وسُنَّ قَبْلَ الفَجْرِ وبَعْدَ الظُّهْرِ والمَغْرِبِ والعِشَاءِ: رَكْعَتَانِ. وقَبْلَ الظُّهْرِ والجُمُعَةِ وبَعْدَهَا أربعٌ بِتَسْلِيمَةٍ.
===
ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصلّيت خلف عمر فلم يقنت، (وصلّيت خلف عثمان فلم يقنت) (^١)، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بُنَيَّ إنها بدعة».
قال البخاري: طارق بن أَشْيَمَ له صُحْبَة. وقد وَثَّقَ ابن حنبل، وابن مَعِين، والعِجْلِيّ: أبا مالك. وقد أخرج له مسلم في «صحيحه» حديثين. وما رواه ابن أبي شَيْبَة عن عليّ: «أنه لَمَّا قنت في الصبح أنكر الناس ذلك عليه، فقال: إنما اسْتَنْصَرْنا على عدونا».
والحاصل أنَّ قول أنس: ما زال النبيّ ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، محمول على النوازل بصريح ما قدمنا عنه وعن غيره. وحديث أبي هريرة نصٌّ في النوازل لقوله: «يدعو للمسلمين وعلى الكفار». وعليه يُحْمَلُ قول من قال به من الصحابة والتابعين. فلا يكون بالنسبة إلى النازلة منسوخًا بل مستمرًا. وبه قال جماعة من أهل الحديث، إذ ليس في الأخبار ما يعارضه.
ثم الصحيح جواز اقتداء الحَنَفِي بالشافعي وغيره إذا لم يتيقن بالمُفْسِد.
(فَصْلٌ في النَّوَافِلِ)
(وسُنَّ قَبْلَ الفَجْرِ وبَعْدَ الظُّهْرِ والمَغْرِبِ والعِشَاءِ رَكْعَتَانِ، وقَبْلَ الظُّهْرِ والجُمُعَةِ وبَعْدَهَا أربعٌ بِتَسْلِيمَةٍ) لقوله ﵊: «ركعتا الفجر أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها». وفي لفظ: «خير من الدنيا وما فيها» رواه مسلم. ولقوله ﷺ «لا تتركوا ركعتي الفجر، فإن فيهما الرَّغَائِبَ» (^٢)، رواه أبو يَعْلَى المَوصْلِي. ولقوله ﷺ «ولا تَدَعُوهُما وإن طردتكم الخيل». رواه أبو داود (^٣) . ولقول عائشة: «كان النبيّ ﷺ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط. والصواب إثباته لموافقته لما في سنن ابن ماجه وسنن الترمذي بالمعنى، ولموافقته باللفظ لما جاء في سنن النَّسائي ٢/ ٥٤٩ - ٥٥٠، كتاب الصلاة (٥)، باب ترك القنوت (٣٢)، رقم (١٠٧٩).
(٢) الرَّغَائِب: أي ما يُرْغَبُ فيه من الثواب العظيم. النهاية: ٢/ ٢٣٨.
(٣) أي: لا تتركوا ركعتي الفجر وإن دفعتكم خيلكم، أي: وإن حان وقت رحيل الجيش، وسار وعجَّل للرحيل. أو: وإن دفعتكم خيل العدو. انظر: "بذل المجهود" ٦/ ٣٨٠.
[ ١ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يُصَلِّي ويَدَع، ولكني لم أره ترك ركعتين قبل صلاة الفجر في سفر ولا في حضر، ولا صحة ولا سَقَم»، رواه الطَّبَرَانِيّ. ولقولها: «إن رسول الله ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر». رواه الشيخان. وفيه دلالة على أنها آكد السنن. وقيل: بفرضيَّتِها. وقيل: بوجوبها.
ولقوله ﵊: «ما من عبد مسلم يُصَلِّي لله في كل يوم ثِنْتَي عشرة ركعة تطوّعًا من غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة». رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وزاد الترمذي والنَّسائي: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة». قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ. ولقول عائشة ﵂: «كان النبيّ ﷺ يُصَلِّي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلِّي بالناس، ثم يدخل فيصلّي ركعتين». رواه مسلم.
وأمَّا كونها بتسليمة فلِمَا في «موطأ محمد بن الحسن» قال: حدثنا بُكَيْر بن عامر البَجَليّ، عن إبراهيم والشَّعْبِي، عن أبي أيوب الأَنْصَارِيّ: «أن النبيّ ﷺ كان يُصَلِّي قبل الظهر أربعًا إذا زالت الشمس. فسأله أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فقال: إن أبواب السماء تُفْتَحُ في هذه الساعة، فأحب أن يَصْعَدَ لي في تلك الساعة خير. قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: نعم. قلت أَيُفْصَلُ بينهن بسلام؟ قال: لا». وفي «سنن أبي داود»، وابن ماجه، و«شمائل الترمذي» عن أبي أيوب نحوه.
وأما كونها قبل الجُمُعَة كذلك، فلقول ابن عباس: «كان ﷺ يركع قبل الجمعة أربعًا لا يفصل في شيء منهن» (^١) . رواه ابن ماجه من حديث مُبَشِّر بن عُبَيْد (^٢) . ولقول عليّ: «كان رسول الله ﷺ ..» وذكر نحوه سواء، وزاد: «ويجعل التسليم في آخرهن ركعة». رواه الطَّبَرَانِيّ.
وأمَّا كونها بعد الجمعة كذلك فلِمَا رواه الجماعة إلاَّ البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلّيتم بعد الجمعة فصلّوا أربعًا، فإن عَجِلَ بك شيء، فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت». ولِمَا روى مسلم عن أبي هريرة: أنّ
_________________
(١) في المخطوط: "بينهن"، والمثبت من المطبوع وهو الصواب لموافقته لما في سنن ابن ماجه ١/ ٣٥٨ كتاب إِقامة الصلاة والسنة فيها (٥)، باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة (٩٤)، رقم (١١٢٩).
(٢) حُرِّفَتْ في المخطوط والمطبوع إلى بِشْر بن عُبَيْد، والمثبت هو الصواب، لموافقته لما في سنن ابن ماجه، الموضع السابق.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وحُبِّبَ الأَرْبَعُ قَبْلَ العَصْرِ، وحُبِّبَ قَبْلَ العِشَاءِ وبَعْدَهُ.
===
رسول الله ﷺ قال: «من كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا». ويُسَنُّ عند أبي يوسف أن يصلّي بعد الجمعة ست ركعات، لِمَا في أبي داود عن ابن عمر: «أنه إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدم فصلّى ركعتين، ثم تقدم فصلّى أربعًا، وإذا كان بالمدينة فصلّى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلّى ركعتين ولم يصلِّ في المسجد. فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك». فقد أثبت ستًا بعدها بمكة.
(وحُبِّبَ) أي نُدِبَ (الأَرْبَعُ قَبْلَ العَصْرِ) لِمَا روى أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «رَحِمَ الله امرأ صلّى قبل العصر أربعًا». ويقول عليّ: «كان ﵊ يصلّي قبل العصر ركعتين». رواه أبو داود. ورواه الترمذي، وأحمد وقالا: «أربعًا». ولما رواه الطَّبرانيّ بسند حسن عن ابن عمرو: «من صلّى قبل العصر أربعًا حَرَّمه الله على النار».
(وحُبِّبَ قَبْلَ العِشَاءِ وبَعْدَهُ) لقوله ﵊: «من صلّى قبل العِشَاءِ أربعًا، كان كأنما تهجّد من ليلته، ومن صلاّهن بعد العشاء، كان كمثلهن من ليلة القدر». رواه سعيد بن منصور في «سننه». وأخرجه النَّسائي من قول كعب، والبَّيْهَقِي من قول عائشة. والموقوف في هذا كالمرفوع، لأنه من قبيل تقدير الثواب، وهو لا يُدْرَك إلاّ سَمَاعًا. ولقول عائشة: ما صلّى رسول الله ﷺ العشاء قط، فدخل عليَّ إلا صلّى بعدها أربع ركعات أو ستًّا». رواه أبو داود. ولِمَا روى البخاري عن ابن عباس قال: «بِتُّ عند خالتي مَيْمُونَة بنت الحارث - زوج النبيّ ﷺ فصلّى النبيّ ﷺ العشاء، ثم عاد إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم قام فصلّى خمس ركعات، ثم ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة».
وروى مسلم في «صحيحه» عن عبد الله بن مُغَفَّل المُزَنِي (^١) قال: قال رسول الله ﷺ «بين كل أذانين صلاة» (^٢) قالها ثلاثًا، قال في الثالثة: «لمن شاء». وفي رواية: قال في الرابعة: «لمن شاء». وخُصَّ (^٣) من هذا المغرب لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي
_________________
(١) حُرِّف في المطبوع إلى: عبد الله بن معقل المزني، والمثبت من المخطوط وهو الصواب، لموافقته لما في صحيح مسلم ١/ ٥٧٣، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦)، باب بين كل أذانين صلاة (٥٦)، رقم (٣٠٤ - ٨٣٨).
(٢) (بين كل أذانين صلاة): يريد بها السُّنن الرَّواتب التي تُصَلى بين الأذان والإِقامة قبل الفرض. النهاية: ١/ ٣٤. وقد أطلق على الإقامة تسمية الأذان من باب التغليب.
(٣) خُصَّ: أي استُثْنِيَ.
[ ١ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والبَزَّار عن أبي بُرَيْدة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «عند كل أذانين صلاة، ما خلا صلاة المغرب». وهذا زيادة مقبولة، فدل ذلك على عدم مشروعية الصلاة قبل المغرب. وذكر الطَّحَاوِي: أن السلف تركوا الركعتين قبل المغرب. وروى أبو داود بإسنادين عن ابن عمر أنه قال: «ما رأيت أحدًا يصلي ركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ﷺ، ذكره النَّوَوِيّ.
ومما يُنْدَب ست بعد المغرب لقوله ﵊: «من صلّى بعد المغرب ست ركعات كُتِبَ من الأوَّابِين، وتلى قوله تعالى: ﴿إنَّه كان للأوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (^١) . رواه ابن نصر عن محمد بن المُنْكَدِر مرسلًا: «من صلى ما بين المغرب والعشاء، فإنها صلاة الأوَّابين». ولقوله ﵊: «من صلّى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء، عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشر سنةً». رواه الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة. وفي رواية لابن ماجه عن عائشة: «مَنْ صلى بين المغرب والعشاء عشرين ركعة، بنى الله له بيتًا في الجنة».
وصرح جماعة من المشايخ باستحباب أربع بعد الظهر لقوله ﵊: «من صلّى أربعًا قبل الظهر، وأربعًا بعدها، حَرَّمه الله على النار». رواه أبو داود، (والترمذي) (^٢)، والنَّسائي. ويُسْتَحب أيضًا ركعتان لمن دخل المسجد قبل أنْ يقعد لقوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين». رواه البيهقي، وغيره عن أبي هريرة. ويستحب ركعتان لمن تَوَضَّأَ عَقِيبَ وضوئه لحديث بلال ﵁ (^٣) .
ويستحب صلاة الضحى، وهي أربع ركعات فصاعدًا. لما روى مسلم من حديث مُعَاذَة: «أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلّي الضُّحَى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء».
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: (٢٥).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط، وهي صحيحة لثبوت الحديث في سنن الترمذي ٢/ ٢٩٢، كتاب الصلاة (٢). باب (٢٠٠، ٢٠١)، رقم (٢٢٧).
(٣) روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال حدِّثني بأَرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة": قال: ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهَّر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إِلا صليت بذلك الطُّهور ما كُتِبَ لي أَن أُصلِّي. (صحيح البخاري) ٣/ ٣٢، كتاب التهجد (١٩)، باب فضل الطهور بالليل والنهار … (١٧)، رقم (١١٤٩).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وكُرِهَ مزِيدُ النَّفْلِ عَلَى أرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ نهارًا، وعلى ثَمَانٍ لَيْلًا
===
فإن قيل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين ما في الصحيحين عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: «ما سَبَّحَ رسول الله ﷺ بسبحة الضحى قط وإني لأُسَبِّحُها». أجيب: بأنه يحتمل أنها أخبرت في النفي: عن رؤيتها ومشاهدتها، وفي الإثبات: عن خبره ﵊، أو خبر غيره عنها. وأنها أنكرتها مواظبة وإعلانًا، أو أنها أنكرتها على ما هي مشهورة عند الناس ثماني ركعات. ومما يدل على فضيلة صلاة الضُّحَى حديث: أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «يُصْبِحُ على كل سُلَامى (^١) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزاء عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». رواه مسلم.
ومنها حديث بُرَيْدَة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإنسان ثلاث مئة وستون مَفْصِلًا. فعليه أنْ يتَصَدَّق عن كل مَفْصَل منه بصدقة. قالوا: ومن يُطِيقُ ذلك يا رسول الله؟ قال: النُّخَاعَة (^٢) في المسجد تدفِنها، والشيء تُنَحِّيْه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجْزِئْكَ». وحديث مُعَاذ بن أنس الجُهَنِيّ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ قعد في مُصَلاَّه حين ينصرف من صلاة الضحى حتى يُسَبِّحَ ركعتي الضحى لا يقول إلاَّ خيرًا غُفِرَ له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». رواهما أبو داود. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من حافظ على شَفْعَة الضُّحَى غُفِرَ له، وإن كانت مثل زبد البحر». رواه أحمد، وغيره. ومنها حديث أبي سعيد: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها». رواه الترمذي.
(وكُرِهَ مزِيدُ النَّفْلِ) أي زيادته (عَلَى أرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ نهارًا، وعلى ثَمَانٍ لَيْلًا) لعدم ورود السُّنَّة بالزيادة فيهما، ولو جاز من غير كراهة، لفُعِلَ ولو مرة. وفي «النهاية»: النافلة ليلًا إلى ثمان جائزة، وفيما وراءه مكروهة في عامة الروايات. قال فخر الإسلام في «الجامع الصغير»: وأصل ذلك حديث عائشة: «أن النبيّ ﷺ كان يُصَلِّي من الليل
_________________
(١) سُلامَى: جمع سُلامِيَة، وهي الأُتْمُلة من أنامل الأَصابع. وهى التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان وقيل السُّلامى: كل عظم مُجَوَّف من صغار العِظَام. النهاية: ٦/ ٣٩٦.
(٢) في المطبوع: النخامة، والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في سنن أبي داود ٥/ ٤٠٦، كتاب الأدب (٤٠)، باب في إماطة الأذى [عن الطريق] (١٥٩ - ١٦٠)، رقم (٥٢٤٢). والنُّخاعة: هي البَزْقة التي تخرج من أصل الفم، مما يلي أصل النُّخَاع. النهاية: ٥/ ٣٣.
[ ١ / ٣٣١ ]
والأَرْبَعُ أَفْضَلُ في المَلَوَيْنِ.
===
إحدى عشرة ركعة: ثلاث منها الوتر، وركعتا الفجر - أي سنته - فيبقى التطوع ستة». ورُوِيَ: «ثلاث عشرة»، فبقي التطوع ثمانية. وفيه: أنه لا دلالة فيه على أنَّ الثمانية بتسليمة، ولا على أنَّ الزيادة عليها مكروهةٌ. وقد اعْتُرِضَ بأنَّ الزُّهْرِيّ روى عن عُرْوَة، عن عائشة: «أنه ﵊ كان يسلم من كل ركعتين منهن».
وفي «المبسوط» و«الخُلاصة»: الأصح على أن الزيادة لا تُكره لِمَا فيها من وَصْل العبادة. ثم رأيت السَّرَخْسِيّ صحَّح عدم كراهة الزيادة عليها لِمَا في البخاري عن عائشة: «كان النبيّ ﷺ يصلِّي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثُمَّ يُصلّي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين» فيبقى العشرة نفلًا. وروى الطَّحاوي الاستدلال بكليهما لِمَا رواه في دليلهما: من أنه ﵊ كان يُسَلِّم بين كل اثنتين، ولأنه ليس في قولهما دلالة على أنه صلَّى الثمان أو العشرة بتسليمة.
(والأَرْبَعُ أَفْضَلُ في المَلَوَيْنِ) أي الليل والنهار، تثنية مَلا بفتح الميم والقصر. وهذا الذي ذكره عند أبي حنيفة. وعندهما: اثنان في الليل أفضل، والأربع في النهار أفضل. وعند الشافعي: الأفضل فيهما الاثنتان. وعند أحمد: لا بأس بالأربع في النهار، وهي بالليل مكروهة، وقيل: غير جائزة، لِمَا روى أصحاب «السنن»، وصححه ابن حِبَّان، وجَوَّدَه أحمد عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». ولأبي يوسف ومحمد ما في «الصحيحين» عن ابن عمر: أنَّ النبيّ ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى». وليس فيه ذكر النهار. وقال النَّسائي: ذكره عندي خطأ.
ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبيّ ﷺ كان يصلّي بالليل أربعًا، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا». وروى أبو يَعْلَى في «مسنده» عن عَمْرَة قالت: «سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصلّي الضحى أربع ركعات لا يفصل بينهن بسلام». وقد تقدم حديث أبي أيوب في سنة الظهر نحوه. ولأنه أدوم تحريمة، فيكون أكثر مشقة وأكبر فضيلة. ولهذا لو نذر أن يصلِّي أربعًا بتسليمة، فصلاّها بتسليمتين، لم يوف بنذره. ولو نذر أن يُصَلِّيَها بتسليمتين، فصلاّها بتسليمة وَفَى بِنَذْرِهِ، لأنه عَمِلَ بالأفضل.
وأمّا ما أخرجه مسلم من حديث عائشة في حديث طويل قالت: «كُنّا نُعِدُّ له سِوَاكه وطَهُوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فَيَتَسَوَّكُ، ويتوضَّأُ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة، فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم
[ ١ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويَحْمَده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يُسْمِعَناهُ». وهو في غير مسلمٍ: «كان يوتر بتسع ركعات». فاتفاق الأئمة على القعود في كل شفع لِمَا روينا دليل على انتساخه، أو أنه من خصائصه ﷺ
ثم طول القيام أفضل عندنا من كثرة السجود، وعكسه عند الشافعي لقوله ﵊: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأَكْثِرُوا الدعاء» (^١) . وقوله ﵊ لثَوْبَان: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلاَّ رفعك بها درجة، وحَطَّ عنك بها خطيئة». وقوله ﵊ لربِيعَة بن كَعْب حين سأله مرافَقَتَهُ في الجنة: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود». (رواهما مسلم) (^٢) .
ولنا قوله ﵊ كما في مسلم وغيره: «أفضل الصلاة طول القنوت». أي القيام، ولأن القراءة تكثر بطول القيام، وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح، والقراءة أفضل منه. ولأنهما ركنان (^٣)، فكان اجتماع ركنين أوْلى وأفضل من اجتماع ركن وسنة (^٤) . وقال مالك: تتساوى فضيلتهما بناء على تساوي الدليلين من الجانبين عنده. والأظهر أنَّ السجود أفضل كيفية. والقيام أفضل كَمِّيَّة (^٥) . ولذا قيدهما ﵊ في الحديثين السابقين بطول القنوت وبكثرة السجود. وقد يقال: كثرة السجود مستلزمة لكثرة القيام، ولعله ﵊ أراد بكثرته كثرة الصلاة، وإنما عَبَّر عنها بكثرة السجود، لأن تمام الركعة به دون غيره.