ومن الفروعِ الكثيرة الوقوعِ: لو انضمَّت الأصابعُ، أو طال الظُّفُر فغطَّى الأُنملَةَ بحيث لا يُتيقَّنُ وصولُ الماء إلى أثنائها في الصورتين، أو كان فيه ما يَمنعُ وصولَ الماء كعجينٍ يابس وشمعِ: يجبُ غَسْلُ ما تحته، ولا يكفي إجراءُ الماء على البَدَن لعروض الحائل. واختُلِفَ في التراب، ولا يَمْنعُ الوسخُ ولا خُرءُ البراغيث ووَنِيمُ الذباب (^٢) . ونحوُ ذلك.
ويجب تحريكِ الخاتم الضيِّق في المختار من الرواية، لأن النبي ﷺ «كان إذا توضَّأ وضوءَ الصلاة حرَّك خاتمه في إصبعه» رواه ابنُ ماجه.
ولو ضَرَّه غَسْلُ شُقوقِ رِجْليه أَجرى الماءَ على ظاهر الدواء.
ولا يجوزُ المسحُ على ما جاوز الأُذنينِ من الشعر، لعدَمِ كونه من الرأس حقيقةً ولا حكمًا. ولا يُعاد الغَسْلُ والمسحُ على موضعِ الحلْق وقطعِ الظفر ونحوِ ذلك لعدم الحدَث.
(سُنَنُ الوُضُوءِ)
(وسُننه): أي سُنن الوضوء. وفي نسخة: سُنَّتُه، وهي الطريقةُ المسلوكةُ في الدين من غير افتراضِ ولا وجوب، ويَستحِقُّ فاعِلُها الثواب، وتاركُها الملامةَ والعتاب. قال ابنُ الهُمَام: «والسُّنَّةُ ما واظَبَ عليها ﵊ مع تركها أحيانًا». وفيه: أنَّ بعضَ سُنَن الوضوء مما لم يَثْبت أنه ﵊ تركَهُ أصلًا كالترتيب،
_________________
(١) عبارة المخطوطة والمطبوعة: "كالرأس يفترض مسح ربع رأسه" ولعله سبق قلم.
(٢) ونيم الذباب: خُرؤه. المصباح المنير ص ٢٥٨، مادة (ونم).
[ ١ / ٤٦ ]
البِدَاءةُ بالتسمية،
===
والوِلاءِ (^١)، والتيامُنِ، وكذا النيَّة.
(البداءةُ) بالكسر، ويُضَمّ. وكذا البِداية بالياء. وفي «المُغْرِب» (^٢) أنها عاميَّة، وهو الابتداءُ (بالتسمية) وأقلُّها باسم الله، وأعلاها تكميلُها بالنَّعْتَين. وقال ابنُ الهمام: لفظُها المنقولُ عن السَّلَفِ الكرام وقيل عن النبي ﷺ باسم الله العظيم والحمدُ لله على دين الإِسلام. انتهى. وقد روى معمرٌ عن ثابت، وقتادة عن أنس قال: «نظَرَ أصحابُ رسول الله ﷺ وَضُوءًا فلم يجدوا، قال: فقال رسولُ الله ﷺ ها ها ماءٌ، فرأيتُ النبيَّ ﷺ وضَعَ يدَه في الإِناء الذي فيه الماء ثم قال: توضَّؤا بِبِاسم الله، قال: فرأيتُ الماءَ يفورُ مِنْ بين أصابِعه، والقومُ يَتوضَّؤن حتى توضَّؤا مِنْ آخِرِهِم. قال ثابتٌ: فقلت (^٣) لأنس: تُراهم كم كانوا؟ قال: نحوًا مِنْ سبعين». رواه البيهقيُّ وقال: هذا أصحُّ ما في التسمية، وأخرجه النسائي، وابنُ مَنْدَه، وأبو بكر بنُ خُزَيمة، والدَّارَقُطْني، قاله في «الإِمام»، وقال النووي: إسنادُهُ جيِّد.
وذهب أحمدُ إلى أنَّ التسميةَ شرطٌ في الوضوء، لما روى الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا صلاةَ لمن لا وضُوءَ له، ولَا وُضوءَ لمن لم يَذْكُرِ اسمَ الله عليه»، وضُعِّفَ حديثُ أبي داود بالانقطاع، وهو عندنا - كالإِرسال بعد عدالة الرواةِ وثقتِهم - لا يَضرُّ، وروى ابنُ ماجه عن أبي سعيد أنه ﵊ قال: «لا وُضوءَ لمن لم يَذكُرِ اسم الله عليه»، وكذا رواه البيهقي.
وأُجيبَ: بأنَّ المرادَ نفيُ الفضيلة والكمال، لا نفيُ الجواز والصحة، كحديث: «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ»، ولِما رَوَى أصحابُ «السُّنَن الأربعة» من حديث علي بن يحيى بن خلاَّد أنَّ النبي ﷺ قال للمُسيءِ صلاتَه: «إذا قُمتَ فتوضَّأ كما أمَرَك اللهُ». وليس في الوضوءِ الذي أَمرَ الله به التسميةُ. ولِمَا رواه الدارقطني مرفوعًا: «من توضَّأ وذكَرَ اسم الله فإنه يَطْهُر جسَدُه كلُّه، ومن توضَّأ ولم يَذكُر اسمَ الله لم يَطهُرْ إلا موضعُ الوضوء» (^٤) .
وفي «الهداية»: الأصحُّ أنها مستحبة. قال ابنُ الهمام: يجوزُ كَوْنُ مستَندِهِ فيه ضعفَ الأحاديث، ويجوزُ كونُهُ حديثَ المهاجِرِ بن قُنْفُذ، قال: «أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو
_________________
(١) الوِلاء: التعاقب بين الأفعال، بفعل الثاني منها بعد الأول من غير فصل. معجم لغة الفقهاء ص ٥٠٩.
(٢) المغرب في ترتيب المعرب: ١/ ٦٠.
(٣) لفظ: "فقلت" زيادة من المخطوطة.
(٤) قال العظيم آبادي في التعليق المغني على الدارقطني ١/ ٧٤: قال الذهبي: [في الميزان ٤/ ٨٨] مرداس بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن أبان الواسطي: لا أعرفه، وخبره منكر في التسمية على الوضوء.
[ ١ / ٤٧ ]
وبغسلِ يديه إِلى رُسْغَيه ثلاثًا،
===
يتوضأ فسلَّمت عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلما فَرَغ قال: إنه لم يَمنعني أن أردَّ عليك إلا أني كنتُ على غير وُضوء». رواه أبو داود، وابنُ ماجه، وابنُ حِبَّان في «صحيحه». وروى أبو داود عن نافع قال: انطلقتُ مع عبدِ الله بن عُمَر في حاجة إلى ابنِ عباس، فلما قَضَى حاجتَه كان من حديثه أن قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ في سِكَّة من سِكَك المدينةِ وقد خَرَج من غائطٍ أو بولٍ إذْ سلَّمَ عليه رجلٌ، فلم يرُدَّ ﵇، ثم إنَّه ضرَبَ بيده الحائطَ فمسَحَ وجهَهُ مسحًا، ثم ضَربَ ضربةً فمسَحَ ذراعيه إلى المرفقين، ثم كَفَّه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرُدَّ عليك إلا أني لم أكن على طهارة»، وما في «الصحيحين»: أنه ﵊ أقبَل مِنْ نحو بئرِ جَمَل (^١)، فلقيه رجلٌ فسلَّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه حتى أَقبل علَى الجِدار فمَسَحَ وجهه ويديه، ثم رَدَّ ﵇. فهذه الأحاديثُ متظافِرةٌ على عدم ذكرِه ﷺ على غير طهارَة، ومقتضاه انتفاؤهُ في أوَّل الوضوء الكائن عن حَدَث.
والجوابُ أنَّ المُعارضَةَ غيرُ متحقِّقة، لأن كراهة (^٢) ذكرٍ لا يكونُ من متمّمات الوضوء لا يَستلزم كراهة ما جُعِلَ شرعًا مِنْ ذكرِ الله تعالى تكميلًا له، فذلك الذِّكرُ ضروري للوضوء الكامل شرعًا، فلا تعارُضَ للاختلاف قطعًا.
(وبغسلِ يديه إِلى رُسْغيه ثلاثًا) جرَّ الغَسْلَ بالباء وعَطَفه على بالتسمية، للتصريح بأنَّ هذا الغَسْلَ سُنَّة باعتبار البداءة به، كما أنَّ التسمية كذلك، ولذا لا يكون الإِتيان بواحدٍ منهما في أثناء الوضوء إتيانًا بالسُّنَّة. وأما تقديمُ التسمية على غَسل اليد فجائز بل متعيِّن. والرُّسْغ بضّم الراء وسكونِ السين المهملة، فغين معجمة: المَفْصِلُ الذي بين الساعدِ والكفّ.
ولم يُقيِّد الغَسلَ بالاستيقاظِ من النوم في بعض النسخ، لأنَّ هذا الغَسلَ سُنَّة في غير المستيقظ أيضًا، لأن عِلَّة الغَسل وهي احتمالُ أنَّه مَسَّ بيده أعراقَ (^٣) بدنه موجودةٌ في المتنبِّه أيضًا، ولأنَّ مَنْ حَكى وضوءَه ﵊ قدَّمه، وإنما كان يُحكَى ما كان دأبَه وعادتَه في سائر الأيامِ، لا خصوصَ وضوئِه الذي بعد المنام. بل الظاهرُ أنَّ اطَّلاعهم على وضوئه من غير النوم كان أكثر.
_________________
(١) بئر جَمَل: موضع بالمدينة فيه مال من أموالها. معجم البلدان ١/ ٢٩٩.
(٢) عبارة المخطوطة: "لأن ذكر الله تعالى ذكر لا يكون من متممات الوضوء، فلا يستلزم كراهة".
(٣) العَرَق: رَشْحُ جلد الحيوان، ويستعار لغيره. القاموس المحيط ص ١١٧١ مادة (عرق).
[ ١ / ٤٨ ]
والسِّواكِ،
===
وأمَّا التقيدُ به في حديث «الشيخين» عن أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِسْ يدَه في الإِناء حتى يَغسِلَها، فإنَّه لا يدري أين باتَتْ يدُه»، ولفظُ مسلم: «حتى يغسلها ثلاثًا»، ولفظُ البزَّار من حديث هشام بن حسان: «فلا يغمسَنَّ يدَه في طَهوره حتى يُفرِغَ عليها ثلاثًا»، مؤكَّدًا بالنون الثقيلة، وهو هكذا في «الهدايةِ» ومُعظَمِ كتبِ أصحابنا؛ فلأنَّ توهُّمَ نجاسةِ اليدِ يكونُ من المستيقظ غالبًا.
وعن عروةَ بن الزبير وأحمد بن حنبل وداودَ الظاهري: أنه يجبُ على المستيقظ من نومِ الليل غَسْلُ اليدين لظاهر الحديث. قيل: وهو مذهبُ أبي هريرة وابن عمر والحسن.
وفي «الكفاية»: ينوبُ هذا الغَسلُ المسنونُ عن الغَسلِ المفروض، كالفاتحةِ واجبةٌ في الصلاة، وتنوبُ عن القراءة المفروضة فيما لو صلَّى ولم يَقرأ غيرَها.
(والسِّواكِ) قيل: عطفٌ على البدايةِ، والأظهَرُ أنه مجرورٌ عطفًا على التسمية، ليدلَّ على أن السُّنَّة استعماله في أوَّله. وقد صرَّحوا بأنَّ محلَّه قبل المضمضة. ولعلَّ مرادَهم أنه آخِرُ وقته، إذ يجوزُ تقديمُه على غَسل يده، كما صَرَّح به بعضُهم. ثم هو بكسر السين، اسمٌ للاستياك، وهو المرادُ هنا، وقد يُطلَق على العُود الذي يُستاكُ به، فيقدَّرُ مضافٌ، أي استعمالُه.
وإنما كان سُنَّةً لقوله ﵊: «لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواكِ عند كلّ صلاة» أو: «مع كلّ صلاة» رواه الستة، وعند النسائي في رواية: «عندَ كلّ وضوء»، ورواها ابنُ خُزيمة في «صحيحه» وصحَّحها الحاكم، وذكرها البخاريّ تعليقًا.
والمعنى: لأمرتُهم وجوبًا، وإلاَّ فقد أمرَهم سُنَّة. وروى أبو داود عن عائشة أنه ﵊: «كان لا يَرْقُدُ مِنْ ليلٍ أو نهار فيستيقظ إلا تسوَّكَ قبل أن يتوضَّأ». وورد في «مسند أحمد» أنه ﵊ قال: «صلاةٌ بسواكٍ أفضلُ مِنْ سبعين صلاةً بغير سِواك». واختار ابنُ الهمام أنه من مستحبات الوضوء.
وينبغي أنْ يكون ليِّنًا في غِلَظ الإِصبع وطولِ الشِّبر، مستويًا قليلَ العُقَد، من الأشجار المُرَّة، ليكون أقطعَ للبلغم، وأنقى للصدر، وأهنأ للطعام. وأنْ يَستاكَ به عَرْضًا وطُولًا أي عَرْضَ الأسنانِ، وهو طولُ الفم، ولو اقتصر على أحدهما فطُولًا، وقيل: يَستاك عَرضًا لا طولًا. ويَستاكُ بأصابعِه عند عدمهِ أو عدم أسنانه لقوله ﵊: «يُجزِي مِنْ السِّواكِ الأصابعُ»، رواه البيهقي عن أنس بألفاظ مختلِفة، وروى الطبراني عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله، الرجلُ يَذهبُ فُوهُ يَستاكُ؟ قال: «نعم»، قلتُ: كيف يَصنعُ؟ قال: «يُدخِلُ إصبعَهُ في فيه».
[ ١ / ٤٩ ]
وغسل فمه بمياهٍ كأنفه،
===
(وغسلُ فمه) برفعه (بمياهٍ) متعلِّق به (كأنفه) أي بثلاثِ غَرَفات لكلّ منهما، لا بثلاثٍ لها كما قال الشافعي ومالك علَى الصحيح، لِما رُوِيَ «أنه ﵊ مضمض واستنشق (^١) ثلاثَ مرات من غَرفة واحدة».
ولنا صَريحُ ما رواه الطبراني بسنده إلى كعب بن عَمْرو الياميّ: أن رسول الله ﷺ توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، يأخذ لكلّ واحدةٍ ماءً جديدًا، وغسلَ وجهَهُ، فلما مَسح رأسه قال هكذا وأومأ بيديه من مُقدَّم رأسِه حتى بَلغ بهما إلى أسفل عنقه مِنْ قِبَل قفاه. وروى الطبراني وأبو داود عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدّه: أنَّ رسول الله ﷺ توضَّأ فمضمض واستنشق ثلاثًا، يأخذ لكلَّ مرةٍ ماءً جديدًا.
وتحقيقُ التوفيقِ بعد صحة الروايات كلّها: أنَّ كُلاًّ رَوَى ما رأى، ولا منافاة بينهما في حصولِ أصل السُّنَّة، وإنما الخلافُ في زيادة الفضيلة.
والحاصِلُ: أنه ﵊ واظَبَ على المضمضة والاستنشاق في غالب الأيام، إذْ أكثَرُ حُكاةِ وضوئه ﵊ قولًا وفعلًا - وهم اثنان وعشرون نفرًا من الصحابة - نَصُّوا عليهما، إلا أنَّ بعضَهم سكت عن ذكر العَدَد فيهما، وذكَرَ بعضُهم أنه مضمض واستنشق مرة، وبعضُهم وهو عبدُ الله بن زيد بن عاصم حكاه فعلًا، وفيه: «مضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاثِ غَرَفاتٍ» وفيه: «فمسَحَ رأسه فأقبلَ بهما وأدبر مرةً واحدة». روى الأخيرَ الستةُ عنه. وقد بسطنا الكلامَ على هذا المرام في «المِرقاة شرح المِشكاة» (^٢).
وأمَّا المبالغةُ للمفطر فيهما فمستحبةٌ، لقوله ﵊ للَقِيط بن صَبِرَة: «أسبِغ الوضوءَ، وخَلَّلْ بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» رواه أصحابُ «السنن الأربعة». وروى ابنُ القطّان بسندٍ صحيح: «وبالِغْ في المضمضة والاستنشاق».
وحَدُّ المضمضة استيعابُ جميع الفم. والمبالغةُ فيه أن يصل الماءُ إلى رأس الحلق.
وحَدُّ الاستنشاق أن يصل الماءُ إلى المارِن. والمبالغةُ فيه أن يُجاوِزَ المارِنَ (^٣)، وهو بكسر الراء: ما اشتدَّ من الأنف. وفي «المحيط»: يَفعلُ كلًا مِنَ المضمضةِ
_________________
(١) في المخطوطة: "واستنثر".
(٢) ١/ ٣٠٩
(٣) المارِنُ: ما لان من الأنف وفَضَلَ عن القَصَبَة. لسان العرب ١٣/ ٤٠٤، القاموس المحيط ص ١٥٩٢، مجمل اللغة ٣/ ٨٢٨، مادة (مرن). وهذا المعنى مخالف لما ذكره المؤلف ﵀.
[ ١ / ٥٠ ]
وتخليلُ اللحيةِ
===
والاستنشاقِ بيمينه، وقيل: يَستنشق بِيساره، والصحيحُ أنه يَستنشق بيمينه، ويَستنثر بيساره.
وقال أحمدُ في أقوى الروايتين عنه بوجوبِ المضمضة والاستنشاق (في الوضوء لما روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله ﷺ بالمضمضمة والاستنشاق) (^١) . هذا، وقال المصنّفُ (^٢): إنما قلتُ: بمياهٍ ليدلَّ على أنَّ المسنون التثليث بمياهٍ جديدة، انتهى. وذلك لأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة، لكن لا خفاءَ في خفاءِ الدلالة على التجديد، فلو قال: بغَرَفاتٍ بدلَ قوله: بمياهٍ لكان مشعرًا بما ذَكَر.
وقدَّمَ غَسلَ الفم لأن تقديمه سُنَّة. ومِن الدليلِ على الفصل بين المضمضة والاستنشاق ما رواه أبو داود عن طلحة بن مُصَرِّف عن أبيه عن جدّه: «أنه رأى رسولَ الله ﷺ يَفْصِلُ بين المضمضة والاستنشاق». وسكت عنه المنذري، فهو حديثٌ حسن، لكن روى أبو داود في «سننه» ضدَّ ذلك عن عليّ: «أنه وصَفَ وضوءَ رسول الله ﷺ فتمضمض مع الاستنشاق بماءٍ واحد» فمحمولٌ على بيانِ الجواز، فإنَّ الأوَّل أولى كما لا يخفى.
(وتخليلُ اللحيةِ) بالرفع أيضًا، لما روى الترمذي وابنُ ماجه عن عثمان: «أن رسول الله ﷺ كان يُخَلِّلُ لحيتَه». ولفظُ الترمذي: «توضَّأ وخلَّل لحيتَه»، وقال: حسَنٌ صحيح، وصحَّحه ابنُ حِبَّان والحاكم، وقال الترمذي في «عِلله الكبير»: قال محمدُ بن إسماعيل - يعني البخاري ـ: أصحُّ شيء عندي حديثُ عثمان، وهو حديثٌ حَسن انتهى. فكيف وله شواهِدُ من حديث عمَّارٍ وأنس؟ كما رواها (^٣) الحاكم والترمذي وابن ماجه: «رأيتُه ﵊ يُخلِّلُ لحيتَه». وحديثُ أنس قال: «كان ﵊ إذا توضَّأ خلَّل لحيته» رواه البزار وابن ماجه، وحديثُ أبي أيوب نحوُه، رواه ابنُ ماجه.
وكيفيةُ تخليلها أنْ يُدخِل أصابَعه من أسفل لحيته إلى ما فوقها لما رَوَى أبو داود عن أنس قال: «كان النبيّ ﷺ إذا توضَّأ أَخَذَ كفًّا من ماءٍ فأدخلَهُ (^٤) تحت حَنَكِهِ فخلَّل به لحيته وقال: بهذا أمَرني ربي» وسكَتَ عنه، وكذا المنذري. ويؤيده حديثُ ابن عباس: دخلتُ على رسول الله ﷺ وهو يتوضَّأ، وقال فيه: فخلَّلَ لحيتَه، فقلتْ: يا
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوطة.
(٢) شرح الوقاية ١/ ٦٠.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "رواهما". والمثبت من الجزء الذي حققه شيخنا الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة - رحمه الله تعالى - من هذا الكتاب.
(٤) في المخطوطة والمطبوعة: "أدخل"، والمثبت من سنن أَبي داود ١/ ١٠١، كتاب الطهارة (١)، باب تخليل اللحية (٥٧)، رقم (١٤٥).
[ ١ / ٥١ ]
والأصابعِ،
===
رسول الله هكذا الطُّهور؟ قال: «هكذا أمَرني ربِّي». رواه الطبراني في «الأوسط». ورَوَى أيضًا حديثَ أبي أُمامة وحديثَ عبد الله بن أبي أوْفى. وفي حديثِ أبي الدرداءِ وحديثِ أم سَلَمة: كان إذا توضَّأ رسولُ الله ﷺ خلَّل لحيتَه. وروى البزَّارُ عن أبي بَكْرة: أنه ﵊ توضَّأ وخلَّل لحيتَه. وروى ابنُ عَدِيّ عن جابر: أنه توضَّأ رسول الله ﷺ غيرَ مرةٍ ولا مرَّتينِ ولا ثلاثَ مرَّاتٍ، فرأيتُه يخلِّلُ لحيتَه بأصابعه كأنها أسنان المُشْطِ.
فهذه الأحاديثُ تؤيِّدُ قولَ أبي يوسف: إنَّ تخليل اللحية سُنَّة، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: لم يَثْبُت منها المواظبةُ، بل مجرَّدُ الفعلِ إلا في شذوذٍ من الطُّرق، فكان مُستحبًّا لا سُنَّة.
(والأصابعِ) أي وتخليلُ أصابعِ اليدين والرجلين، لِمَا تقدَّم من حديث لَقِيط، ولِمَا روى الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «إذا توضَّأْتَ فخلِّلْ أصابعَ يديك ورجليك». وتخليلُ الأصابع يكون بالتشبيك، والأَولَى أن يَجْعَل باطنَ كفِّه اليُمنى على ظهر اليُسرى، وبَطْنَ كفِّه اليُسرى على ظهر اليُمنى. وروى أحمدُ في «مسنده» عن المُسْتورِد بن شدَّاد صاحبِ النبي ﷺ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ إذا توضَّأ يخلَّل أصابعَ رجليه بِخِنْصَرِه.
وكيفيةُ تخليلِها: أن يضع يدَه اليُسرى في أسفلِ رجله اليُمنى ويُدخِلَ خِنْصَرَها بين الأصابع، مُبتدِءًا مِنْ خِنصرِهِ اليُمنى منتهيًا إلى خِنصَرِه اليسرى. وهذا إذا وصَلَ الماءُ داخلَ الأصابع، وأمَّا إذا لم يصل بأنْ كانت مُنضمَّةً، فإنَّ تخليلها واجب، فقد ورد في الدارقطني مرفوعًا: «خَلِّلوا (بين) (^١) أصابِعِكم، لا يُخلِّلها الله بالنار يوم القيامة». وفي الطبراني: «مَنْ لم يُخلّل أصابعَه بالماء خلَّلها الله بالنَّار يومَ القِيامة» (^٢) .
وقال ابنُ الهُمام: أمثَلُ أحاديث التخليل ما في «السنن الأربعة» من حديث لَقِيط بن صَبِرَة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا توضَّأتَ فأسْبِغ الوضوء، وخلِّلْ بين الأصابع»، قال الترمذي: حسَنٌ صحيح. ورَوَى هو وابنُ ماجه عن ابن عباس قال ﵊: «إذا توضَّأْتَ فخلَّل أصابعَ يديك ورجليك»، وقال: حسَنٌ غريب (^٣) .
_________________
(١) ما بين الحاصرتين من سنن الدارقطني.
(٢) إسناده واهٍ جدًّا كما قال ابن حجر. انظر فيض القدير ٣/ ٤٥١.
(٣) عبارة المخطوطة: "حسن صحيح غريب" وعند الرجوع لسنن الترمذي ١/ ٥٧، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في تخليل الأصابع (٣)، رقم (٣)، وجدنا أن لفظة "صحيح" زائدة من المخطوطة.
[ ١ / ٥٢ ]
وتثليثُ الغَسل، ومسحُ كلِّ الرأس مرَّةً،
===
(وتثليثُ الغَسْل) أي غَسْلِ الوجه، واليدين، والرجلين، عطفٌ على تخليل اللحية. وإنما كان سُنَّةً لِمَا روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطُّهورُ؟ فدَعا بماءٍ في إناءٍ فغَسَل كفَّيه ثلاثًا، فذكَرَ صفةَ الوضوء ثلاثًا ثلاثًا إلاَّ الرأسَ، ثم قال: «هكذا الوضوءُ فمَنْ زادَ على هذا أو نَقَص فقد أساء وظَلَم» أو: «ظَلَم وأساء». وفي روايةِ ابن ماجه: «فقد تَعَدَّى وظَلَم»، وللنسائي: «فقد أساء وتعدَّى وظَلَم». وهذا إذا زاد على الثلاث أو نَقَص عنه معتقدًا أنَّ السُّنَّة هذا، أمَّا لو زاد لطمأنينةِ القلب عند الشكّ، أو نقَصَ لحاجةٍ فلا بأسَ به، إذ توضَّأ ﵊ ثلاثًا ثلاثًا، ومرَّتين مرَّتين، ومرَّةً مرَّةً.
وظاهرُ العبارة تُوهِمُ أنَّ كُلًا من المرَّات الثلاث سُنَّة، لكن المراد منه أن الأُولَى ركنٌ، والثانيةَ والثالثةَ سُنَّة. وهذا هو الصحيح. وقيل: الثانيةُ سنةٌ، والثالثةُ نَفْل، وقيل: بعكسه، وقيل: إذا توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا فالثلاث فرض، وهذا بعيدٌ جدًا.
(ومسحُ كلِّ الرأس) أي استيعابُه (مرَّة) لِمَا تقدَّم عن عبد الله بن زيد بن عاصم، ولِمَا حكَت الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ أنها رأت النبيَّ ﷺ يتوضَّأ، قالتْ: فمسَحَ رأسَه ما أقبَلَ منه وما أدبرَ، وصُدْغَيهِ، وأُذُنيه مرَّةً واحدة، ولِمَا رُوِي أنَّ رسول الله ﷺ مسَحَ رأسَه بيديه، فأقبلَ بهما وأدبر، بدأَ بمُقدَّم رأسه، ثُم ذهَبَ بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما حتى رجع إلى المكانِ الذي بدأ منه، ثم غَسَل رجليه. رواه الترمذي.
والأظهرُ في كيفية المسح: أن يَضعَ كفَّيهِ وأصابعَه على مقدَّمِ رأسه ويمُدَّها إلى قفاه على وجهٍ يستوعبُ الرأسَ، ثم يمسَح بإصبعيه أذنيه. ولا يكونُ الماءُ مستعملًا بهذا، لأن الاستيعابَ بماءٍ واحد لا يكون إلا بهذا الطريق، ولأن مسحَ الأذنين بماء الرأس، ولا يكونُ ذلك إلا بماءٍ مَسَحَ به (^١) الرأس، ولأنه لا يَحتاج إلى تجديد الماء لكل جزء من أجزاء الرأس، فالأُذن أولى لكونه تبعًا له، كذا ذكره في «شرح الكنز» (^٢)، واختاره ابنُ الهمام لأنه أوفق بما رُوِي عنه ﵊.
وقال صاحبُ «المحيط»: يُستحبُّ في الاستيعاب أن يضعَ مِنْ كلِّ واحدةٍ من اليدين ثلاثَ أصابع على مقدَّم رأسه - ولا يضعُ الإِبهام والسبَّابة - ويُجافيَ كفَّيه،
_________________
(١) لفظة: "به" زيادة من المخطوطة.
(٢) المسمى "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٦.
[ ١ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويَمُدَّهما إلى القَفَا، ثم يَضَع كفَّيه على مؤخَّر رأسِه ويَمُدَّهما إلى مقدَّمه، ثم يَمْسَح ظاهرَ كلّ أُذنٍ بإبهام، ويَمسِحَ باطنَهما (^١) بمُسَبِّحة (^٢) .
وفي «الأسرار»: إنْ كرَّر إقبالًا وإدبارًا مرَّةً بعد أُخرى بغيرِ ماءٍ جديد لم يكن فيه بأس. هذا، وقد توافَر وتكاثر، كادَ أَنْ يتواتر الطُّرقُ الصحيحةُ على المسحِ مرَّةً واحدة.
وقال الشافعي: السُّنَّةُ في مسح الرأس التثليثُ، لِمَا روى مسلم: أنَّ عثمان بن عفَّان ﵁ توضَّأ بالمَقَاعد - وهو مَوضِع - وقال: ألا أُرِيكم وُضوء رسولِ الله ﷺ ثم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا. قال البيهقي: على هذا الحديثِ اعتمَدَ الشافعيُّ في تكرير المسح. والرواياتُ الثابتةُ عنه المفسَّرةُ، تدلُّ على أنَّ التكرارَ وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء، وأنَّه مسَحَ برأسه مرةً واحدة.
وأمَّا ما رواه الدارقطني عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عَبْدِ خَيْرٍ، عن عليّ كرَّم الله وجهه: أنه توضَّأ فغسَلَ يديه ثلاثًا، وفيه: مسَحَ رأسَهُ ثلاثًا، وغسَلَ، رجليه ثلاثًا، ثم قال: من أحبَّ أن يَنظر إلى وضوءِ رسول الله ﷺ كاملًا فلينظر إلى هذا، فهكذا (^٣) رواه أبو حنيفة عن خالد بن علقمة، عن عبدِ خَيْر، عن علي، لكن خالفه جماعةٌ من الثقات: كسفيان الثوري، وشَريك، والشعبي وغيرهم، وقالوا: مسَحَ برأسه مرةً.
نعم، روى البزَّارُ في «مسنده» من طريق أبي داود الطَّيالِسي: أنَّ عليًّا توضَّأ في الرَّحْبة (^٤) فغسَلَ كفَّيه ثلاثًا، ثم مضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، وغسَلَ وجهه ثلاثًا، وذِراعيهِ ثلاثًا، ومسَحَ رأسَه ثلاثًا، وغسَلَ رجليه إلى الكعبين ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: إني أحببت أن أُريَكم كيف كان طُهورُ رسول الله ﷺ فهذا دليلُ الشافعيِّ وكذا دليلُ روايةِ الحسَنِ في تثليثِ المسحِ عن أبي حنيفة، ولكن بماءٍ واحدٍ كما رواه الطبراني عن علي في كتاب «مسند الشاميين». والجوابُ رُجحانُ روايةِ الإِفرادِ على التثليث، أو
_________________
(١) عبارة المخطوطة: "ويمسح بباطنهما. وفي الأسرار … ".
(٢) قال ابن الهمام في "فتح القدير" ١/ ١٢: "والمسنون في كيفية المسح أن يضع كفَّيه وأصابعه على مقدَّم رأسه، آخذًا إلى قفاه على وجه يستوعب، ثم يمسح أذُنَيه بماء الرأس. وأما مجافاة السباحتين مطلقًا ليمسح بها الأذُنين، والكفَّين في الإدبار ليرجع بهما على الفَوْدَين: فلا أصل له في السنة". انتهى. والفَوْدَان: شعرٌ يلي الأذنين.
(٣) في المطبوعة: "فهذا"، وفى سنن الدارقطني "هكذا"، والمثبت من المخطوط.
(٤) الرحبة: محلة بالكوفة .. والأصل في الرَّحبة: الفضاء بين أفنية البيوت، أو القوم والمسجد. معجم البلدان ٣/ ٣٣.
[ ١ / ٥٤ ]
والأُذُنَينِ بِمَائِهِ، والنِّيَّةُ،
===
حمْلُهُ على تحقيق الاستيعاب، أوحملُ تعدَّدَ المياه على قلَّةِ البِلَّة أو نَفادِها، لا لتكون سُنَّةً مستمرة. وقال البيهقي (^١): وقد رُوِيَ من أوجُهٍ (غريبةٍ) (^٢) عن عثمان تكرارُ المسح، إلا أنه مع خلافِ الحُفّاظ ليس بحُجَّة عند أهل العلم.
(والأذنينِ) أي ومَسْحُهما (بِمَائِهِ) أي بماء مسحِ الرأس.
وقال مالك والشافعي وأحمد: بماءٍ جديد، لِمَا روى الحاكمُ من حديثِ حَبَّان ابن واسع، أنَّ أباه حدَّثه، أنه سمع عبدَ الله بن زيد يذكر: أنه رأى رسولَ الله ﷺ يتوضَّأ فأخَذَ لأُذنيه ماءً خلافَ الماءِ الذي أخَذَ لرأسه.
ولنا صريحًا: ما رواه ابنُ حِبَّان، وابنُ خُزيمة، والحاكم عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم بوُضوء رسول الله ﷺ وفيه: ثم غَرَف غَرفةً: فمسَحَ بها رأسَه وأذُنيه. ودلالةً: ما رواه ابنُ ماجه بإِسنادٍ صحيح عن عبد الله بن زيد، والدارقطنيُّ بإسنادٍ صحيح عن ابنِ عباس: أنَّ النبي ﷺ قال: «الأذنانِ مِنْ الرأس»، أي حُكمُهما، فإنه ﵊ ما بُعثَ لبيان الخِلْقة، فيُحمَل ما تقدَّم على نَفادِ البِلَّة توفيقًا بين الأدلَّة. وروى ابن ماجه بإسنادٍ صحيح عن ابن عباس: أنه ﵊ مسَحَ أذنيه فأدخلهما السبَّابتين وخالفَ إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسَحَ ظاهرَهما وباطنَهما. وقد صرَّح الشيخ في «الإِلمام» عن أبي أُمامة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الأُذنانِ من الرأس وكان يمْسَحُ المأْقَيْنِ» (^٣) وقال أخرجه ابنُ ماجه، وهو حديثٌ حسن.
(والنيَّةُ) وهي: أن يُقصَدَ بالقلب الوضوءُ، أو رفعُ الحدَث، أو عبادةٌ لا تصحُّ إلا بالطهارة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: النيَّةُ فَرْضٌ في الوضوء، لقوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات».
ولنا أنه ﵊ لم يُعلِّم الرجلَ الذي سأله عن الوضوء النيَّةَ، ولأنَّ الوضوء شرطٌ للصلاة فلا يَفتقر إلى النيَّة كسائر شروطها، فالمرادُ بالأعمالِ العباداتُ،
_________________
(١) عبارة البيهقي في السنن ١/ ٦٢: "وقد روي من أوجه غريبة عن عثمان ﵁ ذكر التكرار في مسح الرأس، إلا أنها صح خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها". انتهى. ولعل المؤلف نقلها بالمعنى كما هي عادته.
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من السنن الكبرى"للبيهقي" ١/ ٦٢.
(٣) مأق العين: طرفها مما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع من العين. القاموس المحيط ص ١١٩١، مادة (مأق).
[ ١ / ٥٥ ]
والترتيبُ، والوِلاءُ.
===
فإنَّ المباحاتِ تُعتبر شرعًا بلا نيَّة، كالطلاق، والنكاح، وسائرِ المعاملات، بل المرادُ بها الطاعاتُ المستقلةُ، دون ما يتعلَّق بها من الشرائط التي هي كالوسيلة من طهارةِ الثوب، وسَتْرِ العورة، ومعرفةِ القِبلة، فالنيَّةُ فيها تُوجبُ المثوبة، وتُصيِّرُ العملَ عبادة، فمن ادَّعى أنَّ الشرطَ وضوءٌ هو عبادةٌ، فعليه البيانُ.
وصورةُ الخلاف إنما يَتحقَّقُ في نحوِ مَنْ دَخَل الماء مدفوعًا أو مختارًا لقصدِ التبرُّد، أو مجرَّدِ قصدِ إزالةِ الوسَخ، أو مجرَّدِ تعليم الضوء.
ثم محلُّ النية إمَّا في مبدأ سُنَن الوضوء، أو في أوَّل فرائضه، والأوَّل أكملُ وأفضل، لكن الأولَى أن يَستديمها إلى غَسْل الوجه، فتأمَّل.
(والترتيبُ) أي بين أعضاء الوضوء المفروضة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: فَرْضٌ لقوله تعالى: ﴿إذا قُمْتُم إلى الصلاة فاغسِلُوا وجوهَكم﴾ (^١)، فإنَّ غَسْلَ الوجه فيها مرتَّب على القيام بِالصلاة، فيجبُ الترتيبُ في الباقي، إذْ لا قائل بالفَصْل.
وأُجيبَ بأنه لا يتِمُّ هذا الاستدلالُ إلا إذا كانت الفاءُ الجزائيةُ تدُلُّ على تعقيب مضمون الجزاءِ مضمونَ الشرط من غير تراخٍ، وتدُلُّ على وجوبِ تقديمِ ما بعدَها على ما عُطِفَ عليه بالواو، وكلاهما ممنوع، لأنَّنا نقطع بأنْ لا دلالةَ في قوله تعالى: ﴿إذا نُودِي للصلاوة من يوم الجمعة فاسعَوْا إلى ذكر اوذَرُوا البَيْع﴾ (^٢)، على وجوبِ السعي عقيبَ النداء بلا تراخٍ، وعلى وجوبِ تقديم السعي على ترك البيع. فمعنى آيةِ الوضوء: فاغسِلُوا هذه الأعضاء، ولا دلالةَ فيه على ترتِيبها في الأداء، فهو على نظير قولك: إذا دخلتَ السوقَ فاشترِ لنا خُبزًا ولحمًا، حيث كان المُفادُ إعقابَ الدخولِ بشراء ما ذُكِرَ كيف وَقَع. نعَمْ، لو استُدِلَّ بمواظَبِتِه ﵊ ومداومتِهِ على مُراعاة الترتيب لكان أولَى كما لا يخفى.
(والوِلاءُ) بكسر الواو: المتابعةُ، وهو: أن يَغسِلَ العضوَ الثاني قبل جفافِ الأوَّل في زمَانِ اعتدالِ الهواء. وقيل: أنْ لا يَشتغل بينهما بعملٍ غيرِ ما يتعلَّقُ بالوضوء. وشَرَطه مالكٌ، والدَّلْكُ كذلك لمواظبةِ النبي ﷺ
والجوابُ أنها تدلُّ على السُّنيَّة دون الفَرْضية، لأن الله تعالى أمَرَ بالغَسْل مطلقًا
_________________
(١) سورة المائدة، آية: (٦).
(٢) سورة الجمعة، آية: (٩).
[ ١ / ٥٦ ]
ومُستحَبُّه: التيامُنُ، ومَسْحُ الرَّقَبَةِ.
===
عن قيدِ الوِلاءِ والدَّلْكِ قد روى ابنُ دَقيقِ العِيد في كتابه «الإِمام» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ أهلي تَغارُ عليَّ إذا أنا وطِئتُ جَوارِيَّ، قال: «ومِمَّ يَعلَمْنَ ذلك»؟ قلتُ: مِنْ قِبَلِ الغُسل، قال: «فإذا كان ذلك منك فاغْسِل رأسَك عند أهلك، فإِذا حَضَرَت الصلاةُ فاغْسِل سائرَ جسدِك». فهذا يُفيد عدَم اشتراط الوِلاء في الغُسل، ففي الوضوء كذلك.