وَسُنَّ غَيرُها أو نُدِبَ. فإذَا أرَادَ الشُّرُوعَ كَبَّرَ بِلا مَدِّ الهَمْزَةِ والبَاءِ، مَاسًّا بإبْهَامَيهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ
===
الركعتين الأُخْرَيين في نفسه بأمّ القرآن، وينصت من وراء الإمام ويستمع لِمَا يجهر به الإمام، لا يقرأ معه أحد، ويتشهد سرًا في نفسه في الصلاة حين يجلس الإمام والناس خلفه في الركعتين».
وقد ورد في مواقيت الصلاة من حديث أنس ما معناه: «أنه ﷺ أَسَرَّ في الظهر والعصر، والثالثة من المغرب، والأُخْرَيَين من العشاء، وَجَهَرَ في الفجر وأولَيي المغرب والعشاء. وقيل: إنَّ الجهر والإخفاء فيما يُجْهَرُ به ويُسَرُّ سُنَّتَان، لأنهما ليسا بمقصودين، وإنما المقصود القراءة. ويجب الإسرار في نفل النهار لقول مجاهد: «صلاة النهار عَجْمَاء» (^١)، وخُيِّر المنفرد فيما يجهر به كنَفْل الليل، فإن شاء جهر، وهو أفضل من المخافتة تَشبُّهًا بالجماعة، وإن شاء خافت لعدم من يسمعه.
(سُنَنُ الصَّلاةِ)
(وَسُنَّ غَيْرُها) أي غير المذكورات من الفرائض والواجبات، وفي بعض النسخ: غيرهما، أي غير نوع الفرائض والواجبات، (أو نُدِبَ) أي استحب مما سيذكر في صفة الصلاة إجمالًا ونبين تفصيلًا.
(فإذَا أرَادَ الشُّرُوعَ) في الصلاة (كَبَّرَ) تكبيرة الافتتاح قائمًا، فلو كَبَّر قاعدًا ثم قام لا يكون شارعًا، ولو جاء والإمام راكع فحنى ظهره وكَبَّر: إنْ كان إلى القيام أقرب جاز، وإلاَّ فلا، ولو أدرك الإمام راكعًا فكبَّر قائمًا يريد تكبيرة الركوع جاز، لأن إرادته لغت، فَبَقِيَ تكبيره حالة القيام للتحريمة، كذا في «المحيط».
(بِلَا مَدِّ الهَمْزَةِ والبَاءِ) لأنَّ مدّ الهمزة في الجلالة وفي أكبر استفهامٌ مفسِد للصلاة، وعمدُه كفر، وأما مدّ الباء فيصير اللفظ به أكْبَار جمع كَبْر بفتح فسكون وهو الطبل. وقيل: اسم الشيطان فيفسدها، وعمده كفر. وقيل: لا يفسدها، لأنه إشباع، وهو لغة قوم. وأما مد الألف في آخر الجلالة فلا يضر للصلاة، إلاَّ أنه لا يجوز زيادة على قدر ألف في الوصل وعلى ثلاث ألِفَات في الوقف، وجزم الهاء خطأ.
(مَاسًَّا) أي واصلًا (بإبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) ليتيقن محاذاة يديه لأذنيه، فإن محاذاتهما سنة عندنا، وهو رواية عن أحمد، لما رَوَى مسلم من حديث وَائِل بن
_________________
(١) المعنى: أن صلاة الظهر لا تُسْمَع فيها قراءة. النهاية ٣/ ١٨٧.
[ ١ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حُجْر: «أنه رأى النبيّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ووضَعَهما حِيَال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع، أخرج يده من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبّر فركع، فلما قال: سمع الله لِمَنْ حَمِدَه رفع يديه، فلما سجد، سجد بين كفّيه».
وروى الطحاوي والدَّارَقُطْنِيّ وإسحاق بن رَاهُويه من حديث يَزِيد بن أبي زِيَاد، عن عبد الرّحْمَن بن أبي ليلى، عن البَرَاء بن عازب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى رفع يديه حتى كان إبهاماه حذاء أذنيه». زاد الدَّارَقُطْنِيُّ فيه: «ثم لم يعد». وروى هو في «سننه»، والحاكم في «مستدركه»، عن أنس قال: «رأيت رسول الله ﷺ كبّر فحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مَفْصِل منه، وانحط بالتكبير حتى سبقت يداه ركبتيه». قال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علّة، ولم يخرجاه. وروى الدَّارَقُطْنِيّ بطريق آخر (عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبَّر، ثم رفع يديه حتى) (^١) يحاذي إبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك …» إلخ، وقال: رجال إسناده كلهم ثقات.
وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «لا تُرْفَع الأيدي إلاَّ في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين، وذَكَرَ الأربع في الحج»، فغير معروفٍ رَفْعُهُ، فإنما ثبت وقفه على النَّخَعِيّ من قوله، كذلك رواه الطحاويّ عن سُلَيْمَان ابن شُعَيْب، عن أبيه، عن أبي يُوسف، عن أبي حنيفة، عن طَلْحَة بن مُصَرِّف، عن إبراهيم النَّخَعِي، قال: «تُرْفَعُ الأَيدي في سبع مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت في الوتر، وفي العيدين (^٢)، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبِجَمْعٍ وعرفات، وعند المقامين، ثم عند الجمرتين».
والمرفوع من ذلك ما رواه الشافعي و(الطحاوي) (^٣) والبَزَّار في آخرين. وهذا لفظ البَزّار عن المُحَارِبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس وعن نافع، عن ابن عمر، قالا: قال رسول الله ﷺ «تُرْفَع الأيدي في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين والجمرتين». وقال مالك والشافعي، وهو رواية عن أحمد: يرفع يديه حذو منكبيه، لِمَا رَوَى الجماعة
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٢) أي تكبيرات العيدين.
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٢٣٨ ]
والمَرْأةُ تَرْفَع يَدَيْهَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا.
ويَجُوزُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى تَعْظِيمٍ،
===
عن عبد الله بن عمر: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع».
قلنا: لا معارضة بين المحاذاتين لِمَا في أبي داود عن وائل (بن حُجْر) (^١): «أنه أبصر النبيّ ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه». والذي نصَّ على محاذاة الإِبهامين بالشحمتين وَفَّقَ في التحقيق بين الروايتين فتعيّن اعتباره، إذ محاذاة الشحمتين بالإبهامين تُسَوِّغ حكاية محاذاة اليدين بالمَنْكِبين والأذنين، لأن طرف الكف مع الرسغ يحاذي المَنْكِب أو يقاربه، والكف نفسه يحاذي الأذن، واليد تطلق على الكف إلى أعلاها. ولئن سلّمنا، فجاز أنه رفع إلى الأذنين تارةً، وإلى المنكبين أخرى، فيكون إلى الأذنين من سنن الهُدى أو الزوائد، لما روينا في» الشفاء» (^٢) من قوله ﷺ «إذا قمتم إلى الصلاة، فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم». ولا دليل على نسخ الأدنى للأعلى.
قال ابن المُنْذِر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. انتهى. وقد روى البخاري عن أنس: «أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه ..» الحديث. وعن عليّ: «أنّه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه …» الحديث. رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وعن مالك بن الحُوَيْرِث: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يديه …» الحديث. رواه مسلم، وأصله في البخاري.
ثم يُسَنُّ نشر الأصابع عند الرفع بلا ضمّ ولا تفريج والأوْلى خروجها عن كُمّيْه، ثم قال أبو يوسف: يرفع يديه مقارنًا للتكبير، وهو اختيار بعض المشايخ. وقال أبو حنيفة ومحمد: يرفع يديه ثم يكبر لأن في الرفع نفي الكبرياء عن غيره تعالى بطريق الإشارة، وفي التكبير إثبات الكبرياء له تعالى على سبيل العبادة. والنفي مقدم على الإثبات كما في كلمة الشهادتين. وفي «الهداية»: وهو الأصح.
(والمَرْأةُ تَرْفَع يَدَيْهَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا) لأنه أستر لها.
(ويَجُوزُ) الشروع في الصلاة (بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى تَعْظِيمٍ) وتبجيل من تسبيح
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) في المخطوط: الثناء، والمثبت من المطبوع.
[ ١ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتهليل، لأن التكبير في اللغة: التعظيم، قال تعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّر﴾ (^١) أي فَعَظِّم، وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ (^٢) أي عَظَّمْنَهُ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وفي «المحيط»: ورُوِيَ عن أبي حنيفة: أنه كرِه الافتتاح إلاَّ بـ: الله أكبر، والأصح أنه لا يُكْرَه، ذكره الشارح. قلت: الأصح أنه بدونه يُكْرَه لأنَّ مواظبة النبيّ ﷺ تفيد الوجوب، مع الخلاف في صحّة الشروع بغيره. ثم رأيت «الذخيرة» صرّح بأنه يُكْرَه بغير التكبير. وعند أبي يوسف: لا يصحّ الشروع في الصلاة لمن يُحْسِن التكبير إلاّ بـ: ـالله أكبر، أو: الله الأكبر، أو: الله الكبير، أو: الله كبير.
وعند الشافعي: لا يجوز إلا بالأوَّلين (^٣) . وعند مالك وأحمد: لا يجوز إلاَّ بالأوّل (^٤)، لأنه المنقول عن النبيّ ﷺ وهو مُبَيِّنٌ لِمَا في الكتاب من التكبير المبهم. وللشافعي: أنَّ: الله الأكبر أبلغ من الله أكبر، لأن تعريف الخبر يفيد حصره في المبتدأ. ولأبي يوسف: أن أفعل التفضيل إذا لم يكن في أصله مشاركة كما في صفات الله سبحانه، لا يكون بمعنى التفضيل نحو: ﴿وهُوَ أَهْوَنُ عليه﴾ (^٥) فيكون أكبر في حقّه تعالى بمعنى كبير، ولأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ ربِّه فَصَلَّى﴾ (^٦) فإنه بإطلاقه يدل على جواز الشروع في الصلاة بكل ذِكْرٍ على سبيل التعظيم: كـ: الله أجلّ، والرحمن أكبر، و: الله أعظم، فإنَّ هذه الألفاظ موضوعة لتعظيم الله ﷿ فكانت تكبيرًا وإنْ لم يُتَلَفَّظْ بِه.
فالثابت بالنص ذِكْر الله على سبيل التعظيم، ولفظ التكبير ثبت بالخبر فيجب العمل، حتى يُكْره افتتاح الصلاة بغيره لمَن يحسنه بناءً على تصحيح صاحب «التحفة»، وهو أولى من تصحيح السَّرَخْسي: عَدَمَها بغيره.
ولو قال عند الشروع: الله، كان شارعًا في الصلاة عند أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف ومحمد، حتى يذكر الخبر: إمّا بلفظ التكبير عند أبي يوسف، أو بنحو: أجلَّ، وأعظم، وكريم، ورحيم عند محمد. وعند أبي حنيفة: يُكْتَفَى بالخبر، أو المبتدأ المقدر
_________________
(١) سورة المدّثر، الآية: (٣).
(٢) سورة يوسف، الآية: (٣١).
(٣) أي اللفظين الأوّلين: الله أكبر، أو الله الأَكبر.
(٤) أي: الله أكبر.
(٥) سورة الروم، الآية: (١٢٧.
(٦) سورة الأعلى، الآية: (١٥).
[ ١ / ٢٤٠ ]
لا مَشُوبٍ بِدُعَاءٍ، ولَوْ بالفَارِسِيَّةِ، لا القِرَاءَةُ بِهَا إلّا بِعُذْرٍ، ويهِ يُفْتَى.
===
فقوله: الله، أيْ هو الله، أو أنت الله، أو الله ربنا، أو حسبنا.
وإذا كبَّر المأموم مقارنًا لتكبير الإمام، يصير مُدْرِكًا فضيلة تكبيرة الافتتاح، وعندهما إذا أدرك الإمام في الثناء. وقال بعضهم: إذا أدرك الإمام في الركعة الأولى يصير مدركًا فضيلة تكبيرة الافتتاح.
(لا مَشُوبٍ) أي لا مخلوط (بِدُعَاءٍ) فلا يصح الافتتاح باللهم اغفر لي ونحوه، لأنه قصد السؤال به دون التعظيم، ولو قال: اللهم، قيل: يجزيه وهو الأصح، كذا في «المحيط»، لأن معناه: يا الله، والميم المشددة خَلَف عن حرف النداء. وقيل: لا يجزيه، لأن معناه يا الله أمِّنَّا بخير، فيكون مشوبًا بالدعاء. (ولَوْ) كان ما دل على التعظيم (بالفَارِسِيَّةِ) وهذا عند أبي حنيفة، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلَّى﴾ ولأن مَنْ آمَنَ بلغة غير عربية، أو لبَّى في الحج، أو سَمَّى عند الذبح بها يجزيه، لحصول المقصود فكذا هذا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون شارعًا بغير العربية إذا كان يُحْسِنُ العربية، لأن اللغة العربية لها من المزية ما ليس لغيرها، وعلى هذاالخلاف الخُطْبَةُ والقنوت والتشهد، لا الأذان، فإنه يعتبر فيه التعارف.
(لا القِرَاءَةُ بِهَا) أي لا يُجْزاء القراءة في الصلاة بالفارسية (إلاّ بِعُذْرٍ) بأن كان لا يُحْسِنُ العربية، بشرط أنْ لا يُخِلَّ بالمعنى عما يستفاد من المبنى. (وبِهِ يُفْتَى) وهو قولهما وقول أبي حنيفة الذي رجع إليه، كما ذكر أبو بَكْر الرَّازي.
وجه قوله الأول: قوله تعالى: ﴿وإنَّه لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ (^٢) ولم يكن فيها هذا النظم بل معناه.
ووجه قولهما: أنّ المأمور به قراءة القرآن وهو اسم لهذا النظم العربي الدال على المعنى المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا. وقال الله تعالى: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًَّا﴾ (^٣)، وقال: ﴿قرآنًا عربيًا غَيْرَ ذِي عِوَج﴾ (^٤)، ﴿ولوْ جَعَلْنَاه قرآنًا أَعجميًا لقالوا لولا فُصِّلت آياتُهُ﴾ (^٥) . على أنه يحتمل أنْ يكون الضمير في: «إنَّه» (^٦)
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: (١٩٦).
(٢) سورة الأَعلى، الآية: (١٨).
(٣) سورة الزخرف، الآية: (٣).
(٤) سورة الزمر، الآية: (٢٨).
(٥) سورة فصلت، الآية: (٤٤).
(٦) الوارد في الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.
[ ١ / ٢٤١ ]
ويَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ
===
للنبي ﷺ ويشهد لذلك قوله تعالى عَقِيب ذلك: ﴿أوَلَمْ يكن لَهُمْ آيةً أنْ يَعْلَمَه عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيل﴾ (^١) الآيةَ.
وفي «الخانية»: الخطأ في الإعراب إنْ لم يغير المعنى لا يُفْسِد، لأنَّ الخطأ في الإعراب مما لم يمكن الاحتراز عنه فيُعذر. وإن غيَّر المعنى تغييرًا فاحشًا نحو ﴿وعَصَى آدَمُ رَبَّه﴾ (^٢) بنصب آدم ورفع ربه، فإن كان مخطئًا فسدت صلاته في قول المتقدمين. واختلف فيها قول المتأخرين، وما قاله المتقدمون أحوط، وما قال المتأخرون أوسع.
ولو أبدل كلمة مكان كلمة وهما في القرآن ومعناهما متقارب، كما لو أبدل مكان «الظالمين»: الفاسقين، لا تفسد صلاته سواء أعاد وأصلح، أو لا عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: أنها تفسد. ولو أبدل الضاد بالظاء فسدت صلاته عند الكَرْخِيّ، والحاكم الشهيد، وأبي مُطِيع البَلْخِيّ، ومحمد بن مُقَاتِل الرازي. وعن محمد ابن سَلَمَة: لا تفسد، لأن النَّاس قَلَّ منهم من يُفَرِّق بينهما. هذا وجهر الإمام بالتكبير للإعلام بالإحرام.
(ويَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ) لِمَا رَوَى مسلم في رَفْعِ اليدين: «ثم وضع يده اليُمْنَى على اليُسْرَى …» الحديثَ. وفي وضع اليد اليُمْنى على اليسرى في الصلاة أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما، وهو حجّة على الإمام مالك في اختيار إرساله. فمنها: ما رواه أبو داود عن ابن مسعود: «أنه كان يصلّي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبيّ ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى». وعن قَبِيصَةَ بن هُلْب، عن أبيه قال: «كان النبيّ ﷺ يَؤُمُّنَا فيأخذ شماله بيمينه». رواه الترمذي وحسَّنه، وقال أبو يوسف: «يقبض باليمنى رسغ اليسرى». وقال محمد: يضع الرسغ وسط الكف. وفي «المفيد»: يأخذ الرسغ بالخنصر والإبهام، ويضع الباقي، وهو المختار.
وقال شمس الأئمة السَّرَخْسِي: استحسن كثير من مشايخنا الجمع بين الوضع والأخذ، وذلك بأن يضع باطن كفِّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى، ويحلِّق بالخنصر والإبهام على الرسغ.
(تَحْتَ سُرَّتِهِ) وهو رواية عن أحمد لقول عليّ كرَّم الله وجهه: «إنَّ من السُّنة
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: (١٧٩).
(٢) سورة طه، الآية: (١٢١).
[ ١ / ٢٤٢ ]
والمَرْأَةُ تَضَعُ عَلَى صَدْرِهَا في كلِّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، ويُرْسِلُ في قَوْمَةِ الرُّكُوعِ، وبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ.
===
وضع الأكفّ على الأكفّ تحت السرة». رواه أحمد وأبو داود والدَّارَقُطْنِيّ والبيهقيّ. والصحابي إذا قال: السُّنة، يحمل على سنّة النبي ﷺ وأمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «إنَّ من السُّنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة»، فلا يُعْرَفُ مرفوعًا.
وقال الشافعي: على صدره. وهو رواية أيضًا عن أحمد لِمَا رَوَى ابن خُزَيْمة في «صحيحه»، من حديث وائل بن حُجْر قال: «صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره». ولقوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ أي ضع يدك على نَحْرك، وهذا التفسير مأثور عن عليّ كرَّم الله وجهه. وأُجِيبَ بأنَّ مدلول الآية طلب عين النحر، وهو غير طلب الوضع على الصدر على أنَّ وضعهما على الصدر، ليس هو حقيقة وضعهما على النحر، فصار الثابت هو وضع اليمين على اليسرى. وكونه تحت السرة أو على الصدر لم يثبت فيه حديث يوجب العمل به، فيُحَالُ على المعهود من وضعهما حال قصد التعظيم في القيام، والمعهود في الشاهد منه ما قلناه.
(والمَرْأَةُ تَضَعُ عَلَى صَدْرِهَا) اتفاقًا لأنَّ مبنى حالها على الستر. (في كلِّ قِيَامٍ) أيْ حقيقي أو حكمي كما إذا صلّى قاعدًا (فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ) أي مشروع في الجملة، وقال محمد: في حالة القراءة فقط. فَيُرْسِل عنده حالة الثناء والقنوت وصلاة الجنازة، ويضع عندهما. وفي «الإحياء»: إذا فَرَغَ من التكبير يرسلهما إرسالًا رقيقًا خفيفًا، ويستأنف وضع اليمنى على الشمال بعد الإرسال. قال: وفي بعض الروايات: كان ﷺ إذا كبَّر أرسل يديه، وإذا أراد أنْ يقرأ وضع اليمنى على اليسرى. قال (^١): فإنْ صَحَّ، فهو أولى مما ذكرناه. قلت: وبذلك يراعى في الجملة مذهب مالك. والحديث رواه الطبراني من حديث مُعَاذ بإسنادٍ ضعيف، قاله العراقي.
(ويُرْسِلُ) (كان الأولى: فيرسل) (^٢) (في قَوْمةِ الرُّكُوعِ) إجماعًا، إذ ليس في قومته ذِكْرٌ، وإنما الذكر في حال الانتقال من الركوع إلى القومة، ومنها إلى السجود وذلك لعدم امتدادها في أصل وضعها، ولو ورد في بعض الروايات إطالتها وقراءة الأدعية فيها.
(وبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ) اتفاقًا، خلافًا للشافعيّ، لأنَّ بينها يُسَنُّ الذكر عنده.
_________________
(١) أي صاحب الإِحياء، (الغزالي).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٢٤٣ ]
ثُم يُثْنِي ولا يُوَجِّهُ،
===
(ثُمَّ يُثْنِي) أي بعد التحريمة يأتي بالثناء إمامًا كان أو مقتديًا أو منفردًا لقوله تعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُوم﴾ (^١)، ولقوله ﷺ «إذا قُمْتُم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم، ثم قولوا: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك (^٢)، ولا إله غيرك، وإنْ لم تزيدوا على التكبير أجزأكم». رواه الطَبَرانِيّ.
ورواه الدَّارَقُطْني في «سننه» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه»، ثم قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك». وتقول عائشة: «كان ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم …» إلخ. ورواه الجماعة. وقال مالك: إذا كبّر شرع في القراءة، ولا يشتغل بالثناء والتعوذ والتسمية، لما ورد: «أنه ﷺ كان يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين».
ومن أدرك الإمام في الركوع: يكبّر للافتتاح، ويترك الثناء ويكبِّر ويركع، لئلا تفوته الركعة. أو في السجود أو القعود: يكبر للافتتاح ويأتي بالثناء. أو بعد ما اشتغل بالقراءة: قيل: لا يأتي به بل يستمع، وقيل: يأتي في حال سكتاته. وينبغي أنْ يأتي به في السرية، ويترك في الجهرية. وفي معنى السرية: إذا لم يسمع صوت الإمام في الجهرية. وأمّا قوله: «وجَلّ ثناؤك» فلم يُذْكَر في المشاهير فلا يأتي به في الفرائض. (ولا يُوَجِّهُ) أي لا يقول: وجّهت وجهي، إلى آخرِهِ وحدَه، كما اختاره الشافعي ولا يَجْمَعُ بينهما كما قال أبو يوسف، واختاره الطحاوِيُّ، إلاَّ أنه قال: المصلّي بالخيار إنْ شاء قال التوجيه بعد الثناء وإن شاء قاله قبل الثناء، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. والثانية أقوى لحديث ورد به، ولموافقة المذهب ثم مراعاة غيره.
والأظهر أنْ يأتي بالتسبيح تارةً، وبالتوجيه أخرى، لعدم ورود الجمع بينهما ثم الأولى أنْ يخص الأول بالفرائض، والثاني بالنوافل جمعًا بين الأدلة واختيارات الأئمة.
ويؤيده ما رواه النّسائي من أنه ﷺ «كان إذا قام يصلّي تطوّعًا قال: الله أكبر، وجّهت وجهي» فيكون مفسّرًا لِمَا في غيره من الأحاديث المطلقة.
هذا وقد روى مسلم من حديث عليّ ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان
_________________
(١) سورة الطور، الآية: (٤٨).
(٢) أي علا جلالك وعظمتك. النهاية ١/ ٤٤٢.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وَيَتَعَوَّذ لِلقِرَاءَةِ لا لِلثَّنَاءِ،
===
إذا قام إلى الصلاة كبَّر ثم قال: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكِي (^١) ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين».
وفي رواية: «وأنا أول المسلمين». وفي «الظهيرية» عن أبي يوسف: روايتان، في رواية يقول: «وأنا من المسلمين». وفي رواية يقول: «وأنا أول المسلمين» يعني على الحكاية. لأنه ﷺ أول مسلمي هذه الأمّة، وأوّل المسلمين مطلقٌ، وكون روحه أول ما خلق الله، ولأنه أول من قال: بلى في جواب قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ﴾ (^٢) .
وأمّا القول بالتوجيه قبل تكبيرة الافتتاح، فليس له توجيه وجيه، سواء يكون قبل النية أو بعدها.
(وَيَتَعَوَّذُ) أي في أول الصلاة فقط اتفاقًا، بأنْ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو ظاهر الرواية ومختار شمس الأئمة، وجمهور أرباب القراءة، ويؤيده ما جاء في الكتاب والسنة بلفظ: أعوذ، دون أستعيذ، كما اختاره صاحب «الهداية».
وهو مستحبٌّ عند عامة السلف وعليه جمهور الخلف وانفرد عطاء والثَّوْرِيّ بوجوبه لقوله تعالى: ﴿فإذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ باللهِ﴾ (^٣) . ولقول أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: «إنَّ النبيّ ﷺ كان إذا قام من الليل كبّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … إلخ، ثم يقول: لا إله إلاَّ الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمْزِهِ (^٤) ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ (^٥)، ثم يقرأ». رواه أبو داود والترمذيّ. قال الترمذي: هذا أشهر حديث في هذا الباب، وقد تُكُلِّمَ في إسناده. وقال المُنْذِري: وَثَّقَهُ غير واحد، وتكلم فيه غير واحد.
(لِلْقِرَاءَةِ) أي لأجل القراءة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الجمهور، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ أي أردت قراءته (لا لِلثَّنَاءِ) كما هو قول أبي يوسف. وَوَجْهُهُ: أنه ذِكرٌ بعد الثناء من جنسه، فيكون تبعًا له. وفي «الخلاصة»: قول أبي
_________________
(١) النُّسُك: الطاعة والعبادة، وكل ما تُقُرِّبَ به إلى الله تعالى. النهاية: ٥/ ٤٨.
(٢) سورة الأَعراف، الآية: (١٧٢).
(٣) سورة النحل، الآية: (٩٨).
(٤) الهَمزُ: النَّخْسُ. النهاية: ٥/ ٢٧٣. وأصل النَّخْس: الدفع والحركة. النهاية: ٥/ ٣٢.
(٥) النَّفْثُ: شبيهٌ بالنَّفخ، وهو أقلّ من التَّفْل. مختار الصحاح، ص: ٢٧٩، مادة (نفث).
[ ١ / ٢٤٥ ]
فَيقُولُه المَسْبُوقُ، ويُؤخِّرُهُ عَنْ تَكْبِيراتِ العِيدَيْنِ، ويُسَمِّي
===
يوسف أصح. وفيه: أنه مخالف لظاهر القرآن فلا ينبغي أنْ يكون صحيحًا فكيف بالأصح.
(فَيَقُولُه المسْبُوقُ) عندهما: إذا قام إلى قضاء ما فاته، لأنه يقرأ حينئذٍ. وعند أبي يوسف: لا يقوله لأنه لا يأتي بالثناء حينئذٍ (ويُؤَخِّرُهُ) الإمام عندهما (عَنْ تَكْبِيراتِ العِيدَيْنِ) لتأخير القراءة عنها، وعند أبي يوسف: يقدمه عليها لتقدم الثناء عليها. (ويُسَمِّي) أول الصلاة فقط في رواية عن أبي حنيفة، لأنها شُرِعَت مفتاحًا للقراءة كالتعوذ، ولقول ابن عباس: «كان النبيّ ﷺ يَفْتَتِحُ صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم»، رواه الترمذيّ. وفي رواية أخرى: - وهي قولهما - «أول كل ركعة». لأنَّ التسمية لافتتاح القراءة وكل ركعة أصل في القراءة، فتبتدأ بالبسملة.
وفي «المحيط»: قيل: التسمية - أي في أوائل السورة - ليست عندنا من القرآن، لاختلاف العلماء والأخبار فيها، يعني المُستَلْزِمِ عدمَ تواترها. وإنما يُسْتَفْتَح في أوائل السورة تبرّكًا، وقد اختلف الصدر الأول فيها اختلافًا ظاهرًا. والقرآن لا يثبت إلاَّ بالإجماع، حتى ادعى أبو بَكْرٍ البَاقِلاني وغيره، خطأ الشافعي في جعله البسملة من القرآن، معتمدين على أنه لا يجوز إثباته إلا بالتواتر، ولا تواتر ههنا، فيجب القطع بنفي كونها منه، وهو وجه رواية النفي، وبه قال مالك وطائفة من الحنفية وبعض أصحاب أحمد مدَّعين أنه مذهبه، أو رواية عنه.
قلت: ينبغي أنّ لا يُقْطَع بكونها من القرآن، ولا بنفيها منه كما لا يخفى، إذ لا دليل (قطعي) (^١) على أحد الشقَّين. وأما قول الشافعيّ: مذهب ابن كَثِير وعَاصَمٍ والكِسَائيّ من القرّاء ووافقهم حَمْزَة في أنها من الفاتحة خاصة. ولم يعتقدها الباقون من الفاتحة ولا غيرها، وقالُون منهم ففيه بحث، إذ الموجود في كتب القِرَاءَة أنَّ القرَّاء كلهم يبتدؤن الفاتحة بالبسملة، واختُلِف فيما بين السورتين. وليس في كتبهم تعرض باعتقادهم أنهم يَعُدُّونها من القرآن أم لا، والله ﷾ أعلم.
وروى الجَصَّاص عن محمد: أنها آية من القرآن أُنْزِلَت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة، ولا من كل سورة. وهذا القول أعدَل وأصح، ولهذا كُتِبَت بخط الوحي (^٢)، أي ما ثبت أنه وحي، ليدل على كونها من القرآن، وكُتِبَت بخط على حدة ـ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) أي في سورة النمل، الآية (٣٠).
[ ١ / ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي بتطويل سين أو بقلم متين - ليدل على كونها ليست من تلك السورة. وقد روى أبو داود عن الصحابة ﵃: «كنّا لا نعرف انقضاء السورة حتى نزل: بسم الله الرحمن الرحيم».
وعند مالك: لا يُسْتَحَب الثناء ولا التعوّذ ولا التسمية في بدء الصلاة. وقال الشافعي: التسمية جزء من الفاتحة، ومن كل سورة، على اختلاف أنها آية أو بعضها، ويؤيد كونها آية قول (أم) (^١) سَلَمة: «أنّ النبيّ ﷺ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة في الصلاة وَعَدَّها آية». ذكره النووي في «الخلاصة»، والحاكم في «المستدرك»، وقول نُعَيم المُجْمِر: «صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن، فلما سَلَّمَ قال: والذي نفسي بيده إني لأشْبَهُكُم صلاةً برسول الله ﷺ. رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيْمة في «صحيحيهما».
وقال مالك: يبتدأ بالحمدلة لقوله ﷺ «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حَمِدَني عبدي …» الحديث (^٢) . رواه مسلم. ولقول عائشة: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين». ولقول أنس: «أن النبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين». رواه الشيخان.
والجواب: أن هذا أول ما كان يُسمع منه، وهو لا ينافي قراءة الثناء والتعوّذ والبسملة سرًا كما لا يخفى. نعم، في هذا حجّة على الشافعي في جهره بالبسملة، إلاّ أنه استدل في جهرها بما روى الدَّارَقُطْنِي في «سننه» عن محمد بن المتوكل بن أبي السَّرِيّ (^٣) قال: «صلّيت خلف المُعْتَمِر بن سليمان من الصلوات ما لا أُحْصِيها: الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل الفاتحة وبعدها، (وسمعت المُعْتَمِر) (^٤) يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أَبِي: ما آلو أن أقتدى
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) في المطبوع زيادة: (فنصفها لي ونصفها). والمثبت من المخطوط، وهو موافق لما جاء في رواية مسلم ١/ ٣٠٨ كتاب الصلاة، (٤)، باب وجوب قراءة الفاتحة (١ ١)، رقم (٣٨ - ٣٩٥).
(٣) في المخطوط: محمد بن أبي السدي، والمثبت من المطبوع، وهو الصواب لموافقته لما في سنن الدارقطني ١/ ٣٠٨، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، رقم (٢٥).
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بصلاة أَبِي، وقال أَبِي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلُو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ.
وعن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «صليت خلف النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وعن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: «كان ﷺ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم». وعن علاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: «أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا أمَّ الناس، جهر ببسم الله الرحمن الرحيم».
والجواب عمّا رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن محمد بن أبي السَّرِيّ، عن المُعْتَمِر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس، أنه مُعَارَض بما رواه ابن خُزَيْمَة في «مختصره»، والطَّبَرَاني في «معجمه»، عن المُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس: «أنّ رسول الله ﷺ كان يُسِرّ ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة». زاد ابن خُزَيْمَةَ: «وأبو بكر وعمر ﵄ في الصلاة».
وعن حديث ابن أبي فُدَيْك (^١)، عن ابن أبي ذئب أنه هو، وكذا الخلاّل ضَعَّفَ شيخَه عمر بن الحسن الشَّيْبَانيّ، وكذا ضعّف جعفر بن محمد بن مروان شيخ عمر، ونسب شيخ جعفر - وهو أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب - إلى الوضع، وأبوه عيسى كان وضّاعًا أيضًا، ذكره الحافظ أبو محمد الرَّامَهُرْمُزِي.
وعن حديث ابن عباس المُخَرَّج من سبعة طرق أنه ضعيف من جميع طرقه بَيَّنَها الزَّيْلَعِي في تخريجه، ومُعَارِض لِمَا روى الطَّحَاوي، وابن عبد البَرّ، عن ابن عباس: «أن الجهر بالبسملة قراءة الأَعراب». وعنه أيضًا: «لم يجهر النبيّ ﷺ بالبسملة حتى مات». وحُكِيَ عن الدَّارَقُطْنيّ: أنه لمَّا ورد مصر سأله بعض أهلها أن يُصَنِّفَ شيئًا في الجهر بالبسملة، فصَنَّفَ فيه جزأ، فاقسم عليه بعض المالكية أنْ يخبره بالصحيح منها، فقال: لم يصح بالجهر بالبسملة حديث. وقد تجَرَّد أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر فأزرى (^٢) على علمه، بتغطية ما ظن أنه لا ينكشف، وقد بيَّنا عللها وخللها قاله
_________________
(١) في المخطوط: ابن فديك، وفي المطبوع: ابن أبي فديك، وهو الصواب لموافقته لما في سنن الدَّارَقُطْنِي ١/ ٣٠٥، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، رقم (١٢).
(٢) أَزرى بالشيء: تهاون به وقصّر. المعجم الوسيط ص: ٣٩٣، مادة (زرى).
[ ١ / ٢٤٨ ]
لا بَيْنَ الفَاتِحَةِ والسُّورَةِ، ويُسِرُّهُنَّ
===
صاحب «التنقيح».
وعن حديث أبي هريرة: أنَّ الخطيب أخرجه عن أبي أُوَيْس، واسمه عبد الله بن أُنَيْس قال: أخبرني العَلاء بن عبد الرحمن … وساق الحديث. ورواه الدَّارَقُطنِيّ، وابن عَدِيّ وقالا فيه: «قرأ» عِوَض «جهر»، وكأنه رواه بالمعنى، ولو ثبت هذا عن ابن أُنَيْس فهو غير محتج به لأنه لا يُحْتَجُّ بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بما خالفه فيه من هو أوثق منه مع أنه مُتَكَلَّم فيه. فوثقه الدَّارَقُطْنِيّ وأبو زُرْعَة، وروى له مسلم في «صحيحه»، وضَعَّفه أحمد وابن مَعِين وأبو حاتم.
وعن حديث نُعَيم المُجْمِر: أنه معلول، فإنّ ذِكْرَ البسملة فيه مما تَفَرَّد به نُعَيم من بين أصحاب أبي هريرة، وأنه حَدَّث عن أبي هريرة: «أنه ﷺ كان يجهر بالبسملة في الصلاة». وقد أعرض عن ذكرها في حديث أبي هريرة صاحب الصحيح. ولم يذكرها واحد منهما مع شدة حرص البخاري على معارضة الإمام أبي حنيفة بالأحاديث مهما أمكنه، بدليل ما أشحن به صحيحه.
ثم إنَّا بعد ذلك كله نَحْمِل أحاديث الجهر على أحد أمرين: إمّا أن يكون جَهَرَ بها لتعليم الإتيان بها، أو جَهَرَ جهرًا يسيرًا يسمعه مَنْ قَرُبَ منه.
فإن المأموم إذا قَرُبَ من الإمام، أو حاذاه يسمع ما يخافته، ولا يُسمَّى ذلك جهرًا، كما ورد أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة أحيانًا، أو يكون قبل الأمر بترك الجهر كما قدمنا عن سَعيد بن جُبَيْر.
(لا بَيْنَ الفَاتِحَةِ والسُّورَةِ) وقال محمد: يُسمِّي بينهما في السرية لا في الجهرية، لأنه إنْ خافت البسملة بينهما يكون سكتة ظاهرة في وسط القراءة، وإنْ جهر بها يكون جمعًا بين مخافتة البسملة أولًا، والجهر بها ثانيًا. أقول: والأظهر أن يقرأها سرًا ولو في الجهرية لأنها للفصل بين السورتين، ولا مانع من السكتة في وسط القراءة كما سيأتي في قوله آمين سرًا.
(ويُسِرُّهُنَّ) أي الثناء والتعوذ والتسمية، لما روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيّ أنه قال: أربع يُخْفِيهنَّ الإمام: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، وآمين. وقال ابن عبد البرِّ: رُوِيَ عن عمر ابن الخطاب ﵁ من وجوه ليست بالقائمة أنه قال: «يُخْفي الإمام أربعًا: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، وآمين».
[ ١ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
انتهى.
وفي رواية أحمد وأبي داود والدَّارَقُطْنيّ عن أبي وَائِل أنَّه ﷺ قال: «آمين وخفض بها صوته». وفي البسملة وآمين خلاف الشافعي. وقال بالإسرار بالتسمية مع الفاتحة الثَّوْرِيُّ وأحمد وأبو عُبيد. ورُوِي ذلك عن عمر وعليّ وابن مسعود وعَمَّار وابن الزُّبَيْر ﵃. وعن سعيد بن جُبَيْر أنه قال: «كان المشركون يحضرون المسجد وإذا قرأ رسول الله ﷺ قالوا: هذا محمد يذكر رحمن اليَمَامة - يعنون مُسَيْلَمَة الكذَّاب - فَأَمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (^١) رواه أبو داود. وفي رواية: «فخفض النبي ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم». فهذا يدل على نسخ الجهر بها. قال الترمذي الحكيم: فَبَقِيَ ذلك إلى يومنا هذا وإن زالت العلة، كما بقي الرَّمَل (^٢) في الطواف، والمخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة. انتهى.
فمعنى الآية: ولا تجهر ببعض قراءتك وهي البسملة ولا تخافت بغيرها. وهو معنى غريب في الآية. والمشهور فيها: لا تجهر بقراءتك في النهار، ولا تخافت بها في الليل، أو لا تبالغ في الجهر بها حال التهجد، ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا.
ومن الأدلة على إسرار البسملة: قول أنس «صلّيت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم». وفي لفظ مسلم: «فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها». وفي روايةٍ لمسلم: «فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم». ورواه النّسائي والدَّارَقُطْنِي في «سننهما»، وأحمد في «مسنده»، وابن حِبَّان في «صحيحه». وقالوا: «فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وزاد ابن حِبَّان: «ويجهرون بالحمد لله رب العالمين».
وفي مسند أبي يَعْلَى المَوْصِلي: «فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين». وفي «آثار الطَّحَاوِيّ»، «ومعجم الطَبَرَانِيّ»، «وحِلْيَة أبي نُعَيْم»،
و
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: (١١٠).
(٢) الرَّمَل: الإسراع في المشي، وهَزُّ المنكبين. النهاية: ٢/ ٢٦٥.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاِتحَةَ وَيُؤَمِّنُ سِرًّا كالمَأْمُومِ،
===
«مختصر ابن خُزَيْمَةَ»: «فكانوا يُسِرُّون ببسم الله الرحمن الرحيم». ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرَّج لهم في «الصحيحين» (^١) .
ومنها قول ابن عبد الله بن مُغَفَّل (^٢): «وسمعني أبي وأنا اقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم - أي جهرًا - فقال: أي بُنَيَّ، إياك والحَدَثَ، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام - يعني منه - فإني صلّيت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها أنت، وإذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين». رواه الطحاوي وابن ماجه والنَّسائي والترمذي، وقال: حديث حسنٌ. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين ﵃، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والثَّوْرِيّ، والحسن، والأَوْزَاعِيّ، والشعْبِيّ، والنَّخَعِي.
هذا، وقد قال الشافعيّ: البسملة من الفاتحة قولًا واحدًا، وكذا من غيرها على الصحيح. وعندنا: هي آية أنْزِلت للفصل بين السُّور، ليست من الفاتحة، ولا من كل سورة. لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس: «أنه ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم». رواه أبو داود والحاكم في «مستدركه».
(ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ) أي وجوبًا (وَيُؤَمِّنُ) أي يقول آمين حال كونه منفردًا أو إمامًا، استحبابًا (سِرًّا كالمَأْمُومِ) أي كما يُؤَمِّن المأموم سرًّا كما سبق. وإنما يُؤَمّن المصلي لما روى الشيخان عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه». ولفظ «أحدكم» يندرج فيه الإمام والمنفرد والمأموم.
ولما روى مالك، والجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أمَّنَ الإمام فأَمِّنُوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». قال النووي في «شرح مسلم»: والصحيح الصواب أن المراد: الموافقة في وقت التأمين، أي لا في الكيفية من خلو الرياء والسمعة، كما قال به ابن حِبّان. ولا يبعد أنْ يُرَاد به الأعمّ والله تعالى أعلم. وقيل الملائكة: هم الحفظة، وقيل غيرهم، لقوله ﷺ في الحديث الآخر:
_________________
(١) في المطبوع: الصحيح. والمثبت من المخطوط.
(٢) في المخطوط عبد الله بن مُغَفَّل، والمثبت من المطبوع، وهو الصواب لموافقته لما في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٠٢.
[ ١ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
«فوافق قوله قول أهل السماء». وفي رواية: قالت الملائكة في السماء، ولا منع من الجمع.
وفي آمين لغتان: المد، وهو الأشهر، ومنه قول بعضهم: ويرحم الله عبدًا قال آمينًا. أو القصر، ومنه قول الشَّاطِبِيّ:
* أَمِينَ وأمنًا للأَمينِ بِسِرِّها ** وإن عَثَرَتْ فَهُوَ الأَمُونُ تحمُّلًا
وهو اسم فعل ومعناه: استجب، عند أكثر أهل العلم. وقيل معناه: كذلك فليكن. وقال الترمذي: معناه لا تُخَيِّب رجاءنا. قال الجَوْهَرِيّ: وهو مبني على الفتح كأين، وتشديد الميم خطأ، قيل: تفسد الصلاة، وقيل: لا تفسدها، لأن نظير لفظه موجود في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ﴾ (^١) وقد حكى القُشَيْري: التشديد عن الحسن، وجعفر الصادق، فيكون مِنْ أمَّ إذا قصد. فالتقدير: دعوناك قاصدين، فلا تردَّنا خائبين.
واستدل الشافعي في جهر آمين، بما في سنن أبي داود والترمذي عن سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن العَنْبَس، عن وائل بن حُجْر، واللفظ لأبي داود قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿ولا الضَّالَين﴾، قال: آمين ورفع بها صوته». ولفظ الترمذي: «ومدَّ بها صوته»، وقال حديثٌ حسنٌ. قلنا رواه شُعْبَة عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن العنبس، عن عَلْقَمَة بن وَائِلٍ، عن أبيه، وقال فيه: «وخفض بها صوته». إلاَّ أنَّ أبا زُرْعَةَ والبخاري جعلا حديث سفيان أصح من حديث شُعْبَة. والبَيْهَقِيّ روى عنه موافقةً لسفيان: «يرفع الصوت بها».
لكن روى الطَّحاوي في «آثاره» عن أبي وائل قال: «كان عمر وعليّ لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين». وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»: أخبرنا مَعْمَر، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي قال: «أربع يُخْفِيهن الإمام: التَّعوُّذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، واللهم ربّنا لك الحمد، وآمين». ثم قال: أخبرنا الثَّورِي، عن مَنْصُور، عن إبراهيم قال: «خمس يُخْفِيهن الإمام … فذكرها وزاد: سبحانك اللهم وبحمدك». فهذا يدل على أن الجهر بها في بعض الأحيان كان للتعليم فعلًا كما ورد: وكان يُسْمِعُنا الآية أحيانًا، لا ليكون سنةً مستمرة، وإلاَّ لما تركه عمر وعليّ ولما ساغ لإبراهيم النَّخَعِي الحكم بخلافه من عنده.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: (٢)
[ ١ / ٢٥٢ ]
ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ خَافِضًا، ويَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيهِ، مُفَرِّجًا أصَابِعَهُ، بَاسِطًا ظَهْرَهُ، غَيرَ رَافِعٍ ولا مُنَكِّسٍ رَأْسَهُ.
===
(ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ خَافِضًا) أي حال كونه منحطًا، بأن يكون ابتداء التكبير عند انحطاطه، وهذا موافق لما في «الجامع الصغير» حيث قال: ويكبر مع الانحطاط. وقيل: يكبر قائمًا، ثم يركع. وعن محمد: ما يدل عليه، وهو: وإذا أراد أنْ يركع يكبّر. وروى النَّسائي، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن عبد الله بن مسعود قال: «كان النبيّ ﷺ يكبّر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود، وأبو بكر وعمر». وقوله في كل خفض: أي عند إرادة كل خفض إلى آخره. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حسنٌ صحيحٌ، والعمل عليه عند أصحاب النبيّ ﷺ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم ﵃، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة العلماء.
(ويَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) أي: ناصبًا ساقيه. وأما انحناؤهما شبه القوس، كما يفعله بعض الناس فمكروه. وإنما يضع على ركبتيه لما في الصحيحين، عن مُصْعَب بن سعد بن أبي وَقَّاص قال: «صليت إلى جَنْب أبي فطَبَّقْتُ بين كفيَّ، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنّا نفعله فَنُهِينَا عنه، وأُمِرْنا أنْ نضع أيدينا على الركب (إلا في السجود)» (^١) .
(مُفَرِّجًا أصَابِعَهُ) ليكون أمكن من أخذهما. ولما روى الطبرانيّ في «معجمه» عن أنس: أن النبيّ ﷺ قال له: «يا بني إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، وفَرِّج بين أصابعك، وارفع يديك عن جنبيك».
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين، ومن بعدهم، ولا اختلاف بينهم في ذلك إلاَّ ما رُوِيَ عن ابن مسعود، وبعض أصحابه: أنهم كانوا يُطَبِّقُون، والتطبيق منسوخ عند أهل العلم. قال سعد بن أبي وقَّاص: «كنا نفعل ذلك، فَنُهِينَا عنه، وأُمِرْنا أنْ نضع الأكف». وحديث سعد هذا متفق عليه.
(بَاسِطًا ظَهْرَهُ) لما روى ابن ماجه في «سننه»، عن راشد قال: سمعت وابِصَة ابن مَعْبَد يقول: «رأيت رسول الله ﷺ يصلّي، وكان إذا ركع سَوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ». (غَيْرَ رَافِعٍ ولا مُنَكِّسٍ) بتشديد الكاف المكسورة (رَأْسَهُ) بالنصب على أنه مفعول تنازع فيه الفعلان. وذلك لما روى مسلم عن عائشة، في حديث طويل: «وكان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه (^٢)، ولم يُصَوِّبْه، ولكن بين ذلك».
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) في المخطوط بصره، والمثبت من المطبوع وهو الصواب لموافقته لما في صحيح مسلم كتاب الصلاة (٤)، باب ما يجمع صفة الصلاة (٤٦)، رقم (٢٤٠ - ٤٩٨).
[ ١ / ٢٥٣ ]
ويُسَبِّحُ ثَلاثًا، وهوَ أَدْنَاهُ،
===
وإشخاص الرأس: رفعه. وتصويبه: خفضه.
(ويُسَبِّحُ ثَلاثًا) يقول كل مرة: سبحان ربي العظيم. وفي رواية: وبحمده. ولو رفع الإمام رأسه قبل أن يتم المأموم ثلاثًا، يتم في رواية، ويُتَابع في أخرى، وهو الصحيح. وقيل: إنّ تسبيحه، وتسبيح السجود، وتكبيرهما واجبات.
(وهُوَ) أي التسبيح ثلاثًا (أَدْنَاهُ) أي أدنى الكمال. لِمَا روى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربّي العظيم وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وذلك أدناه»، ولما روى الترمذي مُرسلًا أنه ﷺ قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تمَّ ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تمَّ سجوده وذلك أدناه».
ولِمَا في «السنن الأربعة» من قول حُذَيْفَة: «صليت مع رسول الله ﷺ وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى». ولقول عُقْبَة بن عامر الجُهَنِي: «لمَّا نزلت ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّك العظيم﴾ (^١)، قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في ركوعكم، ولمَّا نزلت ﴿سَبِّحْ اسمَ رَبِّك الأَعْلَى﴾
قال لنا رسول الله ﷺ اجعلوها في سجودكم». رواه أبو داود، وابن ماجه، والطحاوي، وجعله ناسخًا للأذكار التي كانت تقال فيهما قبل نزولهما. وهي: ما رواه هو وغيره عن عليّ قال: «كان رسول الله ﷺ يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي وعظمي لله رب العالمين». وزاد في رواية: «وما استقلت به قدمي لله رب العالمين - ويقول في سجوده: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». وفي رواية أخرى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «نُهِيتُ أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد، فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ (^٢) أن يستجاب لكم».
وعن عائشة قالت: «فَقَدْت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنَّه أتى جاريته،
_________________
(١) سورة الحاقة، الآية: (٥٢).
(٢) قَمِن: القمين: الخليق والجدير. القاموس المحيط، ص: ١٥٨١ مادة (قمن).
[ ١ / ٢٥٤ ]
ثُمَّ يُسَمِّعُ رَافِعًا رَأْسَه. ويَكْتَفِي بِهِ الإمَامُ، وبالتَّحْمِيدِ المُؤْتَمُّ، ويَجْمَعُ المُنْفَرِدُ بَيْنَهُمَا
===
فالتمسته بيدي، فوقعت يدي على صدر قدميه وهو ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثْنَيْتَ على نفسك». وليس النسخ في قول الطحاوي بمعنى أنه لا يجوز غيره، بل المراد أنه أفضل، وإنْ جُمِعَ بينهما فهو أكمل.
(ثُمَّ يُسَمِّعُ) - بتشديد الميم المكسورة - أي يقول المصلّي: سمع الله لمن حمده، بهاء الكناية أو السكتة والاستراحة. ومعنى سمع: أجاب لأن الإجابة مُسَبَّبة عن السماع، واللام في لمن للمنفعة. وقيل: زائدة أي قَبِلَ حَمْدَ مَنْ حَمِدَه، على أنه خبر مبنىً، ودعاء معنىً. (رَافِعًا رَأْسَهُ) أي لا حالة قيامه، ويقول: ربنا لك الحمد خافضًا (ويَكْتَفِي بِهِ) أي بالتسميع وحده (الإمَامُ و) يَكْتَفِي عند أبي حنيفة (بالتَّحْمِيدِ المُؤْتَمُّ) لاكتفاء القوم بالتحميد اتفاقًا، وبه قال مالك. وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع الإمام بين التسميع والتحميد. واختاره الطحاوي، وهو رواية عن أبي حنيفة. وهو الأصح من مذهب الشافعي لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: كان النبيّ ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربّنا لك الحمد». وقد يجاب بأنه محمول على حال انفراده، أو لبيان جوازه، ومع الاحتمال لا يصلح للاستدلال.
ولأبي حنيفة ما رواه الجماعة إلاَّ ابن ماجه، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه». وفي رواية لأبي داود وابن ماجه والنَّسائي والطحاوي أنه قال ﷺ «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم». ووجه الدلالة أنه ﷺ قَسَّمَ بين ما يقول الإمام والمأموم، والقسمة تنافي الشركة. فإن قيل: قد وقعت القسمة في قوله ﷺ «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضّالين﴾، فقولوا: آمين». مع أن الإمام يشارك المأموم في قوله آمين، فالجواب أنَّ الشركة بين الإمام والمأموم في قول آمين ثبتت بما روى النَّسائي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين». ويقول: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا لك الحمد وقد ورد الأثرُ بهما.
(ويَجْمَعُ المُنْفَرِدُ بَيْنَهُمَا) أي بين التسميع والتحميد عند أبي يوسف ومحمد، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو الأصح. كذا في «الهداية»، لأنه إمام نفسه
[ ١ / ٢٥٥ ]
ويَقُوم مسْتَوِيًا،
===
فَيُسَمِّعُ، وليس معه أحد يأتم به، فَيُحَمَّدُ. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنّ المنفرد يكتفي بالتحميد. قال في «المبسوط»: هو الأصح، لأنَّ التسميع حث على التحميد، وليس معه أحد يحثّه عليه.
(ويَقُومُ مُسْتَوِيًا) ويطمئن. ولا يُسَنُّ رفع اليدين في حالة الركوع وقيامه عندنا، خلافًا للشافعي فيهما لقول عليّ كرَّم الله وجهه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر، ورفع يديه حَذْوَ منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك». رواه أصحاب السنن، والطحاوي، وكذا البخاري في كتابه في رفع اليدين.
ولقول ابن عمر: «رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة، رفع يديه حتى يكونا حَذْوَ منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبِّر للركوع، وحين يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في سجوده». كذا في لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة، رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبَّر، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله (^١) حين يرفع رأسه من السجود». ولفظ الطَّحَاوي: قال: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين».
ولقول مالك بن الحُوَيْرِث: «إنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، (فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك) (^٢)». رواه الشيخان والطَّحَاوي واللفظ لمسلم. ولقول وَائِل بن حُجْر: «رأيت رسول الله ﷺ حين يكبر للصلاة، وحين يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع، جعل يديه حذاء أذنيه». رواه الطحاوي، وأخرجه مسلم بمعناه، وحكاه أبو هُرَيْرَة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك وغيرهم عنه ﷺ وقد جاءت عدة من الآثار بمعنى هذه الأخبار.
_________________
(١) في المطبوع يرفعه، والمثبت من المخطوط وهو الصواب لموافقته لما في رواية مسلم ١/ ٢٩٢، كتاب الصلاة (٤)، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين (٩)، رقم (٢٢ - ٣٩٠).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب المثبت لموافقته لما في صحيح مسلم ١/ ١٩٢ كتاب الصلاة (٤) باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين … " (٩)، رقم (٢٥ - ٣٩١).
[ ١ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولنا ما روى الطَّحاوي عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ﷺ «أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود». وأخرج أبو داود والتِّرْمِذِيّ عن وَكِيع بسنده إلى عبد الله (بن مسعود قال:) (^١) «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ فصلى، ولم يرفع يديه إلاَّ أوَّل مرة. وفي لفظ: فكان يرفع يديه أول مرة ثم لا يعود. وكان هو لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا في الافتتاح». وما رواه عن البَرَاء بن عَازِب قال: «كان النبيّ ﷺ إذا كبَّر لافتتاح الصلاة، رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه، ثم لا يعود». وأخرجه أبو داود عن شَرِيك، عن يزيد بن أبي زياد، وساقه بسنده ومعناه وفيه من الآثار. ما رواه الطَّحَاوي ثم البَيْهَقُي من حديث الحسن بن عَيَّاش بسنده إلى الأسود قال: «رأيت عمر بن الخطَّاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود. وقال: ورأيت إبراهيم والشَّعْبِيّ يفعلان ذلك».
قال الطَّحَاوِي: والحديث صحيح، فإن مداره على الحسن بن عَيَّاش، وهو ثقة حجّة، ذكر ذلك يحيى بن مَعِين وغيره. أفَتَرَى عمر بن الخطاب خَفِي عليه أن النبي ﷺ كان يرفع في الركوع والسجود، وعَلِمَ ذلك مَنْ دونه، ومَنْ هو معه يراه يفعل غير ما رأى رسول الله ﷺ يفعل، ثم لا ينكر ذلك عليه؟ وهذا عندنا محال. وفِعلُ عمر هذا، وتَرْكُ أصحاب رسول الله ﷺ إياه على ذلك، دليلٌ صحيح أن هذا هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه. انتهى.
وما رواه أيضًا عن أبي بكر النَّهْشَلِيّ: حدّثنا عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه: «أنَّ عليًا كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يرفع بعده». وهو أثر صحيح. ورواه الدَّارَقُطْنِيّ من حديث النَّهْشَلِيّ وجعل وقفه على عليّ صوابًا، ورفعه وهمًا. فَترْكُهُ الرفع فيما روى هؤلاء يدل على انتساخه. وما رواه عن مُجَاهِد: قال: «صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة». فَتَرْكه بعد رواية: أن النبيّ ﷺ يفعله، لا يكون إلا بعد ما ثبت عنده انتساخ ما رأى أن النبيّ ﷺ يفعله.
فظهر بما رَوَيْنا من الطرفين: ثبوت كلٍ من الأمرَيْن عن النبيّ ﷺ ثم اختلف أصحابه في بقائه وعدمه. فآثرنا قول ابن مسعود ومن وافقه، لِمَا قد عُلِمَ أنه كان في
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب المثبت، لموافقته لما في سنن أبى داود ١/ ٤٧٧، كتاب الصلاة (٢)، باب من لم يذكر الرفع عندي الركوع (١١٦، ١١٧)، رقم (٧٤٨).
[ ١ / ٢٥٧ ]
ثُمَّ يُكَبِّرُ ويَسْجدُ، فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ
===
الصلاة أقوال مباحة، وأفعال جائزة من جنس هذا الرفع، وقد عُلِمَ نسخها. فلا بد أن يكون هو مشمولًا به، كما رُوِي عن ابن الزُّبَيْر ما يدلّ عليه. كيف لا وقد ثبت ما يعارضه ثبوتًا لا مردَّ له بخلاف عدمه، فإنه لا يتطرق إليه احتمال عدم الشرعية، لأنه ليس من جنس ما عُهِدَ فيه ذلك، بل من جنس السكوت الذي هو طريق ما أُجْمِعَ على طلبه في الصلاة - أعني الخشوع ـ.
وعن إبراهيم: أنه ذكر عنده وَائِل بن حُجْر: «أنه رأى النبيّ ﷺ يرفع يديه عند الركوع وعند السجود، فقال: أعرابيٌّ لم يُصَلِّ مع النبيّ ﷺ صلاةً أُرى قبلها قط، أفهو أعلم من عبد الله بن مسعود وأصحابه؟ حَفِظَ، ولم يَحْفَظُوا». وفي رواية: وقد حدّثني من لا أحصي عن عبد الله: «أنه رفع يديه في بدء الصلاة فقط»، وحكاه عن النبي ﷺ وعبد الله عالم بشرائع الإسلام، وحدود الأحكام، مُتَفَقِّد لأحوال النبي ﷺ ملازم له في إقامته وأسفاره في جميع الأيام، وقد صلّى معه ما لا يُحْصَى، فيكون الأخذ به عند التعارض أولى من إفراد مقابله من القول بسنية كلٍ من الأمرين، والله ﷾ أعلم.
ومما يؤيد ما اختاره علماؤنا ما روى الطبرانيّ بسنده إلى ابن أبي ليلى عن الحَكَمِ، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: «لا تُرْفَع الأيدي إلاَّ في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم إلى الصفا، وحين يقوم على المَرْوَة، وحين يقوم مع الناس عشية عَرَفة، وبجَمْعٍ (^١) والمَقَامَيْن حين يرمي الجمرة». ومما استدل لنا حديث جابر بن سَمُرَة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ (^٢)؟ اسكنوا في الصلاة». رواه مسلم، ويفيد النسخ. وحمله البخاري على آخر الصلاة عند التسليم. قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب. إلاَّ أن آخر الصلاة لا يُقَال له في الصلاة.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ ويَسْجدُ) مُطْمَئِنًا (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ) لِمَا روى أصحاب «السنن» من حديث وَائِل قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه». وقال مالك بالعكس لقوله ﷺ «إذا سجد أحدكم فلا
_________________
(١) جَمْع: المُزْدَلِفة، وليلة جمع هي ليلة مزدلفة لأن الناس يجتمعون فيها. معجم لغة الفقهاء ص: ١٦٦.
(٢) شُمْس: جمع شَمُوس، وهو النُّفُور من الدَّوابِّ الذي لا يستقر لشَغَبه وحِدَّته. النهاية: ٢/ ٥٠١.
[ ١ / ٢٥٨ ]
ضَامًّا أصَابِعَهُ، ثُمٌ يَضَعُ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفيهِ، مُبْدِيًا ضَبْعَيْهِ، مُجَافِيًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ،
===
يَبْرُك كما يَبْرُك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». رواه أبو داود، والنَّسائي. قال أبو سُلَيْمَان الخَطَّابي: حديث وائل أثبت من هذا، وقيل إنَّه منسوخ.
(ضَامًَّا أصَابِعَهُ) ليصير متوجّهًا إلى القبلة، كذا ذكره الشارح. وفيه أنه لا تَلازُم بين الضم والتوجه.
(ثُمَّ يَضَعُ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ) لِمَا روى مسلم من حديث وائل: «أن رسول الله ﷺ لَمَّا سجد وضع وجهه بين كفيه». لكنه يُعَارِض ما في البخاري من حديث أبي حُمَيْد: «أنه ﷺ لَمَّا سجد وضع كفّيه حَذْو منكبيه». وفي معناه: في أبي داود والترمذي. ويُقَدَّم عليه حديث مسلم، لأن فُلَيْح بن سليمان الواقع في مسند البخاري وإنْ تَرَجَّحَ تثبيته، لكن قد تُكلِّمَ فيه: فَضَعَّفَه ابن مَعِين، وأبو داود، والنَّسائي وغيرهم. ولِمَا في «مسند إسحاق بن رَاهُوَيه»، قال: أخبرنا الثوريّ، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر قال: «رَمَقْت النبيّ ﷺ فلما سجد وضع يديه حَذْوَ أذنيه». ولِمَا في الطحاويّ عن حَفْص بن غِيَاث، عن الحَجَّاج، عن أبي إسحاق قال: «سألت البَرَاء بن عازب أين كان النبيّ ﷺ يضع جبهته (إذا صلّى؟) (^١) قال: بين كفيه».
قال بعض المحققين: ولو قال قائل: إنَّ السنة أن يفعل أيهما تيسَّر جمعًا للمرويات، بناء على أنه كان النبي ﷺ يفعل هذا أحيانًا، إلا أن بين الكفين أولى، لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر، لكان حسنًا.
(مُبْدِيًا) بالياء أي مُظْهِرًا (ضَبْعَيْهِ) بفتح وسكون أي وسط عَضُده (^٢) لقول مَيْمُونَة: «كان النبي ﷺ إذا سجد جافى، حتى يَرَى مَنْ خلفه وَضَحَ إبطيه»، أي بياضهما. وفي رواية «الصحيحين»: «فرَّج بين يديه حتى يَبْدُو بياضُ إبطيه». ولما في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن مالك بن بُحَيْنَة قال: «كان رسول الله ﷺ يُجَنِّحُ في سجوده حتى يرى وَضَح إبطيه». وقوله يُجَنِّحُ بجيم مفتوحة ونون مكسورة مشددة من الجَناح بالفتح أي: يُجَافي أو يُبَاعد بين جنبيه كما يشير إليه. قوله: (مُجَافِيًا) أي مُبَاعِدًا (بَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ) لقول مَيْمُونة: «أن النبيّ ﷺ كان إذا سجد جَافَى حتى لو شاءت بهيمة أن تَمُرّ بين يديه لمَرَّت». رواه مسلم.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والمثبت من المطبوع، وهو الصواب لموافقته لما في شرح معاني الآثار: ١/ ٢٥٧.
(٢) العَضُدُ: السَّاعد وهو من المِرْفَق إِلى الكتِف. مختار الصحاح ص: ١٨٤، مادة (عضد).
[ ١ / ٢٥٩ ]
مُوَجِّهًا أَصَابعَ رِجْلَيهِ نَحْوَ القِبْلَةِ.
ويَجُوزُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَجِدُ حَجْمَهُ، وتَسْتَقِرُّ جَبْهَتُهُ عَلَيهِ،
===
ولما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثوريّ، عن آدم بن عليّ البكْرِي قال: «رآني عمر وأنا أصلّي، لا أتجافى عن الأرض بذراعي فقال: يا ابن أخي، لا تَنْبَسِطْ بَسْطَ السَّبُعِ وادَّعِم على راحتَيْك، وأبْدِ ضَبْعَيك
». ورواه ابن حِبَّان والحاكم وصححاه مرفوعًا: «لا تنبسط بَسْطَ السَّبُع وادَّعِم على راحتيك». ولقوله ﷺ «اعتدلوا في السجود، لا يَبْسُط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». متفق عليه. ولقوله ﷺ «لا تَنْبَسِط بسط السَّبُع، وادَّعِم على رَاحَتَيْكَ وأبْدِ ضَبْعَيك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك». رواه ابن حِبّان والحاكم وصححاه.
وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «أبْدِ ضَبْعَيكَ»، فلم يُعْرَف مرفوعًا. نعم ثَبَتَ أنه ﷺ «كان إذا صلّى فَرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه». حديث متفق عليه. وقوله ادَّعِم بتشديد الدال المهملة، وكسر العين المهملة أي: اتّكاء.
(مُوَجِّهًا أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ القِبْلَةِ) لما روى البخاري من حديث أبي حُمَيْد السَّاعِدِيّ قال: «كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ رأيته إذا كبَّر جعل يديه حِذَاء منكبيه، وإذا ركع أمْكَنَ يديه من ركبتيه، ثم هَصَر ظهره - أي أماله - فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فَقَارٍ مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا ناصب، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة». وأما قول صاحب «الهداية» لقوله ﷺ «إذا سجد المؤمن، سجد كل عضو منه، فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع»، فليس بمعروف.
(ويُسَبِّحُ ثَلَاثًَا) ولو زاد على الثلاثة، وختم بفرد لكان أحب، إلا أن الإمام لا يزيد بحيث يَمَلُّ القوم.
(ويَجُوزُ) السُّجُودُ (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أي من الجمادات والنباتات، دون الحيوانات إلا للضرورة. (يَجِدُ) المصلّي (حَجْمَهُ وتَسْتَقِرُّ جَبْهَتُهُ عَلَيْهِ) عطف تفسيري: وهو أنْ يكون بحيث لو بالغ في تسفيل رأسه لم ينزل. فلو سجد على الأَرُزِّ والذرة والجاوَرْس (^١) لا يجوز، لأن الجبهة لا تستقر عليه. ولو سجد على الحِنْطَة أو الشعير جاز، لأن الجبهة تستقر عليه، كذا في «المحيط».
وسُئِلَ الفقيه عبد الكريم الجُرْجَانيّ عن من وضع جبهته على الكف للسجدة
_________________
(١) الجَاوَرْس: حَبّ يشبه الذُّرَة وهو أصغر منها. المصباح المنير ص: ٣٧، مادة (جرس).
[ ١ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال: لا يجوز. وقال غيره من أصحابنا: يجوز، وهو الأصح، كذا في «الظهيرية». ولا بد أنْ تكون الكف موضوعة على الأرض، وإلا فلا يجوز اتفاقًا. والأصح: أنه إذا سجد على فخذيه أو ركبتيه بعذر جاز، كذا في «شرح المُنْيَة». ولو سجد على كُمَّيْه أو ذيله أو كَور عِمامته يُكْرَه. وفي مذهب الشافعي: لا يصح، لقوله ﷺ «مَكِّنْ جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها». وهذا مانع منه. وثوبه تابع له، فلا يصح السجود عليه.
وفي «الحِلْيَة» عن ابنِ عباس: «أنّ النبيّ ﷺ كان يسجد على كَوْر عمامته». ورواه الطَبَرانيّ في «معجمه الأوسط» عن ابن أبي أوفى قال: «رأيت رسول الله ﷺ يسجد على كَوْر العمامة». ورواه ابن عَدِيّ في «الكامل» عن أنس: «أنّ النبيّ ﷺ كان يسجد على كور العمامة». وهكذا روى الحافظ أبو القاسم تَمَّامُ بن محمد الرَّازي في «فوائده» عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ وفي «سنن البيهقي» عن هِشَام، عن الحَسَنِ قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويَسْجُد الرجل منهم على عِمَامَته». وذكر البخاري في «صحيحه» تعليقًا فقال: «وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العِمَامة والقَلَنْسُوَة
، ويداه في كُمِّه».
وفي الثوب ما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مُصَنَّفِهِ» عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلّى في ثوب واحد يَتَّقِي بفُضُولِه (^١) حَرَّ الأرض وبردها». ورواه أحمد، وأبو يَعْلَى المَوْصِليّ في آخرين. وفي الكتب الستة عن أنس قال: «كنّا نُصَلِّي مع النبيّ ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّنَ وجهه من الأرض، بَسَطَ ثوبه فسجد عليه». ولفظ البُخَاريّ: «كنا نُصَلِّي مع النبيّ ﷺ يضع أحدنا طرف الثوب من شدَّة الحر في مكان السجود».
وهذا ظاهر في المَلْبُوس، وإرادة غيره خلافه، فلا يُصَار إليه، على أنّ الحائل (المنفصل) (^٢) ليس بمانع منه اتفاقًا. ولم يَزِد (^٣) ما نحن فيه إلا اتصاله به، ونمنع تأثيره في الفساد لو تجَرَّد عن الآثار، فكيف وفيه ما أوْرَدْنَاه وإنْ تُكُلِّمَ في بعضها، كفى ما بَقِيَ منها. وعلى فَرْض ضَعف كلها، كانت حسنة لتعدد طرقها وكثرتها. وقول الحسن: كان القوم … إلخ، يُقَوِّي ظنّ صحة المرفوعات، إذ ليس معنى الضعيف: الباطل في نفس الأمر، بل ما لم يثبت بالشروط المُعْتَبرة عند أهل الحديث، مع تجويز
_________________
(١) فضوله: أطرافه.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٣) في المخطوط والمطبوع: نرد. والتصويب من "فتح القدير" ١/ ٢٦٦. ونسخة بولاق ١/ ٢١٥.
[ ١ / ٢٦١ ]
وَعَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلاتهُ في الزِّحَامِ.
والمَرْأَةُ تَخْفِضُ وتُلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا. ويَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبرًا، ويَجْلِسُ مُطْمَئِنًّا، ويُكبِّرُ ويَسْجُدُ مُطْمَئِنًّا ويُكبِّرُ ويَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيهِ، ويَقُومُ بِلا اعْتِمَادٍ عَلَى الأَرْضِ
===
صحته في حد ذاته، فيجوز أن تقوم قرينة تحقق ذلك.
ثم لا يُكْرَه السجود على جلد ونَسْج وقُطْن وكَتَّان ونحو ذلك. وكرِهَهُ مالك لأنه ﷺ كان يطلب الخُمْرة (^١) إذا أراد الصلاة ليسجد عليها. ولنا ما رُوِيَ أنه ﷺ سجد على فروة مدبوغة، وعلى بساط، وعلى حصير. ويَجِلُّ منصبه عن فعل المكروه.
(وَ) يجوز السجود (عَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلَاتَهُ) أي مع الإمام (في الزِّحَامِ) لضرورة ضيق المقام. وعند الشافعي، والحسن بن زياد: لا يجوز. وإن كان موضع السجود أرفع من موضع القدمين بأن كانت الأرض هَبُوطًا (^٢): إن كان التفاوت مقدار لَبِنَة أو لَبِنَتَيْنِ: يجوز. وإنْ كان أكثر: لا يجوز. أراد به المنصوبة لا المفروشة، كذا في «الظَّهِيريَّة». وعدم الجواز محمول على غير الضرورة.
(والمَرْأَةُ تَخْفِضُ) حال السجود (وتُلْزِقُ بَطْنَهَا) من الإلزاق أي تُلْصقه (بِفَخِذَيْهَا) لأن ذلك أستر لها. (ويَرْفَعُ) المصلي (رَأْسَهُ) عن السجدة (مُكَبِّرًا) للإعلام بالانتقال (ويَجْلِسُ مُطْمَئِنًا) ولو لم يَسْتَو جالسًا وسجد: أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد، بناء على أن الاستواء في الجِلْسَة سُنَّةٌ عندهما. والمعتمد في المذهب أنه واجب. وفي «الهداية»: الأصح أنه إنْ كان إلى السجود أقرب لا يجوز، لأنه يُعَدُّ ساجدًا، أي فلا يتحقق تعدد السجود. وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يُعَدُّ جالسًا. وقالوا: وليس بين السجدتين ولا بعد الرفع من الركوع ذكر مسنون. وما ورد فيهما محمول على التَّهَجُّدَ.
(ويُكَبِّرُ ويَسْجُدُ مُطْمَئِنًَّا ويُكَبِّرُ) أي للنهوض (ويَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ)، لِمَا تقدم من حديث أبي داود.
(ويَقُومُ) على صدور قدميه، مُعْتَمِدًا بيديه على رُكْبَتَيْهِ (بِلا اعْتِمَادٍ) بيديه (عَلَى الأَرْضِ) لقول ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ أنْ يَعْتَمِدَ الرجل على يديه (^٣) إذا نهض
_________________
(١) الخُمْرة: هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير. النهاية: ٢/ ٧٧.
(٢) الهَبُوط: الحَدُور. مختار الصحاح ص: ٢٨٧، مادة (هبط) أي بأن كانت الأرض منخفضة ..
(٣) في المطبوع: بيديه، والمثبت من المخطوط، لموافقته لما في سنن أبى داود ١/ ٦٠٤ - ٦٠٥، كتاب الصلاة (٢)، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (١٨١، ١٨٢)، رقم (٩٩٢).
[ ١ / ٢٦٢ ]
والرَّكْعَةُ الثَّانِيَة كَالأُولَى، لكن لا ثَنَاء، ولا تَعَوُّذَ، ولا رَفْعَ يَدٍ فِيهَا.
===
في الصلاة». رواه أبو داود وفي رواية: «أن يَجْلِسَ الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده». وفي أخرى: أنْ يصلي الرجل وهو معتمد على يده. وقد أخذ بظاهره الإمام مالك في الإرسال موضع الوضع. وقال الطحاوي: ولا بأس بالاعتماد على الأرض. وقال الشافعيّ: يَجْلِسُ جَلْسَة خفيفة. لِمَا روى البخاري عن مَالِكِ بن الحُوَيْرِث: «أنه رأى النبيّ ﷺ إذا كان في وِتْر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا».
ولنا ما رواه التِّرْمِذيّ عن أبي هريرة: «أن النبيّ ﷺ كان يَنْهَضُ في الصلاة على صدور قدميه». قال التِّرْمِذِيّ: حديث أبي هريرة هذا عليه العمل عند أهل العلم. ورَوَى ابن أبي شَيْبَة، عن النُّعْمان بن أبي عيَّاش قال: «أدْرَكْتُ غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة، نهض كما هو ولم يَجْلِس». وروى أيضًا عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن الزُّبَيْر ﵃: «أنهم كانوا يَنْهَضُون في الصلاة على صدور أقدامهم». وأما ما رواه مَالِكُ بن الحُوَيْرث: فكان حال كِبَرِهِ ﷺ أو فَعَله أحيانًا لبيان الجواز. وفي «الظهيرية»: قال شمس الأئمة الحَلْوانيّ: الخلاف إنما هو في الأفضلية، حتى لو فعل كما هو مذهبنا، لا بأس به عند الشافعيّ، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا.
(والرَّكْعَةُ الثَّانِيَة كَالأُولَى) أي في جميع أحوالها، وأقوالها (لكن لا ثَنَاء) فيها لأنه شُرِعَ أول الصلاة (ولا تَعَوُّذَ) لأنه شُرِعَ أول القراءة. وإنما يُعَاد إذا فُصِلَ بفعل، أو قول أجنبيّ عنها. (ولا رَفْعَ يَدٍ فِيهَا) أي في أول الركعة الثانية، بل ولا في غير حالة التحريمة. لما روى محمد في «مُوَطَّئهِ»: عن ابن أَبَان، عن إبراهيم النَّخَعِيّ: أنه قال: «لا تَرْفَع يَدَيْك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة الأولى». وروى مسلم في «صحيحه» عن تَمِيم بن طَرَفَة، عن جابر بن سَمُرَة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ؟ اسكنوا في الصلاة». وشُمْس (^١): - بضم المعجمة وسكون الميم ـ، جمع شَمُوس - بفتحها وضم الميم - أي: صعب. كذا ذكر بعض الشراح.
واعترض البخاريّ في كتابه «رفع اليدين»: بأنَّ هذا الرفع كان في التشهد، لأنَّ عبد الله بن القِبْطِيّة قال: سمعت جابر بن سَمُرَة يقول: «كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ ﷺ قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم، وأشار بيده إلى الجانبين. فقال: ما بال هؤلاء يُومِئُونَ بأيديهم كأنها أذناب خيل شُمْس. إنما يكفي أحدكم أنْ يضع يده على فَخِذه،
_________________
(١) مرّ شرحها ص ٢٥٨، تعليق رقم (٢)، بأوضح من هذا، فانظره.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وإِذَا أَتمها افتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وجَلَسَ عَلَيْهَا، نَاصِبًا يُمْنَاهُ، مُوَجِّهًا أَصَابعَهُ نَحْوَ القِبْلةِ، وَاضِعًا يَدَيْهِ على فَخِذَيْهِ، مُوَجِّهًا أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ مَبْسُوطَةً.
===
ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله».
(وإِذَا أَتَمّها) أي الركعة الثانية (افتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وجَلَسَ عَلَيْهَا نَاصِبًا يُمْنَاهُ مُوَجِّهًا أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلةِ) لِمَا روى النَّسائيّ، عن ابن عمر أنه قال: «مِنْ سنة الصلاة أنْ يَنْصِبَ القدم اليُمْنَى، ويستقبل بأصابعها القِبْلَة، ويَجْلِسَ على اليُسْرَى». ورواه البخاري من غير ذكر استقبال القِبْلَةِ بالأصابع. وروى مسلم عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ يَفْتَتِحُ الصلاة بالتكبير إلى أن قالت: وكان يَفْرِشُ (^١) رِجْلَه اليُسْرَى ويَنْصِبُ رجله اليُمْنَى، وكان يَنْهَى عن عُقْبَةِ الشيطان (^٢) وينهى أن يَفْتَرِشَ الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع. وكان يَخْتِمُ الصلاة بالتَّسْلِيمِ».
(وَاضِعًا يَدَيْهِ على فَخِذَيْهِ) لقوله ﷺ في حديث ابن القِبْطِيَّة السابق: «إنما يكفي أحدكم أنْ يضع يده على فَخِذه». وينبغي أن يكون أطراف الأصابع على حرف الرُّكْبة لا مُبَاعِدَة عنه. (مُوَجِّهًا أَصَابِعَهُ) أي مُفَرَّقَة (نَحْوَ القِبْلَةِ مَبْسُوطَةً) أي لا مقبوضة. وفي «الظَّهِيريَّة»: ومتى أخذ في التشهد فانتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، هل يشير بالسبابة من يده اليُمْنَى؟ اختلف المشايخ فيه، ثم كيف يصنع عند الإشارة؟ حُكِي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: يَعْقِدُ الخِنْصَرَ والبِنْصَرَ، ويُحَلِّقُ الوُسْطَى مع الإبهام ويُشيرُ بسبابته. وفي «المُنْيَة»: يكره الإشارة.
قلت: وهو مخالف للرواية والدراية كما ذَكر الإمام ابن الهُمَام، فعن ابن عمر ﵄: «كان رسول الله ﷺ إذا قَعَدَ في التشهد وضع يده اليُسْرَى على ركبته اليُسْرَى، ووضع يده اليُمْنَى على ركبته اليُمْنَى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسَّبابَة». وفي روايةٍ: «كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصْبَعَه من يده اليُمْنَى التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطًا يده عليها». وعن ابن الزُّبَيْر: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسْرَى، وأشار بإصْبَعه السَّبابَة، ووضع إبهامه على إصْبَعه الوُسْطَى ويُلْقِمُ كفّه اليسرى ركبته». رواهما مسلم. وقد ذكر أبو يوسف في «الأمالي»: أنه يعقد الخِنْصَر والبِنْصَر ويُحَلِّق الوسطى والإبهام ويشير
_________________
(١) في المطبوع يفترش، والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في صحيح مسلم ١/ ٣٥٧ كتاب الصلاة (٤)، باب ما يجمع صفة الصلاة (٤٦)، رقم (٢٤٠ - ٤٩٨).
(٢) عُقْبَة الشيطان: هو أَن يضع أَلْيتيه على عَقِبَيه بين السجدتين. النهاية: ٣/ ٢٦٨.
[ ١ / ٢٦٤ ]
والمَرْأَةُ تَجْلِسُ عَلَى أليتِها اليُسْرَى، مُخْرِجَةً رِجْلَيهَا مِنَ الجَانِبِ الأَيمَنِ. ويَتَشَهَّدَ كابْن مَسْعُودٍ،
===
بالسَبَّابة. وذكر محمد في «موطّئه»: «أنه ﷺ كان يُشِير ونحن نصنع بصنعه». قال: وهو قول أبي حنيفة.
قلت: وهو قول سائر الأئمة فيكون عليه إجماع الأُمة. فلا اعتداد بخلاف بعض المشايخ المتأخرين من غير نسبة ولا بيان علة، كما أوضحته في رسالة مستقلة. وأما قول صاحب «الهداية»: ووضع يديه على فَخِذَيه وبسط أصَابِعَه وتشهد، يُرْوَى ذلك في حديث وائل فغير معروف عنه. بل رُوِي عنه: «وضع يده اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، ثم عقد الخِنْصَر والبِنْصَر، ثم حَلَّقَ الوسطى بالإبهام وأشار بالسَبَّابة». رواه البَيْهِقِيّ وابن ماجه بإسنادٍ صحيحٍ، قاله النَوَوِيّ.
(والمَرْأَة تَجْلِسُ عَلَى أَلْيَتِها اليُسْرَى مُخْرِجَةً رِجْلَيْهَا مِنَ الجَانِبِ الأَيْمَنِ) لأنه أستر لها.
(ويَتَشَهَّدُ) المُصَلِّي (كابْنِ مَسْعُودٍ) وهو ما رواه الجماعة - واللفظ لمسلم - قال: «عَلَّمَني رسول الله ﷺ التَشَهُّد، كَفِّي بين كَفَّيهِ، كما يُعَلِّمنِي السورة من القرآن فقال: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التَحِيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإذا قالها أصابت كل عبد الله صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله». وقال التِّرمِذِيّ: أصح حديث عن النبيّ ﷺ في التشهد حديث ابن مسعود والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
والتحيات، جمع التحية أي: أنواع الثناء والمِدْحَة. والصلوات: جمع الصلاة المعروفة، أو بمعنى الدعوات المألوفة. والطيبات: الكلمات الدالة على تسبيح الذات وتقديس الصفات. قال أبو سليمان الخَطَّابي عن أنس بن مالك في تفسير التحيات: «إنها أسماء الله، وهي السلام، المؤمن، المهيمن، الحيّ، القيوم، العزيز، الأحد، الصمد». قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات لا يُحَيَّى بها غيرُه. والصلوات الأدعية. وعن بعض المشايخ: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات البدنية، والطيبات: العبادات المالية، يعني أن جميع العبادات لا يستحقها غير الله ﷾.
واختار مالك تَشَهُّد عمر لِمَا ذكره في «الموطّأ»: أنَّ عمر كان يقول على المنبر
[ ١ / ٢٦٥ ]
ولا يَزِيدُ عَلَيهِ. ويَقْرَأُ فِيمَا بَعْدَ الأُولَيَيْن الفَاتِحَةَ فَقَطْ سِرًّا. وإنْ سَبَّحَ أوْ سَكَتَ جَازَ.
===
للناس: «قُولُوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله».
قلنا: يُرَجَّحُ تَشَهُّدُ ابن مسعود لِمَا روى الطَّحاوي عن ابن عمر: «أنَّ أبا بكر ﵁ عَلَّمه الناس على المنبر». واختار الشافعيّ تَشَهُّد ابن عباس. لِمَا رواه الجماعة غير البخاري عن سعيد بن جُبَيْر وطَاوُس، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنَا التَشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنَا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيَّات المباركات الصلوات الطيّبات لله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. إلخ». مُعَرَّفٌ السلام في رواية مسلم وأبي داود وابن ماجه، ومُنَكَّرُهُ في رواية التِّرْمِذي والنِّسَائي. واتفقوا على إخفائه لقول ابن مسعود: «من السُّنَّة أنْ يُخْفِي التشهد»، رواه أبو داود، والتِّرْمِذي.
(ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى أحمد في «مسنده» من حديث ابن مسعود: «أن رسول الله ﷺ عَلَّمَه التشهُّد، فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وَرِكِهِ اليُسْرَى: التَحيَّات لله، إلى قوله … عبده ورسوله». قال: «ثُمَّ إنْ كان في وسط الصلاة نهض حين يَفْرُغُ من تشهّده. وإن كان في آخرها دعا بعد تشهّده بما شاء أن يدعو، ثم يُسَلِّم».
(ويَقْرَأُ فِيمَا بَعْدَ الأُولَيَيْن) من المَغْرِبَين والعَصْرَين (الفَاتِحَة فَقَطْ سِرًّا) لِمَا قَدَّمنا في الجهر والمخافتة، ولمَا روى الشيخان عن أبي قَتَادَة، عن النبيّ ﷺ «كان يَقْرَأُ في الركعتين الأُولَيين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأُخْرَيَيْنِ بفاتحة الكتاب. ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا ويُطِيلُ في الركعة الأولى ما لا يُطِيلُ في الثانية، وهكذا في الصبح». ولقول جابر: «سُنَّة القراءة في الصلاة: أن يقرأ في الأُولَيَيْنِ بأمّ القرآن وسورة، وفي الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ القُرْآن». رواه الطَّبَرَانِيّ. وقيل: يجب قراءتها، وهي رواية الحسن، عن أبي حنِيفة، حتى يَلْزَمه بتركها سجود السهو. وكأنَّ وَجْهَهُ المُوَاظبة عليها، ولأن القيام في الأُخْرَيَيْن مقصود في نفسه فَيُكْرَه إخْلَاؤه عن القراءة. ولا سيما في مذهب الشافعيّ ومَنْ تَبِعَه: لا يصح بدون قراءة الفاتحة.
(وإنْ سَبَّحَ أوْ سَكَتَ جَازَ) أي صَحَّت صلاته، لِمَا رَوَى ابن أبي شَيْبَة، عن شَرَيك، عن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، عن عليّ وابن مسعود أنهما قالا: «اقرأ في الأُولَيَيْن،
[ ١ / ٢٦٦ ]
ثُمَّ يَقْعُدُ كالأُولَى، وبَعْدَ التَّشَهُّد يُصَلِّي علَى النَّبِيِّ - ﷺ -
===
وسَبِّح في الأُخْرَيَيْن». ومثل هذا لا يُقَال بالرأي، فهو في حكم المرفوع. ثم التسبيح ليس بفرض إجماعًا، فإذا سكت جاز.
(ثُمَّ يَقْعُدُ كالأُولَى) مُفْتَرِشًا رجله اليُسْرَى وجالسًا عليها، وناصبًا رجله اليُمْنَى، ومُوَجِّهًا أصابعه نحو القِبْلَة، وواضعًا يديه على فَخِذَيه. وعند مالك التَّوَرُّك أفضل في القَعْدَتَيْن، ووافقه الشافعيّ في الأخيرة، لِمَا في الكتب الستة - سوى «صحيح مسلم» - من حديث أبي حُمَيْد السَّاعِدِيّ: «كنت أحْفَظَكم لصلاة رسول الله ﷺ إلى أنْ قال: فإذا جلس في الرّكْعَتَينِ، جلس على رجله اليُسْرَى ونصب اليُمْنَى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة، أخَّرَ رجله اليُسْرَى وقَعَدَ على شقّه متوركًا، ثم سلم». وفي لفظ البخاري: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة قَدَّم رِجله اليُسْرَى ونصب الأخرى وقعد على مَقْعَدَتِهِ».
(وبَعْدَ التَّشَهُّد) الأخير (يُصَلِّيَ علَى النَّبِيّ ﷺ
وهي سُنَّةٌ عندنا ويُسِيءُ تاركها، وليست بواجبة، وعليه الجمهور خلافًا للشافعي، لأنَّ كل من رَوَى التَّشَهُّد عن النبيّ ﷺ لم يذكرها فيه. وقد قال ابن مسعود وجابر وابن عباس: «يُعَلِّمُنا التَّشَهُّد، كما يُعَلِّمُنا السورة». كذا ذكره الشارح. وقد ورد أنه ﷺ قال: «إذا صَلَّى أحدكم فليبدأ بتمجيد (^١) الله والثناء عليه، ثم ليُصلِّ على النبيّ ﷺ ثم ليَدْعُ بعدُ ما شاء». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث صحيح.
وفي رواية البَّيْهَقِي والحاكم: «إذا تَشَهَّد أحدكم في الصلاة فَلْيَقُلْ: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل محمد، كما صلّيت وباركت وتَرَحَّمْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد».
وسُئِلَ محمد بن الحسن عن كيفية الصلاة فقال: «اللهم صلّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد». وهذا أصح ألفاظ الصلاة، وقد أخرجه أصحاب الكتب الستة.
قال الكَرْخِيّ: والصلاة على النبيّ ﷺ خارج الصلاة واجبة مرة في العمر على
_________________
(١) في المخطوط: تحميد وهو موافق لما في رواية الترمذي ٥/ ٤٨٢ - ٤٨٣، كتاب الدعوات (٤٥)، باب (٦٤)، رقم (٣٤٧٧). والمثبت من المطبوع وهو موافق لما في رواية أبي داود ٢/ ١٦٢، كتاب الوتر، (٨)، باب الدعاء (٢٣)، رقم (١٤٨١).
[ ١ / ٢٦٧ ]
ويَدْعُو بِمَا لا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ،
===
الإنسان. قلت: لقوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عليه وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^١) وهو أعمّ من أن يكون خارج الصلاة أو داخلها. وقال الطَّحَاوِيّ: يجب عند سماع اسمه في كل مرة، وهو الصحيح. كذا في «المحيط»، ويتداخل في المسجد والمجلس. وقال القاضي عِيَاض: وقد شَذَّ الشافعي فقال: من لم يُصَلِّ عليه فصلاته فاسدة، ولا سلف له في هذا القول، ولا سُنَّة يَتَّبِعُها. وشَنَّعَ عليه فيه جماعة منهم الطَّبَرَانِيّ والقُشَيْرِي، وخالفه من أهل مذهبه الخَطَّابِيّ وقال: لا أعلم له فيها قدوة.
وما رُوِيَ عنه ﵊: «لا صلاة لمن لم يُصَلِّ عليّ» (^٢)، ضَعَّفَهُ أهل الحديث كلهم: وعلى فرض صحته فمعناه: كاملة، أو: لِمَنْ لم يُصَلِّ عليّ في عُمُرِه. وكذا ما جاء في حديث (أبي مسعود) (^٣) عنه ﷺ «من صلّى صلاة لم يُصَلِّ عليّ فيها وعلى أهل بيتي لم يقبل الله منه» (^٤)، وهذا ضُعِّف بجَابرِ الجُعْفِي، مع أنه قد اخْتُلِفَ عليه في رَفْعَه ووَقْفه.
(ويَدْعُو) بعد الصلاة على النبيّ ﷺ (بِمَا لا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ) لِمَا مَرَّ من قوله ﷺ في صحيح مسلم: «إنّ هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام النَّاس، إنما هي التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن». أي ونحوها من سائر الأدْعِية والأذْكَار فلو قال: اللهم ارْزُقْنِي من بَقْلِها وقِثَّائِها (^٥) وفُومها، جاز. ولو قال: أعطني بقلًا وقثاء وفومًا، فسدت صلاته إنْ لم يَقْعُد قدر التشهد، وإن قعد تَمَّتْ وخرج به من الصلاة. وعند الشافعي يجوز أنْ يدعو بما شاء مطلقًا.
والأَوْلَى أنْ يدعو بالأدعية المَأْثُورة منها قوله ﷺ «إذا فَرَغَ أحدكم من التَّشَهُّد الآخر فَلْيَتَعَوَّذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المَحْيا والممات، ومن فتنة شر المسيح الدجّال» (^٦) . ومنها قول عائشة: «كان النبيّ ﷺ يدعو
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: (٥٦).
(٢) جزء من حديث أخرجه البيهقي في سننه الكبرى ٢/ ٣٧٩، عن عبد المهيمن بن عباس. وانظر نصب الراية ١/ ٤٢٦ - ٤٢٨.
(٣) حرفت في المطبوعة والمخطوطة إلى ابن مسعود والصواب ما أثبتناه لموافقته لما في نصب الراية ١/ ٤٢٧، وسنن الدارقطني ١/ ٣٥٥، والدراية ١/ ١٥٨.
(٤) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٥٥. وانظر نصب الراية ١/ ٤٢٧.
(٥) القِثَّاء: نوع من البطيخ، نباتيّ قريب من الخيار لكنه أطول. المعجم الوسيط ص: ٧١٥، مادة (أَقثأ).
(٦) صحيح مسلم ١/ ٤١٢ كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥)، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (٢٥)، رقم (١٢٨ - ٥٨٨).
[ ١ / ٢٦٨ ]
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ بِنِيَّةِ مَنْ ثَمَّةَ مِنَ البَشَرِ والمَلَكِ، ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ
===
في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من المَأْثَم والمَغْرَم» (^١) . متّفق عليه. ومنها قول أبي بكر الصديق ﵁: قلت: يا رسول الله عَلِّمْنِي دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يَغْفِرُ الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارْحَمْنِي إنك أنت الغفور الرحيم». متّفقٌ عليه.
ومنها قول عليّ: «كان النبيّ ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم قال: وَجَّهتُ وَجْهِيَ، إلى أن قال: ثم يكون آخر ما يقول بين التَّشَهُّد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ، وما أَسْرَفْتُ وما أنت أعلم به مني، أنت المُقَدِّمُ، وأنت المُؤَخِّرُ، لا إله إلا أنت». رواه مسلم. ومنها قول مُعَاذ: «أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: إني لأُحِبُّك يا مُعَاذ، فقلت: وأنا أُحبك يا رسول الله. قال: فلا تَدَعْ أنْ تقول في كل صلاة: رَبِّ أعِنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». رواه أبو داود والنَّسائي.
والحاصل: أنه يدعو عندنا وعند مالك بما يَسْتَحِيل طلبه من الناس خاصة، كسؤال الرحمة والمغفرة والعافية، والتَّعوُّذ من الفتنة والمحنة. وأطلقه الشافعي، وكذا مالك في رواية لقوله ﷺ «ثم لِيَتَخَيَّر أحدكم من الدعاء أعْجَبَه إليه فيدعو به». رواه التِّرْمِذِيّ وابن ماجه في حديث التشهد. قلنا: يعارضه حديث: «إنَّ صلاتنا هذه لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام الناس». وما لا يستحيل سؤاله منهم فهو كلامهم ويُقَدَّم عليه لأنه مانع، وذلك مبيح.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ بِنِيَّة مَنْ ثَمَّة مِنَ البَشَرِ والمَلَكِ) وتنقطع التحريمة بتسليمة واحدة. فقيل الثانية: سنة، والأصح أنها واجبة. (ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) أي بنية من هناك. لأن المُصَلِّي لَمَّا اشْتَغَلَ بالمناجاة فكان كالغائب عمن معه فيسلم عليه عند فراغه. وقال مالك: يُسَلِّمُ الإمام والمنفرد بتسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن. وهو مَرْوِي عن ابن عمر وعائشة.
ولنا ما رَوَى أصحاب «السنن الأربعة» عن ابن مسعود، وصححه التِّرْمِذِيّ: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يُسَلِّمُ عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرَى بياض خده الأيمن. وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرَى بياض خده الأيسر».
_________________
(١) المَغْرم: هو مصدر وُضِعَ موضع الاسم، ويُرِيدُ به مَغْرم الذُّنوب والمَعَاصِي. رقيل المَغْرَم كالغُرْم، وهو الدين، ويُرِيد به ما اسْتُدين فيما يكْرَهه الله، أو فيما يجوز ثم عَجِزَ عن أدائه. النهاية: ٣/ ٣٦٣.
[ ١ / ٢٦٩ ]
والمُؤْتَم يَنْوِي إمَامَهُ في جَانِبِهِ، وفِيهِمَا إنْ حَاذَاهُ، والمُنْفَرِدُ المَلَكَ فَقَطْ.