تَجِبُ سَجْدَةٌ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ
===
«إذا شك أحدكم في صلاته فليُلقِ الشك وَلَيَبْنِ على اليقين». ولأن في الإعادة حرجًا. وقد انعدم الترجيح، فتعين الأخذ بالأقل.
(لَكِنْ يَقْعُدُ حَيْثُ تَوَهَّمَهُ آخِرَ صَلَاتِهِ) لئلا تبطل صلاته بترك القعْدَة الأخيرة. توضيحه: أَنَّ القعْدة الأخيرة فرض، والاشتغال بالنفل قبل إكمال الفرض مفسد للصلاة. ولو تَوَهَّمَ المصلي أنه أتمَّ صلاته فسلَّم بناء على توهّمه، ثم عَلِمَ أنه صلّى ركعتين فقط، أتمّها في مكانه، وسجد للسهو لحديث ذي اليَدَيْنِ (^١) . ولأنَّ سلامه كان سهوًا، فلم يخرج به من صلاته لكونه بمعنى الدعاء بخلاف ما لو ظنَّ أنه مسافر، أو أنه يصلي الجُمُعَة، أو كان في العشاء فظنَّ أنها التراويح، فسلَّم على رأس الركعتين فإنه تَفْسُد صلاته، لأنه عالم بالقدر الذي أدى، فسلامه (سلام عمد، فقطع صلاتَه.
فأمَّا إذا كان عنده أنَّ هذه القعْدَة هي الأخيرة، فسلامه سلام) (^٢) سهو، فلم تفسد صلاته. ولو شك أنه صلّى أو لا، فإن كان في وقت الصلاة فالظاهر أنه لم يصلها. وإنْ كان بعده فالظاهر أنه صلاّها. ولو شك أنه ركع في صلاته أو لا، فإن كان في الصلاة يأتي به، وإن لم يكن فيها فالظاهر أنه فعله.
فصلٌ في سُجُودِ التِّلَاوَةِ
(تَجِبُ سَجْدَةٌ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ) واحدة عند الوضع وأخرى عند الرفع. وبه قال ابن مسعود، وإبراهيم، والحسن، وأبو قِلَابَة، وابن سِيرينَ، وغيرهم. وهما سنتان كما في الصلاة. وقيل: إنهما ركنان.
وقال مالك والشافعي وأحمد: تُسَنُّ سجدة التلاوة لِمَا في «الصحيحين» عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبيّ ﷺ النَّجْم فلم يسجد. ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وإذا قُرِاءَ عَلَيْهِم القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (^٣) . وما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان
_________________
(١) تقدم الحديث في سجود السهو، ص: ٣٦٣.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٣) سورة الانشقاق، الآية: (٢١).
[ ١ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يبكي يقول: يا وَيْلَه أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيت، فلي النار».
والأصل أن الحكيم إذا حَكَىَ عن غير الحكيم (كلامًا) (^١) ولم يُعَقِّبْهُ بالإنكار، دلَّ على أنه صواب (^٢) . ففيه دليل على أن ابن آدم مأمور بالسجدة، والأمر للوجوب، مع أَنْ آي السجدة تفيده أيضًا، فإنها ثلاثة أقسام: قسم فيه الأمر الصريح، وقسم يتضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أُمروا به، وقسم فيه حكاية فِعْل الأنبياء بالسجود، وكلٌّ من الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة واجب، إلا أن يدل دليل في معين على عدم لزومه. لكن دلالتها فيه ظنّية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض.
أما عدم سجوده ﵊ حالة قراءة زيد، فلا يدل على عدم الوجوب لأن وجوبها ليس على الفَوْر، أو لعل قراءة زيد كانت في وقت كراهة الصلاة، فإنَّ الأفضل تأخيرها ليؤديها في الوقت المستحب لأنها لا تفوت بالتأخير، أو على غير وضوء، أو ليبين أنه غير واجب على الفور. وهذا الأخير مَحْمِل ما رُوِيَ في «الموطأ» عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدنا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رِسْلِكُم، علّمني رسولكم ﷺ أن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا».
(وأمَّا ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﵊: «السجدة) (^٣) على من سمعها، والسجدة على من تلاها»، فغير معروف رفعه. وإنما وقفه جماعة على عليّ، وابن عباس، وقد روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عمر أنه قال: «السجدة على من سمعها». ورُوِيَ عن إبراهيم، ونافع، وابن جُبَيْر أنهم قالوا: «مَنْ سمع السجدة فعليه أن يسجد».
وأمَّا دليل سنية التكبير فما روى أبو داود، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مَرَّ بالسجدة كَبَّر وسجد وسجدنا معه». وقيل: يكبر في الابتداء بلا خلاف، وفي الانتهاء يُكَبِّر على قول محمد، ولا يُكَبِّرُ على قول أبي
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من "فتح القدير" ١/ ٤٦٦.
(٢) يعني أن الشيطان حُكي عنه في الحديث أنه قال: "أُمِرَ ابنُ آدم"، فالشاهد فيه لفظ الأمر، ولم يعقِّبه النبي - ﷺ - بالإنكار، بأن قال مثلًا: لم نؤمر بالسجود.
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوعة.
[ ١ / ٣٧٣ ]
بِشُرُوطِ الصَّلاةِ، بِلا رَفْعِ يَدٍ وَتَشَهُّد وسَلامٍ. وفِيهَا سُبْحَةُ السُّجُودِ،
===
يوسف. ذكره في «الذَّخِيرَة». وعن أبي حنيفة - وهو رواية عن أبي يوسف - لا يُكَبِّرُ عند الانحطاط لأن التكبير للانتقال من ركن إلى ركن، ولم يوجد. وعنه (^١): يكبر عنده (^٢) لا في الانتهاء. ويؤيده الحديث الذي تقدَّم. والله تعالى أعلم.
(بِشُرُوطِ الصَّلاةِ) سوى التحريمة اعتبارًا بسجدة الصلاة خلافًا لابن عمر في الوضوء. قال البخاري: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء، ولعلّ وجهَهُ آية الوضوء حيث قال الله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ﴾ (^٣) . والسجدة المنفردة لا تسمى صلاة. ثم يفسدها ما يفسد الصلاة من الحدث والكلام، والقهقهة، ويلزم إعادتها. وقيل: هذا قول محمد. ولا تفسد عند أبي يوسف بناء على اختلافهما في أن السجدة تتم بالوضع أو الرفع (^٤) .
(بِلَا رَفْعِ يَدٍ) لأن هذا التكبير لمجرد الانحطاط لا للتحريم، فلا يرفع اليدان فيه كسجدة الصلاة. ولأن التحريم شُرِعَ لجمع الإجزاء المختلفة.
(وَ) بلَا (تَشَهُّد) لعدم وروده. ولأن التشهد لم يُشْرَع إلا لذات الركوع والسجود، ولهذا لم يُشْرَع في صلاة الجنازة. (و) بلا (سَلَامٍ) وهو قول مالك. لأن السلام لا يكون إلا عن تحريمة، وهي ليست بموجودة ههنا. وروى ابن أبي شَيْبَة عن الحسن، وعطاء، وإبراهيم النَّخَعِي، وسعيد بن جُبَيْر: «أنهم كانوا لا يُسَلِّمون في السجدة». وإنما نفى المصنف هذه الأشياء لأن عند الشافعي: إذا لم يكن في الصلاة رفع اليد مستحب، والتشهد واجب - في قول - وأما السلام فواجب عنده، قيل: يُسْتَحَبُّ أنْ يقوم فيسجد. لِمَا رُوِيَ ذلك عن عائشة، ولأن الخرور الذي مُدِحَ به أولئك فيه، فيكون أفضل.
(وفِيهَا سُبْحَةُ السُجُودِ) - بضم السين - أي تسبيح سجود الصلاة، لأن سجدة الصلاة أفضل من سجدة التلاوة، فيقال فيها ما ورد فيها. قال أبو اللَّيْث: وبه نأخذ.
_________________
(١) أي عن أبي يوسف.
(٢) أي عند الانحطاط.
(٣) سورة المائدة، الآية: (٦).
(٤) ومُفَادُ هذا الاختلاف أن العبرة عند محمد لتمام الرُّكن وهو الرفع - أي رفع الجبهة عن الأرض -، والعبرة عند أبي يوسف للوضع - أي وضع الجبهة على الأرض -، ولهذا تفسد عند محمد بما تفسد به الصلاة، ويلزم عند طروء الفساد الإعادة. بخلاف أبي يوسف حيث لا تفسد لأنها تتم بمجرد وضع الجبهة على الأرض. "رد المحتار" ١/ ٥١٥ بتصرف وزيادة.
[ ١ / ٣٧٤ ]
على مَن تَلَى آيةً مِن أَربعَ عشرة التي في: آخر الأَعرافِ، والرَّعد، والنَّحل، وبني إِسرائيل، ومريم، وأُولَى الحَجِّ وفِي الفُرْقَانِ، وَفي النَّمْلِ، في آلم السَّجْدَةِ، وفِي (ص).
===
وقيل: يُقَال: سبحان ربنا إنْ كان وعد ربنا لمفعولًا. أو: سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّرَه، وشقَّ سمعه وبصره، بحوله وقوّته. ولا منع من الجمع مع جواز الكل. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل في السجدة مرارًا: سجد وجهي للذي خلقه، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوّته». رواه أبو داود.
(عَلَى مَنْ تَلَى) أي يجب على من قرأ (آيَةً مِنْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ) آية وهي (التي في آخِرِ الأَعْرَافِ والرَّعْدِ) أي في أثناء الرعد (والنَّحْلِ وبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي الإسراء وهي قريبة من آخرها (ومَرْيَمَ وأُولَى الحَجِّ) أي في أثنائهما. وقال الشافعي وأحمد، وهو رواية عن مالك: وثانية الحج أيضًا. لِمَا أخرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم، عن عبد الله بن لَهِيعَة من حديث عُقْبَة بن عامر قال: قلت: «يا رسول الله، أَفُضِّلَت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال له: نعم، فمن لم يسجدهما فلم يقرأهما». وأُجِيبَ بأن الترمذي قال: إن إسناده ليس بقوي. وعلى تقدير صحته فالأُولى سجدة تلاوة والثانية سجدة صلاة. ويؤيد ذلك اقتران الثانية بالركوع.
ومذهبنا مروي عن ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى، والثانية سجدة الصلاة. وأما ما روى الحاكم عن عمر، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأبي موسى، وأبي داود، أنهم سجدوا في الحج سجدتين، فمحمول على أنه اختيارهم أو رعاية للأحوط.
(وِ) التي (فِي الفُرْقَانِ وَ) التي (في النَّمْلِ) عند قوله تعالى: ﴿ومَا يُعْلِنُونَ﴾ (^١) على قراءة غير الكِسَائِي (^٢) . وعند قوله تعالى: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا﴾ (^٣) على قراءة الكِسَائِي، كذا ذكره الشارح الشُّمُنِّيُّ. والصحيح أن محل السجدة على جميع القراءات عند قوله: ﴿وما يُعْلِنُون﴾ بل الأصح أنه عند قوله: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ (^٤) .
(و) التي (في آلم السَّجْدَةِ و) التي (فِي ص) وهو قول مالك، ورواية عن أحمد ومحلها قبل ﴿وخَرَّ راكِعًا وأَنَابَ﴾ (^٥) والصواب أنه عند قوله ﴿وحُسْنَ مآبٍ﴾ (^٦) . وقال الشافعي - وهو المشهور عن أحمد - سجدة ص سجدة شكر، ليست
_________________
(١) الآية: (٢٥).
(٢) قرأ حفص والكِسَائي بتاء الخطاب: ﴿تُعْلِنُونَ﴾، والباقون بياء الغيبة: ﴿يُعْلِنُونَ﴾. "البدور الزاهرة" ص ٢٣٥.
(٣) الآية: (٢٥).
(٤) الآية: (٢٦).
(٥) الآية: (٢٤).
(٦) الآية: (٢٥).
[ ١ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من عزائم السجود، فيسجد بها خارج الصلاة لا في الصلاة لِما في البخاري عن ابن عباس قال: «ليست ص من عزائم السجود، فيسجد بها خارج الصلاة لا في الصلاة، وقد رأيت النبيّ ﷺ يسجد فيها - أي لها ـ.
ولنا ما في البخاري عن العَوَّام بن حَوْشَب قال: «سألت مُجَاهِدًا عن سجدة ص فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت في ص؟ فقال: أوَمَا تقرأ ﴿ومِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ﴾ (^١) ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ (^٢) فكان داود، ممن أمر نبيُكم أن يُقْتَدَى به، فسجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ.
وأما ما في أبي داود من حديث الخُدْرِي قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقرأ ﴿ص﴾، فلما مرَّ بالسجود نزل فسجد وسجدنا معه. وقرأها مرة أخرى فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَّا للسجود - أي تهيّأنا - فلما رآنا قال: إنما هي (توبة نبي) (^٣) ولكني رأيتكم تَشَزَّنْتُم - أراكم قد اسْتَعْدَدْتُم للسجود - فنزل وسجد وسجدنا معه». فالجواب عنه أنَّ غاية ما فيه بيان السبب في حق داود، والسبب في حقّنا. وكونه للشكر لا ينافي الوجوب. فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكرًا لتوالي النِّعَم.
وقد أخرج الإمام أحمد عن بكر بن عبد الله المُزَنِي، عن أبي سعيد الخُدْرِي قال: «رأيت رؤيا، وإنا (^٤) أكتب سورة ﴿ص﴾، فلمَّا بلغت السجدة رأيت الدَّواة، والقلم، وكل شيءٍ يحضُرني ساجدًا. قال: فقصصتها على رسول الله ﷺ فلم يزل يسجد لها». فأفاد هذا أن الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان لا يَعْزِم عليها. فظهر أنَّ ما رواه إن تمت دلالته كان قبل هذه القصة. وفي حديث الترمذي عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيتني في الليلة البارحة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسَجَدتُ، (فسجدتْ) (^٥) الشجرة بسجودي فسمعتها تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذُخْرًا، وتقبَّلها مني كما تقبَّلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ النبيّ ﷺ سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثلما أخبر الرجل عن
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: (٨٤).
(٢) سورة الأنعام، الآية: (٩٠).
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب إثباته لموافقته لرواية أبي داود في سننه ٢/ ١٢٤، كتاب الصلاة (٢)، باب السجود في "ص" (٥)، رقم (١٤١٠).
(٤) في المخطوط والمطبوع: وإنما، وما أثبتناه من "مسند الإمام أحمد" ٣/ ٨٤.
(٥) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وفي حم السَّجْدَة، وفي النَّجْمِ، وفي انْشَقَّتْ، وفي اقْرَأْ.
===
قول الشجرة».
(و) التي (في حم السَّجْدَة) عند قوله: ﴿وهم لا يَسْأَمُون﴾ (^١) لِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن ابن عباس: «أنه كان سجد عند قوله: ﴿وهم لا يَسْأَمُون﴾». وفي لفظه: «أنه رأى رجلًا يسجد عند قوله: ﴿إن كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٢) فقال: لقد عجلت». وفيه تنبيه على أن السجدة في الآية الأخيرة أولى، لأن التأخير لا يضر بخلاف التقديم كما لا يخفى.
(و) التي (في النَّجْمِ و) التي (في انْشَقَّتْ و) التي (في اقْرَأْ) أي في آخرها. وقال مالك في رواية عنه: لا سجود في هذه الثلاث لِمَا روى أبو داود عن ابن عباس: «أنّ النبيّ ﷺ لم يسجد في شيء من المُفَصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة».
ولنا ما روى الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة قال: «سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقرأ باسم ربِّكَ﴾» وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة من الهجرة. وأُجِيبَ عن ذلك الحديث: بأن ابن عبد البَرّ قال: إِنَّه مُنْكَر. وعبد الحق قال: إنه ليس بقوي. قلت: وعلى تقدير صحته فالمُثْبِتُ مقدّم على النافي مع أنه مُعَارَض بما في «الصحيحين»: «أن أبا هريرة قرأ ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له: ما هذه السجدة؟ قال لو لم أر النبيّ ﷺ يسجدها لم أسجد، لا أزال أسجدها حتى ألقاه».
وأما ما روى ابن ماجه عن أبي الدَّرْدَاءِ قال: «سجدت مع النبيّ ﷺ إحدى عشرة سجدةً ليس فيها شيء من المُفَصَّل: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنى إسرائيل، ومريم، والحج، والفُرْقَان، والنمل، والسجدة، وص، وسجدة الحواميم»، فضعيف. ولئن صحَّ فليس بمراد فيه نفيُ السجدة في المُفَصَّل، بل إن الإحدى عشرة ليس فيها من المفصل، شيء وليس في هذا نزاع. وقد روى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن العاص: «أن رسول الله ﷺ قرأ (^٣) خمس عشرة سجدةً في القرآن: ثلاث (^٤) في المُفَصَّل، وفي سورة الحج سجدتان. إلا أَنَّا نقول: السجدة الثانية في الحج هي
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: (٣٨).
(٢) سورة فصلت، الآية: (٣٧).
(٣) في المخطوط: أقرأه، والمثبت من المطبوع.
(٤) في المطبوعة: ثلث، والمثبت من المخطوط.
[ ١ / ٣٧٧ ]
أوْ سَمِعَهَا، وإذَا تَلَى الإِمَامُ فَمَنْ سَمِعَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ في رَكْعَةٍ، سَجَدَ بَعْدَ الصَّلاةِ، كَمُصَلٍّ سَمِعَ مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ،
===
سجدة الصلاة. وعن ابن عباس: «أنه ﷺ سجد بالنَّجْمِ ومعه المسلمون والمشركون والجن والإنس». رواه البخاري. وعن أبي سعيد الخُدْرِي: «قرأ ﷺ وهو على المِنْبَر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد معه الناس». رواه أبو داود.
(أوْ سَمِعَهَا) سواء قصد السماع أو لَمْ يقصد، لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عمر أنه قال: «السجدة على من سمعها». ولا بد في السامع أن يكون أهلًا لوجوب الصلاة، لأنها تجب على الجُنُبِ إذا سمع دون الحائض والنفساء. وفي «المحيط»: ولو سمعها من كافر أو صبي عاقل أو حائض أو نفساء أو جنب أو محدث وجبت. ولو سمعها من مجنون أو نائم لا يجب، لأنّ التلاوة صدرت عن غير معرفة وتمييز. ولو قرأها سكران وجبت عليه، وعلى من سمعها منه، لأن عقله اعْتُبِرَ قائمًا زجرًا له.
وشرط مالك ذكورة التالي، وتكليفه بسجود السامع لقوله ﵊ لتال عنده لم يسجد: «كنت إمامنا، لو سجدت لسجدنا معك» (^١) . ولذا ينبغي أن لا يرفع السامعون رؤوسهم قبل رفع التالي إذا سجدوا معه. والمرأة وغير المكلف لا يصلح إمامًا. قلنا: المراد منه كنت حقيقًا أن تسجد قبلنا، لا حقيقة الإمامة. ألا ترى أنَّ المتوضاء يسجد لتلاوة المُحدِث مع أنه لا يصلح إمامًا له في الحال.
(وإذَا تَلَى الإِمَامُ) أي قرأ آية السجدة (فَمَنْ سَمِعَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ في رَكْعَةٍ) أخرى بعد الركعة التي سمعها فيها (سَجَدَ بَعْدَ الصَّلاةِ) أي لا فيها، لأنه سمعها قبل الاقتداء فلا تكون صلاتية في حقه، ولم يدرك ركعتها ليكون كأنه أداها. فيأتي بها بعد الصلاة. وقال العَتَّابِي: لا يسجد بعد الصلاة أيضًا لأنها صلاتية، فلا تؤدى خارجها. والأصح أنه يسجد بعدها.
(كَمُصَلَ) أي كما يسجد بعد الصلاة مصل (سَمِعَ) آية السجدة (مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ) في تلك الصلاة، سواء كان مصليًا أو غير مصلّ لوجود السماع. وعدم كونها صلاتية، لأن سماع قراءة غير الإمام ليس من أفعال الصلاة. ثم لو سجد في الصلاة لم تجزئه تلك السجدة فيعيدها، لأن فعلها في الصلاة وقع ناقصًا لكونه في غير محله،
_________________
(١) ورد الحديث في مراسيل أبي داود (ص ١١٢)، بلفظ: "أنت قرأتها، ولو سجدت سجدنا".
[ ١ / ٣٧٨ ]
ومَنِ اقْتَدَى بِهِ في تِلْكَ الرَّكْعَةِ بَعْدَ سُجُودِ الإِمَامِ لا يَسْجُدُ وقَبْلَهُ يَسْجُدُ مَعَهُ وإنْ لَمْ يَسْمَعْ لا يَسْجُدُ إِلَّا سَامِعٌ خَارِجِيٌّ
===
لكن لا تفسد صلاته لأنها عبادة زيدت في الصلاة كزيادة سجدة تطوعًا. ولا تفسد بما هو من أفعالها، بل تفسد بما ينافيها.
وفي «النَّوادِر»: تفسد صلاته لأنه اشتغل فيها بما ينبغي أنْ يفعل بعدها، أو لأنه زاد في الصلاة قُرْبَة ليست منها، كما إذا انتقل إلى النفل. وقيل: الفساد قول محمد، لأن السجدة الواحدة يُتَقَرَّبُ بها إلى الله تعالى عنده، حتى كان سجود الشكر قُرْبَة عنده. وعندهما: لا تفسد، لأنها ليست بقربة. ولهذا لو زاد ركوعًا أو قيامًا لا تَبطل صلاته عند الكل، إذ كل واحد مما لا يتقرب به إلى الله ﷾.
(ومَنِ اقْتَدَى بِهِ في تِلْكَ الرَّكْعَةِ بَعْدَ سُجُودِ الإِمَامِ لا يَسْجُدُ) في الصلاة ولا بعدها، لأنه بإدراكه تلك الركعة صار مؤديًا للسجدة. كمن أدرك الإمام في ركوع ثالثة الوتر فإنه لا يقنت فيما يأتي بعد فراغ الإمام.
(وقَبْلَهُ) أي ومن اقتدى بالإمام قبل سجوده للتلاوة (يَسْجُدُ مَعَهُ وإنْ لَمْ يَسْمَعْ) لأنه تابع له.
(وإنْ تَلَا المَأْمُومُ)، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يَسْجُدُ إِلاَّ سَامِع خَارِجِيٌّ) أي خارج عن تلك الصلاة فلا يسجد التالي ولا الإمام ولا باقي المأمومين.
وقال محمد: يسجدون بعد الصلاة لتحقق السبب، وهو التلاوة والسماع مع ارتفاع المانع وهو الصلاة. ولهما: أنَّ المأموم محجور عليه في القراءة، فلا توجب تلاوته السجدة، كما لا يوجبها تلاوة المجنون. فإن قيل: الجنب والحائض ممنوعان عن القراءة ويجب السجدة بسماع قراءتهما. أُجِيبَ: بأن الجُنُب والحائض منهيَّان (^١) عن القراءة لا محجوران عنها فتعتبر قراءتهما. كذا ذكره الشارح.
ولعل الفرق بين المَنْهِيّ والمَحْجُور: أن فعل المحجور عنه غير مُعْتَبر فلا يَحْرُم ولا يُكْرَه، بخلاف المنهي عنه فإنه يعتبر إما حرمةً وإما كراهةً. لكن يُشْكِل بأن فعل المقتدي ليس كفعل المجنون، فإن قراءته إما مكروهة، أو جائزة، أو واجبة، على خلاف في ذلك بين الأئمة. وعلى تقدير أن يكون حرامًا، فهو كالحائض لا كالمجنون. ثم غاية ما في الباب أنه ممنوع عن القراءة خلف الإمام، لكن هذا لا يمنع
_________________
(١) في المطبوع: ممنوعان، والمثبت من المخطوط.
[ ١ / ٣٧٩ ]
والصَّلاتِيَّةُ لا تمضَى خَارِجًا، والرُّكُوعُ بِلا تَوَقُّفٍ يَنُوبُ عَنْهَا،
===
وجوب السجدة إذا حصلت التلاوة من الأهل كما لو تلا الجنب والحائض والصبي والكافر.
والمقتدي أهلٌ للتلاوة إذا كان أهلًا قبل الصلاة، وهي تستدعي القراءة فاستحال أنْ يكون منافيًا لها، ولهذا كان أهلًا لو كان إمامًا أو منفردًا، فاستحال أنْ لا يبقى أهلًا بالشروع في الصلاة، وإنما لم يسجد في الصلاة لأنه يؤدي إلى خلاف موضوع الإمامة أو التلاوة. وهذا لأنه لو سجدها التالي وتابعه الإمام انقلب الإمامُ المتبوعِ تَبَعًَا، والتابع متبوعًا، وإن لم يتابعه كان مخالفًا لإمامه. وأيًّا ما كان يلزم خلاف موضوعها.
وإن سجدها الإمام وتابعه التالي، كان خلاف موضوع التلاوة، فإنّ التالي إمام السامعين لقوله ﵊: «كنت إمامنا …» الحديثَ. أما السامع الخارج عن تلك الصلاة فيسجد لأن حَجْرَ المأموم عن القراءة ثبت في حق من معه في الصلاة فلا يَعْدُوهُم. ولو تلى المصلي آية السجدة في ركوعه، أو سجوده، أو تشهده، لا سجود عليه لأنه محجور عن القراءة في هذه الأحوال. وقال المَرْغِينَاني: عليه السجود، ويتأتى بالسجود أو بالركوع الذي تلا فيه.
(والصَّلاتِيَّةُ) أي سجدة التلاوة التي وجب أداؤها في الصلاة (لا تُقْضَى خَارِجًا) عن الصلاة، لأنها وجبت بصفة الكمال، فلا تؤدّى بغيرها، كذا علّله الشارح. وفيه: أنَّ ما لا يُدْرَكُ كله لا يُتْرَكُ كله. ثم رأيت تحقيق المرام في هذا المقام هو: أنه أُرِيدَ به النهي الضمني لا القصدي، إذ المصلي عند اشتغاله بسجدة التلاوة مأمور بإتمام ركن هو فيه، أو بالانتقال إلى ركن آخر، فيكون منهيًا عن ضده - أعني السجدة - ضرورة، فتثبت كراهة السجدة في المذهب المختار. فتكون السجدة ناقصة، وقد وجبت عليه كاملة، فلم تتأد ناقصة وتعاد لتقرُّر سببها.
(والرُّكُوعُ) في الصلاة (بِلَا تَوَقُّفٍ) بين قراءة السجدة وبين الركوع بمقدار ثلاث آيات كما روي عن أبي يوسف (يَنُوبُ عَنْهَا) أي عن سجدة التلاوة لما رُوِيَ عن ابن عمر أنه كان إذا تلا آية السجدة في الصلاة ركع، ولأن الركوع وُضع للتواضع وهو المقصود من السجدة. وأما الركوع في خارج الصلاة فليس بقربة فلا ينوب عمّا هو قُرْبَةٌ. وفي «المحيط»: ولو تلاها في الصلاة: إن شاء ركع لها، وإن شاء سجد فقام فقرأ، لأن المقصود من السجدة إظهار الخشوع وذلك يحصل بالركوع، كما يحصل بالسجود، فناب الركوع منابه. وعن أبي حنيفة: أن السجود أفضل لأن الخشوع فيها
[ ١ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أتَمّ.
ثم سجدة التلاوة تتأتى بالسجدة الصلبية لأنها توافقها من كل وجه. وينوي بها في ركوعه أو بعدما استوى قائمًا أنْ يسجد لصلاته وتلاوته جميعًا، ولو لم ينو به لا تجزئه، نص عليه في «النوادر». وقيل: تجزئه بدون النية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن السجود الذي عَقِيب الرُّكُوع ينوب عن سجدة التلاوة دون الركوع، لأن المجانسة بينهما أظهر. وقيل: الركوع ينوب عنها لأنه أقرب إلى موضع التلاوة. وفي «الظَّهِيريَّة»: لو تلا آية السجدة وركع لصلاته على الفور، وسجد، سقطت سجدة التلاوة نوى السجدة أو لم ينوها، وكذا إذا قرأ بعدها آيتين أو ثلاث آيات. وأجمعوا على أنَّ سجدة التلاوة تتأدّى بسجدة الصلاة، وإن لم ينوِ للتلاوة.
واختلفوا في الركوع: فقال شيخ الإسلام المعروف بخَواهِر زَادَه: لا بد للركوع من النية، حتى ينوب عن سجدة التلاوة. ونص عليه محمد. وإن قرأ بعد السجدة ثلاث آيات، وركع لسجدة التلاوة، ذكر شيخ الإسلام المذكور أنه ينقطع الفور. قال شمس الأئمة الحَلْوَاني: إنه لا ينقطع ما لم يقرأ أكثر من ثلاث آيات. وفي «النَّوادِر»: ولو قرأ الإمام السجدة فسجد، فظنَّ القوم أنه ركع: فبعضهم ركع، وبعضهم ركع وسجد سجدة، وبعضهم ركع وسجد سجدتين. فمن ركع ولم يسجد يرفض ركوعه ويسجد للتلاوة. ومن ركع وسجد تجزئه عن التلاوة، ومن ركع وسجد سجدتين فصلاته فاسدة، لأنه انفرد بركعة تامة.
قال في «المَبْسُوط»: فإن أراد أن يركع بالسجدة بعينها فالقياس أنَّ الركوع والسجود في ذلك سواء، وبالقياس نأخذ، وفي الاستحسان لا يجزئه إلاَّ السجدة. واختلفوا في موضع هذا القياس والاستحسان: فمن أصحابنا من قال: مراده إذا تلاها في غير الصلاة وركع، ففي القياس يجزئه.
لأن الركوع والسجود يتقاربان، قال الله تعالى: ﴿وخَرَّ رَاكِعًَا وأَنَابَ﴾ (^١)، أي ساجدًا والمقصود منهما الخضوع فينوب أحدهما عن الآخر كما في الصلاة. وفي الاستحسان: الركوع خارج الصلاة ليس بقربة، فلا ينوب عمّا هو قربة بخلاف الركوع في الصلاة. والأظهر أن مراده من هذا القياس والاستحسان التلاوة في الصلاة إذا ركع عند موضع السجدة.
ففي الاستحسان: لا يجزئه لأن سجدة التلاوة نظير سجدة الصلاة، فكما أن
_________________
(١) سورة ص، الآية: (٢٤).
[ ١ / ٣٨١ ]
فإنْ كَرَّرَ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أوْ صَلاةٍ، يَكْفِي سَجْدَةٌ
===
إحدى السجدتين في الصلاة لا تنوب عن الأخرى، والركوع لا ينوب عنها، فكذلك لا ينوب عن سجدة التلاوة. وفي القياس: يجوز التقارب بين الركوع والسجود فيما هو المقصود، فكل واحد منهما في الصلاة قربة. وأخذنا بالقياس لأنه أقوى الوجهين.
والقياس والاستحسان في الحقيقة قياسان، وإنما يُؤْخَذُ بما يترجح بظهور أثره، أو قوة في جانب صحته. انتهى. ثم إن قرأ بعدها مقدار ثلاث آيات، سجد لها قصدًا في الصلاة، لأنها صارت دينًا عليه بفوات محل الأداء، فلا ينوب الركوع عنها بخلاف ما إذا ركع عندها، فإنها ما صارت دينًا لبقاء محلها، وبخلاف ما إذا كانت قريبة من خاتمة السورة، فإنها لا تصير دينًا بعدُ، حين لم يقرأ بعدها ما يَتِم به القراءة.
(فإنْ كَرَّرَ) التالي آيةَ السجدة، سواء كان المكرَّر متحدًا أو متعددًا (في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ) كالمسجد مطلقًا على المذهب، أو البيت الصغير، أو تلاها على دابة سائرة وهو في الصلاة، أو في سفينة سائرة، وإن قام وقعد (أوْ صَلاةٍ) بأن قرأ في غير الصلاة ثم أعادها في الصلاة من غير اختلاف المجلس. وفُهِمَ من تخصيص المُعَاد بكونه في الصلاة أن الأول في غير الصلاة.
(يَكْفِي سَجْدَةٌ) لأن المجلس متحد فتتداخل التلاوات. وفي «الخُلَاصة»: لا فرق بينهما إذا أدى السجدة ثم كَرَّر، أو كَرَّر ثم أدى، لأن مبنى السجود في التلاوة على التداخل، لأن القاريء قد يحتاج إلى تكرار الآية للحفظ والتعليم والاعتبار والتَّفهُّم (^١) . فلو وجب عليه تكرير السجود لربما وقع في حرج، ويكون سببًا لترك التلاوة التي هي من أفضل أنواع العبادة.
والتداخل قد يكون في الأسباب، بأن ينوب واحد منها عما قبله وما بعده، وهو ألْيَقُ بالعبادة لأن تركها مع وجود سببها شنيع. وقد يكون في الأحكام، بأن ينوب واحد منها عمّا قبله، وهو أليق بالعقوبة، لأنها شرعت للزَّجْر وهو يحصل بواحد. والكريم قد يعفو مع قيام سبب العقوبة. وخالف مالك والشافعي فَعَدَّدَاها، لأن السبب قد تعدد فيعدد المُسَبَّبُ، لأن مبنى العبادات على التكثير لأنا خُلِقْنَا لها بخلاف العقوبات، فإن مبناها على الدَّرْءِ والدفع.
ولنا: ما سبق المؤيد بقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٢)،
_________________
(١) في المخطوط: التفهيم، والمثبت من المطبوع.
(٢) سورة الحج، الآية: (٧٨).
[ ١ / ٣٨٢ ]
ويُعْتَبَرُ في السَّامِعِ مَجْلِسُهُ.
وإسْدَاءُ الثَّوْبِ والانْتِقِالُ مِنْ غُصْنٍ إلى غُصْنٍ آخر تَبْدِيلٌ.
ويُكْرَهُ تَرْكُ آيَةِ السَّجْدَةِ وَحْدَها لا عَكْسُهُ، ونُدِبَ ضَمُّ غَيْرِهَا،
===
وقوله سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (^١)، وقوله ﵊: «إن الدين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ (^٢) الدينَ أحدٌ إلا غلبه». رواه البخاري وغيره. ولأن مبنى السجدة على التداخل بالنص فإنه ﷺ كان يسمع من جبرائيل ﵇ آية السجدة، ويقرأها على أصحابه، ولا يسجد إلاَّ مرة واحدة. مع أنه ﵇ كان يكرر حديثه ثلاثًا ليُعْقَل، فكيف بالقرآن. وبدلالة الإجماع فإن السامع إذا قرأها لم يجب عليه إلاَّ واحدة، وقد تحقق في حقّه التلاوة والسماع، وكل واحد سبب على حدة، حتى يجب بالسماع وحده، وبالتلاوة وحدها إذا كان التالي أصَمّ. ولو كررها في الركعتين قال أبو يوسف: كَفَتْهُ سجدة. وقال محمد: يسجد سجدتين.
(ويُعْتَبَرُ في السَّامِعِ مَجْلِسُهُ) حتى لو اتَّحد مجلس التالي وتكرر مجلس السامع، تكرر الوجوب على السامع باتفاق المشايخ. ولو تعدد مجلس التالي واتحد مجلس السامع، قيل: تكرر الوجوب على السامع ولو تعدد في «الكافي»: وهو الصحيح، لأن التلاوة سبب والسماع شرط، والحكم يضاف إلى السبب دون الشرط. وقيل: لا يتكرر على السامع. في «الهداية»: هو الأصح، لأن مجلسه متحد والسماع سبب لوجوب السجدة كالتلاوة.
(وإسْدَاءُ الثَّوْبِ) أي جعل سَدَاه (^٣) على أخشاب بمجيء وذهاب (والانْتِقَالُ مِنْ غُصْنٍ إلى غُصْنٍ آخر تَبْدِيلٌ) للمكان، لأن المكان تبدَّل حقيقة. وقيل: يكفيه في الانتقال من غصن إلى غصن سجدة واحدة، لأن العبرة لأصل الشجرة وهو واحد.
(ويُكْرَهُ) في الصلاة وغيرها (تَرْكُ آيَةِ السَّجْدَةِ وَحْدَها) لأنه يُشْبِه الاستنكاف عن السجود، والإعراض عن طاعة المعبود (لا عَكْسُهُ) أي لا يكره قراءة آية السجدة وحدَها، لأن في ذلك مبادرة إلى السجود.
(ونُدِبَ ضَمُّ غَيْرِهَا) من آية أو آيتين قبلها أو بعدها كيلا يؤدي إلى إيهام تفضيل آية على آية. ولو قرأ آية السجدة إلاَّ الحرف الذي في آخرها لا يسجد، ولو
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١٨٥).
(٢) يشادّ: أي يُقَاوِيه ويُقَاومه، ويُكلِّف نفسه من العبادة فيه فوق طاقته. النهاية: ٢/ ٤٥١.
(٣) السَّدَى: من الثوب، هو ما يمدُّ طولًا في النسيج. المعجم الوسيط مادة (سدا)، ص: ٤٢٤.
[ ١ / ٣٨٣ ]
واسْتُحْسِنَ إِخْفَاؤُهَا عن السَّامِع.