وسُنَنُهُ: أنْ يَغسِل يديه وفرْجَهُ، ويُزيلَ النجاسةَ،
===
ولو نَسِيَ المضمضمةَ ثم شَرِبَ ماءً وأتَى على جميع فمِهِ أجزأه وإلاَّ فلا. والدَّرَنُ اليابِسُ في الأنفِ كالخُبْزِ الممضوغِ والعجينِ يَمْنَع.
(وكلِّ البَدَنِ) أي وغَسْلِ جميع بَدَنه مرَّةً واحدةً مْستوعِبَةً للشَّعر والبَشَرة لقولِهِ ﵊: «تحتَ كلِّ شَعْرةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعر، وأَنْقُوا البَشَرَ» رواه أبو داود والترمذي. وقولِهِ ﵊: «مَنْ تَرَك شَعْرةً مِنْ جسَدِهِ ولم يَغسِلها فُعِلَ به كذا وكذا مِنْ النار». قال علي كرَّم الله وجْهَهُ: فمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ شَعْري وكان يَجُزُّه. كذا رَوَى في «الإِمام».
فيَجِبُ غَسْلُ السُّرَّةِ وفَرْجِ المرأةِ الخارجِ، وداخِلِ القُلْفَة (^١) عند بعض المشايخ. ولو كان في الأُذُن ثَقْبٌ فإن كان فيه قُرْطٌ وظنَّ أن الماء لا يصِلُ إلا بتحريكِه حُرِّكَ، وإنْ لم يكن فيه قُرْطٌ فإن كان لا يَصِلُ الماءُ إليه إلا بالتكلُّف ارتكبه، وإنْ كان بحالِ إنْ أمرَّ الماءَ عليه دَخَل وإن لم يُمِرَّ لم يَدْخُل: أمَرَّ الماءَ، وأجزأه كالسُّرَّةِ، لا سِيَّما بالنسبة إلى السِّمَان، ولا يَتكلَّفُ بإدخالِ شيءٍ، ولا يَضُرُّ ما يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِه في الإِناء، بخلافِ ما إذا قَطَرَ فيه كلُّه أو أكثَرُه.
(سُنَنُ الغُسْلِ)
(وسُنَنُهُ) وفي نسخةٍ: سُنَّتُه، أي يُسَنُّ في الغُسْل (أنْ يَغْسِل يديه) أي إلى رُسْغَيْه أوَّلًا، لأنهما آلةُ التطهير (وفَرْجَهُ) لأنه مظِنَّة النجاسة، فيَشْمَل قُبُلَه ودُبُرَه، وإن اختَصَّ في اللغةِ بالقُبُل.
(ويُزيلَ النجاسَةَ) أي الحقيقيَّة عن بَدَنِه إن كانت عليه، لئلا تَشِيع بإسالةِ الماء. ولا يُغْنِي ذِكرُها عن ذِكْرِ الفَرْج كما ظَنَّه شارحُ «الكنز» (^٢)، لأنَّ تقديم غَسْلِه ها هنا سُنَّةٌ وإن لم يكن فيه نجاسة كتقديم الوضوءِ حتى مَسْحِ الرأس على الصَّحيح، وهو ظاهِرُ الرواية. لقولِ ميمونَةَ: «توضَّأ وضوءه للصلاة» … الحديث كما سيأتي (^٣)، وإن
_________________
(١) القُلْفة: الجلدة التي تقطع من ذكر الصبي. النهاية ٤/ ١٠٣.
(٢) أي الإِمام الزيلعي صاحب "تبيين الحقائق" حيث قال: وكان يغنيه أن يقول "ونجاسة" عن قوله "وفرجه"، لأن الفرج إنما يغسل لأجل النجاسة. تبيين الحقائق ١/ ١٤.
(٣) في الصفحة التالية.
[ ١ / ٧٣ ]
ثم يَتوَضَّأَ إِلَّا رِجْلَيه، ثم يُفيضَ الماءَ على بَدَنِهِ ثلاثًا، ثم يَغْسِلَ الرِّجْلينِ لا في المُسْتنْقَع. ويَكفي لذاتِ الضَّفيرةَ أن يَبْتلَّ أصلُها.
===
رَوَى الحَسَنُ عَدَمَه، لأنَّ غَسْلَه لا بُدَّ منه.
(ثمَ يتوَضَّأ، إِلاَّ رِجْلَيهِ) هذا الاستثناء ثابتٌ في بعض النسخ، فهو متَّصِل أي يَغْسِلُ أعضاءَ وضوئِه، أو يستكملُ أجزاءَه (^١) إلا غَسْلَهما فإنه يُؤَخَّرُ إلى آخِر الأمر.
(ثمَّ يُفِيضَ الماءَ على بَدَنِهِ ثلاثًا، ثم يَغْسِلَ الرِّجْلينِ لا في المُسْتَنْقَع) بصيغة المفعول، أي مُجْتَمَعِ الماءِ المستعْمَل، بل إنْ كان اغتسالُهُ في مكانٍ يَجْتَمِعُ فيه الماءُ غَسلَ رِجْليه في مكانٍ آخَر، وإنْ كان في مكانٍ لا يَجْتَمِع فيه الماءُ كما لو اغتسل على لوْحٍ أو حجَرٍ أو قُبْقَابٍ غسَلَ رِجْليه فيه.
وثُمَّ في المواضع الثلاث للتراخي في الرتبة مع الإِيماء إلى الترتيبِ، وإلى جوازِ المُهْلة، فإنَّ الموالاة ليسَتْ بشرطٍ عندنا. وكان الأولى أن يَعطفَ بالواوِ أو الفاءِ فإنه أخصرُ وأظهرُ.
وأصْلُ ذلك ما روى أصحابُ «الكتب الستة» عن ابن عباس قال: حدَّثَتْنِي خالتي ميمونَةُ قالتْ: أدْنَيْتُ - أي قرَّبْتُ - لرسولِ الله ﷺ غِسْلَهُ من الجنابة - بكسر الغين أي ما يُغْتَسَلُ به - فغسَلَ كفَّيه مرَّتَيْنِ أو ثلاثًا، ثم أدخَلَ يدَهُ في الإِناءِ، ثم أفرَغَ على فَرْجهِ وغَسَلَه بِشمالِهِ، ثم ضَرَب بِشمالِهِ الأرضَ فدَلَكَها دَلْكًا شديدًا، ثم تَوضَّأَ وُضوءَه للصلاة، ثَم أفْرَغَ على رَأسِهِ ثلاث حَفَنات، كلُّ حَفنةٍ مِلءَ كَفَّيْه، ثم غَسَل سائرَ جَسَدِه، ثم تَنَحَّى عن مَقامِه ذلك فغَسَل رِجْليه، ثم أتيتُهُ بالمِنْدِيلِ فَردَّه.
ثم كيفيةُ الصَّبّ أن يُفِيضَ على مَنْكِبِهِ الأيمنِ ثلاثًا، ثم الأيسر ثلاثًا، ثم على سائرِ جَسَدِه، أو يَبْدَأَ بالرأس، وهو الأظهرُ، لحديثِ ميمونة وغيرِها من عِدَّةِ أحاديث أوردها البخاري في «جامعه».
(ويكفي لذاتِ الضَّفِيرَة) أي لصاحبةِ الشَّعر المضفور (أن يَبْتلَّ أصلُها) أَي أصلُ الضفيرة. وفيه إشعارٌ بأنه لا يجبُ عليها بَلُّ ذوائبها وعصْرُها كما قال بعض المشايخ، والصحيحُ: أنه يجبُ غَسْلُ الذوائب وإن جاوَزَت القدمين (^٢) . ثم المرادُ بالابتلالِ هذا: هُوَ وصولُ الماءِ إلى أُصولِ الشعر، حتى لا يَكفي الابتلالُ الحاصِلُ بالمسح، لكن في
_________________
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "يستعمل"، والمثبت من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة رحمه الله تعالى، ١/ ٨٦.
(٢) الراجح في المذهب عدم وجوب غسل الذوائب، بل يُكتفى بإيصال الماء إلى أصول الشعر. راجع فتح القدير ١/ ٥٢، تبيين الحقائق ١/ ١٤، رد المحتار على الدر المختار ١/ ١٠٣.
[ ١ / ٧٤ ]