وخُمِّسَ مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ نَحْوه
===
بالرجوع إِلى أَهل الذِّمة. وعن الكَرْخِي: أَنَّ جلود الميتة حُكُمُها حُكْمُ الخمر.
(ولا أَمَانَةٌ) (^١) بأَنْ كان في يد المارِّ المسلم أَوْ الكتابي وديعة أَوْ مضاربة، لأَنه ليس بمالكٍ ولا نائبٍ عنه في أَداء الزكاة، أَوْ ضعفها. ولو كان في مال المضاربة ربح يبلغ نصيب المارّ منه نصابًا عَشَّرَ نَصِيبَهُ. وفي «المحيط»: مَنْ مَرَّ بأَقلِّ من مئتي درهم لم يأْخذ العاشر منه شيئًا، مسلمًا كان أَوْ ذميًا، أَوْ حربيًا، عَلِم أَنَّ له مالًا آخَرَ في منزلِهِ أَوْ لم يعلم، لأَن حق الأَخذ للعاشر باعتبار الحماية، لأَن الأَموال في البراري محمية بحماية الإِمام، وقَدْرُ ما صار محميًا بحمايته، لا زكاة فيه، وما في بيته لم يدخل في الحماية، ولكن يلزمه الزكاة بينه وبين رَبِّه.
(وعُشَّرَ الحربيُّ ثانيًا قبل الحَوْلِ جائيًا من دَارِه) لأَنَّ الأَمان الأَول انتهى برجوعه إلى دار الحرب، وقد مَرَّ بأَمانٍ جديدٍ فَيُؤخذ منه.
قيّد «بِقَبْل الحول» لأَنه إِذا مَرَّ ثانيًا بعد تمام الحول عُشِّرَ، سواء كان جائيًا من داره أَوْ ذاهبًا من دارنا، لأَن الأَخذ الأَول للأَمان السابق وبعد الحول يجدد الأَمان، لأَن الحربي لا يُمَكَّنُ من المقام في دارنا إِلاَّ حولًا واحدًا. وقَيّد بكونه «جائيًا» من داره، لأَنه إِذا مَرَّ قبل تمام الحول ذاهبًا من دارنا لم يُعْشَّر.
(فصلٌ في زكاة المعادن)
(وخُمِسَ مَعْدِنُ ذَهَبٍ). كان ينبغي أَنْ يَفصل (بفصل) (^٢) عَمَّا قبله. والمعْدِنُ: المال المخلوقُ في الأَرض. (أَوْ نَحْوه) أَي نحو ذهب من فضةٍ أَوْ رصاصٍ أَوْ حديدٍ أَوْ نُحاس.
وقال الشافعي وأَحمد: لا شيء في المَعْدِنِ لما في الكتب الستة عن أَبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ «العَجْمَاءُ جُرْحُها جُبَارٌ، والبِئرُ جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمْسُ».
والعجماء: البهيمة. والجُبَار: الهَدْر.
_________________
(١) أي ولا يُعشر أمانةً.
(٢) سقط من المطبوعة.
[ ١ / ٥١٣ ]
وُجِدَ في أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ،
===
وأُجِيب بأَن معنى الحديث عندنا: أَنَّ مَنِ استأْجر رجلًا لِحفرِ معدن فانهار عليه فهو هَدْر (^١)، لا أَنَّ مَنِ استخرجَ مَعْدِنًا فهو له، لما روى البيهقيّ عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «في الرِّكازِ الخُمْسُ، قيل: وما الرِّكَازُ يا رسولَ الله؟ قال: الذَّهَبُ والفِضَّةُ الذي خلق اللهُ تعالى في الأَرض يَوْمَ خُلِقَتْ». ولأَن المعادن كانت في أَيادي الكفار، فإِنَّ الأَرض كانت في أَيديهم والمعادنُ جزءٌ منها، لأَنَّ مَنِ اشترى (أَرضًا) (^٢) فوجد فيها مَعْدِنًا يكون له، ثم صارتِ الأَرض في أَيدينا فتكون تلك المعادن غنيمةً، وفي الغنيمة الخُمس.
ثُم اعلم أَنْ المال المستخرَجَ من الأَرض يقال له: كنز، ومعدن، ورِكاز. والكنز: اسم لِمَا دفنه بنو آدم؛ والمعدن: اسم لما خلقه الله في الأَرض يوم خلقها؛ والرِّكاز: اسم لهما جميعًا، لأَنه يَصْدق على كلَ منهما أَنه مركوزٌ في الأَرض وإِن اختلف الراكز.
(وُجِدَ في أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ) وكذا إِذا وُجد في صحراء ليست خَراجيةً، ولا عُشْرِيةً. والتقييد (^٣) لإِفادة الحق ليس له تعلق بالأَرض، أَوْ للاحتراز عن الدَّار.
والحاصل: أَنه يُؤخذ الخُمْس من المَعْدِن مُطلقًا لا رُبُع العُشْر من النقد فقط إِنْ بلغ نِصابًا كما قاله مالك والشافعي، لما روى أَبو حاتم من حديث عبد الله بن نافع، عن أَبيه، عن عبد الله بن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ «في الرِّكازِ العُشُور».
قلنا: ابن نافع متروك كما قال النسائي، فلم يَفِد مطلوبًا. ولما في «الموطأَ» عن رَبِيعة بن (أبي) (^٤) عبد الرحمن، عن غير واحدٍ من علمائهم: «أَنَّ النبيَّ ﷺ أَقطع لِبِلال بن الحارث المُزَني معادن بالقَبَلِيِّة (^٥) . وهي ناحية بالفُرْع (^٦)، فتلك المعادن لا يُؤخذ
_________________
(١) أي لا شيء على من استأجره. فتح الباري: ٣/ ٣٦٥.
(٢) في المطبوع: أَرضنا، وما أثبتناه من المخطوط.
(٣) أي قيد كلمة "أرض" بخراج أو بعُشْر لإِفادة الحق.
(٤) سقط من المطبوع والمخطوط. وهو من "الموطأ" ١/ ٢٤٨، كتاب الزكاة (١٧)، باب الزكاة في المعادن (٣)، رقم (٨).
(٥) حُرِّفت في المطبوع إلى "القبيلة"، والصواب ما أثبتناه من المخطوط و"الموطأ" الموضع السابق.
(٦) القَبَلِيَّة: منسوبة إلى قَبَل، وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل هي من ناحية الفرْع: وهي قرية من نواحي المدينة، بينها وبين المدينة ثمانية بُرُد على طريق مكة. انظر "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٤/ ١٠، و"معجم البلدان" ٤/ ٢٥٢، ٣٠٧.
[ ١ / ٥١٤ ]
وبَاقِيهِ لِلوَاجِدِ إِنْ لَمْ تُمْلَكِ الأَرْضُ، وإِلَّا فِلِمَالِكهَا، ولا شَيءَ فيهِ إِنْ وُجِدَ في دَارهِ، وفي أَرْضِهِ رِوَايَتَانِ.
===
منها إِلا الزكاة إِلى اليوم.
قلنا: حديثٌ مُنقطعٌ، ومع اتصاله من رواية الدَّرَاوَرْدِيّ ليس فيه: أَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بذلك، وإِنما قال: يُؤخذ منه إِلى اليوم، فيجوز أَنْ يكون ذلك اجتهادًا من أَهل الولايات. وحجتنا الكتاب والسنة، أَمَّا الكتابُ فَظَاهِرُ قَوْله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُم مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^١) ولا شَكَّ في صِدْق الغنيمة على هذا المال لما سبق من المقال. وأَمَّا السُّنَّةُ فالحديثان المتقدمان، وأَخرج الحاكم في «المُسْتَدْرَك» عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمر أَنَّ النبيَّ ﷺ قال في كنز وجده رَجُلٌ: «إِنْ كُنْتَ وَجَدْتَه في قريةٍ غَيْرِ مسكونة، أَوْ في غير سبيل ميتاء، ففيه وفي الرِّكَازِ الخُمْس». ورواه الشافعي عن سفيان، عن داود بن شابور، ويعقوب بن عطاء، عن عَمْرُويَهْ.
وفي «الإِمام» عن الشَّعْبِيّ: «أَنَّ رجلًا وجد رِكَازًا فأَتَى به عَلِيًّا، فأَخَذَ منه الخُمْسَ، وأَعطى بَقِيَّتَهُ للذي وجده، فأَخبر به النبيَّ ﷺ فأَعْجَبَهُ». والمُرْسَلُ حجة عندنا وعند الجمهور، فهذا (^٢) دليل قوله:
(وبَاقِيهِ) وهو أَربعة أَخْماسه (لِلوَاجِدِ إِنْ لَمْ تُمْلَكِ الأَرْضُ) سواء كان الواجد حرًَّا، أَوْ عبدًا، مُسلمًا، أَوْ ذِمِّيًا، لأَنَّ للغانمين يدًا باطنةً، ولِلوَاجد يدًا ظاهرةً وباطنةً فكانت أَقوى، فكان لها أَربعة أَخماس. ولو كان الواجدُ حربيًا مُستأْمَنًا أُخذ منه الكل، لأَنَّ الحربي لا حَظَّ له في الغنِيمة أَصلًا، بخلاف الكِتابي فإِنَّ له حظًّا فيها بطريقِ الرضخ: وهو إِعطاء شيءٍ أَقل من سَهْم.
(وإِلاَّ) أَي وإِنْ كانتِ الأَرْضُ مملوكةً (فِلِمَالِكِهَا) أَي فباقيه لمالكها، لأَنه صاحب اليد ظاهرًا وباطنًا. (ولا شَيءَ فيهِ) أَي في المعدن (إِنْ وُجِدَ في دَارهِ)، وقال أَبو يوسف ومحمد رحمهما الله: فيه الخُمْس كالكَنْز. ولأَبي حنيفة: أَنَّ المعدن جزءٌ من الدار خِلْقَةً، ولا مَؤُنة للسلطان بالعُشْر أَوْ الخَرَاج في جزءٍ من أَجزاء الدار، والكَنْز مالٌ أُودِعَ فيها ليس خِلْقَةً.
(وفي أَرْضِهِ رِوَايَتَانِ) عن أَبي حنيفة، ففي رواية «الأَصْل»: لا شَيءَ فيه، لأَنَّ
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: (٤١).
(٢) وفي المخطوط: وهو.
[ ١ / ٥١٥ ]
ولا شَيْءَ في لُؤْلُؤٍ وعَنْبَرٍ، ولا في فَيْرُوزَجَ وُجِدَ في جَبَلٍ
===
كل جزءٍ من أَجزاءِ أَرْضِهِ لا خُمْس فيه، فكذا هذا الجزء. وفي رواية «الجامع الصغير»: فيه الخُمْس، لأَن أَرضه ليست خاليةً عن المُؤَن بخلاف الدار، فإِنها خاليةٌ عنها، ولهذا وَجَبَ العُشْرُ أَوْ الخَراج في الأَرض دون الدار، فكذا هذه للمؤنة.
وأَما عندهما: فيجب فيها الخُمْسُ أَيضًا روايةً واحدةً، لإِطْلَاقِ قوله ﵊: «وفي الرِّكَازِ الخُمْسُ»، ودَعْوَى تخصيصه بالدار موقوفةٌ على إِيراد دليله، وكونها خُصَّتْ مِنْ حُكْمَي العُشْر والخَراج بالإِجماع، لا يَسْتَلزم أَنْ تكونَ مخصوصةً من كُلِّ حُكْمٍ إِلاَّ بدليلٍ في كُلِّ حُكْمٍ.
(ولا شَيْءَ في لُؤْلُؤٍ) ومُرْجان (وعَنْبَرٍ) وكُلِّ مُستخرَجٍ من البحر ولو كان ذهبًا أَوْ فِضِّةً. وقال أَبو يوسف آخِرًا - وهو قول أَبي حنيفة أَولًا ـ: فيه الخمس، لما روى عبد الرزاق وابن أَبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفَيْهِما» عن مَعْمَر عن سِمَاك بن الفضل: «أَنَّ عمر بن عبد العزيز أَخَذَ من العَنْبَرِ الخُمْسَ». وهو قول الحسن البصري وابن شِهَاب الزُّهْرِيّ. رواه أَبو عُبَيْد.
ولهما ما رواه البخاريُّ عن ابن عباس أَنه قال: «ليس العَنْبَرُ بِرِكَازٍ، إِنَّما هو شَيءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ - أَي دفعه» ـ. ولفظ ابن أَبي شَيْبَةَ عنه: «ليس في العَنْبَرِ زَكَاةٌ، إِنَّما هو شَيءٌ دَسَرَه البَحْرُ». ولفظ أَبي عُبَيْدٍ عنه: أَنه قال: «ليس في العَنْبَرِ خُمْسٌ». وعن جابر نحوه. فهذا أَوْلى بالاعتبار من قول مَنْ دونهما مِمَّنْ ذكرنا من التابعين. ولأَن قَعْر البحر لا يَدَ عليه، فلا يكون المأْخوذُ منه غنيمةً، فلا يكون فيه خُمْسٌ.
وفي «المحيط»: قيل: اللؤلؤ مطر الربيع يقع في الصَّدَفِ فيصيرُ لُؤلؤًا. وقيل: الصدف حيوان يخلق فيه اللؤلؤ. ولا شيء في الماء، ولا فيما يؤخذ من الحيوان كظبْي المِسْك. وأَمَّا العَنْبَرُ فعند محمد حشيش في البحر يبتلعه الحوت، فإِذا استقر في جوفه لفظه لمرارته، وقيل: خِثْيُ دابة في البحر. وقيل: زَبَدُ البحر، فإِنَّ الأَمواج إِذا تَلَاطَمَتْ هاج بها الزبد، فلا تزال بها الريح حتى يمكث ما صفا فينعقد عَنْبَرًا، فيقذفه الماء إِلى الساحل، ويذهب ما لا يُنْتَفع به من الزبد جُفَاء.
(ولا في فَيْرُوزَجَ (^١)) وياقوت وكل حجر نفيس (وُجِدَ في جَبَلٍ) أَوْ مَفَازَةٍ (^٢) .
_________________
(١) الفَيْرُوزَج: حجرٌ كريمٌ غير شفاف، معروفٌ بِلَوْنِهِ الأزرق كلون السماء أو أميل إلى الخضرة، يُتَحَلَّى به. المعجم الوسيط، ص: ٧٠٨، مادة (الفَيْرُوزج).
(٢) المَفَازَة: الصحراء، المعجم الوسيط، ص: ٧٠٦، مادة (فاز) وكذلك سُميت بالمَهْلَكَة أي المكان الذي يغلب على ظنّ سالكه أنه يهلك. معجم لغة الفقهاء، ص: ٤٤٥.
[ ١ / ٥١٦ ]
وكَنْزٌ فيه سِمَةُ الإِسْلام كاللُّقَطَةِ، ومَا فِيهِ سِمَةُ الكُفْرِ خُمِّسَ، وبَاقِيهِ لِلْوَاجِدِ إِنْ لم تُمْلَك الأَرْضُ، وإِلَّا فللمُخْتَطِّ لَهُ.
===
والحال أَنه ليس بِكَنْز لأَنه من أَجزاء الأَرض، فلا شيءَ فيه كالملح والنُّورَة (^١)، ولقوله ﷺ «لا زَكَاةَ في الحَجَر». رواه ابن عَدي من طريقين ضعيفين.
(وكَنْزٌ) وهو مال موضوعٌ في الأَرض (فيه سِمَةُ الإِسْلام) أَي علامتُه ككلمةِ الشهادة ونحوها. وهذه الجملة صفة «كَنْز»، وهو مبتدأ خبره (كاللُّقَطَةِ) وسيأتي حكمها إِنْ شاء الله تعالى. وذلك لأَنه من وَضْعِ المسلمين، ومال المسلم لا يُغْنم، فَيَجِبُ تعريفها على ما عُرِف في موضعه.
(ومَا): أَي كُنِزَ (فِيهِ سِمَةُ الكُفْرِ) كَنَقْشِ صنمٍ، أَوْ اسم مَلِك معروف بالكفر، (خُمِسَ) اتفاقًا على كل حال، ذهبًا كان أَوْ رَصاصًا أَوْ زئبقًا، كبيرًا كان الواجد أَوْ صغيرًا، حرًّا كان أَوْ عبدًا، مُسْلمًا كان أَوْ ذِمّيًا، لأَن كلَّ مَنْ سمَّيْنَا له فيها حَقٌّ سهمًا أَوْ رَضْخًا، ولقوله ﵊: «وفي الرِّكازِ الخُمْس» (^٢)، والركاز يتناول الكَنْز لما فيه من معنى الرَّكْز وهو الإِثبات، إِمَّا مخلوقًا وهو المَعْدِن، أَوْ مَوْضُوعًا وهو الكنز، على ما يُفْهم من «المُغْرِب»، وكثير من كُتُب اللغة.
(وبَاقِيهِ) وهو أَربعة أَخماس (لِلْوَاجِدِ) أَي مُطْلقًا كما تقدم (إِنْ لم تُمْلَك الأَرْض) لأَنه مِنْ دَفْنِ الكفار وقد وقع أَصله في أَيدي الغانمين، إِلاَّ أَنهم هلكوا قبل تمام الإِحْرَاز منهم، فصار المُسْتَخْرِجُ أَوَّلًا مُحرِزًا له فكان أَحق به، ووجب الخُمْس لأَن ابتداء أَخْذِه كان جهادًا، وإِنْ لم يكن إِحراز هذا المُحْرِز جهادًا.
(وإِلاَّ) وإِنْ كانت مملوكةً (فللمُخْتَطِّ لَهُ) أَي المالك (^٣) أَول الفتح، ثُم لورثتِهِ مِنْ بعده إِنْ عُرِفوا لانتقاله إِليهم. وقال أَبو يوسف: لِلْوَاجِدِ، لأَنَّ الاستحقاق بتمام الحيازة وهو (من) (^٤) الواجد، ولأَن هذا المال لم يدخل تحت قسمة الغنائم لعدم المقابلة، فبقي مباحًا فيكون لِمَنْ سَبَقت يَدُه إِليه. ولهما أَنَّ يد المختط له. سبقت إِليه على الخصوص، فملكت ما في الباطن، وإِن كانت على الظاهر، وإِنْ لم يُعْرف المختط له، قال شمس الأَئمة السَّرَخْسِي: يُصْرف إِلى أَقصى مالك يُعْرف في الإِسلام
_________________
(١) النُّورَة: حجر كلسي يُطْحَنُ ويخلط بالماء ويُطْلَى به الشعر فيسقط. معجم لغة الفقهاء، ص: ٤٩٠.
(٢) تقدم تخريجه عند المؤلف، ص: ٥١٣.
(٣) الذي ملكه الإمام هذه البقعة.
(٤) سقط من المطبوع.
[ ١ / ٥١٧ ]
ورِكَازُ صَحْرَاء دَارِ الحَرْبِ كُلُّه لِمُسْتَأْمَنٍ وَجَدَهُ، وإِنْ وَجَدَهُ في دَارٍ منها رَدَّهُ على مَالِكِهَا، وإِنْ وَجَدَ رِكَازَ مَتَاعِهِم في أَرْضٍ لم تُمْلك، خُمِسَ، وبَاقِيه لَهُ.
===
لا يُعْرف غيره، أَوْ (^١) لورثته لقيامهم مقام صاحب الخِطَّة في هذه البقعة.
وقال أَبو اليَسَر: يوضع في بيت المال. ولو لم يعلم: هل الكَنْز جاهلي أَوْ إِسلامي؟ فظاهر المذهب يجعل جاهليًا، لأَنه الغالب والأَصل. وقيل: يجعل إِسلاميًا في زماننا لتقادم العهد، إِذِ الظاهر أَنه لم يبق شيءٌ مِمَّا وضعه أَهْلُ الحرب. وأَمَّا مع اختلاط دراهم الكفار مع دراهم المسلمين، كالمِشْخَص (^٢) المستعمل في زماننا في بعض بلاد الإِسلام، فلا ينبغي أَنْ يكون خلافٌ في جعله إِسلاميًا.
(ورِكَازُ صَحْرَاء (دَارِ) (^٣) الحَرْبِ) مَعْدِنًا كان أَوْ كَنْزًا، متاعًا كان أَوْ غَيْرَه (كُلُّه لُمُسْتَأْمَنٍ وَجَدَهُ) ولا خُمْس فيه، لأَنه ليس بغنيمة، لأَن الغنيمة ما أُخذ على طريق القهر والجبر، وهذا أَخِذَ على طريق التَّلَصّص. (وإِنْ وَجَدَهُ) أَي المُسْتَأْمَن من الرِّكاز (في دَارٍ منها) أَي من دارِ الحرب (رَدَّهُ على مَالِكِهَا) أَي مالك تلك الدار تحرزًا عن الغدر.
(وإِنْ وَجَدَ) أَي المستأْمنَ (رِكَازَ مَتَاعِهِم) ما يَتَمَتَّعُ به أَهل الحرب من ثياب وغيرها (في أَرْضٍ) أَي من أَراضي دار الحرب (لم تُمْلك، خُمِسَ، وبَاقِيه لَهُ) أَي لِلواجِد.
قال الشارح: ظاهر هذا أَنَّ المستأمنَ إِذا وجد متاع أَهل الحرب في أَرضهم رِكازًا أُخِذ منه خمسه، والباقي له، والحال أَنه ليس كذلك، لأَن ما يجده المستأمَن رِكازًا في أَرض الحرب لا خُمْس فيه، متاعًا كان أَوْ غَيْرَه. وعبارة «الهداية»: متاع وجد ركازًا فهو للذي وجده، وفيه الخُمْس، معناه وُجِد في أَرض لا مالك لها، لأَنه غنيمة بمنزلة الذهب والفضة. انتهى.
وفي «العناية»: إِنما ذكر صاحب «الهداية» هذه المَسْأَلَة لِبيان أَنْ وجوب الخُمْس لا فرق فيه بين كون الرِّكاز من النقدين أَوْ من غيرهما. انتهى. وعلى هذا فيمكن تقرير كلام المصنف بأَن قوله «وُجِدَ» مَبْني للمفعول أَوْ الفاعل، وفاعله ضمير الواجد لا المستأمَن. وقوله في أَرْضٍ لم تُملك: يَعْني من دار الإِسلام، ويكون هذا بيانًا لِحُكْم
_________________
(١) في المطبوع: "و"، وما أَثبتناه من المخطوط.
(٢) المِشخص مفرد مشاخص: وهي دنانير مُصَوَّرة. تاج العروس ١٨/ ١٠، مادة (شخص).
(٣) سقط من المطبوع.
[ ١ / ٥١٨ ]
وفي عَسَلِ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ،
===
الرِّكاز من الأَمتعة في دار الإِسلام. وقوله فيما سبق: «وكَنْز فيه سِمَةُ الكفر»: بيانٌ لِحُكْم الرِّكاز من النقدين فيها.
ومصْرِف الخُمْس عندنا، وهو قول مالك، مَصْرِف الغنيمة لكونه منها، لا مَصْرِف الزكاة كما قاله الشافعي بناء على إِيجابه الزكاة في معدن النقدين دون الخُمْس.
(وفي عَسَلِ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ) قيد بالعشرية لأَن الأَرض الخَراجية لا شيء في عسلها اتفاقًا. وقال مالك والشافعي: لا عُشْر في العَسَل مُطْلقًا، لأَنهُ مُتولّدٌ من حيوان فأَشبه الإِبْرَيسَم (^١) .
ولنا ما رواه أَحمد وابن ماجه والبيهقي عن سليمان بن موسى عن أَبي سيَّارة المُتَعي قال: قلتُ: «يا رسولَ الله إِنَّ لي نَحْلًا، قال: «أَدِّ العُشور». قُلت: يا رسولَ الله احْمِها لي، فحماها لي. قال البيهقي: هذا أَصح ما رُوِيَ في وجوب العُشْر فيه. وهو منقطعٌ، لأَن سليمان لم يُدْرِك أَحدًا مِنْ أَصحاب رسول الله ﷺ
وروى عبدُ الرَّزاق في «مُصنفه» عن أَبي هريرة: أَنَّ النبيّ ﷺ كتب إِلى أَهل اليمن أَنْ يُؤُخذ من أَهل العسل العشور. وليس فيه عِلَّةٌ إِلا عبد الله بن مُحَرَّر (^٢)، قال ابن حِبَّان: كان من خيار عباد الله إِلاَّ أَنَّه كان يكذب ولا يَعْلَم، ويَقْلِب الأَخبار ولا يفهم. وحاصله أَنه كان يغلَط كثيرًا.
وروى ابن ماجه: حدثنا محمد بن يَحْيَى، عن نُعَيْم بن حمَّاد، عن ابن المبارك، عن أُسامة بن زيد، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جدِّه عبد الله بن عَمْرو: «أَنَّ النبيَّ ﷺ أَخَذَ من العَسَلِ العُشْر».
وقال الشافعي: أَخبرنا أَنس بن عِيَاض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أَبي ذُبَاب (^٣) الدَّوْسِي، عن منير بن عبد الله، عن سعد بن أَبي ذُبَاب الدَّوْسِي قال:
_________________
(١) الإِبْريسَم: - لفظ مُعرّب -، أجود أنواع الحرير، أو الحرير المنقود قبل أن تخرج الدودة من الشرنقة. معجم لغة الفقهاء، ص: ٣٩.
(٢) حُرِّف في المطبوعة والمخطوطة إلى: "محرز"، والصواب ما أثبتناه من "مصنف عبد الرزاق" ٤/ ٦٣، و"ميزان الاعتدال" ٢/ ٥٠٠.
(٣) حُرِّف في المخطوطة والمطبوعة في الموضعين إلى "ذياب". والصواب ما أثبتناه من "الأم" ٢/ ٣٨، و"تهذيب الكمال" ٥/ ٢٥٣. و"تقريب التهذيب" ص ١٤٦، رقم (١٠٣٠) في ترجمة الحارث بن عبد الرحمن. وانظر "الإكمال في ذكر من له رواية في مسند أحمد" ١/ ٣٣٤ ففيه زيادة توضيح وتخريج.
[ ١ / ٥١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
«أَتَيت النبيّ ﷺ وأَسلمت، وقلت: يا رسولَ، اجعل لقومي ما أَسلموا عليه، ففعل، واستعملني عليهم أَبو بكر بعد النبيّ ﷺ واستعملني عمر بعد أَبي بكر، فلما قَدِم على قومه قال: يا قوم أَدُّوا زكاة العسل، فإِنه لا خير في مال لا تُؤدَّى زكاته. قالوا: كم ترى؟ قلت: العشر، فأَخذت منهم العُشْر، فأَتَيت به عمر ﵁، فباعه وجعله في صدقات المسلمين».
وما في «سنن أَبي داود» من حديث عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه عن جده قال: «جاء هلال - أَحد بني مُتْعَان - إِلى رسول الله ﷺ بعُشور نَحْلٍ له وكان سأله أَنْ يَحْمِي له واديًا يقال له: سَلبَة، فحماه له». ولا شك أَنَّ هذا القَدْر يفيد الوجوب فيه، وإِنَّ أَخْذَ سَعْدٍ لم يكن رأْيًا منه ولا تطوّعًا منه فإِنه قال: «أَدُّوا زكاة العسل». والزكاة: اسم للواجب، فيحتمل كونه سَمِعه من النبيّ ﷺ وكونه رأيًا منه، وحَمْلُه على السماع أَولى بقرينةِ نَفْي الخَيْرِيَّة عن مالٍ لا تُؤدَّى زكاته.
ويدل عليه أَيضًا الحديث المرسل الذي لا شبهة في ثبوته (^١)، وفيه الأَمر منه ﷺ بأَداءِ العُشور. والمُرسل بانفراده حجّة على ما أقمنا عليه الدليل، وبتقدير أَنْ لا يُحتج به بانفراده، فتعدد طرق الضعيف ضعفًا بغير فِسْق الراوي يفيد حُجِّيَّته، إِذْ يغلِب على الظنِّ إِجادة كثير الغلط في خصوص هذا المتن، وهنا كذلك، وهو المرسل المذكور، فثبتت الحجّية اختيارًا منهم ورجوعًا، وإِلا فإلزمًا وجبرًا.
هذا، ويعتبر أَبو يوسف في رواية نصاب العسل بعَشْر قِرَب، كُلُّ قِرْبَة خمسونَ مَنًَّا (^٢)، لِمَا روى الطَّبَراني عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبِيه عن جده: «أَنَّ بني سَيَّارة - بطن من فَهْم - كانوا يُؤدون إِلى رسول الله ﷺ عن نَحْلٍ كان لهم العُشْرَ: من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَة، وكان يَحمِي وَادِيَيْنِ لهم، فلما كان عمر استعمل على ما هناك سفيان بن عبد الله الثَّقَفِي، فأَبَوْا أَنْ يُؤَدوا إِليه شَيئًا، قالوا: إِنَّما كُنَّا نؤدّيه إِلى رسول الله ﷺ فكتب سفيان إِلى عمرَ، فكتب إِليه عمرُ: إِنَّما النَّحْلُ ذباب غَيْث يسوقه اللهُ رِزْقًا إِلى مَنْ يَشاء، فإِنْ أَدَّوا إِليك ما كانوا يؤدون إِلى رسول الله ﷺ فاحم لهم أَوديتهم، وإِلاَّ فَخَلِّ بينه وبين الناس. فأَدَّوا إِليه ما كانوا يُؤدّون إِلى رسول الله ﷺ (فَحَمَى لَهُمْ أَوْدِيَتَهُم)» (^٣) . وروى أَبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم بإِسْنَادِهِ (^٤): «أَنَّ
_________________
(١) في المطبوع: فيه، وما أثبتناه من المخطوط.
(٢) المَنّ: مِكيالٌ سعته رطلان عراقِيّان، وهو ما يساوي ٨١٥.٣٩ غرامًا. معجم لغة الفقهاء ص ٤٦٠.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) في المخطوطة: عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه.
[ ١ / ٥٢٠ ]
أَوْ جَبِلٍ وثَمَرِهِ.