وراء النهر، وقيل: وهو الصحيح، كما لو هلك النِّصاب بعد طَلَب واحدٍ من الفقراء.
(والزَّكَاةُ في النِّصَابِ لا العَفْوِ): وهو ما بين النِّصَابَيْن، وهذا عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف. وقال محمد وزُفَرُ: في مجموع النصاب والعَفْو، لقوله ﷺ في كتاب الصدقة في الإِبل: «فإِذا بلغت خمسًا وعشرين إِلى خَمْس وثلاثين ففيها بِنْتُ مَخَاض (^٨)، وفي الغنم إِذا كانت أَربعين إِلى عشرين ومئة ففيها شاة» (^٩) . ولهما قوله
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) تقدم شرحها ص: ٤٨٥، تعليق رقم (٦).
(٣) الحِقّة: - من الإبل - هي التي أَتَّمت الثالثة من عُمرها ودخلت في الرابعة. معجم لغة الفقهاء، ص: ١٨٣.
(٤) أي غير مدركة العِلَّة.
(٥) في المطبوع: بحصته، وما أثبتناه من المخطوط.
(٦) سورة الذاريات، الآية: (١٩).
(٧) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٨) تقدم شرحها ص: ٤٩٢، تعليق رقم (١).
(٩) تقدم تخريجه عند المؤلف ص: ٤٨٣.
[ ١ / ٥٠٥ ]
فَيَجِبُ بِنْتُ مخاضٍ إِنْ هَلَكَ بَعْدَ الحَوْلِ خمسة عشر من أَرْبَعِينَ.
ويُضَمُّ المُسْتَفَادُ وسَطَ الحَوْلِ إِلى نِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ
===
ﷺ «في الإِبل في خَمْسٍ شاةٌ، وفي عَشْرٍ شاتانِ، وفي خَمْسَ عَشَرَةَ ثلاث شياه، وفي عشرين أَربع شياه، وفي الغنم فإِذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئة شاة» (^١) . وهذا ظاهر في أنَّ الزكاة في النصاب فقط، فإِذا ملك خمسًا وثلاثين من الإِبل، فالواجب - وهو بنتُ مخاض ـ، إِنما هو في خمسٍ وعشرين، لا في المجموع، حتى لو هلك عشرة بعد الحول، فالواجب على حاله. وعند محمد وزُفَر رحمهما الله: يسقط بقدره.
(فَيَجِبُ بِنْتُ مخاضٍ إِنْ هَلَكَ بَعْدَ الحَوْلِ خمسة عشر من أَرْبَعِينَ) من الإِبل عند أَبي حنيفة فإِنَّ عنده يُصرَف الهلاك بعد العفو إِلى النصاب الأَخير، ثُم إِلى الذي يليه إِلى أَنْ ينتهي فيصرف أَربعةً إِلى العَفْو، ثُم أَحَدَ عَشَرَ إِلى النصاب الذي يلي العفو، وهو ما بين خمسةٍ وعشرين إِلى ستةٍ وثلاثين، فيجب بنت مخاض.
وأَما عند أَبي يوسُف فبعد صرف الهلاك إِلى العفو يُصْرَف إِلى النُّصُب شائعًا، فإِذا صَرَف أَربعة إِلى العَفْو، يصرف أَحد عشر إِلى مجموع ستة وثلاثين وكان فيها بنتُ لبون (^٢) وهلك عشرة وبقي خمسةٌ وعشرونَ فالواجب خَمْسةٌ وعشرون جزأً من ستةٍ وثلاثينَ جُزأً من بنت لبون، أَعني ثلثي بنت لبون وربع تُسْعِها.
وأَما عند محمد فيجب نصفٌ وثمن بنت لَبُون، لأَنه يُصْرَفُ الهلاك إِلى مجموع العفو والنصاب، وقد كان الواجب في الأَربعين بنتَ لبون، وبقي بعد الهلاك خمسةٌ وعشرونَ، وهي نصفٌ وثُمُن الأَربعين.
(ويُضَمُّ المُسْتَفَادُ وسَطَ الحَوْلِ إِلى نِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ) سواءٌ كان المستفادُ بسببٍ من ذلك النصاب، بأَن اشترى في أَثناء الحول (بذلك النصاب) (^٣) شيئًا فاستفاد فيه، أَوْ لم يكن: بأَنْ كان معه نصابٌ، فَوُهِبَ له شيءٌ، أَوْ وَرِث في أَثناء الحول شيئًا من جنسه، أَوْ حَصَّله من كسبه.
وقال مالك والشافعي: إِنْ كان المستفاد بسببٍ من النصاب ضُمَّ، وإِنْ لم يكن
_________________
(١) أخرجه الإمام الترمذي في سننه: ٣/ ١٧، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم (٤)، رقم (٦٢١).
(٢) بنت لبون ابن اللَّبون: وَلَد النَّاقة إِذا استكمل سنتين، ودخل في الثالثة. معجم لغة الفقهاء، ص: ٣٨٩.
(٣) سقط من المطبوع.
[ ١ / ٥٠٦ ]
ويُضَمُّ الذَّهَبُ إِلى الفِضَّةِ
===
بسبب منه لا يُضم، لأَنَّ المُستفاد أَصْلٌ في حق المِلْك، فيكون أَصلًا في حقِّ الواجب فيه.
ولنا أَنْ المجانسة هي العلة في ضَمِّ المُستفاد بسبب النصاب، كالأَولاد والأَرباح الحاصلة عنه في أَثناء الحول، وهي موجودة في المستفاد الذي ليس بسبب النصاب.
وشَرط مالك والشافعي للمُستفادِ فيه مُضِيَّ حَوْلٍ تامَ لقوله ﷺ «لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحَوْلُ»، وقوله ﷺ «مَنِ استَفَادَ مالًا، فلا زكاةَ فيه حتى يحولَ عليه الحولُ». رواهما الترمذي. قالا: وذلك بخلافِ الأَولادِ والأَرباحِ، لأَنها متولِّدةٌ من الأَصلِ نَفْسِهِ، فينسحب حكمه عليها، وما نحن فيه ليس كذلك. وللشافعي في «الخلافيات» (^١): أَنْ ثمن السائمةِ قائم مقَامَ عينٍ هي محل الزكاة، حتى لو هلكت سقطت زكاتها، وقد زكَّاها في هذا الحول، فلو ضم الثمن لزم الثِّنَى، وهو منفيٌّ لقوله ﷺ «لا ثِنَى (^٢) في الصَّدَقَةِ» (^٣) .
ولنا في المستفاد من الجنس قوله ﷺ «إِنَّ في السَّنَةِ شَهْرًا تُؤَدُّونَ فيه زكاةَ أَمْوَالِكُمْ، فما حَدَثَ بعْد ذلكَ فلا زكاة فيه حتى يجيءَ رَأْسُ الشَّهْر». رواه الترمذي. فهذا يقتضي أَنه يجب الزكاة في الحادث عند مجيءِ رأْسِ السنة. وما رواه ليس بثابتٍ، ولئن ثبت فليس فيه ما يُنَافي مذهبنا، لأَنَّا نقول: لا يجب الزكاة في مال حتى يحول عليه الحول إِمَّا أَصالةً أَوْ تَبَعًا، كما في الأَولاد والأَرباح.
(ويُضَمُّ الذَّهَبُ إِلى الفِضَّةِ) وبالعكس، لاتحادهما في الثمنية. وبه قال مالك، خلافًا للشافعي، لأَنهما جنسان مختلفان حقيقةً وحُكْمًا، أَمَّا حقيقةً فظاهرٌ، وأَمَّا حُكْمًا فلجواز بَيْع أَحدهما بالآخر مُتفاضلًا، فلا يُضَمّ كالسوائمِ المختلفةِ الجنس. ولنا ما رُوِي عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن الأَشَجِّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ من أَصحاب رسولِ الله ﷺ في ضَمِّ الذهب إِلى الفضَّة، والفضَّةِ إِلى الذهب في إِخراج الزكاة»، ذكره في «الأَسرار» و«المبسوط».
_________________
(١) حُرِّفت في المطبوع والمخطوط إلى: "الخلافية"، والصواب ما أثبتناه. "والخلافيات" هو كتاب للإمام البيهقي، يصدر الآن تباعًا عن دار ، ويُطبع لأول مرة.
(٢) الثَّنَى: أَن يُفْعَلَ الشيءُ مرتين، ومعنى الحديث: لا تؤخذ الزكاة مرتين في السنة. النهاية: ١/ ٢٢٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه: ٣/ ٢٩٨، كتاب الزكاة، باب من قال: لا تؤخذ الصدقة في السنة إلا مرة.
[ ١ / ٥٠٧ ]
والعُروضُ إِلَيهِمَا بالقِيمَةِ لإِتْمَامِ النِّصَابِ، ونُقْصَانُهُ في الحَوْلِ هَدْرٌ.
وجاز تَقْدِيْمُهَا لحوْلٍ وأَكْثَرَ، ولِنُصُبٍ لذي نِصَابٍ.
===
(والعُروضُ إِلَيْهِمَا) أَي أَحدهما، وذلك بالاتفاق (بالقِيمَةِ) قَيْدٌ للمسأَلتين (لإِتْمَامِ النِّصَابِ)، أَي لأَجل إِتمامه. وقال أَبو يوسف ومحمد: يُضَمُّ الذهبُ إِلى الفضةِ بالأَجْزاء، لأَن المُعتَبَر في النقدين القَدْر لا القيمة. ولأَبي حنيفة: أَنَّ الضَّمَّ للمجانسة، وهي تتحققُ باعتبار القيمة. وثمرةُ الخلاف تظهر فيمن له مئة درهم وخمسة مثاقيل قيمتُها مئة درهم، فعند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى يُزَكّى، وعندهما لا يُزَكّى.
(ونُقْصَانُهُ) أَي نُقصان مِقْدار النصاب (في الحَوْلِ هَدْرٌ) أَي ساقطٌ غير مانعٍ من الزكاة، لأَن في اعتبار كمالِ النصاب في جميع الحول حَرَجًا، فاعْتُبِر وجودُ النصاب في أَول الحول للانعقاد، وفي آخره للوجوب، كاليمين (^١) يشترط فيها الملك حالةَ الانعقاد وحالة نزول الجزاء، وفيما بين ذلك لا يشترط.
قَيَّدْنا النقصان بكَوْنه في المقدار، لأَن نقصان الصفة كذهاب السَّوْم عن الماشية في أَكثر الحولِ، مانعٌ من الزكاة باتفاق. وشرط مالك والشافعي كمال النصاب في كل الحول في السائمة والنقدين، وفي آخره فقط في العروض، وهو قول زُفَر في السوائم والنقدين.
(وجاز تَقْدِيْمُهَا) أَي الزكاة (لحوْلٍ وأَكْثَرَ) وبه قال الشافعي (ولِنُصُبٍ لذي نِصَابٍ) خلافًا لزُفَر، فإِنْ قَدَّمها لِحَوْلٍ وكان النصابُ كاملًا عند تمام الحول وقعت (عنه) (^٢)، وإِنْ لم يكن كاملًا عند تمامه فإِنْ كانت في يدِ الساعي رَدَّهَا، وإِنْ كانت هَالِكَةً لم يضمنها.
وقال مالك: لا يجوز إِخراج الزكاة قبل وجوبها، لما في «مُوَطَّئِهِ» عن ابن عمر ﵄: «لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحَوْلُ». ولأَن الأَداءَ إِسقاطٌ قبل الوجوب فصار كأَداء الظهر قبل الزوال.
ولنا ما روى أَحمد، وأَبو داود، والترمذي من حديث جُحَيَّةَ عن عليَ: «أَنَّ العباس سَأَلَ النبيّ ﷺ في تعجيل زكاتِهِ قَبْلَ أَنْ يحولَ الحوْلُ، مسارعةً إِلى الخَيْرِ، فَأَذِنَ له في ذلك». ولنا أَيضًا: «أَنَّ العباسَ سأَلَ رسولَ الله ﷺ في تعجيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحُلَّ، فَرَخَّصَ له في ذلك». رواه ابن ماجه. وفي روايةٍ للترمذي: أَنَّ النبيّ ﷺ قال
_________________
(١) وفي المخطوط: كالثمن.
(٢) سقط من المطبوع.
[ ١ / ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لِعُمَرَ: «إِنَّا قد أَخَذْنَا زكاةَ العباسِ عام الأَول للعام».
فإِنْ قِيل: قال البَيْهَقِيُّ: اختُلِف في هذا الحديث، والأَصَحُّ أَنه مُرْسَل، أُجِيبَ بأَن المُرْسَلَ حُجَّة عندنا، وعند الجمهور.
ولا تجب الزكاة عندنا في نصاب سائمةٍ صحت الخُلْطَة فيه باتحاد المَسْرَح (^١) والمَشْرَع (^٢)، والمَرْعى والراعي، والفَحْل، والمِحْلَب (^٣) . وأَوْجبها مالك والشافعي لقوله ﷺ «لا يُجمَعُ بين مُتفَرِّقٍ ولا يُفَرَّق بَيْنَ مُجْتَمِعٍ» (^٤) . ولقوله ﷺ «ما كان من خَليطَين فإِنَّهما يتراجعانِ بينهما بالسَّويةِ» (^٥) . وفي عدم الوجوب تفريقُ المجتمِع.
ولنا قوله ﷺ «لا يُجْمَع بين متفرق»، وفي الوجوب الجَمْعُ بين المِلْكَيْنِ المتفرقين. والمرادُ من الجمع والتفريق ليس إِلاَّ في المِلْك لا في المكان. ألا ترى أَنَّ النصاب المتفرقَ في الأَمكنة والمِلْك لِواحِدٍ يؤخذ منه الزكاة. ومَنْ ملك ثمانين شاةً ليس للساعي أَنْ يجعلها نصابين، فيأخذ منها شاتين كأَنها لاثنين.
ونحن نقول بالتراجع بين الخليطين، فإِن مئة وإِحْدَى وعشرين من الغنم إِذا كانت لِرَجُلَيْن: لأَحَدِهما أَربعون، وللآخَرِ ثمانون، فحال الحَوْلُ، فجاء المُصَدِّقُ وأَخذ من عرضهما شاتين، يرجع صاحب الكثير على صاحب القليل بِثُلُثَي شاة، ثُم في الحول الثاني إِنما يجب شاةٌ في نصيب صاحب الكثير خاصةً، لأَن نصاب الآخَر قد انتقص، فإِذا أَخَذَ المُصَدِّق شاةً، رجع صاحب القليل على صاحب الكثير بِثُلُثِ شاةٍ، فهذا معنى التَّرَاجُع.
ولا يُؤخذ عندنا كَرْهًا من سائمة، كما لا يؤخذ من الأَموال الباطنة جبرًا، ولا من
_________________
(١) المَسْرَح: مرعى السَّرح - الماشية - المعجم الوسيط، ص ٤٢٦، مادة (سرح).
(٢) المَشْرَع: شريعة الماء، الشريعة: مورد الماء الذي يُسْتَقَى منه بلا رِشَاء. المعجم الوسيط ص ٤٧٩، مادة (شرع).
(٣) المِحْلَب: الإناء يُحْلب فيه. المعجم الوسيط، ص ١٩١، مادة (حلب).
(٤) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٣/ ٣١٤، كتاب الزكاة (٢٤)، باب لا يجمع بين متفرِّق … (٣٤)، رقم (١٤٥٠).
(٥) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٣/ ٣١٥، كتاب الزكاة (٢٤)، باب ما كان من خليطين … (٣٥)، رقم (١٤٥١).
[ ١ / ٥٠٩ ]