شَكَّ أوَّلَ مَرَّةٍ أنَّهُ كَمْ صلَّى؟
===
(وإنْ أفْسَدَ) الركعتين من اقتدى به فيهما (قَضَاهُمَا) عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد: لا قضاء عليه، كما لو أفسدهما الإمام. ولهما: أنَّ سبب سقوط قضائهما، الشروع فيهما على ظن أنهما عليه، وهذا موجود في الإمام دون المُقْتَدِي.
(وإنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ) في شفع النفل (لا يَبْنِي) شفعًا آخر عليه، لأنه إن أعاد السجود آخر الصلاة فقد بطل ما فعله في وسطها، وإنْ لم يعده فقد أتى به في غير محله. (وإنْ بَنَى صَحَّ) لبقاء التحريمة، وأعاد السجود لأنه في وسط الصلاة غير مُعْتَدَ به. وقيل: لا يعيد لحصول جبر النقصان به.
(فإنْ سَلَّمَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ، فَهُوَ في الصلاة إنْ سَجَدَ) ولا يخرج من الصلاة بسلامه (وإِلاَّ لا) أي وإن لم يسجد فليس هو في الصلاة بل خرج عنها بسلامه، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن سلامه عندهما أخرجه عن الصلاة خروجًا موقوفًا. ولا يخرجه عند محمد وزُفَر، فهو في الصلاة سواء سجد أو لم يسجد، لأنه لمَّا وجب عليه السجود لجبر الصلاة، فلا بد من اعتبار إحرامها باقيًا. ولهما أنَّ السلام مُحَلِّلٌ، والحاجة إلى أداء السجود مانعة عن التحليل، فإذا لم يكن السجود، عَمِلَ السلامُ عملَه.
وثمرة الخلاف تظهر في الاقتداء بمن سلَّم وعليه سجود سهو قبل أن يعود، فعندهما: إن عاد، صح الاقتداء. وعنده: يصح الاقتداء ولو لم يعد. وفي انتقاض طهارته بالقهقهة، فعندهما: إن عاد ينتقض، وإن لم يَعُد لم ينتقض. وعنده: ينتقض إن عاد أو لم يعد. وفي تغيُّر فرض المسافر بنية الإقامة، فعندهما: إن عاد يتغير، وإن لم يعد لم يتغير. وعنده: يتغير عاد أو لم يعد.
(فصلٌ في الشك في الصلاة)
(شَكَّ أوَّلَ مَرَّةٍ أنَّهُ كَمْ صلَّى؟) قال صاحب «الأجْنَاس»: معناه أول ما سهى في عمره. قال شمس الأئمة: معناه أن السهو ليس بعادة له. وقال فخر الإسلام: معناه أول
[ ١ / ٣٧٠ ]
اسْتَأْنَفَ، وإنْ كَثُرَ أَخَذَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ، وإنْ لَمْ يَغْلِبْ فَبِالأَقَلِّ،
===
ما عَرَضَ له في (تلك) (^١) الصلاة (اسْتَأْنَفَ) لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة، عن ابن عمر أنه قال في الذي لا يدري صلّى ثلاثًا أو أربعًا: «يعيد حتى يحفظ». وفي لفظ آخر قال: «أمَّا أنا فإذا لم أدْرِ كمْ صلّيت؟ فإني أُعِيدُ». وروى نحوه عن سعيد بن جُبَيْر، وابن الحَنَفِيَّة، وشُرَيْح. وروى عامر الشَّعْبِيّ، عن ابن عباس أنه قال: «إذا شك الرجل في الصلاة استقبل الصلاة». وروى خَواهِر زَادَهْ وغيره في «المَبْسُوط»: أنه ﷺ قال: «إذا شَكَّ أحدكم في صلاته، أنه كم صلّى؟ فليستقبل الصلاة». واستغربه الزَّيْلَعِيُّ المُخَرِّج (^٢)، وقد تبعهم صاحب «الهداية».
(وإنْ كَثُرَ) شكّه (أَخَذَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ) وعَمِلَ به، لِمَا في «الصحيحين»، عن ابن مسعود: أن النبيّ ﷺ قال: «إذا شكَّ أحدكم فليتحر الصواب، وليتم عليه ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين»، ولأنه يتحرَّج بالإعادة في كل مرة، فيعمل بغالب ظنّه دفعًا للحرج.
(وإنْ لَمْ يَغْلِبْ) على ظنّه شيء (فَبِالأَقَلِّ) عمل وأَخَذ، لِمَا روى (ابن ماجه و) (^٣) الترمذي وقال: حسن صحيح. عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «إذا سهى أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلّى أو ثنتين، فَلْيَبْنِ على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا فليبن على ثنتين، فإذا لم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا فليبن على ثلاث، ويسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم».
ولفظ ابن ماجه: «إذا سهى أحدكم في صلاته فلم يَدْرِ واحدةً صلّى أو ثنتين؟ فليجعلها واحدة، وإذا شك في ثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا، ثم ليتم ما بَقِيَ من صلاته حتى يكون الوَهْم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (^٤) . وكذا رواه الحاكم في «المستدرك»، ولفظه: «فلم يدر أثلاثًا صلّى أو أربعًا؟ فليُتِمَّ فإن الزيادة خير من النقصان». ولفظ أبي داود:
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٢) فليُعْلَم أن الزيلعي إذا قال: غريب، فهو يعنى بهذا أنه لم يَجِدْهُ، وهو اصطلاح خاصٌّ به، ولا يعني به الغريب الذي يتفرّد به بعض الرواة. فليُتَنَبَّه.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط، وهي صحيحة، لوجود الحديث في سنن ابن ماجه ١/ ٣٨١ - ٣٨٢، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (٥)، باب ما جاء فيمن شك في صلاته … (١٣٢)، رقم (١٢٠٩)، واللفظ للترمذي.
(٤) لفظ الحديث عند ابن ماجه: "إذا شك أحدكم في الثِّنْتَيْن والواحدة، فلْيَجْعَلْها واحدة، وإذا شك في الثِّنْتَيْن والثلاث فَلْيَجْعَلْها ثِنْتَيْن، وإِذا شك في الثلاث والأربع فَلْيَجْعَلْها ثَلاثًا، ثم ليُتِمَّ ما بقي من صلاته حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يُسَلِّم". والحديث سبق تخريجه في التعليقة السابقة.
[ ١ / ٣٧١ ]
لَكِنْ يَقْعُدُ حَيْثُ تَوَهَّمَهُ آخِرَ صَلاتهِ.