ومَا خَرَجَ مِنَ الأَرْضِ وإِنْ قَلَّ: عُشْرٌ، إِنْ سَقَاه سَيْحٌ أَوْ مَطَرٌ،
===
رسولَ الله ﷺ كان يؤخذ في زمانه من (العسل من كل عشر قِرَب قِرْبة من) (^١) أَوْسَطها».
وروى الترمذي عن (ابن) (^٢) عمر، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «في العَسَل في كُلِّ عشرة أَزُقَ زِقٌّ»، إِلاَّ أَنه قال: في إِسناده مَقَال. ورواه الطبراني عن ابن عمر أَيضًا، ولفظه: قال: «في العَسَل العُشْر، في كل عَشْرِ قِرَب قِرْبة، وليس فيما دون ذلك شيءٌ». فلا يَخْفى أَنَّ الأَحاديث السابقة كلها لم تدل على نصاب إِلا الأَخير، وهو شَاذٌّ تُفُرِّد به.
(أَوْ جَبَلٍ) أَي أَوْ في عَسَلٍ جَبَلِي. وقال أَبو يوسف: لا شيء في العسل الجبلي، لانعدام السبب: وهو الأَرض النامية. وأُجيب بأَنَّ المقصود الخارجُ وهو موجودٌ. (وثَمَرِهِ) عطف على عسل، والضمير للجبل.
(فصلٌ في زكاة الخَضْرَاوَاتِ)
(ومَا خَرَجَ مِنَ الأَرْضِ) العُشْرِية، ولو كانت وَقْفًا أَوْ لِصَبي أَوْ لِمَجْنُون (وإِنْ قَلَّ) متصل بكل واحد من العسل والثمر وما خرج من الأَرض (عُشْرٌ) هذا مبتدأ، «وفي عَسَلِ أَرْضٍ»: خبره (إِنْ سَقَاه سَيْحٌ): وهو الماء الجاري على الأَرض (أَوْ مَطَرٌ).
وقال أَبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر فيما لا يبقى، وقُدِّر البقاء بسنة من غير معالجة كثيرة، ولا فيما دون خمسة أَوْسُق (^٣)، كل وَسْق ستون صاعًا بصاع النبيّ ﷺ لما روى الترمذي عن معاذ: أَنه كتب إِلى النبيّ ﷺ يسأَله عن الخَضْرَاوات وهي البُقُول، فقال ﵊: «ليس فيها شيءٌ». قال بعض الشراح: قوله ﵊: «ليس في الخَضْرَوات صدقة». رُوِيَ بأَلفاظ متعددةٍ عن عدة من الصحابة منهم: عليّ، ومعاذ، وطلحة بن عبيد الله، وأَنس بن مالك، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعائشة، ﵃، بأَسانيدَ مضعَّفة ومرسلة.
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) تقدم شرحها، ص: ٤٨٥، تعليق رقم (٢).
[ ١ / ٥٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال البيهقيُّ: وهذه الأَحاديث يشد بَعْضُها بَعْضًا، ومعها قول بعض الصحابة. ثُم أَخرج عن عمر أَنه قال: «ليس في الخَضْرَاوات صدقة». ولأَن العقل يجزم باستحالة الغلط على جملة الأَسانيد، كيف وفيها مرسل صحيح، رواه الدَّارَقُطْنيّ عن موسى بن طلحة بن عبيد الله: «أَنَّ رسول الله ﷺ نهى أَنْ يُؤْخَذ من الخَضْرَاوات صدقة»، وهو حجة عندنا وعند الجمهور.
وأَما قول الترمذي: لم يصح في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ شيءٌ، فإِنما هو باعتبار كل فردٍ فرد، فلا ينفي صحة الإحاديث بجملتها، كالتواتر المعنوي، فينبغي حَمْلُه على صدقةٍ يأْخذها العاشر، وبه يقول أَبو حنيفة. ولِمَا في الصحيحين عن أَبي سعيدٍ الخُدْري قال: قال رسولُ الله ﷺ «ليس فيما دون خَمْسَةِ أَوسق صدقة». وفي لفظٍ لمُسْلم: «ليس في حَبَ ولا تَمْرٍ صدقةٌ حتى يَبْلُغَ خمسة أَوسق». وفي رواية: «ولا ثمر» بالمثلثة. وفي لفظٍ لأَبي داود: «ليس فيما دون خمسة أَوْسق صدقة». وروى أَحمد وابن ماجه عن أَبي سعيد الخُدْري: أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «الوَسْقُ سِتُّونَ صاعًا».
ولنا عموم قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ما كَسَبْتُم وممَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ (^١)، وما روى البخاري وأَصحاب السُّنن من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «فيما سَقَتِ السماءُ والعيون أَوْ كان عَثَرِيًا العُشْرُ، وفيما سُقي بالنَّضْح نصفُ العُشْرِ». والعَثَرِي: بالعين المهملة والمثلثة المفتوحتين وبالراء. قال الخَطَّابي: هو الذي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ غير سَقْي.
والمراد بالنضح: هنا السَّوَاني (^٢)، لما في رواية البخاري: «وفيما سُقي بالسانية».
ورواه أَبو داود بلفظ: «فيما سَقَتِ السماءُ والأَنهار والعيون أَوْ كان بقلا العُشْر، وفيما سُقِي بالسواني والنضح نصف العُشْر». ورواه مسلم بلفظ: «فيما سَقَتِ السماءُ والغيم، وفيما سُقِي بالسانية نصف العُشْر». وفي نسخة: «فيما سَقَتِ الأَنهارُ والغيم». ومن الأَثر قول عمر بن عبد العزيز: «فيما أَنْبَتَتْ الأَرْض من قليلٍ أَوْ كثيرٍ العشر». ونحوه عن مجاهد وإِبراهيم النَّخَعِي، وزاد إِبراهيم: «حتى في كلِّ عشرة دَسْتَجَاتٍ (^٣) دَسْتَجَةٌ».
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (٢٦٧).
(٢) السانية: البعير الذي يُستقى عليه من البئر. معجم لغة الفقهاء، ص: ٢٣٩.
(٣) الدَّسْتَجَة: حُزْمة ونحوها تَجمع اثني عشر فردًا من كل نوع. مُعَرَّب: دسته. المعجم الوسيط ص ٢٨٣. مادة (دستجة).
[ ١ / ٥٢٢ ]
إِلَّا في نَحْوِ حَطَبٍ.
ونِصْفُ عُشْرٍ إِنْ سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ بِلا رَفْعِ مُؤنِ الزَّرْعِ.
===
هذا، وحديث: «ليس فيما دون خمسة أَوْسق صدقة» محمولٌ على زكاة التجارة. وقيمة الوَسْقِ كانت يَوْمَئِذٍ أَربعينَ دِرْهَمًا، ولذا لم يقل: ليس فيما دون خمسة أَوْسُق عُشْر.
ثُم وقتُ وجوب العُشْر حين ظهور الثمرة عند أَبي حنيفة، وحين الإِدراك عند أَبي يوسف، وحين الحصول في الحظيرة عند محمد. وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الضمان بالإتلاف.
ويُعتبر لإِيجاب العُشْر أَوْ نصفه أَكثر المدة في السَّقْي بِسَيْحٍ أَوْ آلة، لأَن الأَقل تابع للأَكثر ومغلوب. فلو سقيتَ نصفَه بآلةٍ ونصفه بغيرها، قيل: يجبُ ثلاثة أَرْباع العُشْر.
(إِلاَّ في نَحْوِ حَطَبٍ) هذا استثناء من قوله: «وما خرج من الأَرض». والمعنى: أَنْ نحو الحطب مما لا يُقْصَدُ به استغلال الأَرْض غالبًا فلا عُشْر فيه، وذلك كالقصب الفارسي، والعُشْب، وكالحَبِّ الذي لا يصلح للزراعة مثل بَذْرِ البِطِّيخ، والقِثَّاء (^١)، وكالتِّبْن، والسَّعَف (^٢)، والصَّمْغ، والقَطِران (^٣) مما يخرج من الشجر والنخل وليس بثمرة، ولو استغل أَرضه بشيءٍ من ذلك وجب فيه العشر.
(ونِصْفُ عُشْرٍ إِنْ سقي بِغَرْبٍ) أَي دَلْوٍ عظيمٍ (أَوْ دَالِيَةٍ) أَي دولاب تديره البقر. وقال أَبو يوسف ومحمد: لا بدّ أَنْ يكون المَسْقيُّ بغَرْب أَوْ دالية مما يبقى سنة ويكون خمسة أَوْسُق (^٤)، كما تقدم.
(بِلَا رَفْعِ مُؤَنِ الزَّرْعِ) يعني لا يَحْسُبُ ربُّ المال أُجْرَةَ العمال، ونفقة البقر، وكَرْي النهر، وغير ذلك مما يحتاج إِليه في الزرع فيرفعها، ثُم يخرج من الباقي العشر أَوْ نِصْفَه لإِطلاق ما تلونا من الآية، وعموم ما روينا من الحديث. ولأَنه ﵊ حَكَم بتفاوتِ الواجب لتفاوت المُؤن، فلا معنى لرفعها.
_________________
(١) القِثَّاء: نوعٌ من البطيخ، نباتي، قريب من الخيار لكنه أطول. المعجم الوسيط ص: ٧١٥، مادة (أَقثأَ).
(٢) السَّعَف: جَرِيدُ النَّخْل ووَرَقُه. المعجم الوسيط. ص: ٤٣١، مادة (سَعَفَ).
(٣) القَطِران: عصارة شجر الأرز والأبهل - وهي مستديمة الخضرة - تطبخ ثم تطلى بها الإبل. المعجم الوسيط ص: ٧٤٤، مادة (قطرن).
(٤) تقدم شرحها ص ٤٨٥، تعليق رقم (٢).
[ ١ / ٥٢٣ ]
وماءُ السماءِ والعَيْنِ والبِئْر عُشْريٌّ، وماءُ أَنْهَارٍ حَفَرَها العَجَمُ خَراجِيٌّ، وكذا الأَنهارُ الأَربعةُ عِنْدَ أَبي يُوسُفَ لا عِنْدَ محمدٍ. وأَرْضُ العَرَبِ ومَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ وأُقِرَّ في أَيديهم، أَوْ فُتِحَ عَنْوةً وقُسِمَ بَيْنَ جَيشِنَا، والبَصْرَةُ عُشْرِيَّةٌ
===
وفي «الخلاصة»: لو جعل السلطان العشر لصاحب الأَرض، لا يجوز، ولو جعل الخراج له جاز (^١) عند أَبي يوسف، وعليه الفتوى إِذا كان من أَهل الخَرَاج. وقال محمد: لا يجوز.
(وماءُ السماءِ والعَيْنِ والبِئْر عُشْريٌّ) لأَن هذه المياه لم تدخل تحت ولاية أَحد. وفي «الكافي»: إِنما يكون ماء العين والبئر عُشْرِيًا إِذا كانتا في أَرْضٍ عُشْرِيةٍ، فإِذا كانتا في أَرضٍ خَرَاجِيَّةٍ فهما خراجيتان.
(وماءُ أَنْهَارٍ حَفَرَها العَجَمُ) أَي ملوك الجاهلية قبل ظهور الإِسلام، مثلًا «يَزْدَجَرْد» و«مَرْوَرُود» (خَراجِيٌّ، وكذا الأَنهار الأَربعة): وهي جَيْحُون نهر تِرْمِذ، وسَيْحُون نهر التُّرْك، وهو نهر خُجَنْد، ودِجْلَة: نهر بغداد، والفُرَات: نهر الكوفة. (عِنْدَ أَبي يُوسُفَ) خَراجية (لا عِنْدَ محمدٍ) لأَنها لا تدخل تحت يدٍ فصارت كالبحار. ولأَبي يوسف: أَنها (من اتخَذَ) عليها القناطر من السفن فهو يدٌ عليها.
(وأَرْضُ العَرَبِ) قال أَبو عبيدة: وهي ما بين حفر أَبي موسى إِلى أَقصى اليمن في الطول، وما بين أَرض بِئرِين إِلى منقطع السَّمَاوة في العرض. وهي: تِهامة، والحجاز، ومكة، واليمن، والطائف، والعُمَان، والبحرين. وفي البخاري: قال يعقوب بن محمد: «سَأَلْتُ المُغِيرَة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب، فقال: مكة، والمدينة، واليمامة (^٢)، واليمن». وفي «شرح الوافي»: هي: أَرض الحجاز، وتهامة، واليمن، ومكة، والطائف، والبُرَيْه.
(ومَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ وأُقِرَّ في أَيديهم، أَوْ فُتِحَ عَنْوةً) أَي قَهْرًا (وقُسِمَ بَيْنَ جَيْشِنَا،) والبَصْرَةُ عُشْرِيَّةٌ) أَمَّا أَرض العرب فلأَن الخَراج بمنزلة الفيء، فلا يثبت في أَرض العرب، كما لا تثبت الجِزْيَة في رِقابهم، لأَن العرب لا يُقْبل منهم إِلاَّ الإِسلام.
وفي «المحيط»: وكان القياس في أَرض مكة أَنْ تكون خَراجية، لأَنها فُتِحَتْ عَنوَةً، لكنَّ رسول الله ﷺ لم يوظِّف عليها. وأَمَّا ما أَسْلم أَهله أَوْ فُتِح عَنوةً، فلأَن الحاجة فيهما إِلى ابتداء التوظيف على المسلم، والعُشْر أَلْيَق به، لما فيه من معنى
_________________
(١) في المطبوعة: يجوز.
(٢) في المخطوطة: تِهامة.
[ ١ / ٥٢٤ ]
والسَّوَادُ وما فُتِحَ عَنْوَةً وأُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ أَوْ صَالَحَهُم: خَرَاجِيَّةٌ. ومَوَاتٌ أُحْيِيَ يُعْتَبَرُ بقُرْبِهِ.
===
العبادة، ولهذا يشترط فيه النيةُ، ويصرف مصارف الصدقات.
وأَمَّا البَصْرة، فلأَنَّ القياس فيها أَنْ تكون خَرَاجيةً كما في أَرض العراق، إِلاَّ أَنَّ الصحابة وضعوا عليها العُشْر، ذكر ذلك أَبو عمر ابن عبد البَر وغيره.
(والسَّوَادُ) أَي سواد العِراق، وسُمِّيَ بذلك لِخُضْرَةِ أَشجاره وكثرة زروعه، وهو مَمْلُوكٌ عندنا لأَهْلهِ. وعند الشافعيِّ: هو وَقْفٌ على المسلمين، وأَهْلُهُ مستأجرون. وَحَدُّهُ طُولًا: ما بين العُذَيب إِلى عَقَبَة حُلْوَان - اسم بلدة ـ، وعَرْضًا: من العَلْثِ (^١): - وهي أَرض موقوفة على العلوية ـ، وقيل: من الثغلبية (^٢) - إِلى عَبَّادَان: وهي حصن صغير على شاطاء البحر.
(وما فُتِحَ عَنْوَةً وأُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ أَوْ صَالَحَهُم خَرَاجِيَّةٌ) لأَن الحاجة إِلى ابتداء التوظيف على الكافر، والخَرَاج أَلْيَقُ به من العُشْر، ولما روى أَبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم في كتاب «الأَموال» عن إِبراهيم التَّيْمِي قال: لما افْتَتَحَ المسلمونَ السَّوَادَ قالوا لِعُمَرَ: «اقسمه بيننا، فَأَبَى وقال: ما لِمَنْ جاء بَعْدَكُم مِنَ المسلمين؟ قال: فَأَقَرَّ أَهلَ السَّواد في أَرضهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أَرضهم الخَراج».
والشَّامُ خَراجيةٌ، وكذا مصر، لما روى ابن سَعْد في «الطبقات» في ترجمة عمرو ابن العاص عن مشيخة من أَهل مصر - أَي مشايخ منهم - أَنَّ عمرو بن العاص افتتح مصر عَنْوةً، واستباح ما فيها، وعزل منه غنائم المسلمين، ثُم صالحهم بعد ذلك على الجزية في رقابهم، ووضع الخَرَاج على أَراضيهم.
(ومَوَاتٌ أُحْيِيَ يُعْتَبَرُ بقُرْبِهِ) فإِنْ كان إِلى الخَرَاجية أَقْرب فهو خَراجِي، وإِنْ كان إِلى العُشْريةِ أَقرب فهو عُشْرِي، وهذا عند أَبي يوسف، لأَن ما قرب من الشيء له حُكْمه، كفِنَاء (^٣) الدار له حُكْمُهَا. وقال محمد: إِنْ أُحْيِي الموات ببئر حُفِرَتْ، أَوْ بعين
_________________
(١) حُرِّفت في المطبوعة إلى: "الصلت"، والمخطوطة إلى: "العلت". والصواب ما أثبتناه من "الدر المختار" ٣/ ٢٥٤ على هامش "ردّ المحتار". ومعجم البلدان ٤/ ١٤٥.
(٢) وفي الدر المختار: وما قيل من الثَعْلبة غلط. وقال ابن عابدين: الذي رأيته في غيره الثعلبية بياء النسبة. وهو الموجود في الهداية، وعلق عليه ابن الهمام بقوله: قيل: هو غلط لأن الثعلبية بعد العذيب بكثير … فتح القدير ٥/ ٢٧٨.
(٣) فِنَاء الدَّار: ما امتدَّ من جوانبها. مختار الصحاح، ص: ٢١٥. مادة (فَنِي).
[ ١ / ٥٢٥ ]
والخَرَاجُ إِمَّا خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ، كَمَا يُوضَعُ رُبُعٌ أَوْ نَحْوُه، ونِصْفُ الخَارِجِ غايةُ الطَّاقَةِ. وإِمَّا موظَّف: كَمَا وَضَعَ عُمَرُ على السوادِ لِكُلِّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الماءُ صاعٌ مِن بُرِّ أَوْ شَعِيرٍ ودِرْهَمٍ، ولِجَرِيبِ الرَطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ولِجَرِيبِ الكَرْمِ والنَّخْلِ مُتَّصِلةً
===
استخرجت، أَوْ بالأَنهار التي لا يملكها أَحَدٌ، فهي عشرية. وإِنْ أُحْيِيَ بالأَنهار التي حفرها العَجَمُ فَخَرَاجيةٌ، وهذا في حَقِّ المُسْلِم. وأَمَّا الكافرُ فيجب عليه الخَراج مُطْلقًا.
وعندنا لا عُشْر في خارج أَرض الخَراج، كما لا خَرَاج في خارج أَرض العُشْر.
وأَوجبه مالك والشافعي، لأَنهما جنسان مختلفان، فإِنَّ الخراج دراهم، والعشر بعض الخارج، والسبب أَيضًا مختلف، فَسَبَبُ (^١) الخَراج الأَرض النامية، ولذا يجب بدون وجود الخارج، وسَبَبُ العُشْر الخارج، فإِنه لا وجوب حيث لا خارج، فإِذا اختلفا لم يتنافيا.
ولنا ما رواه أَبو حنيفة عن حَمَّاد، عن إِبراهيم، عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله بن مسعود قَال: قَال رسول الله ﷺ «لا يُجْمَعُ على مُسْلم عُشْرٌ وخَرَاجٌ في أَرْضٍ». ولإِجْمَاعِ الصحابة، إِذْ قد فُتِحَ السواد لم يُنْقَل عنهم جمعهما على مالك.
(والخَرَاجُ إِمَّا خَرَاجٌ مُقَاسَمَةٍ): بأَن يضع الإِمام على الأَرض جُزأً شائعًا من الخارج منها (كَمَا يُوضَعُ رُبُعٌ أَوْ نَحْوُه ونِصْفُ الخَارِجِ غايةُ الطَّاقَةِ)، لأَنَّ الأَنْصاف عينُ الإِنصاف، وقد عامل النبيُّ ﷺ أَهل خَيْبر على نصف ما يخرج منها.
(وإِمَّا موظَّف: كَمَا وَضعَ عُمَرُ على السوادِ لِكُلِّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الماءُ صاعٌ مِنْ بُرَ أَوْ شَعِيرٍ ودِرْهَمٍ) أَي مع كل منهما، فقوله: «صاع» مبتدأ خبره «لكل»، والجملة في محل نصب على أَنه مفعول «وَضَعَ». وفي بعض النُّسَخ «صاعًا» بالنصب، ولا وجه له برفع «درهم».
والجَرِيب: ستون ذراعًا في ستين ذراعًا بذراع المَلِكِ كِسْرى، وهو يزيد على ذراعِ العامَّة بقبضة، كذا في «المحيط». والصَّاع: القفيز الهاشمي، وهو أَربعة أَمْنَان، والمَنُّ: مئتان وستون دِرْهَمًا. وقال المصنف: في كُتُب الفقه: ذِرَاعُ الكِرْباس: سبع قبضات، وذراع المساحة: سَبْعُ قبضات وأُصبع قائم. وعند أَهل الحساب: الذراع: أَربع وعشرون أُصبعًا، والأُصبع: سِتُّ شَعِيرَات مضمومةٌ بطونُ بعضِها لبعض.
(ولِجَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ولِجَرِيبِ الكَرْمِ والنَّخْلِ مُتَّصِلةً) بأَنْ لا يكون
_________________
(١) في المطبوعة: بأن سبب، وما أثبتناه من المخطوطة.
[ ١ / ٥٢٦ ]
ضِعْفُهُ، ولِمَا سِوَاهُ مَا تُطِيقُهُ.
ولا خَرَاجَ لو انْقَطَعَ الماءُ عَنْ أَرضٍ، أَوْ غَلَبَ عليها، أَوْ أَصابَ الزَّرعَ آفَةٌ. ويَجِبُ إِنْ عَطَّلَها مَالِكُهَا، ويَبْقَى إِنْ
===
قطعة من الأَرض خالية منه (ضِعْفُهُ)، أي ضِعْفُ جَرِيب الرطبة: وهو عشرة دراهم، هكذا ذُكِر توظيف عمر في كتب الفِقْه.
وروى ابن أَبي شَيبةَ عن قَتَادَة، عن أَبي مِجْلَزٍ (^١) قال: بَعَثَ عمرُ ﵁ عثمانَ بنَ حُنَيْف على مساحةِ الأَرض، فوضع عثمانُ: على الجَرِيب من الكرم عَشَرَةَ دَرَاهِمَ (^٢)، (وعلى جَرِيب النَّخْلِ ثمانية دراهم)، وعلى جريب القصب ستة دراهم - يعني الرطبة ـ، وعلى جَرِيب البُرِّ أَربعة دراهم، وعلى جَرِيب الشعير دِرْهَمَيْنِ. انتهى. وفي «المُحِيط»: وإِنْ كانت الأَشجار متفرقةً فلا شيء فيها، لأَنها تابعةٌ للأَرض بدليل أَنها تدخل في البيع، من غير ذِكْر، فوظيفةُ الأَرض وظيفة الأَشجار.
(ولِمَا سِوَاهُ) نحو الزَّعْفَرَان (مَا تُطِيقُهُ) الأَرض: بأَن ينظر ما يبلغ غلتها، فإِنْ بلغت قَدْرَ غلة الزراعة (^٣)، يؤخذ منها خَراج الزرع، أَوْ غلة الرطبة فخَراج الرطبة. ولو لم تطق الأَرض ما وُظِّف عليها نقصه الإِمام، ولو أَطاقت الزيادة، ففي «المحيط»: أَجمعوا على أَنه لا يجوز الزيادة على وظيفة الأَرض التي وظفها عمر كسواد العراق، ولا على ما وظفه إِمامٌ آخر في أَرض مثل ما وظفه عمر. ويجوز في غيرهما عند محمد وهو روايةٌ عن أَبي يوسف. ولا يجوز عند أَبي يوسف، وهو روايةٌ عن أَبي حنيفة.
(ولا خَرَاجَ لو انْقَطَعَ الماءُ عَنْ أَرضٍ أَوْ غَلَبَ عليها) وكذا لو مَنَعَهُ إِنسانٌ مِنْ زَرْعِهَا ابتداءً ولم يَبْقَ من السَّنَةِ ما يمكن أَنْ تُزْرَع الأَرض فيه، لأَن التَّمَكُّنَ من الزراعة في كل الحول شَرْطُ الخَراج.
(أَوْ أَصابَ الزَّرعَ آفَةٌ) وبقي، لأَنَّ الأَصْلَ في الوجوب هو الخارج، فإِذا وُجِد تعلق به، وسقط خَلَفُهُ، وهو التمكن، وإِذا تعلق به سقط بهلاكه كالعشر، ويؤخذ إِذا سَلِمَ الخارج، وسقط إِذا هلك.
(ويَجِبُ) الخَراج (إِنْ عَطَّلَها مَالِكُهَا) لأَن التقصير من جهته (ويَبْقَى) الخَراج (إِنْ
_________________
(١) حُرِّفت في المطبوعة إلى: "مجلد"، والصواب ما أثبتناه من المخطوطة ومصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٧.
(٢) سقط من المطبوعة.
(٣) وفي المخطوطة: المزارعة.
[ ١ / ٥٢٧ ]
أَسلم المَالِكُ، أَوْ شراها مُسْلِمٌ.
إِنِ اشْتَرَى الكَافِرُ عُشرِيَّةَ مُسْلِمٍ وُضِعَ الخَراجُ.
===
أَسلم المَالِكُ، أَوْ شراها) أَي الأَرض الخَراجية (مُسْلِمٌ) لأَنَّ الخَراج فيه معنى المؤنة ومعنى العقوبة، فاعتبر مُؤْنةً حالة البقاء، فبقي على المسلم، وعقوبةً حالة الابتداء، فلم يبتدأ به المسلم.
ولما روى البيهقيُّ من حديث طارق بن شهاب قال: أَسلمت امرأَةٌ من أَهل نهر الملك - أَي كِسْرَى - فكتب عمر بن الخطاب: «إِنْ اختارت أَرضَها وأَدَّت ما على أَرضها فخلوا بينها وبين أَرضها، وإِلاَّ فخلوا بين المسلمين وبين أَرضيهم» (^١) . وروى أَيضًا: أَنَّ فَرْقَدًا السلمي قال لعمر بن الخطاب: «إِنِّي اشتريت أَرْضًا من أَراضي السواد. فقال عمر: أَنت فيها مثل صاحبها».
قال صاحب «الهداية»: وليس على المجوسي في داره شيءٌ، لأَنَّ عمر جعل المساكن عَفْوًا، فغير معروف عند المُحَدِّثين. وإِنَّما روى أَبو عُبَيْدٍ تَعْليقًا: أَنَّ عمر جعل الخَراج على الأَرَضِين التي تُغِلُّ مِنْ ذوات الحَبِّ والثمار والتي تَصْلُح لِلغَلَّةِ من النَّامِي والعاقر (^٢)، وعَطَّل من ذلك المساكن والدُّور التي هي منازلهم، ولم يجعل عليهم فيها شَيْئًا.
(إِنِ اشْتَرَى الكَافِرُ) أَي الذِّمي غير التغلبي (عُشرِيةَ مُسْلِم وُضِعَ الخَراجُ) عند أَبي حنيفة، لأَنه أَلْيَقُ بحال الكافر، إِذْ العُشْر مُشْتَمِلٌ على معنى العبادة، والكافر ليس بأَهْلٍ لها، فإِذا خَلا العُشْر عن معناها لم يكن عشرًا، وإِخلاء الأَرضِ عن الواجب مُمْتَنِع، فَتَعَيَّنَ الخَراج. وَوُضِعَ العُشْرُ مُضَاعَفًا عند أَبي يوسف، لأَن تضعيفَ ما يُؤخذ من المسلم على الذمّي ثابتٌ في الشرع، كما إِذا مَرَّ على العاشر. فعلم أَنَّ ما يؤخذ من المسلم إِذا ثَبَتَ أَخْذه من الذمّي يضعف عليه ويُصْرف (^٣) مصارف الخراج اعتبارًا بالتغلبي. ووضع العشر عند محمد لأن المُؤْنة عنده لا تتغير. قَيَّدْنا بغير التغلبي، لأن التغلبي يُؤْخذ منه العُشْر مُضاعفًا إِلاَّ عند محمد.
ولا يُؤخذ خَراجٌ آخَرُ، أَوْ عُشْرٌ، أَوْ زكاةٌ أَخَذَهُ بُغَاةٌ: وهُم قومٌ من المسلمين خرجوا عن طاعة الإِمام العادل بحيث يَسْتَحِلُّون قَتْلَ غيرِ العادلِ ومَالَهُ بتأْويل القرآن،
_________________
(١) في المطبوعة: أرضها، وما أثبتناه من المخطوطة و"السنن الكبرى" للبيهقي ٩/ ١٤١.
(٢) في المطبوعة: العامرة، وما أثبتناه من المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: مصرف، وما أثبتناه من المخطوطة.
[ ١ / ٥٢٨ ]