المَسْحُ على الخُفَّين جائزٌ للمُحدِث دون مَنْ عليه
===
فدَّل أنَّ العبرة بالأكثر. وقد تقرَّر أنه لا يُجمع بين الأصلِ والبدل، فلا نَجمع نحن ومالكٌ بين الوضوءِ والتيمم خلافًا للشافعي.
فصلٌ (في المَسْحِ على الخُفَّين والجَبِيرةِ)
(المَسْحُ على الخُفَّين) أي دون الخُفِّ الواحد (جائز) أي عند أهل السنّة والجماعة خلافًا لبعض أهل البدعة. وهو ثابتٌ بالسُّنَن المشهورة المتظاهرة، كادت أن تكون متواترة. ورُوي عن أبي حنيفة أنه قال: ما قلتُ بالمسح على الخفين حتى وردَتْ فيه آثار أضوأُ من الشمس، وعنه: أخاف الكُفرَ على من لم يَر المسح على الخفين. لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر، أي التواترِ المعنوي وإن كانت من الآحادِ اللفظي.
وقال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا من أصحاب رسول الله ﷺ وفي «الاستذكار» لابن عبد البَرّ: رَوَى المسحَ على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة. وفي «الإِمام» لابن دقيق العيد: قال ابنُ المنذر وغيرُه: رَوَينا عن الحسن البصري أنه قال: حدَّثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسَحَ على الخفين. ورَوَى الجماعةُ من حديث جَرير قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بالَ ثم توضَّأ فمسَحَ على خُفِّيه. قال إبراهيم النَّخَعي: كان يُعجبهم هذا لأن إسلام جَرير كان بعد نزول المائدة، وفي لفظ للبخاري: لأنَّ جَريرًا كان آخِر مَنْ أسلم.
وقال ابنُ عبد البَرّ: لم يُروَ عن أحدٍ من الصحابة إنكارُ المَسْح، إلا عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة، فأمَّا ابنُ عباس وأبُو هريرة فقد جاء عنهما بالأسانيد الحِسان خلافُ ذلك وموافقةُ سائر الصحابة، وأمَّا عائشةُ ﵂ ففي «صحيح مُسْلمٍ»: أنها أحالت ذلك على عِلْم عليّ. وقد رَوَى عن شُرَيح بن هانيء قال: سألتُ عائشةَ ﵂ عن المسح على الخفين فقالت: لا أدري، سَلُوا عليًَّا، فإنه كان أكثرَ سفرًا مع رسول الله ﷺ فسألْنا عليًّا فقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يَمسح على الخفين. وفي روايةٍ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يَمسَحُ المقيمُ يومًا وليلة، والمسافِرُ ثلاثة أيام وليالِيَها»، فبَلَغ ذلك عائشةَ فقالت: هو أعلَمُ.
وإنما يجوز المسحُ على الخفين (لِلمُحدِث) رجلًا كان أو امرأةً (دون مَنْ عليه
[ ١ / ١٢١ ]
الغُسل. وفَرْضُه - وهو خُطوطٌ - مِقْدارُ ثلاثةِ أصابعِ اليدِ في أسفلِ السَّاقِ.
===
الغُسل) للجنابة، لِمَا روى الترمذي، وصحَّحه وابن خزيمة، وابن حِبَّان في «صحيحه»: عن زِرْ بن حُبَيش أنه سأل صفوانَ بن عسَّال المُرادي عن المسح على الخفين فقال: «كان رسول الله ﷺ يأمُرنا إذا كنا سَفْرًا أن لا نَنْزِعَ خِفافنَا ثلاثةَ أيام وليالِيَها إلا مِنْ جنابة، ولكن مِنْ بولٍ وغائطٍ ونوم». فلا يَمسحُ الجُنُب.
وصورتُه: توضَّأ ولَبِسَ خفيه ثم أَجنب ومعه ماء، فليس له أن يَربط خُفَّيه بحيث لا يَدخل الماءُ فيهما ويَغسلَ سائرَ جسده ويمسحَ خفيه. وقيل: صورتُه: لَبِسَ خُفَّيه ثم أَجنب وليس معه ماء، فتيمَّم لجنابته، ثم أَحدث ثم وجَدَ ماء يكفي للوضوء: لا يجوز المسحُ على خفيه.
وكذا لا تَمسحُ النُّفساء، وصورتُه: لَبِسَتْ الخفين على طهارة فنَفِسَتْ وانقطع نِفاسُها قبلَ ثلاثة أيام وهي مسافرة، أو قبل يوم وليلة وهي مقيمة. وكذا لا تَمسحُ الحائض، وصورةُ ذلك إنما تتأتى على قول أبي يوسف: إنَّ أقلَّ الحيض يومانِ وأكثرُ الثالث في مسافرةٍ لبِسَت الخفين فحاضَتْ وانقطع حيضُها لعادتها وهي يومانِ وأكثَرُ الثالث، وأمَّا على قولهما: إنَّ أقلَّ الحيض ثلاثة أيام ولياليها، فلا يتأتّى تصويرٌ لها، لأنها إن لبسَتْ الخفين قبل الحيض فغَسْلُ الرِّجْلين واجب لانقضاء مُدَّة المسح، وإنْ لَبِسَتْهما في الحيض فغَسلُ الرِّجلين واجِب لفواتِ شرط المسح وهو لُبسُ الخفين على طهارة. والمقصودُ تصويرُ المسألة بحيث لا يكون مانعٌ مِنْ مسحِ الخفين سوى وجوب الاغتسال.
(وفَرْضُه) أي مفروضُ المسح مقدَّرٌ عندنا (وهو خُطوطٌ) أي ثلاثةٍ (مِقْدارُ ثلاثة أصابعِ اليد) وقيل: أصابع الرِّجْل.
وقدَّره الشافعيُّ بجزءٍ ما، ومالكُ بأكثرِ ساترٍ أو كلِّه قياسًا على مسح الرأس.
(في أسفلِ) أي في محلَ يكون أسفَلَ (السَّاقِ) في كلِّ رِجْل، فلو مسَحَ على أحَدِ خُفَّيه قَدْرَ إصبعين وعلى الآخَرِ قَدْرَ أربع لا يجزيه. ولو بدأَ مِنْ قِبَلِ الساقِ إلى الأصابع أو مسَحَ على ظهر القَدَم جاز، إلا أنه خِلافُ الأولى. وفي بعض النسخ: قَدْرُ ثلاث أصابعِ اليد أسفَلَ الساق على أعلاها. أي أعلى أسفل الساق وهو ما لاقَى ظاهِرَ القدم، ولا يَمسحُ على أسفلها، وهو ما لاقَى باطنَ القدم، ولا على عَقِبهِ، ولا على جَنْبِه، ولا على ما تحته لِمَا روى أبو داود في «سننه»: من حديث عَبْدِ خَيْر، عن عليّ كرَّم الله وجهه أنه قال: لو كان الدِّينُ بالرأي لكان أسفَلُ الخُفّ أَولى بالمسحِ مِنْ
[ ١ / ١٢٢ ]
ويجوزُ على الجُرْمُوقَيْن
===
أعلاه. وفي روايةٍ: لكان باطِنُ الخُفّ أَولى بالمسحِ مِنْ ظاهرِه، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يَمسَحُ على ظاهر خُفَّيه.
وروى ابن أبي شيبة عن عُمَر: أنَّ النبي ﷺ أمَرَ بالمسح على ظاهر الخفين إذا لَبِسَهُما وهما طاهرتان. وفي روايةِ الطبراني بلفظ: سمعتُ رسول الله ﷺ يأمرُ بالمسح على ظهر الخف ثلاثة أيام وليالِيَهن للمسافر، وللمقيم يومًا وليلة. وروى ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بالَ ثم جاء حتى توضأ ومسَحَ على خُفَّيه، ووضَعَ يدَهُ اليمنى على خُفِّه الأيمن ويدَهُ اليسرى على خُفِّه الأيسر، ثم مسَحَ أعلاهما مَسحةً واحدة، وكأني أنظرُ إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين.
وروى ابن ماجه والطبراني عن بَقيَّة بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: مرَّ رسول الله ﷺ برجلٍ يتوضَّأ وهو يغسل خُفَّيه فَنَخَسه بيده (^١) وقال: «إنما أُمِرنا بالمسح هكذا»، وأَرَاه مِنْ مُقدَّم الخفين إلى أسفلِ أصلِ الساق مرَّةً، وفرَّجَ بين أصابعه.
ولا يُسَنُّ مسْحُ أسفلِه عندنا. ويُسَنُّ عند مالك والشافعي لما رواه أبو داود والترمذي من حديث الوليد بن مسلم بسنده إلى المغيرة بن شعبة قال: وضَّأْتُ رسولَ الله ﷺ في غزوةِ تَبوك، فمسَحَ على الخُفِّ وأسفلِه. قلنا: قد أعلَّه الترمذيُّ وغيرُه.
(ويجوزُ) أي المسحُ (على الجُرْمُوقَيْن) (^٢) أي الجُرْمُوقَيْن يُلبَسانِ فوقَ الخفين في البلاد الباردة، فارسيٌّ معرَّب.
وقال مالك في إحدى الروايتين والشافعيُّ في قولٍ: لا يجوز المسحُ عليه، لأنه لا يُحتاج إليه في الغالب فلا تتعلَّقُ به الرخصة.
ولنا ما روى أبو داود، وابن ماجه، وابن خُزَيمة، والحَاكم وصحَّحه: أنَّ عبد الرحمن بن عَوْف سأل بلالًا عن وضوء رسول الله ﷺ فقال: كان يَخرجُ يقضي حاجته، فآتيه بالماء فيتوضَّأ ويمسحُ على عِمامته وجُرْمُوقَيه (^٣) . ولأنَّ الجُرْمُوق (^٤) لا يُلبَسُ بدون الخفِ عادة، فأشبه خُفًّا ذا طاقين، وإنما يجوز المَسْحُ على
_________________
(١) أي دفعه بيده، كما في سنن ابن ماجه ٩/ ١٨٣، كتاب الطهارة (١)، باب في مسح أعلى الخف وأسفله (٨٥)، رقم (٥٥١).
(٢) في المخطوطة: "المُوقين" بدل "الجرموقين". والمعنى واحد.
(٣) في المخطوطة: "الموقين" بدل "جرموقية".
(٤) في المخطوطة: "الموق" بدل "الجرموق".
[ ١ / ١٢٣ ]
وكلِّ ما يَستُرُ الكَعْبَ ويُمكن به السَّفَرُ.
وشُرِطَ كونُهما مَلْبُوسَيْنِ على طُهرٍ تامّ
===
الجرموقين عندنا إذا لَبِسَهُما فوق الخفين قبل أن يُحدِث ويَمسحَ، فأما إذا مسَحَ عليهما أوَّلًا ثم لَبِسَ الجرموق فليس له أن يمسح عليه (لأن حكم المسح استقر في الخف، فصار من أعضاء الوضوء حكمًا، فيصير الجرموق بدلًا عنه، وكذا لو أحدث بعدما لبس الخف ثم لبس الجرموق، فليس له أن يمسح عليه) (^١) لأنَّ ابتداء المسح من وقتِ الحدث، وقد انعقد في حق الخف، ولا يتحول إلى الجرموق بعد ذلك.
(وكلِّ ما يَستُر الكَعْبَ) أي ويجوز المسحُ على ما يستره (ويُمكن به السَّفَرُ) أي السَّفَرُ القصير العُرْفي وأقلُّه فرسخ (^٢)، سواء كانا مجلدين بأن كان الجلدُ أعلاهما وأسفلَهما، أو مُنعَّلَين بأن كان الجلد أسفلَهما فقط، أو ثخينين مستمسكين على الساق في قول أبي يوسف ومحمد وأبي حنيفة أخيرًا قبلَ موتِه بسبعة أيام، وفي «النوازل»: بثلاثة أيام، وعليه الفتوى، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»: عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ توضَّأ ومسَحَ على الجَوْربَينِ والنعلين. قال الترمذي: حسن صحيح. واعتُرِضَ بأن المعروف من رواية المغيرة المسحُ على الخفين. وأجيبَ بأنه لا مانع من أن يَروي المغيرة اللفظين، وقد عضدَه فعلُ الصحابة.
قال أبو داود: ومسَحَ على الجوريين: عليٌّ، وابن مسعود، والبراء، وأنس، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعَمْرو بن حُرَيث. ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، ويؤيده روايةُ ابن ماجه عن أبي موسى، والطبرانيِّ عن عيسى بن شيبان، وابن أبي شيبة عن بلال: أنه ﷺ كان يمسحُ على الخفين والجَوْرَبين.
وأجمعوا على أنه لو كان مُنعَّلًا أو مُبطَّنًا يجوز المسح عليه، ولو كان من الكِرْباسِ (^٣) لا يجوز المسحُ عليه، وإن كان من الشَّعَر فالصحيح أنه إن كان صُلْبًا مُستمِسكًا يَمشي معه فرسخًا أو فراسخ يجوز. فعلى هذا الخلاف.
(وشُرِطَ كونُهما) أي الخفينِ ونحوِهما أو الممسوحينِ سواء كانا خُفَّين أو جرموقين (^٤) أو جَوْرَبين (ملبوسينِ على طُهر تامّ) أي بعْدَ طُهرِ (كامل) (^٥) أعضاءِ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
(٢) الفَرْسخ: مقداره ثلاثة أميال، والميل يساوي: ١٨٤٨ مترًا × ٣ = ٥٥٤٤ مترًا. معجم لغة الفقهاء ص ٣٤٣. بتصرف.
(٣) الكِرباس: ثوب غليظ من قطن. معجم لغة الفقهاء ص ٣٧٩.
(٤) في المخطوطة: "موقين" بدل "جرموقين".
(٥) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقتَ الحَدَث، لا في الجَبِيرة،
===
فَرْضِ وضوئه أو غُسلِه (وقتَ الحدَث) ظَرْفٌ لتامّ، فلا يُمسح على الخُفّ الملبوس على حَدَث.
وتَمسحُ المستحاضةُ ومَنْ بمعناها في الوقت، وبه قال مالك، ومنعه الشافعي في قولٍ لضعفِ طهارتها. ولا تَمسحُ خارجَ الوقت، وأجازه زُفَر إلى تمام المدة مسافرًا كان أو مقيمًا، ولا يُمسَحُ على الجرموق (^١) الملبوس على خُفَ ممسوح، ولا على الخُفّ الملبوس على تيمم.
وقال مالك والشافعي وهو أشهر الروايتين عن أحمد: يُشترطُ أن يكون الطُّهرُ تامًّا وقتَ اللُّبس، فعندنا لو غَسَل رجليه ولَبِسَ الخفين ثم غَسَل باقي الأعضاء، أو توضَّأ مُرَتِّبًا وغسَلَ رجله اليمنى فأدخلها الخف ثم غسَلَ اليسرى وأدخلها ثم أحدث: يَمسح، وعندهم لا يَمسح. أما لو غَسَل رجليه، ثم لَبِسَ خُفَّيه، ثم أحدث، ثم أكمل الوضوءَ لا يجوزُ له المسحُ بالإِجماع كما ذكره العَيْني في «شرح التُّحفة».
لنا أنَّ الخفّ مانعُ حلولِ الحدث بالقَدَم فيُراعَى كمالُ الطهارة وقتَ المنع، ولا دلالة لهم في قوله ﷺ للمغيرة بن شعبة: «دَعْهُما فإني أدخلتُهما طاهرتين». لأنَّ معناه أدخلتُ كلَّ واحدة منهما وهي طاهرة، كما يقال: دخلنا البلدَ رُكبانًا، فإنَّ معناه دخَلَ كلٌّ منا وهو راكب، لا أنَّ جميعَنا راكبٌ عند دخولِ كلَ منا، كذا ذكره بعضُ علمائنا. وفيه بَحْث، إذ يَبعدُ حَمْلُ طُهره ﷺ على غير المرتَّب المسطور مع احتماله المرتَّبَ المذكور، فالصوابُ في الجواب أنَّ الحديث نحن نقول به، وجوازُ تَرْكِ الترتيب عُلِمَ بدليل آخر فتدبَّر.
(لا في الجَبِيرة) أي لا يشترَطُ في المسح على الجبيرة كونُها مربوطةً على طُهر لأنها تُشدُّ حالَ الضرورة، فاشتراطُ الطهارة في شدِّها مُفضٍ إلى الحرج.
وقال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: يُشترط، لأنه مسحٌ على الحائل فصار كمسح الخف.
والجَبِيرةُ: عُودٌ أو نحوُه يُربَطُ على العظم المكسور ونحوِه لِجَبْرِهِ.
وفي «المحيط»: لو كانت الجَبيرة زائدة على رأس الجرح، أو افتُصِدَ فتجاوز الرِّباطُ موضعَ الجِرَاحة: فإن كان حَلُّ الخِرقة وغَسْلُ ما تحتها يَضُرُّ بالجراحة، يجوز
_________________
(١) في المخطوطة: "الموق".
[ ١ / ١٢٥ ]
ولا بأسَ بسقُوطِها إِلا عن بُرء.
===
المسحُ على الكل تبعًا لموضع الجراحة، لأنه لا يُمكنه ربطُ موضعِ الجراحة وحده. وإن كان الحَلُّ والمسحُ لا يَضرُّ بالجُرح لا يجزيه المسحُ على الخِرقة، بل يَغسِلُ ما حول الجراحة ويمسَحُ عليها. وإن كان يَضرُّه المسحُ ولا يضره الحلُّ، يمسحُ على الخرقة التي على رأس الجراحة ويَغسِلُ حواليْها وما تحت الخرقة الزائدة، هكذا فسَّره الحسنُ ابن زياد، لأنَّ جواز المسح لأجل الضرورة فيتقدر بقَدْرها، ومِنْ ضررِ الحَلِّ أن يكون في مكانٍ لا يَقدِرُ على ربطها بنفسه ولا يجدُ من يربطها.
ولو مسَحَ على بعض الجبيرة، ذكر الحسن: أنه إن مسَحَ على الأكثر أجزأه وإلا فلا، لأنه أُقيم الأكثر مُقام الكل دفعًا للحرج. ولو تَرَك المسحَ على الجبائر، والمسحُ يَضرُّه، جاز بلا خلاف، وإن لم تَضُرّه لم تَجُز صلاتُه عند أبي يوسف ومحمد، ولم يحكِ في «الأصل» قولَ أبي حنيفة. وقيل: عنده يجوز تَرْكُه بناءً على رِوايَةِ استحبابه عنده، قيل: هو قولُه الأول ثم رجَعَ عنه، والصحيحُ: أنَّ عنده مسحَ الجبيرة واجب وليس بفرض حتى يجوزُ بدونه الصلاة، لأن الفرضية لا تَثبت إلا بدليلٍ مقطوع به، قال في «متن المواهب»: وبه قالا (^١) . وفي «الخلاصة» من يقول: مسحُ الجبيرة فرْضٌ يقول: استيعابُهَا فرْض، وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية عنه: لو مَسَح الأكثرَ يجوز وعليه الفتوى. والمجروحُ كالمكسور.
(ولا بأسَ بسقوطها) أي في حال (إِلا) إذا سقطتْ بنفسها سقوطًا ناشئًا (عن بُرءٍ) فإنه إن كان في الصلاة يستقبل الصلاة (^٢)، لأنه ظهر حكمُ الحدَث السابق، فصار كأنه شَرَع من غير غَسْلِ ذلك الموضع. وإن كان خارجَ الصلاة يَغسِلُ موضعَها لا غير إن لم يكن مُحْدِثًا. وأمَّا إن سقطتْ عن غير بُرء فإن كان في الصلاة يَمضي عليها، وإن كان خارجَ الصلاة أعاد الجبيرة أو أبدَلَها بأخرى ولا يُعيد المسحَ لبقاء العذر.
والدليلُ على جواز مَسْح الجَبيرة ما رواه ابن ماجه، والبيهقي، والدارقطني: عن علي كرَّم الله وجهه أنه قال: انكسَرَ (^٣) أحَدُ زَنْديَّ فسألتُ النبي ﷺ فأمَرَني أن أمسحَ
_________________
(١) أي بالوجوب، لكن حقق ابن عابدين في "رد المحتار" ١/ ١٦٨: أن الوجوب عندهما بمعنى الفرض العملي، يفوت الجواز بفَوْته، فلا تصح الصلاة بدونه، وعنده هو وجوب يأثم تاركه فقط مع صحة الصلاة بدونه ووجوب إعادتها. ورجح ابن الهُمام قول الإمام، والفتوى على قولهما. انتهى مختصرًا.
(٢) أي يعيد.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة وسنن ابن ماجه ١/ ٢١٥، كتاب الطهارة (١)، باب المسح على الجبائر =
[ ١ / ١٢٦ ]
ولا يُمْسَحُ ساترُ غيرِ الرِّجْلِ إِلَّا هي
===
على الجبيرة. والزَّنْدُ مَفْصِلُ طرَفِ الذراعِ في الكفّ. قال البيهقي: وصحَّ عن ابن عُمَر ﵄ أنه مسَحَ على الجبيرة، ولم يُعرَف له مخالف من الصحابة. وروى الدارقطني عن ابن عُمَر: أنَّ النبي ﷺ كان يَمسَحُ على الجبائر. وضعَّفه، لكن صحَّحَ المنذريُّ وغيره عن ابن عُمَر موقوفًا عليه أنه توضَّأَ وكفُّهُ معصوبة، فمسَحَ عليها وعلى العصابة، وغَسَل سِوَى ذلك. والموقوفُ في هذا كالمرفوع، لأنَّ الأبدالَ لا تُنصَبُ بالرأي.
وروى الطبراني عن أبي أُمَامة عن النبي ﷺ أنه لمَّا رماه ابنُ قَمِيئة يومَ أُحُد قال: «رأيتُه إذا توضَّأ حَلَّ عن عصابته، أي كشَفَ عنها ومسَحَ عليها بالوضوء». أي على الجبيرةِ بماءِ الوضوء، وكان شُجَّ في وجهه وكُسِرتْ رَباعِيَتُه ﷺ (^١) .
وروى أبو داود في «سننه» عن جابر قال: خرجنا في سفَرٍ فأصاب رجلًا منا حجَرٌ فشجَّه في رأسه، ثم احتلم فقال لأصحابه: هل تجدون لي رُخصةً في التيمُّم؟ قالوا: ما نجدُ لك رُخصةً وأنت تقدر على الماء، قال: فاغتسل فمات، فلما قَدِمنا على النبي ﷺ أُخبِرَ بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، أَلا سألوا إذْ لم يعلموا؟ فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمَّمَ ويَعْصِرَ أو يَعْصِبَ - شَكَّ موسى - على جُرحه خِرْقَةً ثم يمسَحَ عليها ويغسِلَ سائرَ جسده». قال البيهقي في «المعرفة»: هذا أصحُّ ما يُروَى في هذا الباب مع اختلافٍ في إسناده.
(ولا يُمْسَحُ سَاتِرُ غيرِ الرِّجل) بالإِضافة (إِلاَّ هي) أي الجَبِيرة، فلا يُمسَحُ على عِمامةٍ، ولا قَلَنْسُوَةٍ، ولا بُرْقُعٍ، ولا قُفَّاز. قال محمد في «موطئه»: أخبرنا مالك قال: بَلَغني عن جابر: أنه سُئل عن العِمامة فقال: لا، حتى يَمسَّ الشعرَ الماءُ. ثم قال: وأخبرنا مالك عن نافع قال: رأيتُ صَفيَّةَ ابنةَ أبي عُبَيد تتوضَّأُ وتَنزِعُ خِمارَها ثم تَمسحُ برأسِها.
قال نافع: وأنا يومئذٍ صغير. قال محمد: بهذا نأخذ، لا يُمسَحُ على خِمار ولا على عمامة، بَلَغنا أنَّ المسح على العمامة كان فتُرِكَ. أي فصار منسوخًا.
وأجازه الأوزاعي وأحمدُ وأهلُ الظاهر على العمامة، وقالوا: صحَّ أنَّ رسول الله ﷺ مسَحَ على عِمامته وخُفَّيه، فقد روى أبو داود في «سننه»، وابن خُزيمة في
_________________
(١) = (١٣٤)، رقم (٦٥٧)، بلفظ: انكسرت. إلا أن الإِمام المطرِّزي صاحب "المغرب في ترتيب المعرب" قال: الصواب: كُسِرَ أحد؛ لأنَّه مذكر، أي الزند. ١/ ٣٦٨، مادة (زند).
(٢) الرَّبَاعية: السِّن التي بين الثَّنِيَّة والنَّاب. مختار الصحاح ص ٩٧: مادة (ربع).
[ ١ / ١٢٧ ]
ومُدَّتُه للمُقِيمِ يومٌ وليلة، وللمسافر ثلاثة مِن وقتِ الحدَث.
===
«صحيحه»، والحاكم وصحَّحه: أنَّ عبد الرحمن بن عوف سأل بلالًا عن وُضوء رسول الله ﷺ فقال: كان يخرجُ يَقضي حاجته، فآتيه بالماء فيتوضَّأ ويَمسَحُ على عِمامته ومُوقَيْه» (^١) وروى الطبراني في «معجمه» عن علي بن أبي طالب قال: «زعم بلال أنَّ رسول الله ﷺ كان يَمسحُ على المُوقَيْن والخِمار». وروى البيهقيُّ في «سننه» عن أنس والطبرانيُّ عن أبي ذَرَ مثلَه.
والجوابُ أنه منسوخ، أو كان بعُذْرٍ برأسه، ومع وجود الاحتمال لا يَصلُح للاستدلال والله تعالى أعلمُ بالأحوال، مع أنَّ الاستدلال بالحديث لا يَتِمُّ، لأنَّ قوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا برءوسِكم﴾ (^٢) يقتضي عدَمَ جوازِ مسحِ غيرِ الرأس، فيكون العمل به زيادةً عليه بخبر الواحد، وهو لا يجوز، وإنما جاز المسحُ على الخُفّ لكون خبرِه تجاوَزَ عن حَدِّ الآحاد، والله تعالى أعلم بالمراد.
(ومُدَّته) أي مُدَّةُ المسح على الخفين (للمقيم يومٌ وليلة). وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: لا يَمسَحُ المقيم. (وللمسافر ثلاثة) وفي بعض النسخ: ثلاثةُ أيام.
وقال مالك: لا توقيتَ في مسح الخُفَّين، ويُستحَبُّ نزعهُما للمقيم في كلِّ جمعة. لِمَا رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا توضَّأ أحدُكم ولَبِسَ خُفَّيه، فليُصَلِّ فيهما، وليَمْسَحْ عليهما، ثم لا يَخلعْهما إن شاء إلاَّ مِنْ جنابة». وقال: إسنادُه صحيح على شرط مسلم، ورُواته ثقات عن آخرهم. وحَمَله ابنُ الجوزي على مُدَّة الثلاث ولم يُعِلَّه. ولحديثِ خُزَيمة: قال رسول الله ﷺ «المسحُ على الخفين للمسافر ثلاثةُ أيام، وللمقيم يومٌ وليلة». رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ ماجه.
وفي رواية لأبي داود (^٣): ولو استزدناه لزادنا. ولابنِ ماجه: ولو مَضَى السائلُ على مسألته لجعَلَها خمسًا. إلا أنه معلول بثلاثِ عِللٍ ذكره ابن دقيق العيد في «الإِمام». ولحديث أُبَيِّ بنِ عُمَارة قال: يا رسول الله أَمْسَحُ على الخفين؟ قال: «نعم، قال: يومًا؟ قال: «نعم»، قال: ويومين؟ قال: «نعم»، قال: وثلاثة؟، قال: «نعم وما بَدَا لك». رواه أبو داود ثم قالَ: واختُلِفَ في إسناده، وليس بالقوي.
(مِنْ وقتِ الحدَث) أي مُبتدِئًا مِنْ وقتِ الحدث الذي يَمسَحُ عقيبَه،
_________________
(١) الموق هو الجرموق.
(٢) سورة المائدة، آية: (٦).
(٣) عبارة المخطوطة: "زاد أبو داود في رواية".
[ ١ / ١٢٨ ]