الوِتْرُ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ وَجَبَ بِسَلامٍ
===
في دفعه. ولقوله ﷺ «لا تُصَلُّوا إلا إلى سُتْرة، ولا يَدَعْ المُصَلِّي أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين». رواه مسلم.
وأمَّا المرأة فلا تَدْرأُ بالتسبيح بل بالتصفيق، فإنّ في صوتها فتنة. وكيفية تصفيقها: أنْ تضرب بظهور أصابعها اليُمْنَى على صفحة الكف اليُسْرَى.
واعلم أنه لا تفسد الصلاة في مرور شيء في موضع سجوده، لقوله ﷺ «لا يقطع الصلاة مرور شيء» (^١) . ورُوِي: «وادْرَؤوا ما استطعتم، فإنَّما هو شيطان». رواه أبو داود. وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: «أنّ رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁، وعمر ﵁، قالوا: لا يقطع صلاةَ المسلم شيءٌ، وادْرَؤوا ما استطعتم». ووَقَفَه مالك على عبد الله بن سالم، والبخاري صحّحه عن الزهريّ. ولقول عائشة: «كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي وأنا مُعْتَرِضَةٌ بين يديه كاعتراض الجنازة». رواه الشيخان. وفي لفظ مسلم عن عُرْوة، عن عائشة أنها قالت: «ما يقطع الصلاة؟ قال: قلنا: المرأة والحمار. فقالت: إنَّ المرأة لدابة سوء؟ ولقد رأيتني بين يديّ رسول الله ﷺ مُعْتَرِضَةٌ كاعتراض الجنازة وهو يُصَلِّي».
فصلٌ في الوِتْرِ والنَّوَافلِ
(الوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَجَبَ بِسَلامٍ) أما وجوبه، فعند أبي حنيفة في آخر أقواله. وفي «المحيط»: وهو الصحيح. وفي «الخَانِيَّة»: وهو الأصحُّ. وعن أبي حنيفة أنه فرضٌ، - أي عملي - فلا تَنَافي. وهو رواية حمَّاد بن زيد وبها أخذ زُفَر. وعنه (^٢): أنّه سُنَّة. فيحتمل أنه أراد ثبوته بالسُّنَّة، أو سنَّة مؤكّدة تَقْرُب إلى الوجوب، وهو قول أبي يوسف ومحمد وأكثر أهل العلم، لقوله ﵊ للأعرابيّ: «خمس صلوات كَتَبَهُنَّ الله عليك، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلاَّ أن تَطَّوَّعَ». ولِمَا في «الصحيحين» عن ابن عمر: «أنَّ النبيّ ﷺ أوتر على البعير». وأُجِيبَ: بأنّ حديث
_________________
(١) رواه البخاري تعليقًا في صحيحه (فتح الباري) ١/ ٥٨٨، كتاب الصلاة (٨)، باب من قال: لا يقطع … (١٠٥).
(٢) أي عن أبي حنيفة.
[ ١ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَعرابيّ كان قبل وجوب الوتر. قال الطحاوي: ويُعَارِضُ حديث (الوتر على البعير حديث) (^١) حَنْظَلَةَ بن أبي سُفْيَان، عن نَافِعٍ، عن ابن عمرَ: «أنه كان يُصلِّي على راحلته، ويوتر بالأرض، ويَزْعُمُ أن النبيّ ﷺ فعل ذلك». وروى مسلم من حديث أبي سعيد: أن النبيّ ﷺ قال: «أَوْتِرُوا قبل أن تُصْبِحُوا». وفي لفظ له عن ابن عمر مرفوعًا: «بادروا الصبح بالوتر». والأمر للوجوب. وقد ورد عنه ﵊: «الوتر حق على كل مسلم». رواه أبو داود، وقال الحاكم: هو على شرط الشيخين. وفي «الصحيحين»: «اجْعَلُوا آخر صلاتكم بالليل وِتْرًا».
وأمَّا كونه بسلام بعد الثلاث، فلِمَا في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. يُصَلِّي أربعًا، فلا تَسْأَل عن حُسنِهنَّ وطولِهِنَّ (ثمَّ يُصَلّي أَربعًا، فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهنّ) (^٢)، ثم يصلّي ثلاثًا». ولو كان ﷺ يَفْصِلُ في الوتر بين الثلاث بسلام لقالت: ثم يُصلِّي ثنتين وواحدة. وروى النَّسائِي والحَاكِمُ وقال: على شرط البخاري ومسلم، عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يُسَلِّمُ في الركعتين الأُولَيَيْنِ من الوتر». وروى الطَّحاوي عن عُقْبة بن مُسْلِم قال: «سألت عبد الله بن عمر عن الوتر فقال: أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، صلاة المغرب. قال: صدقت وأحسنت». وحَكَى الحَسَنُ البَصْرِي إجماع المسلمين على الثلاث. كما رواه أبو بكر بن أبي شَيْبَة، عن حَفْص بن عمر، عن الحَسَنِ قال: «أجمع المسلمون على أن الوتر (ثلاث) (^٣) لا يُسَلَّمُ إلاَّ في آخرهن».
وأمَّا ما رُوِيَ عن ابن عمر: «أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فصلّ ركعة توتر لك ما صليت» (^٤) . وفي رواية: «فأوتر بواحدة». قال الطَّحَاوِي: معناه: صل ركعة مع ثنتين قبلها. ولنا: ما في الطَّحَاوي أيضًا من رواية سَعْد بن هِشَامٍ، عن عائشة: «كان النبيّ ﷺ لا يُسَلِّمُ في ركعتي الوتر»، ومن رواية عَمْرَة بنت عبد الرّحْمن، عن عائشة: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يُوتِرُ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٢/ ٤٧٧، كتاب الوتر (١٤)، باب ما جاء في الوتر (١)، رقم (٩٩٠).
[ ١ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بثلاثٍ: يقرأ في أول ركعة: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يا أيُّها الكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ﴾ والمعوِّذتين». فوافقت عَمْرةُ سعدًا. وزاد عليها: «إنْ كان بسلام واحد». وهكذا فيه عن ابن عباس وعِمْران بن حُصَيْن، إلاَّ أنهما لم يَذْكُرَا المعوِّذتين.
وروى الدَّارَقُطْنِيّ وغيره بأسانيد ضعيفة يصير مجموعها حسنًا، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «وتر الليل ثلاث كوتر النهار: صلاة المغرب». وروى ابن عبد البر، عن أبي سعيد: «أن رسول الله ﷺ نهى عن البُتَيْراء أنْ يصلّي الرجل واحدة يُوتِر بها». وذكره عبد الحقّ في «أحكامه»، وذكر أنَّ في سنده ضعفًا، لكن يَعْضُدُه ما روى محمد بن الحسن في «مُوَطَّئِه»، عن يعقوب بن إبراهيم: أخبرنا (حُصَين بن) إبراهيم، عن ابن مسعود (^١) أنه قال: «ما أَجْزَأَتْ ركعةٌ قط». وروى الحاكم في «المُسْتَدْرَكِ» عن حبيب المُعلِّم قال: «قيل للحسن: إنَّ ابن عمر ﵄ كان يُسَلِّمُ في الركعتين من الوتر. فقال: كان عمر أفْقَهَ منه، وكان ينهض في الثانية بالتكبير، أي لا بنيَّةٍ مُجَدَّدَة».
وعن عائشة: «أنه ﵊ كان يوتر بثلاث لا يفصل بينها». رواه النَّسائي وأحمد. ولفظ أحمد: «كان لا يُسَلِّمُ في ركعتي الوتر». قال النووي: إسناده حسن. قال: ورواه البيهقيّ في «السنن الكبير» بإسناد صحيح.
وأما ما رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»: أنه ﵊ قال: «ثلاث هُنَّ عليَّ فرائض، وهي لكم تطوع: الوِتْرُ، والنَّحْرُ، وصلاة الضحى»، فمعارَض بظاهر قوله ﷺ «إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حُمْرِ النَّعَم (^٢): وهي الوِتْرُ، فجعلها لكم فيما بين العِشَاء إلى طلوع الفجر». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث خَارِجَة بن حُذَافة. قال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه لتَفَرُّدِ التابعي عن الصحابي. وقول الترمذي: غريب لا ينافي الصحة لِمَا عرفت. ولذا يقول هو مرارًا: حسن صحيح غريب.
ورواه إسحاق بن رَاهُويه في «مسنده» من حديث عَمْرو بن العاص، وعُقْبَة بن
_________________
(١) في المطبوع: روى محمد بن الحسن في "موطئه"، عن يعقوب بن إِبراهيم: عن ابن مسعود والمثبت من المخطوط، وما بين الحاصرتين من "موطأ الإمام مالك برواية الإمام محمد" ص ٩٦، باب السلام في الوتر، حديث رقم (٢٦٤).
(٢) حُمْر النَّعم: كرائمها، وهو مَثَلٌ في كل نفيس. المصباح المنير ص ٥٨، مادة (حُمْر).
[ ١ / ٣٢٠ ]
وقَبْلَ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ يُكَبِّرُ رَافعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقْنُتُ فِيهِ
===
عامر، ولفظه: «إن الله زادَكم صلاة، هي لكم خير من حُمْرِ النَّعَمِ: الوتر، وهي لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر».
وروى الدَّارَقُطْنِي، عن ابن عباس: «خرج النبيّ ﷺ مُسْتَبْشِرًا فقال: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر». وزاد عن ابن عمر قال: «خرج رسول الله ﷺ مُحْمَرًّا وجهُهُ يجر رداءه، فصعد المنبر فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناس، إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم: وهي الوتر». وقوله ﷺ «الوتر حق واجب، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخمس فليوتر، ومن أحبَّ أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحبَّ أن يوتر بواحدة فليوتر». رواه أبو داود وابن ماجه والنَّسائي. والحديث في الجملة يدل على وجوب الوتر، فلا ينافيه انعقاد الإجماع على عدم وجوب الخمس. وتجويزُ بعضٍ الإيتارَ بواحدة. وفي رواية لأبي داود: «الوتر حقٌّ، فمن لم يوتر فليس منّا».
وأمَّا ما أخرجه الحاكم، والبيهقي بسند صحيح: أن النبيّ ﷺ قال: «إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حُمْر النَّعَم، ألا وهي الركعات قبل صلاة الفجر». فالمراد بها الوتر لقوله ﵊: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وِتْرًا» (^١) لا كما توهمه بعض أئمتنا من حملها على سنة الفجر.
(وقَبْلَ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ يُكَبِّرُ) أي استحبابًا (رَافِعًَا يَدَيْهِ) أي حِذَاء أذنيه، لأن الحالة قد اختلفت (ثُمَّ يَقْنُتُ فِيهِ) أي في الوتر وجوبًا. لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: «سمعت أبا بكر وعمر وعليًّا ﵃ يقولون: قَنَتَ رسول الله ﷺ في آخر الوتر، وكانوا يفعلون ذلك». والمواظبة دليل الوجوب، إلاَّ أنْ يقوم دليل على عدمه. وقال بعض المحققين: ولم نقف بعد على دليل نقلي في رفع اليدين والتكبير، ولا على ما يقتضي وجوب القنوت.
وأما (قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊ للحسن حين علمه دعاء القنوت: (^٢) «اجعل هذا في وترك». فلم يوجد فيه لفظ الأمر. وعلى تقدير وجوده لا يدل على الوجوب، لعدم بلوغ الحسن حينئذٍ، فإذا لم يجب على المأمور، لا يجب على غيره. وكذا قوله ﵊: «لا تُرفع الأيدي إلا في سبع مواطن» لم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٢/ ٤٨٨، كتاب الوتر (١٤)، باب ليجعل آخر صلاته … (٤)، رقم (٩٩٨).
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ٣٢١ ]
أبَدًا
===
يَعُدَّ الوتر منها في الحديث.
(أبَدًا) يعني دائمًا في رمضان وغيره. وهو قول أحمد. وقال الشافعيّ وهو رواية عن مالك، وأحمد: يقنُتُ في الوتر بعد الركوع في النصف الأخير من رمضان فقط. لِمَا رَوَى الحاكم - وقال على شرط الشيخين - عن الحسن بن عليّ ﵄ قَال: «عَلَّمَنِي رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت الرأس، ولم يبق إلا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقْضَى عليك، وإنه لا يَذِل من واليت، ولا يعِز من عاديت، تباركت وتعاليت». وفي رواية زيادة: «ونستغفرك اللهم ونتوب إليك، وصلِّ اللهم على النبيّ وآله وسلم».
وروى أبو داود عن الحسن: «أنّ عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس على أُبَيِّ بن كعب، فكان يُصلِّي بهم عشرين ليلة من الشهر - يعني رمضان - ولا يقنت بهم إلاَّ في النصف الثاني، فإذا كان العَشْر الأواخر تَخَلَّف فصلّى في بيته». إلا أنه منقطع لعدم إدراك الحسن عمر. وهو فعل صحابي، وكلاهما ليس بحجة عنده (^١) . وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يقنت في النصف من رمضان إلى آخره». إلا أنَّ البَيْهَقِيّ قال: هذا حديث لا يَصِحُّ إسناده.
ولنا: على كون القنوت قبل الركوع ما روى النَّسائي، وابن ماجه، عن أبيّ بن كعب: «أن رسول الله ﷺ كان يقنت قبل الركوع». وزاد النَّسائي في «سننه الكُبْرى» «فإذا فَرَغ قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ويُطِيل في آخرهن». وزاد الطَبَرَانيّ في «الأوسط» عن ابن عمر: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه»، عن ابن مسعود: «أنَّ النبيّ ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع» وله طريق آخر عن الخطيب البغْدَادِيّ. وأخرجه ابن الجَوْزِيّ في «التحقيق» من جهة وسكت عنه.
وروى أبو نُعَيْم في «الحِلْيَة» عن ابن عباس قال: «أوتر النبيّ ﷺ بثلاث، وقنت فيها قبل الركوع». وأمَّا ما روى أنس: «أنه ﵊ قنت بعد الركوع فكان شهرًا فقط. وفي «الصحيحين» عن أنس: أنه ﵊ قنت شهرًا يدعو على قوم من العرب، ثم تركه». بدليل ما في «الصحيحين» عن عَاصِم الأَحْوَل:
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ١١/ ٣٨٥، وانظر نصب الراية ١/ ٣٨٩ - ٣٩١.
[ ١ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
«سألت أنسًا عن القنوت في الصلاة؟ قال: نعم. فقلت: أكان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت بعده. قال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا». وهذا يصلح مُفَسِّرًا لِمَا روى أصحاب «السنن» عنه: «أنه ﷺ قنت بعده». ومما يحققه: ما رواه ابن أبي شَيْبَة بسنده إلى علقمة: «أنَّ ابن مسعود، وأصحاب النبيّ ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع».
وأمَّا دليلنا على كون القنوت في جميع السَّنة: ما روى أصحاب «السنن الأربعة» عن عليّ: «أنّ رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحْصِي ثناء عليك، أنت كما أثْنَيْتَ على نفسك». كذا ذكره الشارح. وليس بصريح في المُدَّعى على ما لا يخفى. فالأوْلى أنْ يؤخذ من عموم الأحاديث الواردة في أنه ﵊ كان يقنت. ثم رأيت في شرح «تُحْفَةِ الملوك»: أنه قال في «جامع الأصول» عن عليّ مرفوعًا: «كان يقول في وتره». فكان هذا الحديث وجه القائل بما تقدم، والله أعلم.
وأمّا تقييده بالنصف الأخير من رمضان فغير صحيح. أو كان حينئذٍ قنوتًا خاصًا زيادة على القنوت المتعارف: بأن يدعو لقوم أو على قوم.
ثم القنوت الذي اختاره علماؤنا: «اللهم إنّا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونُثْنِي عليك الخيرَ، نشكرك ولا نكفرك، ونَخْلَعُ ونترك من يَفْجُرُكَ، اللهم إياك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونَحْفِد (^١)، نرجو رحمتك. ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار مُلْحِق». ومُلْحِق: بكسر الحاء على معنى لاحق، ويجوز فتحها. وفي رواية «الخير كله» و«إن عذابك الجِدّ» ومعنى نحفِد: نسرع أو نقصد. واستحسن بعض علمائنا أن يضم معه قنوت الحسن. ولو لم يُحْسِن القنوت، قال أبو الليث: يقول اللهم اغفر لي ثلاث مرات.
أقول: الأوْلى أن يقول: اللهم اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين والمؤمنات. وأما قول محمد: ليس في القنوت دعاء مؤقَّت - أي مُعَيَّن ـ، فمحمول على غير قوله: «اللهم إنا نستعينك» وقوله: «اللهم اهدنا»، أو محمول على أنه غير معين وجوبًا. وفي «المحيط»: المنفرد إن شاء جهر بالقنوت، وإن شاء خافت، والإمام يجهر عند محمد، لأن له
_________________
(١) أي عند الشافعي ﵀.
[ ١ / ٣٢٣ ]
دُونَ غَيرِهِ، وَيْقَرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ الفاتِحَةَ وسُورَةً ويَتْبَعُ القَانِتَ بَعْدَ رُكُوع الوِتْرِ لا القَانِتَ في الفَجْرِ،
===
شُبهةً (^١) بالقرآن لاختلاف الصحابة في أنه من القرآن. ولا يجهر عند أبي يوسف، وهو الصحيح، لأنه دعاءٌ حقيقة، والسبيلُ في الأدعية المُخَافَتة.
(دُونَ غَيْرِهِ) أي ولا يَقْنُت في غير الوتر، ولا يقنت في الصبح وهو قول أحمد، وقال مالك والشافعيّ: يقنت فيه. ولنا: ما روى النَّسائي وابن ماجه والترمذي - وقال: حسن صحيح، عن أبي مالك الأشْجَعِيّ، سَعْد بن طَارِقٍ قال: قلت لأَبي: إنك صليت خلف النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ بالكوفة نحوًا من خمسِ سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بُنَيَّ بدعة». أي في غير النوازل. لِمَا روى ابن حِبَّان عن أبي هريرة بسند صحيح قال: «كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم، أو على قوم».
وروى محمد في «الآثار»: عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن الأَسْوَدِ بن يَزِيد: «أنه صَحِبَ عمر بن الخطاب سنتين في السفر والحضر، فلم يره قانتًا في الفجر حتى فارقه». قال إبراهيم: وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن عليّ ﵁ قنت يدعو على معاوية (حين حاربه) (^٢) .
وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية يدعو على عليّ (حين حاربه). وفي «الغاية»: وإن نزل بالمسلمين نازلة قَنَت الإمام في صلاة الجهر. وهو قول الثَّوْرِي وأحمد، لِمَا في مسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد، والنَّسائي مِنْ ضَمِّ المغرب إلى الصبح في القنوت. وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عند النوازل مشروع في الصلاة كلها.
(وَيْقَرأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ) أي من الوتر (الفاتِحَةَ وسُورَةً) لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، عن عائِشة ﵂: «أن النبيّ ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بفاتحة الكتاب و﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يا أيُّها الكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هو اأحد﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ». ولعله باعتبار تعدد الوتر. ولذا جاء في بعض الروايات بدون ذكر المعوِّذَتَيْنِ.
(ويَتْبَعُ) المؤتم (القَانِتَ بَعْدَ رُكُوعِ الوِتْرِ) لأنه مجتَهَدٌ فيه (لا القَانِتَ في الفَجْرِ)
_________________
(١) الشبهة: الالتباس. مختار الصحاح ص ١٣٩، مادة (شبه).
(٢) ما بين الحاصرتين من "الآثار" لمحمد بن الحسن ص ٢٠٨، حديث رقم (٢١٦).
[ ١ / ٣٢٤ ]
بَلْ يَسْكُتُ.
===
لأن القنوت في الفجر منسوخ عند عدم النوازل. (بَلْ يَسْكُتُ) المؤتمّ قائمًا في الأظهر ليتابع الإمام فيما يجب متابعته فيه. وقيل: يُطِيلُ الركوع إلى أن يَفْرُغَ الإمام من القنوت. وقيل: يَقْعُدُ. وقيل: يسجد إلى أن يدركه فيه، تحقيقًا لمخالفته. وقال أبو يوسف: يقنت المؤتم في الفجر تَبَعًا لإمامه لالتزامه متابعته بالاقتداء به، فلا يتركه فيما يُحْتَمَلُ أنْ يكون مشروعًا. والقنوت مجتهد فيه، فصار كالاقتداء في العيدين بمن يُكَبِّرُ على خلاف رأيه ما لم يجاوز أقاويل الصحابة.
واعلم أنَّ قنوت الفجر منسوخ عندنا. وأبقاه مالك، والشافعيّ لحديث أنس: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا». رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه». ولقول أبي هريرة: «لأَنَا أقربكم صلاة برسول الله ﷺ وكان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده. فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار». رواه البخاري. وقال الحازِمِي في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: ذهب إلى نسخه أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأَمصار إلى يومنا، ورُوي ذلك عن الخلفاء الأربعة. وذكر جمعًا كثيرًا من الصحابة والتابعين والفقهاء والمجتهدين.
ومما يؤيده ما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، والبزَّارُ في «مسنده»، والطَّبَرَانِي، والطَّحاوِي في «آثاره» كلهم من حديث شَرِيك القاضي، عن أبي حَمْزَة مَيْمُون القَصَّاب، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله: قال: «لم يقنت رسول الله ﷺ في الصبح إلاَّ شهرًا ثم تركه. لم يقنت قبله ولا بعده». وفي لفظ الطَّحاويّ: «قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على عُصَيَّة وذَكْوَان، فلما ظَهَرَ عليهم، ترك القنوت». تابعه أَبَان بن أبي عَيَّاش، عن إبراهيم فقال في حديثه: «لم يقنت في الفجر قط».
وتَضَعِّفُ ابنِ حنبل، وابن مَعِين، وأبي حاتم: أبا حَمْزَة القَصَّاب، بسبب أنه كان كثير الوَهْمِ، فلا يكون حديثه رافعًا لحكم ثابت بالقوي (^١)، مدفوع (^٢): بأن مسلمًا روى في «صحيحه»: عن محمد بن المُثَنَّى العَنَزي وابن بشَّار قالا: حدثنا أُمَيَّة بن خَالِد: حدّثَنَا شُعْبة، عن أبي حَمْزَة القَصَّاب، عن ابن عبَّاس، قال: «كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب. قال: فجاء فَحَطَأَني حَطْأَةً وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي
_________________
(١) أي فلا يكون حديثه بالقوي. وهذه عبارة ابن الهُمَام في "فتح القدير" ١/ ٣٧٦.
(٢) "مدفوعٌ": خبرُ تضعيف.
[ ١ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال: لا أشبعَ اللهُ بطنه» فيكون توثيقًا من مسلم له. يقال: حَطَأَه فلان: - بالهمزة - ضرب ظهره بيده مبسوطة.
ورواه محمد بن جابر اليَمَامِي عن حمَّاد، عن إبراهيم وقال في حديثه: «ما قنت رسول الله ﷺ في شيء من الصلوات إلاَّ في الوتر، كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلها، يدعو على المشركين». ورواه أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله: «أن النبيّ ﷺ لم يقنت في الفجر قط إلاَّ شهرًا واحدًا، لم يُرَ قبل ذلك ولا بعده، وإنما قنت في ذلك الشهر يدعو على ناس من المشركين». ولهذا لم يكن أنس يقنت في الصبح كما رواه الطَّبَرَانِيّ بسنده من حديث غالب بن فَرْقَد الطحَّان قال: «كنت عند أنس بن مالك شهرين، فلم يقنت في صلاة الغداة».
وما رواه البخاري ومسلم عن أبي سَلَمَة، وسعيد بن المُسَيَّبِ، عن أبي هريرة: «أن النبيّ ﷺ لَمَّا رفع رأسه من الركعة الثانية قال: اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد، (اللهم أَنْجِ) (^١) سَلَمَة بن هِشَام». وفي آخره: «ثم بلغنا أنه ترك ذلك لَمَّا نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^٢)» الآية. وما رواه ابن حِبَّان، عن إبراهيم، عن سَعْد، عن الزُّهْرِيّ، عن سعيد وابن سَلَمَةَ، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح، إلاَّ أن يدعو لقوم، أو على قوم». وما رواه الخَطِيبُ في كتابه في القنوت بسنده عن أنس: «أن النبيّ ﷺ لم يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم، أو على قوم».
قال صاحب «التَّنْقِيح»: وسند هذين الحديثين صحيح، وهما نص في أنه مختص بالنازلة. وما أخرجه ابن عَدِيّ في «الكامل»، عن بِشْر بن حَرْب، عن ابن عمر: أنه ذكر القنوت فقال: «والله إنه لبدعة، ما قنت رسول الله ﷺ غير شهر واحد». إلا أنه أعلَّه بتضعيف النَّسائي وابن مَعِين بِشْرًا. ثم قال: هو عندي لا بأس به، ولا أعرف له حديثًا مُنْكَرًا. وما أخرجه ابن ماجه، والنَّسائي، والترمذي - وقال: حسنٌ صحيحٌ - عن أبي مالك الأشْجَعِيّ، - سعد بن طارق بن أَشْيَم (^٣) ـ، عن أبيه قال: «صلّيت خلف النبيّ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب إثباته، لموافقته لما في صحيح مسلم ١/ ٤٦٧، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥)، باب استحباب القنوت (٥٤)، رقم (٢٩٥ - ٦٧٥).
(٢) سورة آل عمران، الآية: (١٢٨).
(٣) في المخطوط: الأشجعي والمثبت عن المطبوع وهو الصواب لموافقته لما في سنن الترمذي ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣، كتاب الصلاة (٢)، باب ما جاء في ترك القُنوت (١٧٨ و١٧٩)، رقم (٤٠٢).
[ ١ / ٣٢٦ ]