ومن الفروع: شَكَّ في بعض أعضاء وضوئه قَبْلَ الفراغ، فعَلَ ما شكَّ فيه إنْ كان أوَّل شَكّ، وإلاَّ فلا عليه، وإنْ شَكَّ بعده فلا مطلقًا. ولو شَكَّ في الوضوءِ أو الحدَثِ، وتَيقَّنَ سبْقَ أحدِهما: بَنَى على السابق، إلاَّ أنْ يتأيَّدَ اللاحق.
(نواقض الوضوءِ)
(وناقِضُهُ) أي مُبطِلُ الوضوءِ ومُخْرِجُه عما هو مطلوب فيه من استباحةِ الصلاة ونحوِها، سواء كان وضوؤه كاملًا أو ناقصًا: (ما خَرَج) أي ظَهَر حقيقةً أو حكمًا، فلا يَنْقُضُ البولُ النازلُ إلى قَصَبة الذكر، لعدم ظهوره أصلًا، ويَنْقُضُ البولُ النازلُ إلى القُلْفة لظهوره حكمًا. وإنما لم يجب إيصالُ الماء إلى ما تحت القُلْفة في الغُسْل عند بعض المشايخ للحرج في ذلك. وقد روى الدارقطني عن ابن عباس عنه ﵊ قال: «الوضوءُ مما خَرَج وليس مما دَخَل». وقيل: هذا موقوف، وقيل: مِنْ قولِ علي ﵁ فلو أَدْخَلتْ إصبعها فيه نَقَض، لا لِمَا دَخَل، بل لأنها لا
[ ١ / ٥٨ ]
من السَّبِيلَينِ
===
تَخْرُج إلا بِبِلَّةٍ معها، وكذا العُودُ في الدُّبُر كالمِحْقَنةِ وغيرها.
(من السبيلين) أي من أحدهما، معتادًا كان أو غيرَ معتاد، كالدُّودِ والحَصَى، لقوله تعالى في التيمم الذي هو بدَلٌ عن الوضوء: ﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائط﴾ (^١)، وهو المكان المطمئنُّ والمنخفِضُ من الأرض. واستُعمِلَ في الحدَث مجازًا، لأنه في مثلِهِ يُقْضَى مُستَتِرًا (^٢) .
وقال مالك: لا يَنْقُضُ الدُّودُ، والحصاةُ، والاستحاضة، ونحوُها من سَلَسِ بولٍ، وانطلاقِ بطنٍ، أو انفلاتِ ريح، لأنَّ الله تعالى كنَّى بالغائط عن الحاجة، وهي المعتادة.
ولنا ما صحَّ مِنْ قولِه ﵊: «المُستحاضَةُ تتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاة» (^٣) .
فإنْ قيل: الريحُ الخارجةُ مِنْ قُبُلِ المرأة وذَكَرِ الرجل خارجةٌ من أحدِ السبيلين، وليسَتْ بناقضة؟ أُجِيبَ بأنَّ ذلك اختلاجٌ أي انجذابٌ وتحرُّك، وليسَتْ بريحٍ خارجة، ولو سُلِّمَ، فليستْ بمنبعثة عن محلِّ النجاسة، ولهذا لا تَخْرجُ مُنتِنة، فصارت كالجُشَاء، إلاّ أنَّ المرأة إذا كانت مُفْضاةً (^٤) يُستحبُّ لها الوضوءُ، لاحتمال خروجها منِ دُبُرِها، على أنه رُوِي عن محمد: أنَّ الريح الخارجة مِنْ قُبُلِ المرأَة حدَثٌ، قياسًا على دُبُرها.
وأمَّا ما ذكره صاحبُ «الهداية»: أنه قيل لرسول الله ﷺ ما الحدَثُ؟ قال: ما يَخْرُج من السبيلين. فلا أعرِفُ له أصلًا. نعَمْ، روى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: «الوضوءُ مما خرج وليس مما دخل»، إلا أنَّ في شعبة - مولى ابنِ عباس الراوي - اختلافًا في توثيقه وتضعيفه (^٥)، والأصحُّ أنه موقوف على ابن عباس كما ذكره سعيد بن منصور. وقال البيهقي: ورُوِي أيضًا عن عليَ مِنْ قولِه.
فإن قيل: الحدَثُ شَرْط الوضوء، فلا يكون ناقضًا له. أُجِيبَ بأنه ناقِضٌ لِمَا كان، وشَرْطٌ لِمَا يكون.
_________________
(١) سورة النساء، آية: (٤٣).
(٢) عبارة المخطوطة: "لأنه يقضي في مثله تسترًا".
(٣) أخرجه الطبراني في "الأوسط"
(٤) المُفضاة: المرأة التي صار مسلكاها واحدًا، يعني مسلك البول ومسلك الغائط، "المغرب في ترتيب المعرب": ٢/ ١٤٣.
(٥) عبارة المخطوطة: "إلا أن شعبة مولى ابن عباس الراوي اختلف في … ".
[ ١ / ٥٩ ]
أَو غيرِه إِن كان نَجَسًا
===
ثم الأصحُّ مِنْ مذهبِ الشافعي أنَّ المنيَّ لا يَنْقُض الوضوء، وإنْ أوجَبَ الغُسلَ لقول ابن عباسٍ: المنيُّ كالمُخاط، فأمِطْه عنك ولو بإذْخِرة (^١) . ولأنه أصلُ خِلقةِ الآدمِي، فكان طاهرًا كالتُراب، لاستحالة أن يقال: خُلِقَ الأنبياءُ من شيءٍ نَجِس.
ولنا قوله ﵊ لعمَّار بن ياسر: «إنما يُغْسَل الثوبُ من خمسةٍ: البولِ، والغائطِ، والخمرِ، والمنيِّ، والدَّمِ». وكونُه أصلَ الخِلقة لا يُنافي النجاسة كالمُضْغَة والعَلَقة. وابنُ عباس شبَّهه بالمُخاط في النظرِ لا في الحُكم، وأمْرُهُ بالإِماطةِ للتمكُّن من غَسله، إذْ قبلَها يَشِيع إذا أصابه الماء.
فروع
ومن الفروع: أنَّ المرأة إذا خَرَج الأقلُّ مِنْ وَلَدِها لم تصر نُفَساء، ويجبُ عليها الصلاةُ حينئذٍ، وإن لم تُصَلِّ صارَتْ عاصية، كذا في «الخلاصة». وفيه إشكال حيث يَدلُّ على أنَّ خروجَ بعض الولد ليس بناقض للوضوء، ودُفِعَ بأنَّ خروجَ بعض الولد في حقِّها كخروج البول في حقّ مَنْ به سَلَسُ البول، فكما أن خروجَ البول في حقِّه اعتُبِرَ عَدَمًا في الوقت للضرورة، كذا خروجُ بعض الولد في حقِّها. انتهى. وفي تنظيرِهِ نظر لا يخفى، والظاهرُ نقضُ وضوئها، فتتوضَّأ وتُصلِّي في آخِرِ الوقت.
(أو غيرِه) أي من غيرِ أحدِ السبيلين، أو مِنْ غيرِ المذكور. والمرادُ من الخروج أعمُّ من أن يكون بنفسه أو بالإِخراج، ليُلائم الخروجَ المذكورَ في المعطوف عليه، فإنه كذلك. فعلى هذا: لو عُصِر جُرحٌ وخَرَج منه شيء، وهو بحيث لو لم يُعْصَر لا يَخْرج، يَنْقُض (^٢) الوضوءَ، لأنه مُخْرَج لا خارج بنفسه.
(إِنْ كان نَجَسًا) بفتح الجيم، أي عينَ نجاسة، كدمٍ، وقيحٍ، وصديد، فلا يَنْقُض نحوُ المُخاطِ، والدمعِ، والبُزاقِ، واللُّعابِ، والعَرَقِ. وكذا العِرْقُ المَدَني (^٣) الذي يقال له بالفارسية: رِشْتَهْ، فهو بمنزلة الدُّودِ الخارجِ حيث لا يَنْقُض الوضوءَ، لأنهما طاهِرانِ. وإن كان العِرْقُ المَدَني يَسِيلُ منه الماءُ يَنْقُض كذا في «الظهيرية». ولو دَخَل الماءُ في أُذُنه وخَرَج، ففي «الخلاصة»: أنه لا يَنْقض. وفي «المحيط»: خروجُ القيح من الأذُن مع
_________________
(١) الإذخر: حشيشة طيبة الرائحة. النهاية ١/ ٣٣.
(٢) في المخطوطة: "ينتقض".
(٣) العِرْق المدني: نُسِب إلى المدينة لكثرته بها وهي بَثْرَة - نُفَّاخة مملوءة ماء - تظهر على سطح الجلد تتفجر عن عرق يخرج كالدودة شيئًا فشيئًا. حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٦١.
[ ١ / ٦٠ ]
سال إِلى ما يُطَهَّر،
===
الوجَع ناقض، وبدونه لا. ثُمَّ الماءُ الخارجُ من النَّفِطَة (^١) بمنزلة الدَّم على الأصحّ، وكذا الصَّديدُ (^٢) . وقيل: الماءُ بمنزلة الدَّمْع، كذا في «المضمرات».
(سال إِلى ما يُطَهَّر) أي ما يجبُ تطهيرُه في الجملة، ولو في الجنابة كالفم والأنف، فلا يَنْقضُ ما ظَهَر في موضعه ولم يَرتقِ كنَفِطَةِ الجُدَرِيّ والبَثْرَةِ (^٣) إذا قُشِرَتْ، ولا ما ارتقَى عن موضعه ولم يَسِلْ، والدمُ المرتقي مِنْ مَغْرِز الإِبَرِ، والحاصِلُ في الخلال من الأسنان، وفي الخُبزِ من العضّ، وفي الإِصبَعِ من إدخالِ الأنف (^٤)، ولا ما يَسِيلُ بعَصْرٍ وكان بحيث لو لم يُعْصَر لم يَسِل.
فالمرادُ بالسَّيَلانِ أعمُّ من أن يكون بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبة منه. ولا يَنْقُض نحوُ الدَّم يَخْرُج من العينِ أو الجِراحةِ ويَسيل فيهما بحيث لا يتجاوزهما. وقال زُفَر: لا يُشترط السَّيَلانُ اعتبارًا بالمَخْرَجينِ. ولنا قولُه ﵊: «ليس في القَطْرَة والقطرتين من الدم وضوءٌ إلا أن يكون سائلًا» رواه الدارقطني في «سننه»، لكنّ في إسناده ضعفًا.
وقال أحمد: يَنْقُضُ الدَّمُ الفاحشُ والدود الفاحش (^٥) الخارجُ من الفرج. وقال مالك والشافعي: لا يَنْقُض الخارجُ من غير السبيلين لِمَا أسنده أبو داود والحاكم وعلّقه البخاري فقال: «ويُذكَرُ عن جابر بنِ عبد الله أنَّ النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرِّقاع - بكسر الراء - فرُمِيَ رجلٌ بسهم فَنَزَفه الدمُ، أي خرج منه حتى ضَعُف، فرَكَعِ وسَجَد ومَضَى في صلاته». وسمَّاه البيهقي وقال: فنام عمَّارُ بنُ ياسر، وقام عَبَّادُ بنُ بِشْر يُصَلِّي وقال: كنتُ أصلِّي بسورة الكهف فلم أُحبَّ أن أقطعها. والاستدلالُ به مُشكِل، ولذا قال الخَطَّابي: ولستُ أدري كيف يصحُّ الاستدلال به، والدمُ إذا سال يُصِيبُ بدنَه، وربما أصاب ثوبَه، ومع إصابة شيء من ذلك لا تصحُّ صلاته، إلا أن يقال: إن الدم كان
_________________
(١) النِّفِطَة: الجُدَرِي. حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ص ٦١. والقامرس المحيط ص ٨٩١ مادة (نفط).
(٢) الصَّديد: ماء الجُرح الرقيق. القاموس المحيط ص ٣٧٣، مادة (صد).
(٣) في المطبوعة: البَشَرة، والمثبت من المخطوط، وهو الأصح. والبَثرَة: خُرَّاج صغير مملوءٌ قيحًا. معجم لغة الفقهاء ص ١٠٤.
(٤) عبارة المخطوطة: وفي الإصبع من إدخاله في الأنف.
(٥) لم ترد عبارة: "والدود الفاحش" في النسخة التي حققها شيخنا الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة ﵀، وهي مثبتة في المطبوعة والمخطوطة اللتين بين أيدينا، ولكن بإبدال لفظ: "المخرج" بدل: "الفرج" في المخطوطة.
[ ١ / ٦١ ]
والقيءُ دَمًا رقيقًا إِن احمرَّ به البُزاقُ لا إِن اصفرَّ به، وغيرَهُ
===
يجري من الجُرح على سبيل الدَّفق حتى لا يُصيبُ شيئًا مِنْ ظاهر بدنه، وإن كان كذلك فهو أمرٌ عَجِيب. انتهى. ومع هذا لا يَنْهضُ حجةً إلا إذا ثَبَتَ اطِّلاعُ النبي ﷺ على صلاة الرجل وتقريُرُه له عليها.
ولنا ما روى الدارقطنيُّ فى «سننه» عن تمِيمٍ الداريِّ، وابنُ عَدِيَ في «كامله» عن زيدِ بن ثابت: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الوضوءُ مِنْ كلِّ دمٍ سائل». وروى البخاري عن عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش جاءت إلى النبي ﵊ فقالت: إني أُستحاضُ فلا أَطْهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلكِ عِرْقٌ، وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلَت الحَيْضةُ فدَعِي الصلاة، وإذا أدْبَرَتْ فاغْسلِي عنكِ الدَّم، وتوضَّئي لكل صلاة». فنبَّه ﵊ على العِلَّة المُوجِبةِ للوضوء، وهو كونُ ما يَخْرجُ منها دَمَ عِرْقٍ، وهو أعمُّ من أن يكون خارجًا من السبيلينِ أو غيرِهِما، ثم أمَرَها بالوضوء لكلّ صلاة.
وقد قالوا: مَنْ رَمِدَتْ عَيْنُه وسال الدمُ منها وجَبَ عليه الوضوءُ، فإذا استمرَّ فلِوَقْتِ كلِّ صلاة. وأمَّا ما رواه الدارقطني من أنه ﵊ «احتَجَم وصلَّى ولم يَتوضَّأ، ولم يَزِدْ على غَسْل مَحاجِمِه» فضعيف.
(والقيءُ) بالرفع عَطفٌ على ما خَرَجَ، والواوُ بمعنى أو. وقولُه: (دَمًا) مفعول، لأنه مَصدَرُ قَاءَ يقِيءُ (رقيقًا) فإنَّه حينئذٍ يكون مِنْ قَرْحةٍ في الجوف وقد وَصَل إلى ما يُطَهَّر (إِنْ احمَرَّ بهِ البُزاقُ) لأنَّ الدم حينئذٍ غالبٌ أو مُساوٍ، فيكون سائلًا بقوَّةِ نَفْسِه فيُعتَبَر (لا إِنْ اصفَرَّ به) لأنه حينئذٍ مغلوبٌ فيكون سائلًا بقوَّةِ غيره فلا يُعتَبر (^١) .
(وغيرَهُ) بالنصب عَطفٌ على دَمًا والضميرُ له، أي والقيءُ غيرَ دم، وهو شاملٌ للطعامِ والماءِ والمِرَّةِ والدَّمِ الغليظة.
وقال أحمدُ: يَنْقُضُ القيءُ الفاحش، وقال مالك والشافعي: لا يَنْقُض القيءُ مطلقًا لِمَا صحَّحه الترمذي من حديث صفوانَ بن عسَّال (^٢) قال، «كان رسول الله ﷺ يأمُرنا إذا كنا سَفْرًا أن لا نَنْزِعَ خِفافنَا ثلاثة أيام وليالِيَها إلا مِنْ جنابة، ولكن مِنْ غائطٍ وبولٍ ونوم»، فلم يَذْكُر القيءَ، فلو كان حدَثًا لذكره.
ولنا ما روى أبو داود والنسائي والترمذيُّ وقالَ: أصحُّ شيءٍ في الباب، والحاكمُ
_________________
(١) في هامش المخطوطة: وفي الظهيرية: ولو كان في البزاق عروق الدم فهو عفو.
(٢) جاء في المطبوعة: "غسان" وهو تحريف، والتصحيح من المخطوطة وسنن الترمذي ١/ ١٥٩، كتاب الطهارة (١)، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم (٧١)، رقم (٩٦).
[ ١ / ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شَرْط الشيخين ولم يخرجاه، من حديث مَعْدانَ بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: أنَّ النبيّ ﵊ قاءَ فتوضَّأ فلقيتُ ثَوبانَ في مسجد دمشق فذكرتُ ذلك له، فقال: صَدَقَ، وأنا صببتُ له وَضوءَه.
وأُجيبَ عن حديث صفوان بإنه إنما لم يُذْكَر القيءُ فيه لقلَّة وقوعِه، ولذا لم يُذْكر فيه الإِغماءُ والجنونُ. وقد روى ابنُ ماجه عن عائشة مرفوعًا: «من أصابه قَيءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ، أو مَذْيٌ فليَنصَرفْ وليتوضَّأ ثم ليَبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يَتكلَّم» وفي روايةِ الدارقطني: «ثم ليَبْنِ على صلاته ما لم يتكلَّم»، والحديثُ هذا وإن كان مرسَلًا، لكنه حُجَّة عندنا وعند الجمهور، لا سيما ويَعضُده حديثُ مَعْدان، والله المستعان. وروى الدارقطني: أنه ﵊ قال: «القَلَسُ حَدَثٌ». والقَلَسُ - محرَّكة ويُسكَّن - الخارج مع الغَثَيان، والقيءُ مع سكونِ النَّفْس أو الأعمُّ، والله تعالى أعلم.
وأمَّا قولُ صاحب «الهداية» في دليل الشافعي: على أنَّ الخارج من غير السبيلين لا يَنْقُض الوضوءَ لِمَا رُوي أنه ﵊ «قاءَ ولم يتوضأ» فليس له أصل. وأمَّا حديثُ ابن جُرَيج عن أبيه كما رواه الدارقطني فقد ذكَرَ البيهقي عن الشافعي: أنَّ هذه الرواية ليست بثابتة عن النبي ﵊.
ومن الغريبِ ما ذكره القاضي أبو العباس من أنَّ إمامَ الحرمين في «النهاية» والغزالي في «البسيط» ذكَرَا أنَّ هذا الحديث مَرويٌّ في كتب الصحاح، قال: وهو وَهَمٌ منهما، ولا معرفةَ لهما بالحديث لأنهما ليسا مِنْ أهل هذا الشأن. وأمَّا ما رواه الدارقطني عن ثوبان: أنَّ رسول الله ﵊ قاءَ فَدَعَا بِوَضوئِهِ، فقلتُ: يا رسول الله أفريضةٌ الوضوءُ مِنْ القيء؟ قال: «لو كان فريضةً لوجدتَه في القرآن». فقال (^١): لم يَروه عن الأوزاعي غيرُ عُتبة بن السَّكَن، وهو متروك.
ومِن أدلَّتِنا ما في «موطَّأ مالك» عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا رَعَف رجَعَ فتوضَّأ ولم يتكلَّمْ، ثم رَجَع وبَنَى على ما قد صلَّى، وما في «مصنَّف عبد الرزَّاق» عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: إذا وَجَدَ أحدُكم رِزًّا أو رُعَافًا أو قَيْئًا فلينصرِفْ وليتوضَّأ، فإن تكلَّم استقبل وإلاَّ اعتدَّ لِمَا مضى. وفيه عن سلمان مثلُه، وفي «مسند الشافعي» عن ابن عُمَر نَحوُه. والرِّزُّ بكسر الراء وتشديد الزاي: القَرَقَرَةُ، وقيل: هو غَمْزُ الحدَثِ وحَرَكتُهُ للخروج، كذا في «النهاية»، وقال
_________________
(١) أي الدارقطني.
[ ١ / ٦٣ ]
إِن مَلأ الفمَ
===
السيوطي: هو صوتٌ خَفيّ، وفي «القاموس»: صوتٌ تَسمعه من بعيدٍ أو أعمُّ.
وقولُ من نَفَى صِحَّة حديثٍ في نقضِ الوضوءِ بالدمِ والقيءِ والضحكِ إن سُلِّمَ لم يقدح في صحة الاحتجاج، لعدمِ توقُّفه على صِحَّةَ الحديثِ إذ الحُسْنُ كافٍ، على أنها قد تحْصُل من العَدَدِ المجتمِع، كما في المتواترِ المعنوي، مع أنه رأيٌ من النافي لها، وهو لا يَمنعُ رأيَ مثلِهِ من الصحيح بالنسبة إليه عند غلبةِ ظنِّه.
(إِنْ مَلأ) أي القيءُ (الفمَ) بأن لم يُمكِنْ ضبطُه إلا بكُلفة. وقيل: بأنْ لم يُمكِن معه الكلام. وقال زُفَر: قليلُ القيء ككثيره اعتبارًا بالخارج من السبيلين. ولنا: ما رويناه مقيَّدًا بالسَّيَلان (^١)، وما رواه البيهقي في «الخلافيات» من قوله ﵊: «يُعادُ الوضوءُ من سَبْعٍ: من إقطارِ البولِ، والدَّمِ السائل، والقيحِ، ومن دسْعةٍ تَملاء الفم، ونومِ المضطجِعِ، وقهقهةِ الرجل في الصلاة، وخروجِ الدم»، ولا يَضرُّ ضعفُ سهلِ بن عفَّانَ والجارودِ بن يزيد لوجود أصل الحديث عند غيرهما. والدَّسْعةُ: الدَّفعةُ الواحدة من القيء على ما في «النهاية».
وأمَّا ما ذكره صاحب «الهدايةَ» من قول علي ﵁ حين عَدَّ الأحداث: «أو دَسْعَةٍ تَملأ الفم» فهذا اللفظُ عن علي ﵁ ليس له أصل.
ويَنتقِضُ بمصّ قُرَادٍ (^٢) وشُربِ الذُّبابِ دمَ جُرْح بحيث لو شُرِطَ القُرَاد (^٣) أو تُرِكَ دمُ الجرح لسالَ، لا بسُقوطِ لحمٍ ودُودٍ منه لعدمِ نجاسة الدُّود في ذاته واللحمِ في أصله.
وأمَّا قيءُ الدم المائع فناقضٌ عند أبي حنيفة ﵀ وإن لم يَملأ الفم، وشَرَط محمد مِلْئه، وعن أبي يوسف أنه إن كان من قَرْحة نَقَض مطلقًا، وإن كان من الجوف لا يَنْقُض حتى يملأ الفم. وفي «النوادر». لو قاء مرارًا كلَّ مرَّة دون ملء الفم والمجموعُ قد ملأه قال أبو يوسف: يَنقُضُ إذا اتحد المجلس، لأن اتحاده يَجمع المتفرقات كما في سجدة التلاوة. وقال محمد: إن اتحد السببُ وهو الغَثَيان، لأن الأصل إضافة الفعل إلى سببه، وهو الأصحُّ كما في «الكافي».
ولو أرخينا العِنَان، وجعلنا الأدلة تتعارض في مَيدان البيان، فإنْ جَمَعنا بينها فهو
_________________
(١) راجع ص ٦١. يريد حديث: "ليس في القطرة والقطرتين … ".
(٢) القُراد: دُوَيْبَّةٌ معروفة تَعَضُّ الإبل. تاج العروس ٩/ ٢٦، مادة (قرد). أطلق الشارح هنا نقض الوضوء بمصِّ القراد، كبيرًا أو صغيرًا، والصواب تقييده بالكبير كما نص عليه في "رد المحتار على الدر المختار" ١/ ٩٤: "إن كان كبيرًا نقض وإلا لا ينقض".
(٣) شُرِطَ: شُقَّ.
[ ١ / ٦٤ ]
لا بَلْغمًا أصلًا. وما ليس بحَدَثٍ، ليس بنَجَس. ونومُ مُتَّكىء إِلى ما لو أُزِيلَ لسَقَط،
===
أولى عند الإِمكان، حَمَلْنا ما رواه الشافعي على القليل في القيء وما لم يَسِل، وما رواه زُفَر على الكثير توفيقًا بين الأدلة.
ثم القليلُ في القيء غيرُ ناقض، وعلى هذا يَظهر ما في «المجتبى» عن الحَسَن: لو تَناول طعامًا أو ماءً ثم قاء مِنْ ساعته لا يَنتقضُ لأنه طاهرٌ حيث لم يَستحِل، وإنما اتَّصل به قليلُ القيء فلا يكون نَجِسًا، وكذا الصبيُّ إذا ارتضع وقاءَ من ساعتِه، قيل: هو المختار.
(لا بَلْغمًا) عطفٌ على «دَمًا»، أو منصوبٌ بمحذوف، أي لا يَنْقض القيءُ إذا كان بَلْغمًا (أصلًا) أي سواءٌ كان من الرأسِ أو من الجوف، لم يكن مِلء الفم أو كان مِلئه، ولم يكن مخلوطًا بطعام أو كان مخلوطًا به، والحالُ أنَّ الطعام دون مِلء الفم، وأمَّا لو كان الطعامُ مِلء الفم فإنه يَنْقُض بالاتفاق. وقال أبو يوسف: البلغمُ النازلُ من الرأس لا يَنْقُض، والصاعِدُ من الجوف إن كان مِلء الفم يَنْقُض كغيره من أنواع القيء.
(وما ليس بحَدَثٍ) كالدَّم الذي ليس بسائل والقيءِ دون مِلء الفم (ليس بنَجَس) بفتح الجيم، ليس بنجاسةٍ عند أبي يوسف وهو الصحيحُ عند صاحبِ «الهداية» وغيرهِ، وقال محمد: وهو نَجَسٌ احتياطًا، واختاره أبو جعفر الهِنْدُوَانيُّ وغيرُه. فإن قيل: دمُ الاستحاضةِ والجُرح الذي لا يَرقأ ليس بحَدَثٍ وهو نَجَسٌ؟ أُجِيبَ بأنَّا لا نُسلِّم أنه ليس بحَدَث، غايتُهُ أنه حدَثٌ، لا يَظهر أثرُه إلا بخروج الوقت.
(ونومُ مُتّكاء) أي مستندٍ (إِلى ما لو أُزِيلَ لسَقَط). واعلم أنْ النوم إِنْ كان اضطجاعًا أو اتكاءً على أحدِ الوَرِكينِ نَقَضَ، وإِن كان استنادًا إلى شيء يَسْقطُ المُتَّكيءُ عند إزالتِهِ، فإن زالت المَقْعَدةُ عن الأرض نَقَض اتفاقًا، وإن لم تَزُل ذكَرَ الطَّحاويُّ والقُدُوريُّ أنه يَنْقض لحصولِ غايةِ الاسترخاء، والمرويُّ عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يَنْقض، لأنَّ استقرارَ المَقْعَدةِ على الأرض يَمنع من الخروج. وإِن كان في قيامٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ، فإن كان في الصلاة لا يَنْقض، وكذلك إن كان خارجَها وهو على هيئتها مِنْ رفع البطن في السجود عن الفخذين وتجافي العَضُدينِ عن الجنبين. وذَكَر ابنُ شُجَاع أنه يَنْقُض خارجَ الصلاة.
وقال الشافعي: يَنْقُضُ مطلقًا، لأنه لا يُؤمَنُ الحدَثُ في هذه الهيئات، ففارقَتْ هيئةَ القعود متمكنًا.
ولنا قولُه ﵊: «لا يجبُ الوضوءُ على من نام جالسًا، أو قائمًا، أو
[ ١ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ساجدًا، حتى يضَعَ جنبيه، فإذا اضطجعَ استرخَتْ مفاصِلُه» رواه البيهقي، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس: أنه رأى النبيَّ ﵊ نامَ وهو ساجدٌ حتى غَطَّ أو نَفَخ، ثم قام فصلى فقلتُ: يا رسول الله إِنك نِمْتَ؟ فقال: «إنَّ الوضوءَ لا يجبُ إلا على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجَعَ استرخَتْ مفاصِلُه». وغَطَّ النائمُ - بفتح الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة - إذا نَخَر (^١) .
وأخرَجَ ابنُ عدي عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدّه قال: قال رسول الله ﵊: «ليس على من نام قائمًا أو قاعدًا وُضوءٌ حتى يَضْطَجِعَ جَنْبُه إلى الأرض»، وأخرَجَ أيضًا عن ابن عباسٍ عن حُذَيفة بن اليمان قال: كنتُ جالسًا في مسجد المدينة أَخْفِقُ (^٢) فاحتَضَنَني رجلٌ مِنْ خلفي، فإذا أنا بالنبيّ ﵊، فقلتُ: يا رسول الله وجَبَ عليّ وضوء؟ قال: «لا حتى تَضَع جَنْبَك على الأرض».
وهذه الأحاديثُ وإن كانت بانفرادِها لا تخلو عن ضعف، إلاَّ أنها إذا تعاضَدَتْ لم تُنْزِله عن درجةِ الحَسَن، ولم يُعارضه صريحٌ مثلُه، فيجوزُ العمَلُ به.
وقال أبو يوسف: يُنْقَضُ الوضوءُ بتعمُّدِ النوم في سجود الصلاة، وقالا: لا يُنْقَضُ به لعموم ما رَوَينا، ولقولهِ ﵊: «إذا نام العبدُ في السجود يُباهِي اللهُ ملائكتَه فيقول: انظروا إلى عبدي، رُوحُه عندي، وبدَنُه في طاعتي» (^٣) . وإنما يكونُ في الطاعة أنْ لو بَقيَتْ طهارتُه، لأنه بدونها إمَّا كُفرٌ أو كبيرة.
وفي «الظهيرية»: لو نام قاعدًا فسقَطَ إن انتَبَه قبل أن يَصِلَ جنبُه إلى الأرض لا يَنْقُض. وقيل: يَنقُض إذا ارتفَعَ مَقْعَدَتُهُ عن الأرض، والأوَّلُ أصحُّ. وفي «الخلاصة»: أن الأوَّلَ قولُ أبي حنيفة، والثانيَ قولُ محمد. ولو وضَعَ يدَه على الأرض ونام، أو نامَ محتبيًا ورأسُهُ على ركبتيه لا يَنْقُض. ولو صلَّى المريضُ مضطجعًا، فنام فالصحيحُ أنه يَنْقُض. ولو نَعَسَ مضطجعًا إن كان نُعاسُهُ خفيفًا بحيث يَسْمعُ ما يُتحدَّثُ عنده لا يَنْقُض.
ثم النومُ وما ذُكِرَ بعده من الإِغماءِ والجنونِ: مَظِنَّاتٌ للأحداثِ أُقيمَتْ مُقامَها. والأصلُ فيها قولُه ﵊: «العَيْنانِ وِكاءُ السَّهِ، فإن نامَتْ العينانِ استَطْلَق
_________________
(١) النَّخِير: صوت الأنف. "النهاية" ٥/ ٣٢.
(٢) خَفَقَ الرجل: حرك رأسه وهو نَاعِسٌ. مختار الصحاح ص ٧٧، مادة (خفق).
(٣) هذا حديث ضعيف جدًّا كما قاله النووي في "المجموع" ٢/ ١٣. وانظر "التلخيص الحبير" ١/ ١٢٠ - ١٢١.
[ ١ / ٦٦ ]
والإغماءُ،
===
الوِكاءُ» (^١) . وأمَّا إذا نام قاعدًا وتمايَلَ بحيث احتُمِلَ زوالُ المَقْعَدةِ به فلا يَنْقُض، لما في «سنن أبي داود»: كان أصحابُ رسول الله ﵊ ينتظرون العِشاءَ حتى تَخْفِقَ رؤسُهم - أي تَضطرب - (ثم يصلون) (^٢) ولا يَتوضَّؤُون.
واعتبَرَ مالكٌ ثِقَلَ (^٣) النوم حالَ الجلوس لأنه مظِنَّةُ استرخاء المفاصل غالبًا، فأُدِيرَ الحُكمُ عليه بخفاءِ سببه.
ولنا إطلاقُ ما رَوَيْنا من حديثِ حذيفةَ وغيرِه. وأمَّا ما في «مسند البزَّار» بإسنادٍ صحيح «كان أصحابُ رسول الله ﵊ يَنتظرون الصلاةَ فيَضعون جُنوبَهم، فمنهم من ينامُ ثم يقومُ إلى الصلاة»، فيجبُ حملُه على النُّعاس.
وقال الحَلْواني: لا ذكْرَ للنُّعاس مضطجِعًا، والظاهرُ أنه ليس بحَدَث، لأنه نومٌ قليل. أقول: بل هو مقدِّمةُ النوم، وقد قال الدَّقَّاقُ: إن كان لا يَفهَمُ عامَّةَ ما قِيلَ حوله كان حَدَثًا، وإن كان يَسْهو حرفًا أو حرفينِ فلا.
وأمَّا نومُهُ ﵊ فليس بحَدَث، لأنه مِنْ خُصوصيَاتِهِ ولقوله ﵊: «تَنامُ عيناي ولا يَنَامُ قلبي» (^٤) .
(والإغماءُ) وهو مرضٌ يُوجِب ضعفَ القُوَى، والمرادُ به هنا: الغَلَبةُ على العقلِ بأيّ سببٍ كان، فيَشمل السُّكْرَ وهو: خِفَّةٌ تعتري الإِنسان. والضابطُ هنا كاليَمِين (^٥)، وهو أن يكون في مَشْيهِ اختلال، وهو الأصحُّ على ما في «المجتبى». وفي «الخلاصة»: السُّكْر حدَثٌ إذا لم يَعرِف به الرجلَ من المرأة.
_________________
(١) جعل اليقظة للاسْتِ كالوكاء للقِربة، كما أن الوكاء يمنع ما في القِربة أن يخرج، كذلك اليقظة تمنع الاست أن تُحْدِث إلا باختبار. والسَّه: حَلْقَةُ الدُّبُر. النهاية ٥/ ٢٢٢.
(٢) ما بين الحاصرتين أثبتناه من المخطوطة وسنن أبي داود ١/ ١٣٧ - ١٣٨، كتاب الطهارة (١)، باب في الوضوء من النوم (٧٩)، رقم (٢٠٠).
(٣) في المطبوعة: "نقض"، والمثبت من المخطوطة، وهو الأصح، لما صرح به المالكية في كتبهم، بأن النوم إذا ثقل نقض، وإلا لا. انظر الإِكليل شرح مختصر سيدي خليل ص ٢٣.
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٦/ ٥٧٩، كتاب المناقب (٦١)، باب كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه (٢٤)، رقم (٣٥٦٩).
(٥) أي ضابط السُّكْرِ الذي ينقض الوضوء هنا كضابط السُّكْرِ في اليمين، وهو أن يكون في مشيه اختلال، فلو حلف أنه ليس بسكران، يعتبر في صدق يمينه هذا الضابط. انتهى من "فتح باب العناية" ١/ ٧٤، الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أَبو غُدَّة رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٦٧ ]
والجنونُ، وقهقهةُ بالغٍ في صلاةٍ مُطْلَقةٍ،
===
وإنما يَنتقِضُ وضوؤه بالغَلَبةِ على العقل، لأنها فوق النوم مضطجعًا، ولهذا كانت ناقضةً في جميع الأحوال، ألا تَرى أنّ المُغْمَى عليه لا يَنتبه بالتنبيه بخلاف النائم.
(والجنونُ) وهو عِلَّةٌ تُزيل العقلَ وتَسْلبه، وهو أقوى مما قبله.
(وقهقهةُ بالغٍ) عمدًا كان أو سهوًا، وهي ما تكون مسموعةً له ولجيرانه، سواءٌ ظهرت أسنانُهُ أوْ لا. والضحِكُ: ما يكون مسموعًا له دون غيرهِ، وتَبْطُلُ به الصلاةُ دون الوضوء. والتَّبَسُّمُ: ما لا يُسْمَعُ أصلًا، وليس بمُبِطلٍ لواحدٍ منهما. وقَيْدُ «بالغٍ» لأنَّ قهقهة الصبيّ لا تُبطِلُ وضوءه وتُبطِلُ صلاتَهُ.
(في صلاةٍ مُطْلَقةٍ) أي ذاتِ ركوعٍ وسجود أو ما يقوم مقامَهما من الإِيماء، فلا تَنْقضُ القهقهةُ في صلاة الجنازة ولا في سَجْدة تلاوة، وتَنقُضُ في نافلةٍ على الدابَّة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تَنقُضُ القهقهةُ وضوءًا، لأنها لو نَقَضتْ في الصلاةِ لنقضَتْ خارجَها، وفي صلاةِ الجنازةِ وسجدةِ التلاوةِ كباقي النواقض.
ولنا أنَّ القياس ما ذكروه ولكن تركناه - فيما إذا كانت القهقهةُ في ذاتِ ركوعٍ وسجود - بما رواه الدارقطنيُّ عن أبي هريرة وعِمرانَ بن حُصَين، والطبرانيُّ عن أبي موسى الأشْعَري واللفظُ له قال: بينما رسولُ الله ﵊ يُصلِّي بالناس إذْ دَخَل رجلٌ فتردَّى - أي وقَعَ - في حُفرةٍ كانت في المسجد، وكان فِي بَصَرِهِ ضَررٌ، فضَحِكَ كثيرٌ من القوم وهم في الصلاة، فأمَرَ رسولُ الله ﵊ مَنْ ضَحِكَ أن يُعيد الوضوءَ والصلاةَ.
ولنا أيضًا ما قدَّمنا (^١) مِنْ قولِهِ ﵊: «يُعادُ الوضوءُ من سَبْع»، وقولُهُ: «مَنْ ضَحِكَ في الصلاةِ قهقهةً فليُعِدِ الوضوءَ والصلاةَ»، فإنَّه رُوِيَ مُرسَلًا ومُسنَدًا، وقد اعتَرَفَ أهلُ الحديث كلُّهم بصحَّتِه مُرسَلًا، والمُرسَل حجَّةٌ عندنا وعند الجمهور. وأمَّا رِوايتُهُ مُسنَدًا، فعن عِدَّةٍ من الصحابة كابنِ عُمَر، ومَعْبَدٍ الخُزاعي، وأبي موسى الأشْعَري، وأبي هريرة، وأَنس، وجابر، وعِمران بن حُصَين، وقد اسْتَوفَى صاحبُ التخريج الكلامَ على الطُّرقِ كلِّها (^٢)، ونَقتصرُ منها على طريقينِ:
طريقِ ابنِ عُمَر، وهو ما رَوَى ابنُ عَدِي في «الكامل» من حديث عَطِيَّة بن بَقِيَّة:
_________________
(١) في ص ٦٤.
(٢) يقصد الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" ١/ ٤٧ - ٥٤. وانظر "عمدة القاري".
[ ١ / ٦٨ ]
والمُباشرةُ الفَاحِشَةُ، لا مَسُّ المرأةِ
===
حَدَّثنا أبي: حدثنا عَمْرُو بن قَيْس السَّكُوني، عن عطاء، عن ابنِ عمر قال: قال رسول الله ﵊: «من ضَحِك في الصلاةِ قهقهةً فَليُعِدِ الوضوءَ والصلاة».
وأمَّا الطَّعْنُ فيه بأنَّ بَقِيَّة مُدَلِّس، فكأنه سَمِعَهُ مِنْ بعضِ الضعفاء وحَذَفَ اسمَه: فمدفوعٌ بأنه صَرَّح فيه بالتحديث، والمُدَلِّس الصَّدُوقُ إذا صرَّحَ بالتحديث تَزولُ تُهْمَةُ التدليس، وبَقِيَّةُ مِنْ هذا القَبيل.
وطريقِ مَعبَد، وهو ما رَوَى أبو حنيفة في «مسنده» عن منصور بن زَاذَان الواسطي، عن الحسن، عن مَعْبَد بن أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعي، عنه ﵊ قال: بينما هو في الصلاة إذْ أقبَلَ أعمى يُريدُ الصلاةَ، فوقع في زُبْيَةٍ - بضمّ الزاي وسكون الموحدة فتحتيَّة ـ، أي حُفرةٍ، فاستَضْحَكَ القومُ فقهقهوا، فلما انصرَفَ رسولُ الله ﵊ قال: «من كان منكم قَهْقَه فليُعِدِ الوضوءَ والصلاة».
وقِيلَ: مَعْبدٌ هذا لا صُحبة له، فهو مُرسَلٌ أيضًا، ورُدَّ بأنَّ المَعْبَد الذي لا صُحبةَ له هو مَعْبَدٌ البَصْري الجُهَني، كان الحسَنُ يقول فيه: إياكم ومَعْبدًا، فإنه ضالّ مُضِلّ (^١)، ومَعْبدٌ هذا هو الخُزَاعي كما هو مصرَّحٌ في «مُسنَدِ أبي حنيفة»، ولا شَكَّ في صُحبته، ذكره ابنُ مَنْدَه وأبو نُعيمٍ في الصحابة، ورَوَيا له حديثَ جابر: أنَّه لما مَرَّ النبيُّ عليه بخِبَاءِ أمِّ مَعْبَدٍ، فبَعَثَ مَعْبَدًا وكان صغيرًا فقال: «ادْعُ الشاةَ» … الحديث.
(والمُباشرةُ الفاحِشةُ) وهي أن يَمَسَّ (^٢) فَرْجُه فَرْجَها وهو مُنتشِر الآلة، وقال محمد: إنما يَنْقُض إذا خَرَج المَذْيُ، لأنَّ الناقض خروجُ النَّجَس. ولهما أنَّ المباشَرةَ على هذه الصفة لا تخلو غالبًا عن مَذي، فجُعِلَ الغالبُ كالمتحقِّق احتياطًا. وفي «القُنْيَة»: وكذا المباشَرَةُ بين الرجلِ والغلامِ، وكذا بين الرَّجلين، تُوجِبُ الوضوءَ عليهما. ثم عباراتُ أكثرِ الكتبِ متظاهِرَةٌ من أنَّ الصحيحَ والمُفَتى به قولُ محمد (^٣) .
(لا مسُّ المرأةِ) أي لا يَنْقضُ الوضوءَ مَسُّ المرأة، سواءٌ تَكُونُ إضافةُ المصدر إلى فاعلِه أو مفعوله، وهو قولُ عليّ وجماعةٍ من الصحابة.
_________________
(١) لأنه هو أول من أظهر القَدَر بالبصرة. تقريب التهذيب ص ٥٣٩، ترجمة رقم (٦٧٧٧).
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "أن مس"، والمثبت من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى. "فتح باب العناية" ١/ ٧٨.
(٣) لم يرتضِ ابن نجيم صاحب "البحر" هذا التصحيح، حيث قال: ولا يعتمد على هذا التصحيح، فقد صرح في "التحفة" - كما نقله شارح "المنية" - أن الصحيح قولهما، وهو المذكور في المتون. البحر الرائق ١/ ٤٥.
[ ١ / ٦٩ ]
والذَّكَرِ.
===
وقال الشافعي وأحمد: يَنْقُضُ مَسُّ المرأةِ التي غيرُ مَحْرَمٍ وضوءَ اللامس، وهو قولُ عُمَر وبعضِ الصحابة لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائطِ أو لمَسْتُم النّساءَ﴾ (^١) بقصر اللام كما قرأه حمزة والكِسائي (^٢)، وحقيقةُ اللَّمْس المَسُّ، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوه بأيديهم﴾ (^٣) . وقال مالك: يُنْقَضُ بالمَسِّ إذا كان يتلذَّذُ به.
ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂: أنها قالتْ: كنتُ أنامَ بين يدَيْ رسولِ الله ﵊ ورِجْلاي في قِبْلتِه، فإذا سَجَدَ غمَزَني فقبضتُ رِجْلَيّ، وإذا قام بسطتُهما، وما في «السُّنَّن الأربعة»: عن عائشة: أنَّ النبي ﵊ كان يُقَبِّلُ بعضَ أزواجه ثم يُصَلّي ولا يتوضَّأ، ورواه البَزَّار في «مسنده» بإسنادٍ حسَّنه.
وأُجِيبَ عن الآية بأنَّ اللَّمْسِ يُكْنى به عن الجماع، وحَمْلُ الآية عليه أولى ليُوافِقَ قراءةَ: ﴿لامَسْتُم﴾ فإنه مُفسَّر بالجماع عند الجمهور، وقد قال ابنُ عباس: المُرادُ باللَّمْس: الجماعُ، إلا أنَّ الله تعالى حَيِيٌّ كَنَّى بالحَسن عن القبيح، كما كَنَّى بالمَسِّ عن الجماع في قوله تعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهُنَّ﴾ (^٤)، والمُرادُ الجماعُ بالإِجماع، ولأنَّ الآية تَصيرُ بيانًا لكون اللَّمس رافعًا للحدث الأصغر والأكبر.
(و) لا (الذَّكَرِ) أي ولا يَنْقُضُ الوضوءَ مَسُّ ذَكَرِه أو ذَكَرِ غيرِه مطلقًا.
وقال الشافعي: يَنْقُضُه إن كان بِبَطْن الكفّ أو بطنِ الأصابع، وبه قال مالكٌ إذا كان بشهوة، وقال أحمد: مَسُّ الفَرْج يَنْقُض الوضوءَ ذَكَرًا كان أو أُنثى، لما روى أحمد والطبراني عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أفضى أحدُكم بيده إلى فَرْجه ليس دونها حِجاب فقد وجَبَ عليه الوضوءُ»، وما روى أصحابُ «السُّنَن الأربعة»: عن بُسْرة بنتِ صفوان أَنه ﵊ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فليتوضَّأ».
ولنا ما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن قَيْس بن طَلْق، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه سُئِلَ عن الرجل يَمَسُّ ذَكَرهُ، في الصلاة؟ فقال: «هل هو إلا بَضْعَةٌ منك»، بفتح الموحَّدة، أي قِطعة من جسدك، قال الترمذي: هذا الحديثُ أحسَنُ شيء يُروَى في هذا الباب، ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، ورواه الطَّحاوي وقال: هذا حديثٌ مستقيمٌ غيرُ
_________________
(١) سورة النساء، آية: (٢٣).
(٢) انظر "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" ص ٨٠.
(٣) سورة الأنعام، آية: (٧).
(٤) سورة البقرة، آية: (٢٣٧).
[ ١ / ٧٠ ]