(وشُرِطَ لأدَائِهَا المِصْرُ) فلا تُؤَدَّى في المفازة (^١) والقرية لِمَا روى البيهقي في «المعرفة»، وعبد الرَّزَّاق، وابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفَيْهما»: عن علي أنه قال: «لا جمعة، ولا تشريق - أي تكبيره - ولا صلاة فطر ولا أضحى، إلاَّ في مِصْرٍ جَامِعٍ أو مدينة عظيمة». الظاهر أنَّ «أو» للشك. والحديث صححه ابن حَزْم، ورواه عبد الرَّزَّاق من حديث عبد الرحمن السُّلَمي عن عليّ قال: «لا جُمُعَة، ولا تشريق، إلاَّ في مِصْرٍ جَامِعٍ». ولأنه كان لمدينة النبيّ ﷺ قُرَى كثيرة، ولم يُنْقل أنه ﷺ أمر بإقامة الجمعة فيها.
وأمَّا ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﷺ «لا جمعة، ولا تشريق، ولا فِطْرَ، ولا أضحى إلا في مِصْرٍ جامع». فَرَفْعُه غير معروف، كذا ذكره مُخَرِّجُهُ (^٢) . لكن ذكره شيخ الإسلام خَواهِرْ زَادَه في «مبسوطه» وقال: ذكره أبو يوسف في «الأمَالِي» مُسْنَدًا مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ والله سبحانه أعلم.
وأجاز مالك والشافعيّ الجُمُعَة في القُرَى لظاهر قوله تعالى: ﴿فاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٣) وقياسًا على سائر الصلوات.
ولنا: ما سبق عن عليّ، وكفى به قدوةً وإمامًا. ولا يُعَارِضهُ ما رُوِيَ عن ابن
_________________
(١) المفازة الصحراء.
(٢) انظر "نصب الراية" ٢/ ٩٩٥، و"فتح القدير" ٢/ ٢٢.
(٣) سورة الجُمُعَة، الآية: (٩).
[ ١ / ٤٠١ ]
أو فِنَاؤُهُ.
===
عباس قال: «إنّ أول جُمُعَةٍ جُمِعَت (بعد جمعة) (^١) في مسجد رسول الله ﷺ بجُوَاثا» قرية في البحرين، إذ القرية تطلق على المِصْر في عُرْف الصدر الأول، وهو لُغةُ القرآن، قال الله تعالى: ﴿وقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ على رَجلٍ من القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (^٢) أي: مكة والطائف، ولا شك أن مكة مِصْر.
وفي «الصِّحَاحِ»: أنَّ جُوَاثا حصن بالبحرين، فهي مصر إذ لا يخلو الحصن عن حاكم وعالم، ولذا قال في «المبسوط»: وجُوَاثا مصر في البحرين، ثم يجب أنْ يُحمل قول عليّ ﵁ على كونه سَمَاعًا، لأن دليل الافتراض من كتاب الله يفيد العموم في الأمكنة، فإقدامه على نفيها في بعض لا يكون إلاَّ عن سماع، لأنه خلاف القياس المنهي في مثله وفي الصلوات الباقيات أيضًا.
والتحقيق أن قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ليس على إطلاقه اتفاقًا بين الأئمة، إذ لا يجوز إقامتها في البراري إجماعًا، ولا في كل قرية عندهما. بل يشترط أن لا يَظْعَن (^٣) أهلها عنها صيفًا ولا شتاءً. فكان خصوص المكان مرادًا فيهما إجماعًا، فَقَدَّرَا (^٤) القرية، وقدَّرنا المِصْرَ، وهو أولْى لحديث عليّ ﵁. وهو لو عُورِضَ بقول غيره، كان عليّ ﵁ مُقَدَّمًا عليه، فكيف ولم يتحقق له مُعَارِضٌ؟ ولهذا لم يُنقل عن الصحابة أنهم حين فتحوا البلاد اشتغلوا بنصب المنابر إلا في الأمصار دون القرى، ولو كان لَنُقِلَ ولو آحادًا (^٥) .
(أو فِنَاؤُهُ) بكسر الفاء أي حوله المتصل به، ممَّا يُعَدُّ لمصالحه.
وفي «المُنْتَقَى» عن أبي يوسف: لو خرج الإمام عن المِصْر مع أهله لحاجة مقدار ميلين فحضرت الجُمُعَة، جاز أنْ يصلّيَ بهم الجُمُعَة، وعليه الفتوى. لأن فِنَاء المِصْر بمنزلة المِصْر فيما كان من حوائج أهله. وأداء الجمعة أُعِدَّ من حوائجهم. وتجوز الجُمُعَة بمنىً أيام الموسم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا كان الإمام أمير الحجاز (^٦)، أو كان الخليفة حاجًّا. وقال محمد: لا يجوز لأنَّ مِنىً قرية. ولهما أنَّ مِنىً
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) سورة الزخرف، الآية: (٣١).
(٣) يظعن: يسافر ويرتحل.
(٤) أي: قدّر مالك والشافعي القرية.
(٥) "كان" تامَّةٌ هنا، بمعنى وُجِدَ، أي: ولو وُجِدَ هذا الفعل من الصحابة، لَنُقِل إلينا، ولو كان النقلُ آحادًا.
(٦) حرِّفت في المخطوطة إلى: أمير الحاج، والصواب ما أثبتناه. انظر "فتح القدير" ٢/ ٢٤ - ٢٦. وعبارةُ "الهداية": وتجوز بمعنى إن كان الأمير أميرَ الحجاز، أو كان مسافرًا … والتقييد بالخليفة وأمير الحجاز لأن الولاية (أي ولاية الإقامة للجمعة) لهما، أما أمير الموسم فَيَلِى أمور الحج لا غير.
[ ١ / ٤٠٢ ]
ومَا لا يَسَعُ أَكْبَرُ مَسَاجِدِهِ أَهْلَه، مِصْرٌ، وما اتَّصَلَ بِهِ مُعَدًّا لِمَصَالِحِهِ فِنَاؤُهُ
===
أيَّام الموسم تصير مِصْرًا، وأمَّا الجُمُعَة بعرفات فلا تصح إجماعًا، ولو وافق الوقوف، لأنه ﷺ وقف بها يوم الجُمُعَة، ولم يصلِّ بها الجُمُعَةَ بل الظُّهْرَ والعصر جمعًا. وكذا لا يُصلِّي بمنىً صلاة العيد اتفاقًا لاشتغال الناس بأعمال المناسك في ذلك اليوم.
(ومَا لا يَسَعُ أَكْبَرُ مَسَاجِدِهِ أَهْلَه) الذي يجب عليهم الجمعة (مِصْرٌ) رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف. وفيه إشكال، حيث لم يَصْدُقْ على المساجد الثلاثة، اللهم إلاَّ أن يُقَال: إنها مستثناة معلومة من الشريعة، أو يقال: هذا إذا كانت المساجد متعددة، ولا تَعَدُّدَ في مكة والمدينة والقدس. وعنه (^١): كل موضع له أميرٌ وقاضٍ يُنَفِّذُ الأَحكام، ويقيم حدود الإسلام. قال في «الهداية» (^٢): وهو الظاهر - أي من المذهب - وعليه أكثر الفقهاء، واخْتَاره الكَرْخِيّ.
وعن أبي حنيفة: كل بلد لها سكك، وأسواق، ووالٍ لدفع المظالم، وعَالِم يُرْجَعُ إليه في الحوادث. قيل: هو الأصحّ. واختار الثَّلْجِي (^٣) الأَول (^٤) لظهور التواني في أحكام الشرع، لا سيما في إقامة الحدود. وقال محمد: هو كل موضع مَصَّرَه الإمام بإرسال نائب لإقامة الحدود والقصاص، حتى إذا عزله يُلْحَقُ بالقرى.
(وما اتَّصَلَ بِهِ) أي بالمصر (مُعَدًَّا لِمَصَالِحِهِ) أي لمصالح أهله: من ركض خيلهم، ورميهم بسهم، ودفن موتاهم. (فِنَاؤُهُ) وقدّره بعضهم بِفَرْسَخَيْنِ (^٥)، وبعضهم بميلين. وفي «الخَانِيَّة»: لا بد أنْ يكون الفِنَاء متصلًا بالمِصْر حتى لو كان بينه وبين المصر فُرْجَة من المزارع والمراعي لا يكون فِنَاءً.
ولو أُقِيمَتْ الجُمُعَة في مصر في مواضع، ففي المذهب أربع روايات:
أولاها عن أبي حنيفة ومحمد وهي أصحها: الجواز سواء كان التعدد في موضعين أو أكثر، لأن في عدم تعدد جوازها حرجًا. والحرج مدفوع، فصارت كصلاة العيدين. وبه قال محمد، وهو مختار السَّرَخْسِيّ.
_________________
(١) وعنه: أي عن أبي يوسف، كما في "الهداية". فتح القدير ٢/ ٢٣ - ٢٤.
(٢) عبارة "الهداية" مختلفة، وقد نقلها بالمعنى.
(٣) حرِّفت في المخطوطة إلى: البلخي، والصواب ما أثبتاه. انظر "فتح القدير" ٢/ ٢٤.
(٤) القول الأول في تعريف المِصْر هو: ما لا يسعُ أكبر مساجده أهلَه. أو بعبارة أخرى - كما ورد في "الهداية" -: أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم.
(٥) الفَرْسَخ: سبق شرحها، ص: ٢٧٨، التعليقة رقم (٦).
[ ١ / ٤٠٣ ]
والسُّلْطَانُ أو نَائِبُهُ، ووَقْتُ الظُّهْرِ
===
ثانيتها عن أبي حنيفة: لا يجوز في أكثر من موضع واحد، لأن الجمعة من أعلام الدين، فلا يجوز تقليل جماعتها، وفي جوازها في مكانين تقليلها.
ثالثتها عن أبي حنيفة وصاحبيه: يجوز في موضعين لا غير نظرًا إلى وجهي الروايتين الأُولَيَيْنِ.
رابعتها عن أبي يوسف: يجوز في موضعين إذا كان المِصْرُ كبيرًا، أو حال بينَ الخُطْبَتَيْنِ نهرٌ كبغداد.
ثم من قال بعدم جواز التعدد قال: الجمعة هي السابقة. وفي «المحيط»: إن وقعتا معًا بَطَلَتَا. وفي «شرح المَجْمَع»: وكذا لَوْ جُهِلَتْ السابقة، ثم الأَصَحُّ أنه يُعْتَبَرُ السَّبْقُ بالشروع لا بالفراغ ولا بهما.
وإذا وقع الشك في صحة أداء الجمعة لفقد بعض الشرائط، ينبغي أن يُصَلَّى بعد الجُمُعَة أربع ركعات احتياطًا، ولو بالحرمين الشريفين، وينوي ظهرَ يومه، أو آخر ظهر عليه - وهو أحسن - لأنه إن لم تُجزاء الجُمُعَة فعليه الظهر، وإن أجزأت كانت الأربع عن ظهر عليه إن كان عليه، وإلاَّ فيقع نفلًا. والأحوط أن يقول: نويت آخر ظهر أدركت وقته ولم أُصَلِّهِ بعدُ. لأن ظهر يومه إنما يجب عليه بآخر الوقت، ولأنه يفيد الترتيب أيضًا. والأصح أن يقرأ بالفاتحة والسورة في أربعٍ احتياطًا لاحتمال أن يكون نفلًا. وكذا من يقضي الصلوات احتياطًا.
(والسُّلْطَانُ) أي وشُرِطَ لأَداء الجمعة السلطان وهو الوالي الذي لا والي فوقه (أو نَائِبُهُ) وهو من أمَرَهُ السلطان بإقامتها لظاهر قول الحسن البَصْرِيّ: أربع إلى السلطان، وذَكَر منها الجمعة والعيدين. وحضوره وإذنه غير شرط عند مالك والشافعيّ. وأمَّا ما رُوِيَ: «أن عليًَّا جمع بالناس وعثمان محصور»، فواقِعَةُ حال. فيجوز أنْ يكون بإذنه، وبه جَزَم في «الكافي»، وأنْ يكون بغير إذنه، فلا حجة فيه لفريق. فيبقى قوله ﷺ «مَنْ تركها وله إمام جائر أو عادل، فلا جمع الله شمْله، ولا بارك له في أمره، ألا لا صلاة له». الحديث رواه ابن ماجه وغيره. حيث شَرَطَ في لزومها الإمام كما يفيده قيد الجملة الواقعة حالًا مع ما عيَّنَّاه من المعنى سالمين عن المُعَارِض.
(و) شرط لأدائها (وَقْتُ الظُّهْرِ) ولو خرج وقته والإمام في الجُمُعَةِ استقبل الظهر ولا يَبْنِي عليها. وقال الشافعي وزُفَر: أتمها أربعًا بناءً على أن الجُمُعَة ظهر مُقْصَرٌ لمكان الخطبة بشرط أدائها في وقتها، وإذا خرج وهو فيها عادت ظهرًا، وعندنا الظهر غير
[ ١ / ٤٠٤ ]
والخُطْبَةُ نَحْوَ تَسْبِيحَةٍ
===
الجمعة اسمًا وقدرًا وشرطًا، فلا يمكن بناء الظهر عليها. وإنما شرط الوقت لِمَا في البخاري عن أنس: «كان النبيّ ﷺ يصلّيَ الجُمُعَة حين تميل الشمس». وفي مسلم عن سَلَمَة بن الأَكْوَعِ: «كنّا نُجَمِّعُ مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس». الحديث.
وقال أحمد: تجوز الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة لِمَا روى مسلم عن سَهْل بن سَعْد السَّاعِدِيّ قال: «ما كنا نَقِيلُ (^١) ولا نَتَغَدَّى إلاَّ بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ. وفي الاستدلال به نظر، إذ لا دلالة فيه إلا على التبكير المُرَتَّبِ عليه تركُ الغداء والقَيْلُولَة مبادرةً إلى الجمعة. وأمَّا ما روى أحمد عن ابن مسعود: «أنه كان يصلِّي الجمعة ضُحىً ويقول: إنما عَجِلْتُ بكم خشية الحَرِّ عليكم». ففيه أن فعله ﵁ لا يصلح أن يكون مُعَارِضًا لفعله ﷺ
وامْتَدَّ الوقت عند مالك من الزوال إلى المغرب، حتى لو افتتحها في وقت العصر، يصح عنده. ولو خرج الوقت يُتِمُّها عنده جمعةً، وهذا الخلاف مبني على أن وقتي الظهر والعصر واحد عنده، كما تقدَّم والله تعالى أعلم. وفي «الظَّهِيرِيَّة»: إذا أراد أن يسافر يوم الجمعة، لا بأس به إذا خرج من عُمْرَان المِصْرِ قبل دخول وقت الظهر.
(و) شرط لأدائها (الخُطْبَةُ) قبل الصلاة فلو صلاَّها بلا خُطْبَة أو خَطَبَ بعد الصلاة لم يجز. لأن إقامتها مقام الظهر على خلاف القياس، والشرع ما جاء بها إلاَّ مقيدة بالخُطْبَة، فإنه ﷺ ما صلاَّها في عمره بدونها، نص على ذلك غير واحد من الحُفَّاظِ، منهم البيهقي قال: «لم يُصَلِّ النبيّ ﷺ الجُمُعَة إلاَّ بالخطبة». ولو جازت بدونها لفعلها مرة تعليمًا للجواز، وما خطب إلاَّ قبلها لأن الأذان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر ﵄ كان حين يجلس الإمام على المِنْبَرِ للخطبة، فيدل ذلك على أن الصلاة بعدها. وقد قال ﷺ «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (^٢) .
(نَحْوَ تَسْبِيحَةٍ) لقصد الخُطْبة ولو قال: الحمد لله، لعطاس أو: سبحان الله، لتعجبٍ لا يُجْزِاء اتفاقًا. وأراد بنحو تسبيحة تهليلة وتكبيرة مع الكراهة. وقال أبو
_________________
(١) تَقَيَّلَ: نام في القائلة، والقائلة هي الظهيرة. المعجم الوسيط، ص: ٧٧١،.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح البارى) ٢/ ١١١، كتاب الأذان (١٠)، كتاب الأذان للمسافر إذا كانوا .. (١٨)، رقم (٦٣١).
[ ١ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يوسف ومحمد: لا بد من ذكر طويل يُسَمَّى خطبة عُرْفًا، وهو أن يُثْنِي على الله بما هو أهله، ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ ويدعو للمسلمين للتوارث، ولأن المأمور به مطلق الخطبة، فينصرف إلى المعهود المتعارف. قيل: وأقله قدر التشهد، لأن الواجب خطبة. والتحميدة الفردة، والتسبيحة الفردة لا تُسمَّى خُطْبَة في العادة.
ولأبي حنيفة إطلاق قوله تعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١) من غير فصل بين كونه ذكرًا طويلًا يُسَمَّى خُطْبة، أو ذكرًا لا يسمى خُطْبَة، فكان الشرط هو الذكر الأعم بالقاطع، غير أنَّ المأثور عنه ﷺ اختيار أحد الفردين، أعني الذكر المسمى بالخطبة، والمواظبة عليه، فكان واجبًا أو سنّة لا أنه الشرط الذي لا يُجْزِاء غيره، إذ لا يكون بيانًا لعدم الإجمال في الذكر. وقد عُلِمَ وجوب تنزيل المشروعات على حسب أدلتها.
وقال الإمام القاسم بن ثابت السَّرَقُسْطِيّ في كتاب «غريب الحديث» من غير سند: رُوِيَ عن عثمان: «أنه صعد المنبر فأُرْتِجَ عليه - أي أغلق عليه - الكلام فقال: الحمد لله، إنَّ أول كل مَرْكَب صعب، وإنّ أبا بكر وعمر ﵄ كانا يُعِدَّانِ لهذا المقام مقالًا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أَعِشْ تَأْتِكُم الخطبة على وجهها إن شاء الله تعالى». انتهى. وفي رواية زاد: «وأستغفر الله لي ولكم، فنزل وصلى بهم فلم يُنْكِر عليه أحد منهم». فكان إجماعًا منهم إمَّا على عدم اشتراطهما. وإمَّا على كون نحو الحمد لله ونحوها يُسَمَّى خطبة لغة، وإن لم يُسَمَّ به عُرْفًا. لكن قال ابن الهُمَام: ليس لهذه القصة أصل، فإنها لم تعرف في كتب الحديث بل في كتب الفقه. وأنكر ابن العربيّ وغيره هذا الأثر.
وإنما تَبِعَ صاحبُ «الهداية» ما ذُكِرَ في «المبسوط»، و«مُلْتَقَى البحار»، و«شرح البخاري» لابن بَطَّال، و«شرح مسلم» للخِلَاطي، وبعض المَؤرِّخين، لكنَّ المدار على رواية المحدثين المخرِّجين.
ثم القيام فيها، وتلاوة آية من كتاب الله، وذكر موعظة بتنذير وتبشير وبتقوى الله، والجِلْسَة بين الخطبتين بقدر ثلاث آيات قصار. وقيل: بقدر ما يَمَسُّ مَقْعَدُهُ المنبرَ.
والصلاة فيها على النبيّ ﷺ سُنَّة عندنا لإطلاق الذكر في الآية، لا شرط كما قال مالك والشافعيّ. لأن الخطبة قائمة مقام شرط الصلاة لقول عائشة: «إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة، فيُشْتَرَطُ لها ما يُشْتَرَطُ للصلاة». وللتوارث على اشتمالها على
_________________
(١) سورة الجُمُعَة، الآية: (٩).
[ ١ / ٤٠٦ ]
في الوَقْت.
والجَمَاعَةُ أي ثلاثَةُ رِجَالٍ سِوَى الإمَامِ، وإنْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ أتَمَّهَا، وقَبْلَهُ بَدَأَ بالظُّهْرِ،
===
هذه الأشياء. وكذا ستر الخطيب عورته فيها سنة عندنا، وبه قال مالك. وشرط عند الشافعي، لأنها بمنزلة الصلاة.
(في الوَقْتِ) أي يشترط في الخطبة أن تكون بعد الزوال، حتى لو خطب قبل الزوال وصلى بعده لا يجزاء لِمَا روى البخاري عن السَّائِب بن يَزِيد قال: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ حين يَجْلِسُ الإمام». ومعلوم أن الأذان في الوقت، وبه يُرَدُّ قول أحمد. وأمَّا ما رواه الدَّارَقُطْنِيّ من أنَّ: «أبا بكر وعمر كانا يخطبان قبل الزوال»، فضعيف.
(والجَمَاعَةُ) أي وشُرِطَ لأدائها الجماعة إجماعًا على خلاف في عددها (أي ثلَاثَةُ رِجَالٍ سِوَى الإِمَامِ) عند أبي حنيفة ومحمد. وبالإمام عند أبي يوسف، لأن الاثنين مع الإمام جَمْعٌ. ولهما: أنَّ الجماعة شَرْطٌ على حِدَةٍ، والإمام شرط آخر، فَتُعْتَبَرُ جمع سوى الإمام لقوله تعالى: ﴿إذا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١)، فهذا يقتضي مناديًا وذاكرًا - وهما المؤذن والإمام - وساعيين لأن قوله تعالى: ﴿فاسْعَوْا﴾ لا يتناول ما دون المثنَّى، ثم ما دون الثلاث: ليس بجمع متفق عليه، فإنَّ أهل اللغة فَصَلُوا بين التثنية والجمع، فالمثنَّى وإن كان فيه معنى الاجتماع من وجه، فليس بجمع مطلقًا، واشتراط الجماعة هنا ثابت مطلقًا، ثم يشترط في الثلاثة أن يكونوا بحيث يَصْلُحُون للإمامة في صلاة الجمعة، حتى إن نِصَابها لا يَتِمُ بالنساء والصِّبْيَان، ويتم بالعبيد والمسافرين لصلاحهم للإمامة فيها، كذا في «المبسوط».
(وإنْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ) أي سجود الإمام سجدة واحدة (أَتَمَّهَا) أي أَتَمَّ الإمام الصلاة جُمُعَةً، خلافًا لزُفَر. له: أن الجماعة شرط، فلا بد من دوامها كالوقت. ولهم: أنها شرط الانعقاد فلا يُشْتَرَطُ دوامها كالخطبة. لكنَّ أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: لا يَتِم الانعقاد إلا بتمام الركعة، وتمامها بتقييدها بالسجدة. وقالا: إذا نَفَرُوا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة. وذكره في «الهداية»، وهو الأظهر.
(وقَبْلَهُ) أي وإن نفروا قبل سجوده (بَدَأَ بالظُّهْرِ) أمّا قبل التحريمة فبالاتفاق، وأمَّا
_________________
(١) سورة الجُمُعَة، الآية: (٩).
[ ١ / ٤٠٧ ]
والإِذْنُ العَامُّ
===
بعدها فعند أبي حنيفة، خلافًا لهما، والوجه ما قدمناه. وترك مالك تحديد الجماعة، واكتفى بوجود من يَقْرِي (^١) بهم قرية من الذكور الأحرار بموضع يمكن الثُّوِيُّ (^٢) فيه من بناء متصل، أو أخْصَاص (^٣)، مستوطنين على الأصح. وشرط الشافعي وجود أربعين أحرارًا مكلفين، مقيمين في موضع لا يَرْتَحِلُون عنه صيفًا ولا شتاءً إلا لحاجة، سامعين الخطبة، لقول جابر: «مَضَتْ السُّنَّة أنَّ في كل ثلاثة إمامًا، وفي كل أربعين فما فوقه جمعة، وأضحى، وفِطْرًا». قلنا: هو ضعيف، حتى قال البيهقي: لا يُحْتَجُّ بمثله.
(والإِذْنُ العَامُّ) أي وشرط لأدائها الإذن العامّ لأنها من شعائر الإسلام، فيجب إقامتها على وجه الاشتهار بين الأنام، حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى بعسكره لم يجز، ولو فتح باب قصره وأذِنَ بالدخول جازت مع الكراهة، كذا ذكره الشُّمُنِّي. وفي «المَبْسُوطِ»: إن الإذن العام هو أن تُفْتَح أبواب الجامع، ويُؤْذَنُ للناس حتى لو اجتمعت جماعة في الجامع وأغلقوا الأبواب وجَمَّعُوا لم تجز.
وكذا السلطان إذا أراد أن يُصَلِّي بِحَشَمِهِ (^٤) في قصره، فإِنْ فتح بابه وأذِنَ للناس إذنًا عامًّا جازت صلاته، شهدتها العامة أو لا، وإنْ لم يفتح بابه ولم يأذن لهم بالدخول لا تجزئه، لأن اشتراط السلطان للتحرز عن تفويتها على الناس، وذا لا يحصل إلاَّ بالإذن العام. وكما يحتاج العامة إلى السلطان في إقامتها، فالسلطان يحتاج إليهم: بأن يأذن لهم إذنًا عامًّا، فبهذا يعتدل النظر من الجانبين.
ثم الجمعة بدل عن الظهر عندنا، وقال مالك والشافعي وزُفَر: هي فريضة أصالةً، والظهر بدل عنها، لأنه مأمور بأداء الجمعة، معاقب بتركها، ومنهي عن أداء الظهر، مأمور بالإعراض عنه ما لم يقع اليأس عن الجمعة. وهذا هو صورة الأصل مع البدل، ولا يجوز أداء البدل مع القدرة على الأصل.
ولنا: أن فرض الوقت الظهر في هذا اليوم في حق الناس كافة - كما في سائر الأيام - بالنص وهو قوله ﷺ «أول وقت الظهر حين تزول الشمس» (^٥) . مطلقًا غير
_________________
(١) يَقْرِي: يجمع. القاموس المحيط ص ١٧٠٦، مادة: (قرى).
(٢) ثَوَى بالمكان: أي أقام واستقر. المعجم الوسيط، ص: ١٠٣، مادة (ثوى).
(٣) أخصاص: جمع الخُصّ وهو بيت من شجر أو قصب، أو البيت يسقف بخشب. المعجم الوسيط ص: ٢٣٨، مادة (خصّ).
(٤) الحَشَم: الخدم. مختار الصحاح ص ٥٨، مادة: (حشم).
(٥) أخرجه الترمذي ١/ ٢٨٣، كتاب أبواب الصلاة (٢)، ما جاء في مواقيت الصلاة (١)، رقم (١٥١).
[ ١ / ٤٠٨ ]
وكُرِهَ في المِصْرِ ظُهْرُ المَعْذُورِ وغَيْرِه بِجَمَاعَةٍ، وظُهْرُ غَيْرِ المَعْذُورِ قَبْلَ الجُمُعَةِ.
===
مقيد بيوم دون يوم. ودلَالَةِ الإِجماع، فإن من فاتته الجمعة يقضي الظهر إجماعًا. والجمعة لا تقضى والظهر غيرها، فيجب أن لا يلزمه شيء.
ولَمَّا أمر بالظهر علمنا أنه أصل عاد إليه الحكم، لأنه ينوي القضاء إذا أدَّى الظهر بعد انقضاء الوقت إجماعًا. فلو لم يكن أصل فرض الوقت في حقه الظهر، لَمَا نوى القضاء، ولأن الفرض في حق كل واحدٍ ما يتمكن من أدائه بنفسه، وأداؤه للتكليف يدور على الوُسْعِ والإمكان، فما قَرُبَ إلى الوُسْع فهو أحق أن يكون أصلًا، والظهر أقرب، لأنه يتمكن من أدائه بنفسه لأنه مبني على قدرة هي صفته، بخلاف الجمعة فإنها تتوقف على شرائط لا تتم به وحده وهي الإمام والجماعة وغيرهما، وذا ليس في وِسْعِه، وإنما يحصل له ذلك اتفاقًا. ولكن يجب إسقاط الظهر بالجمعة إذا اسْتَجْمَعَت شرائطها للأمر بالسعي إليها. وأبْهَمَ محمد تارة وقال: لا أدري ما أصل فرض الوقت في هذا اليوم، ولكنه يسقط الفرض عنه بأداء الظهر أو الجمعة، وعين الجمعة أحرى، ورَخَّصَ إسقاطها بالظهر.
(وكُرِهَ في المِصْرِ) أي دون القرية والمفازة، لأنهم ليس عليهم شهود الجمعة، فكان هذااليوم في حقّهم كسائر الأيام. كذا في «المبسوط». وهذا القدر لا يدل على أكثر من كراهة التنزيه (ظُهْرُ المَعْذُورِ وغَيْرِه) كمن فاتته الجمعة لمانع، (بِجَمَاعَةٍ) سواء صلَّوا قبل الجمعة، أو بعدها. لأن في ذلك تقليل جماعة الجمعة. والمعارضة (لا) (^١) على وجه المخالفة، خلافًا لمالك والشافعي، حيث نظرا إلى كونهم مخاطبين بالظهر دونها، وكون الجماعة سنة في الفرائض، ومذهبنا مَرْوِي عن عليّ ﵁.
(و) كُرِهَ في المِصْر (ظُهْرُ غَيْرِ المَعْذُورِ قَبْلَ الجُمُعَةِ) والمراد بالكراهة هنا الحرمة، لأنه ترك الفرض القطعي باتفاقهم الذي هو أوكد من الظهر، فكيف لا يكون مرتكِبًا محرمًا؟ غير أن الظهر تقع صحيحة، وإن كان مأمورًا بالإعراض عنها. وإنما لم يبطل ظهره عندنا لِمَا مرَّ من أنَّ فرض الوقت هو الظهر وقد أتى به، والجمعة بدل عنه، لتوقفها على شرائط لا تتم بالمصلي وحده. والتكليف يعتمد على الوُسْعِ. وحكَم مالك والشافعي وزُفَر ببطلانها بناء على تعيين الجمعة فرض الوقت عندهم، فلا يصح ظهره لأن الجمعة هي الأصل المأمور بها، ولا يصح غير الأصل مع القدرة عليه.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة في المخطوط.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وسَعْيُهُ إلى الجُمُعَةِ، والإِمَامُ فِيهَا يُبْطِلُهَا، ومُدْرِكُهَا في التَّشَهُّدِ، أوْ في سُجُودِ السَّهْوِ يُتِمُّهَا.
===
(وسَعْيُهُ) أي وسعيُ من صلّى الظهر (إلى الجُمُعَةِ) بخطوتين، أو بانفصاله عن داره - وهو الأصح ـ، سواء كان معذورًا أو غيره. وبعضهم اقتصروا على غير المعذور، (والإِمَامُ فِيهَا) أي في الجمعة وقت انفصاله عن مكانه - والجملة حالية - (يُبْطِلُهَا) أي يُبْطِلُ ظُهره عند أبي حنيفة وإن لم يدركها لبعد المسافة. وهو مختار مشايخ بَلْخ دون مشايخ العراق. والأول هو المعوَّل، فإن أدرك الجمعة وصلاَّها كانت فرضه وإلا أعاد الظهر.
وقَيَّدَ بقوله: والإمام فيها، لأنه لو كان خروج المصلِّي مع فراغ الإمام لا ينتقض ظهره اتفاقًا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل ظهره إلاَّ بالدخول مع الإمام، ففي رواية بإتمامها، لأن السعي إلى الجمعة دون الظهر، والشيء لا يبطل بما هو دونه. ولأبي حنيفة أن السعي إلى الجمعة من خصائصها فيأخذ حكمها.
وثمرة الخلاف تظهر فيمن سعى والإمام في الجمعة فحضر وقد فرغ الإمام، وفيمن سعى إلى الجمعة فخرج وقت الظُّهر قبل أن يدخل مع الإمام: فعند أبي حنيفة ﵀ يعيد الظهر، وعندهما لا يعيدها.
(ومُدْرِكُهَا) أي الجمعة (في التَّشَهُّدِ، أوْ في سُجُودِ السَّهْوِ يُتِمُّهَا) جُمُعَةً. وقال محمد، وهو قول مالك والشافعي: إن أدرك أكثر الثانية: بأن أدرك الركوع أتَمَّها جُمُعَةً، وإن لم يُدْرِكْ أكثرها أتمَّها ظهرًا، لأنها جمعةٌ نظرًا إلى التحريمة، ظُهْرٌ نظرًا إلى فوات بعض شروط الجمعة. فيُصَلِّي أربعًا اعتبارًا للظُّهر، ويقعد على رأس الركعتين اعتبارًا للجمعة، ويقرأ السورة في الأُخْرَيَيْن لاحتمال النفلية بخلاف مُدْرِك العيد في التشهد، أو سجود السهو، فإنه يُتِمُّهَا عيدًا بلا خلاف، إذ لا خَلَفَ له.
له: ما رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث أبي هريرة: «مَنْ أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليُضِف إليها أخرى، ومَنْ لم يدرك الركوعَ من الركعة الأخيرة فليصلِّ الظهر أربعًا». ولهما: ما في الكتب الستة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أُقِيمَتِ الصَّلاة فلا تأتوها تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا». وفي لفظ: «فاقضوا». وفيه: أن هذا مطلق، والحديث الأول مقيد.
ثم الجمعة لا تجب على مَنْ بَعُدَ عن المِصْر فَرْسخًا. وأوجبها مالك عليه، ولا
[ ١ / ٤١٠ ]
وإذَا أَذَّنَ الأَوَّلَ تَرَكوا البَيْعَ وسَعْوَا
===
يجب على من هو أبعد منه خلافًا لمحمد - كما في رواية عنه ـ، لتناول الأمر بالسعي إياه. وعنه: ستة أميال، وهو رواية عن أبي يوسف. وعنه: بريد (^١) ويوجبها أبو يوسف على من كان داخلًا حد الإقامة الذي من فارقه يصير مسافرًا، ومن وصل إليه مقيمًا، وهو الأصح، لأن وجوبها مختص بأهل المِصْر، والخارج عن هذا الحد ليس من أهله حقيقةً ولا حكمًا. وشرط محمد لوجوبها سماع الأذان من أعلى مكان في الجامع. وفي ظاهر الرواية: لا يجب على من كان خارج الرُّبْضِ (^٢) .
(وإذَا أَذَّنَ الأَوَّلَ) وهو الأذان على المنارة، الذي أُحْدِثَ في زمان عثمان على الزَّوْرَاء - وهي دار بسوق المدينة مرتفعة - لما روى الجماعة إلاَّ مسلمًا من حديث السائب بن يزيد (^٣) قال: «إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يَجْلِسُ الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فَلَمَّا كان في خلافة عثمان وكَثُرُوا، أَمَرَ بالأذان الثالث، فأُذِّن على الزَّوْرَاء». زاد ابن ماجه: «على دار في سوقٍ يُقَال لها الزَّوْرَاء، فثبت الأمر على ذلك». وسُمِّيَ هذا الأَذان ثالثًا باعتبار الشرعية، لأن الأول فيما بين يدي الإمام، والثاني إقامة الصلاة.
(تَرَكُوا البَيْعَ) وما في معناه من الشغل المانع عن الحضور. وعامة العلماء على أن البيع يَحْرُم إلاَّ أنه صحيح. وقال مالك وأحمد بن حنبل: إنه فاسد.
(وسَعَوْا) لقوله تعالى: ﴿إذا نُودِيَ للصَّلَاةِ من يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ (^٤)، وفي قراءة شاذة: فامضوا، وهي تدل على أنَّ السعيّ ليس بمعنى الإسراع. وقال الطحاويّ: إنما يجب السعي وترك البيع إذا أَذَّنَ الأَذان الذي يكون والإمام على المنبر، لأنه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، والأول أصحُّ، واختاره شمس الأئمة لحصول الإعلام به، ولأنه لو انتظر الأذان عند المِنْبَر يفوته أداء السنة وسماع الخطبة، وربما تفوته الجمعة إذا كان منزله بعيدًا من الجامع.
_________________
(١) حُرِّفَت في المطبوع إلى: وعن يزيد. والصواب ما أثبتناه من المخطوط. والبريد: مسافة قدرها ٤ فراسخ = ١٢ ميلًا= ٤٨٠٠ ذراعًا= ٢٢١٧٩ مترًا. معجم لغة الفقهاء ص ١٠٧.
(٢) الرُّبْض: سبق شرحها، ص: ٢٧٨، التعليقة رقم: (١).
(٣) في المخطوط: ثابت بن يزيد، والمثبت من المطبوع. وهو الصواب لموافقته لرواية البخاري، (فتح الباري) ٢/ ٣٩٣، كتاب الجمعة (١١)، باب الأذان يوم الجمعة (٢١)، رقم (٩١٢).
(٤) سورة الجمعة، الآية: (٩).
[ ١ / ٤١١ ]
وإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَرُمَتِ الصَّلاةُ والكَلامُ، حَتّى يُتِمَّ خُطْبَتَهُ. وإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَر، أَذَّنَ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ
===
(وإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ) أي صعد المنبر (حَرُمَتِ الصَّلَاةُ) أي الشروع في النافلة، إذ لو تذكر الفائتة - وهو من أهل الترتيب - يجب عليه أن يقضيها، ولو شرع في التطوع ثم خرج الإمام سلم عن ركعتين، ولو شرع في السنة قبل الجمعة فشرع الخطيب في الخطبة، فالأصح أنه يُتِمُّ أربعًا.
(والكَلَامُ) أي كلام الناس (حَتَّى يُتِمَّ خُطْبَتَهُ) لقوله ﷺ «لا تُصَلُّوا والإمام يخطب». رواه عبد الحق من حديث علي ﵁. ولقوله ﷺ «إذا قلت لصاحبك: أنْصِت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لَغَوْت». رواه مسلم وأبو داود (وابن ماجه) (^١) . ولِمَا في «مصنف ابن أبي شَيْبَة»، عن عليّ، وابن عباس، وابن عمر: «أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام». ولقول الزُّهْرِيّ: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام». ورفعه غريب من صاحب «الهداية»، بل قال البيهقي: رفعه خطأ فاحش.
وعن ابن عباس: «يُكْرَه الكلام في أربع مواطن: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وفي الاستسقاء، إذا صعد الإمام المنبر فلا يُتَكَلَّمُ حتى ينزل». وهذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أنْ يخطب، وإذا نزل قبل أن يصلِّي، لقول الزُّهْرِيّ: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. رواه مالك في «الموطأ». وروى في «الموطأ» أيضًا عن ثَعْلَبَة بن أبي مالك القُرَظِيِّ: «أنهم كانوا في زمن عمر يصلُّون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، وإذا خرج وجلس على المِنْبَر، وأَذَّنَ المؤذِّن، جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذِّن، وقام عمر، سكتوا فلم يتكلم أحد». واختلفا (^٢) حالة جلوسه بين الخطبتين. فقال أبو يوسف: يُبَاحُ فيها الكلام، وخالفه محمد.
(وإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَر أَذَّنَ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ) لِمَا سبق من حديث السائب. ولِما رواه إسحاق بن رَاهُويه في «مسنده» بلفظ: «كان النداء - الذي ذكره الله في القرآن - يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط، وهى صحيحة لثبوت الحديث في سنن ابن ماجه ١/ ٣٥٢، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (٥)، باب ما جاء في الاستماع للخطبة والإنصات لها (٨٦)، رقم (١١١٠).
(٢) أي أبو يوسف ومحمد رحمهما الله.
[ ١ / ٤١٢ ]
واسْتقْبَلُوهُ مُسْتَمِعِينَ.
===
بكر، وعمر وعامَّة خلافة عثمان، فَلَمَّا كَثُرَ الناس، زاد النداء الثالث على الزَّوْرَاء». وإنَّما جُعِلَ الثالثُ لأن الإقامة تُسَمَّى أذانًا كما جاء في الحديث: «بين كل أذانين صلاة» (^١) (واسْتَقبَلُوهُ مُسْتَمِعِينَ). في «الظَّهِيرِيَّة»: قال بعضهم: ما دام الخطيب في حمد الله وثنائه والمواعظ فعليهم الاستماع، فإذا أخذ في مدح الظَّلَمة والثناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذٍ. وقال بعضهم: التباعد عن الخطيب أفضل، كيلا يسمع ما يقول الخطيب من مدح الظلمة. ثم لا ينبغي أن يَتَخَطَّى رِقَاب الناس بحيث يؤذيهم، إلا إذا كان قدامه فضاء.
وفي «المحيط»: ولا يُشَمِّتُون عاطسًا، ولا يردون سلامًا، ولا يقرؤون قرآنًا. وعن أبي يوسف: يردون السلام، ويُشَمتُون العاطس في أنفسهم. وإذا كان بعيدًا من الخطيب بحيث لا يسمع، قيل: يقرأ في نفسه، وقيل: يسكت، قيل: هو الأصحُّ. لأنه مأمور بالاستماع، ولم يعجز عن الإنصات فلزمه. والأظهر أنه يقرأ ليحوز الفضيلتين، وهو لا ينافي الإنصات المانع من الاستماع الذي وقع النهيّ عنه بقوله: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا﴾ (^٢) . وجَوَّزَ الشافعي ردَّ السلام بناءً على أنَّ الرَّدَّ واجب والاستماع عنده سُنَّة، فلا يكون مانعًا. وهو رواية عن أبي يوسف. قلنا: ذاك إذا كان السلام مأذونًا فيه شرعًا، وليس كذلك في حال الخطبة، بل يصير به آثمًا لِشَغْلِهِ خاطر السامع عن الفرض.
وأجاز (^٣) أيضًا للداخل تحية المسجد لقصة سُلَيْك الغَطَفَانِيّ. أخرجها الجماعة، عن جَابِر بن عبد الله: أن رجلًا جاء يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطبُ، فقال: أصلَّيتَ يا فلان؟ قال: لا، قال: صلِّ ركعتين، فَتَجَوَّزْ (^٤) فيهما». زاد مسلم: وقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام - يخطُب، فَلْيَرْكَعْ ركعتين، ولْيَتَجَوَّزْ فيهما». ولنا ما روينا عن عليّ (^٥)، وما في ابن أبي شَيْبَة عن الزُّهْرِيّ قال في الرجل يجيء يوم الجمعة، والإمام يخطُب: «يَجْلِسُ ولا يُصَلّي». وما في «الكتب الستة»، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصِت، يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد
_________________
(١) سبق تخريجه، ص: ٣٢٩، التعليقة رقم: (٤).
(٢) سورة الأعراف، الآية: (٢٠٤).
(٣) أي الإمام الشافعي ﵀.
(٤) تَجَوَّزَ في الصلاة: أي خَفَّفَها وأسْرَعَ بها. النهاية: ١/ ٣١٥.
(٥) نص الحديث: "لا تُصَلُّوا والإِمام يخطب". رواه عبد الحق.
[ ١ / ٤١٣ ]
ويَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَعْدَة قَائِمًا طَاهِرًا. فإذَا تَمَّتَا أُقِيمَ، وصَلَّى الإِمَامُ بالنَّاس رَكْعَتَيْنِ.
===
لَغَوْت». وهذا يفيد بطريق الدلَالة منع الصلاة، لأن الأمر بالمعروف، وهو أعلى من السُّنَّةِ وتحيِة المسجد، فَمَنْعه منهما أوْلَى.
فإن قيل: العبارة مقدَّمة على الدلَالة عند المعارضة، قلنا: إنها غير لازمة، لأن النبي ﷺ أنصت له حتى فَرَغَ من صلاته، لِمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حديث عُبَيْد بن محمد العَبْدِيّ: حدّثنا مُعْتَمِر، عن أبيه، عن قَتَادة، عن أنس قال: «دخل رجل المسجد ورسول الله يخطب، فقال له النبي ﷺ قم فاركع ركعتين. وأمسكَ عن الخطبة حتى فَرَغَ من صلاته». ثم قال: وَهَم عُبَيد في إسناده. ثم رواه، عن أحمد بن حنبل: حدَّثنا مُعْتَمِر، عن أبيه قال: «جاء رجل والنبيّ ﷺ يخطب فقال: يا فلان أصلّيت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ، ثم انتظره حتى صلّى». قال: وهذا المُرْسَل هو الصواب.
قلنا: المرسل حجّة عندنا وعند الجمهور، فيجب اعتقاد مقتضاه علينا، ثم إسناده بزيادة (^١) الثقة مقبولة، فمجرد زيادته لا يوجب الحكم بغلطه، وإلاَّ لَمْ تُقْبَل زيادةٌ. وأمَّا ما رواه مسلم فيه من قوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة …». الحديثَ، لا ينفي (^٢) كون المراد أن يركع مع سكوت الخطيب، لِمَا ثبت في السنة من ذلك، أو كان قبل تحريم الصلاة في حالة الخطبة. فَتَسْلَمُ تلك الدلَالة عن المُعَارِض.
(ويَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا قَعْدَةٌ) مقدار ثلاث آيات في ظاهر الرواية (قَائِمًا) لأنه المتوارث، ولقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (^٣) . فعن ابن عمر: «كان النبيّ ﷺ يخطب خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بينهما». وفي رواية: «يخطب قائمًا، ثم يَقْعُدُ، ثم يقوم - كما يُفْعَلُ الآن ـ». متفق عليه.
(طَاهِرًا) لأنها ذِكْرٌ يتقدم الصلاة، فيستحب فيها التطهير كالأذان. فلو خطب قاعدًا، أو على غير طهارة، جاز، إلاَّ أنه يُكْرَه عندنا خلافًا لمالك والشافعي فيهما، إذ القعود والطهارة شَرْط عندهما، وكذا سَتْرُ العورة عند الشافعي.
(فإذَا تَمَّتَا) أي الخطبتان (أُقِيمَ) أي للصلاة. وفي بعض النسخ: أُقِيمَتْ أي الصلاة (وصَلَّى الإِمَامُ بالنَّاس رَكْعَتَيْنِ) بذلك جرى العمل من حياته ﷺ
_________________
(١) عبارة المخطوط: ثم إسناده زيادة، وزيادة الثقة … والمثبت من المطبوع.
(٢) في المطبوع: لا يفيد، والمثبت من المخطوط.
(٣) سورة الجمعة، الآية: (١١).
[ ١ / ٤١٤ ]