والجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
===
والمسبوق يقضي فائتته بعد فراغ الإمام، لأنه مُنْفَرِد فيما سُبِق، فيأتي بالقراءة ولو كان قرأ مع الإمام، بخلاف ما لو قنت معه، فإنه لا يقنت فيما يقضي. ولو أدرك الإمام في ثالثة المغرب قضى الأُولَيَيْنِ بِجلْسَتَين، يَجْلِس على رأس كل ركعة، لأن ما صلّى مع الإمام أول صلاته وهو ركعة. ويَتَشَهَّدُ لموافقة الإمام، فإذا صلّى ركعة أخرى تشهّد، ثم يُصَلِّي أُخْرَى ويَتَشَهَّد أيضًا، لأنها آخر صلاته. (وكَذَا) يَنْصِتُ (في الخُطْبَةِ) حاضرها سواء كان قريبًا، أو بعيدًا.
«إلاَّ إذَا قَرَأَ) الخطيب: ﴿يَا أَيُّها الَّذِين آمَنُوا (صَلُّوا عَليه﴾ (^١) فيُصَلِّي السامعُ سِرًَا) (^٢) .
أما إنصات السامع لها، فلأَنَّ استماعها فرض لقوله ﷺ «إذا قلت لصاحبك، والإمام يَخْطُبُ يوم الجمعة: أنصت، فقد لَغَوْت». رواه مالك، وأحمد، والشيخان، وغيرهما. وأمّا إنصات البعيد فللاحتياط في إقامة فرض الإنصات. وقال بعضهم: الأفضل للبعيد أنْ يشتغل بقراءة القرآن.
(فَصْلٌ في صَلاةِ الجَمَاعَةِ)
(والجَمَاعَةُ) في الصلاة الفريضة (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ). زاد في «المحيط»: وشريعةٌ ماضية، لا يُرَخَّصُ لأحد تركها إلاَّ لعذر، حتى لو تركها أهل مصر يؤمرون بها. فإن ائتمروا وإلا تحلّ مقاتلتهم، لأنها من شعائر الإسلام، وخصائص هذا الدين، فالسبيل إظهارها والزَّجْرُ عن تركها. وقال مَكْحُول الشَّامِيّ: السُّنَّة سُنَّتانِ: سنَّة أَخْذُها هدى، وتركها ضلالة، وهي ما كانت من أعلام الإسلام وشعائره. وسُنَّة أخذها فضيلة، وتركها لا إلى حرج، كصلاة الليل.
ويؤيده قول ابن مسعود: «من سَرَّه أنْ يَلْقَى الله غدًا مسلمًا، فَلْيُحَافِظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنَادَى بهِنَّ، فإنَّ الله شرع لنبيّكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صَلَّيْتُم في بيوتكم كما يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّف في بيته، لتركتم
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: (٥٦).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سنّة نبيكم. ولو تركتم سنّة نبيكم، لَضَلَلْتُم، (وما من رجل يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثم يَعْمِدُ إلى مسجد من هذه المساجد، إلاَّ كتب الله له بكل خَطْوَة حَسَنَةً، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة) (^١) . ولقد رَأَيْتُنَا وما يتخلَّف عنها إلاّ منافق، معلوم النِّفَاق. ولقد كان الرجل يُؤْتَى به يُهَادَى بين الرَّجُلَين حتى يُقَام في الصف». رواه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي موقوفًا. ورفعه صاحب «الهداية»، وهو وَهَمٌ منه.
ومما يؤكد كونها سُنَّة ما ورد في الأحاديث في فضيلة ثواب الجماعة على الفَذِّ (^٢)، كقوله ﷺ «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزأً». رواه الشيخان. وفي رواية: «درجة». وفي أُخْرى: «ضِعْفًا». وكقوله ﷺ «صلاة الرجل مع الرجل أزْكَى من صلاته وحده. وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما زاد، فهو أحب إلى الله تعالى». رواه أبو داود، والتِّرْمِذِيّ، وابن ماجه من حديث أُبَيّ بن كَعْب.
وقيل: إنها واجبة، واختاره جماعة من المشايخ. ففي «الغاية»: قال عامة مشايخنا: إنَّ الجماعة واجبة. وفي «التُحْفَة»: ذكر محمد في غير رواية الأصول: أن الجماعة واجبة. وقد سَمَّاها بعض أصحابنا سُنَّةً مؤكَّدة، وَهُمَا في المعنى سواء. وكأنَّه أراد بالسُّنَّة المؤكّدة كونَها قريبةً من الفرض. ومما يدل عليه: قوله ﷺ «لقد هَمَمْتُ أنْ آمر بالمُؤَذِّن فيُؤَذِّن، ثم آمر رجلًا فيُصَلِّي بالناس، ثم أَنْطَلِق برجال معهم حِزَم الحطب إلى قوم يَتَخَلَّفُون عن الصلاة، فأُحَرِّقُ عليهم بيوتهم بالنار». رواه الشيخان. وليس المراد ترك الصلاة رأسًا (^٣)، بدليل قوله في رواية أخرى: «ثم آتي قومًا يُصَلُّون في بيوتهم ليست بهم عِلَّة، فأُحَرِّقُ عليهم».
وبهذا استدل من قال بأنها فرض عين، وهو أحمد، وداوُد، وعَطَاء بن أبي رَبَاح، وأبو ثَوْر. وبقوله ﷺ «مَنْ سَمِعَ النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلاّ من عذر». رواه ابن ماجه، والحاكم، وقال: على شرطهما. ولقوله ﷺ «لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد». رواه أبو داود، وصَحَّحَه عبد الحق.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب إِثباته لموافقته لرواية مسلم ١/ ٤٥٣، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥)، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى (٤٤)، رقم (٢٥٧ - ٦٥٤).
(٢) الفَذُّ: الواحد. النهاية: ٣/ ٤٢٢.
(٣) أي تركها كليًّا وعدم أدائها.
[ ١ / ٢٧٩ ]
والأَوْلَى بالإمَامَةِ: الأَعْلَمُ بالسُّنَّةِ،
===
قلنا: هَمَّ ولم يفعل، فكان تهديدًا لإظهار الشعائر، لا لكونها فرضًا. ومعنى لا صلاة له: أي كاملة. كما قال: «لا صلاة للعبد الآبق، ولا للمرأة الناشزة (^١)».
وقيل: إنها فرض كفاية. وهو قول الكَرْخِيّ، والطَّحَاوِيّ، وأكثر أصحاب الشافعي لعين ما اسْتُدِلَّ به لفرض العين. إلاَّ أنَّ المقصود من الافتراض إظهار الشعائر، وهو يحصل بفعل البعض، وهو ضعيف. إذ لا شك في أنها كانت تقام على عهده ﷺ في مسجده، ومع ذلك قال في المُتَخَلِّفِين ما قال، وهَمَّ بتَحْرِيقهم، ولم يَصْدُر عنه مثله فيمن يَتَخَلَّف عن فروض الكفاية. وفي «القِنْيَة»: تارك الجماعة من غير عذر، يجب تعزيره ويأثم الجيران بالسكوت عنه. وفي «الغاية»: العذر: لُحُوق الحَرَج في حضورها. قال شمس الأئمة: والوحل عذر.
قال نجم الأئمة: رجل يشتغل بتكرار الفقه ليلًا ونهارًا ولا يَحْضرُ الجماعة، لا يُعْذَر ولا تُقْبَل شهادته. وقال أيضًا: رجل اشتغل بتكرار اللغة، فتفوته الجماعة، لا يُعْذَر بخلاف تكرار الفقه. قيل: جوابه الأول فيمن واظب ترك الجماعة تهاونًا. والثاني فيمن لا يواظب على تركها. وفي «المحيط»: أقل الجماعة اثنان، وهو أن يكون واحد مع الإمام لقوله ﷺ «الاثنان فما فوقهما جماعة» (^٢) . بخلاف الجمعة لِمَا سيأتي في بابها. وكذا إن كانت معه امرأة أو صبي يعقل، كانت جماعة لأنهما من أهل الصلاة.
(والأوْلَى بالإمَامَةِ: الأَعْلَمُ بالسُّنَّةِ) أي بالأحكام الشرعية العملية المتعلقة بالصلاة: من شروطها، وأركانها، وسننها، وآدابها، إذا كان يُحْسِنُ من القراءة ما تجوز به الصلاة لقوله ﷺ «يَؤُمُّ القومَ أقدُمُهم هِجْرَةً، فإن كانوا في الهجرة سواء، فَأَفْقَهُهُمْ في الدين، فإن كانوا في الفِقْه سواء، فأَقْرَؤُهم للقرآن، ولا يُؤَمُّ الرجل في سلطانه». الحديث رواه الحاكم، وسكت عنه إلاَّ أنه معلول بالحجَّاج بن أَرْطَأَة من رواية، ولقوله ﷺ «مُرُوا أبا بكر ﵁ فَلْيُصَلِّ بالناس» (^٣) . مع ما روى البخاري من حديث أنس: «أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من
_________________
(١) الناشزة: نشزت المرأَة: اسْتَعْصَت على بعلها وأَبْغَضَتْه. مختار الصحاح ص: ٢٧٥، مادة (نشز).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٣١٢، كتاب إقامة الصلاة (٥)، باب الاثنان جماعة (٤٤)، رقم (٩٧٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٢/ ٢٠٦ كتاب الأذان (١٠)، باب إذا بكى الإمام في الصلاة (٧٠)، رقم (٧١٦).
[ ١ / ٢٨٠ ]
ثُمَّ الأَقْرَأُ، ثُمَّ الأَوْرَعُ، ثُمَّ الأَسَنُّ.
===
الأنصار: أُبيّ بن كَعْب، ومُعَاذ بن جَبَل، وزيد بن ثابت، وأبو زَيْد». فهؤلاء أكثر قراءة منه ﵁. وحتى قال ﷺ «أقرؤكم أُبيّ»، لَكِنْ لَمَّا كان الصِّدِّيقُ مُشْتَرِكًا مع غيره في ضبط القراءة وحسن أدائها، قُدِّمَ عليهم.
فدل على أنه إذا تعارض الأقرأ والأعلم، يُقَدَّمُ الأعلم. لا سيما وقد كان مع هذا أوْرَعَ، وأَسَنَّ، وأسْبَقَ، فكان بها أَوْلَى، وأحَقَّ. ويدل على كونه أعلم قول أبي سعيد: «كان أبو بكر ﵁ أعْلَمنا». وهذا آخر الأمر من رسول الله ﷺ فيكون هو المُعَوَّل. والله تعالى أعلم. إلا أنَّ قصد الإشارة إلى الاستخلاف ربما تكون مُخَصَّصَة على أنها واقعة حال، وهي لا عموم لها. ومن ثَمَّ اختار جمع من المشايخ قول أبي يوسف (^١) .
(ثُمَّ الأَقْرَأُ) أي الأَكْثَرُ حِفْظًا أَوْ الأَحْسَنُ ضَبْطًا (ثُمَّ الأَوْرَعُ)، والفرق بين الوَرَعِ والتَّقْوَى: أنَّ الوَرَعَ: اجتناب الشُّبُهَات. والتَّقْوى: اجتناب المُحَرَّمات. (ثُمَّ الأَسَنُّ) أي أكبر سنًّا، أو الأَسْبَقُ في الإسلام، ثُمَّ الأَحسن خُلُقًا، ثم الأَشْرَفُ نَسَبًا، ثم الأَصْبَحُ وَجْهًا، ثم الأَحْسَنُ صَوْتًا، ثم الأَنْقَى ثَوْبًا، ثم يُقْرَعُ بينهم، أو يُخَيَّرُ القوم، أي خيارُهُم. وورد: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شِبْرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون …»، الحديث. رواه ابن ماجه عن ابن عباس ﵁. وفي «الخُلَاصَة»: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون». إذا كانت الكراهة لفسادٍ فيه، أو لأنهم أحق بالإمامة، يُكْرَه له ذلك. وإن كان هو أحَقَّ بالإمامة، لا يُكْرَه.
وقال أبو يوسف: أوْلَى الناس بالإمامة الأقرأ. لِمَا رواه الجماعة إلاَّ البخاري، واللفظ لمسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواء فأقدَمُهُم هجرة، فإنْ كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِنًّا. ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يَقْعُد في بيته على تَكْرِمَتِهِ (^٢) إلا بإذنه». وفي رواية: «سَلَمًا» مكان: «سِنًّا». وفي رواية: «إسلامًا» مكان: «سَلمًا». رواه الحاكم وقال عوض: «فأعلمهم بالسنة»: «فأفقههم فِقْهًا»، و«إنْ كانوا في الفقه سواء، فأكبرهم سِنًّا». وهي لفظة غريبة وإسنادها صحيح. وروى مسلم: «وليَؤُمّكُما أكْبركما». وروى أبو داود عن أبي قِلَابَة، عن مالك بن الحُوَيْرِث: أن النبي ﷺ قال له، أو لصاحب له: «إذا حضرت الصلاة فأذِّنَا،
_________________
(١) وهو أن أوْلى الناس بالإِمامة هو الأَقرأ، وسيأتي قريبًا مع أدلَته.
(٢) التَّكْرِمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل من فِراش أو سرير مما يُعَدُّ لإكرامه. النهاية: ٤/ ١٦٨.
[ ١ / ٢٨١ ]
فإنْ أَمَّ عَبْدٌ، أَو أَعْرَابِيٌّ، أو فَاسِقٌ، أو أعْمَى، أو مُبْتَدِعٌ، أو وَلَدُ زِنًا: كُرِهَ.
===
ثم أَقِيمَا، ثُمَّ ليَؤُمَّكُمَا أكبركما».
وأُجِيبَ: بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. واعْتُرِضَ: بأن قوله: فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنّة، تقتضي تقديم الأقرأ مُطْلقًا. وأُجيبَ: بأنه إذا كان الأقرأ لكتاب الله أعلم بأحكامه، كان معنى الحديث: يَؤُمُّ القوم أعلمهم بأحكام كتاب الله، فإن كانوا في ذلك سواء، فأعلمهم بالسُّنَّة: أي بالأحكام الثابتة بها.
فَيَتَحَصَّلُ أن القاراء المُفَسِّرَ مُقدَّمٌ على المُحَدِّثِ. ثم لَمَّا كانت الهجرة بعد الفتح منسوخة لقوله ﷺ «لا هجرة بعد الفتح» أي بعد فتح مكة، كما رواه البخاريّ، أقَمْنَا الوَرَع مُقَامها لقوله ﷺ «المهاجر من هجر ما حَرَّم الله ورسوله». رواه البخاريّ وغيره.
والحاصل أنه إنما قَدَّم الأَقرأ في الحديث، لأنهم كانوا يَتَعَلَّمُون القرآن في ذلك الوقت بأحكامه، كما رُوِيَ عن عمر: «حَفِظَ سورة البقرة في اثنتيْ عشرة سنة». فالأَقرأ منهم يكون أعلم. وأمَّا في زماننا فقد يكون الرجل ماهرًا بالقراءة، ولا حَظَّ له في معرفة الأحكام، فالأعلم بالسُّنَّة أوْلى إلاَّ أنْ يُطْعَنَ عليه في دينه، لأن الناس لا يَرْغَبُون في الاقتداء به. وقد ورد عن ابن عمر مرفوعًا: «اجعلوا أئمتكم خِيَارَكم، فإنهم وَفْدُكم فيما بينكم وبين ربكم». رواه البَيْهَقِيّ بسند ضعيف. وفي رواية: «إنْ سَرَّكم أنْ تُقْبَلَ صلاتكم فَلْيَؤُمّكُم علماؤكم، فإنهم وَفْدُكم فيما بينكم وبين ربكم». رواه الطَبَرَانِيّ. وفي رواية الحاكم: «فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكم». وسكت عنه.
وأمَّا قول صاحب «الهِدَاية»: لقوله ﷺ «من صَلَّى خلف عالم تَقِيّ، فكأنما صَلّى خلف نبيّ». فغير معروف.
(فإِنْ أَمَّ عَبْدٌ أَوْ أَعْرَابِيٌّ) وهو: مَنْ سَكَنَ في البادية عربيًا كان أو عَجَمِيًّا، (أو فَاسِقٌ أو أعْمَى) كان حقّه أنْ يُقَدَّم أو يُؤَخَّر. وقال مالك: لا تَصِحُّ إمامة الفاسق. (أو مُبْتَدِعٌ) أي صاحب بدعة وهي: ما أُحْدِث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله ﷺ من علم، أو عَمَلٍ أو حال، أو صفةٍ بنوع استحسان، وطريق شُبْهَةٍ، وجُعِلَ دِينًا قِيَمًا، وصِرَاطًا مستقيمًا. (أو وَلَدُ زِنًَا كُرِهَ) وجاز.
أمّا كراهة إمامة العبد والأعرابيّ وولد الزِّنا، فلأنّ الغالب عليهم الجهل. والفاسق والمبتدع في إمامتهما تعظيمُهما، وقد أمرنا بإهانتهما. والأعمى لجهله باستقبال القِبْلَة، وتَعَسُّر تَمَكُّنه من التَوَقِّي عن النجاسة كما ينبغي، حتى لو لم يكن غيره من البُصَرَاءِ
[ ١ / ٢٨٢ ]
كَجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ.
===
أفضل منه، كان هو الأوْلى. لأنه ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة حين خرج إلى غزوة تبوك، وهو يومئذٍ كان ضريرًا. وقد نزل في حقه: ﴿عَبَسَ وتَوَلَّى * أنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾.
وأمّا الجواز فلِمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن مَكْحُول، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صَلُّوا خَلْفَ كل بَرَ وفَاجِرٍ، وصلّوا على كل بَرّ وفاجر، وجاهدوا مع كل بَرّ وفاجر». وفي رواية لأبي داود عن مَكْحُول، عن أبي هريرة مرفوعًا: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بَرًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم بَرًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر». والحديث منقطع، ولم يُدْرِك مَكْحُول أبا هريرة، لكنَّه حُجَّةٌ عندنا (^١) . وفي رواية: «سَيَلِيكُم مِنْ بعدي وُلَاةٌ: البَرُّ ببِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا له، وأطيعوه فيما وافق الحق، وصلوا وراءهم. فإنْ أحسنوا، فلكم ولهم، وإنْ أساؤا فلكم وعليهم».
ثم صاحب الهوى: إنْ كان هواه يُكَفِّرُه، لا تَجوز الصلاة خلفه. وإنْ كان لا يُكَفِّرُه يجوز، ويكره. كذا في «المحيط». ورَوَى محمد عن أبي حنيفة، وأبي يوسف: أنَّ الصلاة خلف أهل الأهواء لا تَجوز. وَوُجِدَ بخط شمس الأئمة الحَلْوَانِيّ: أنه يُمْنَع عن الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام، ويناظر صاحب الأهواء. وكأنه بناه على ما رُوِيَ عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز الاقتداء بالمُتَكَلِّمِ وإنْ تكلَّم بحق. قال الهِنْدُوَانِيّ: يجوز أنْ يكون مراده من يناظر في دقائق علم الكلام. وبناه في «المُجْتَبَى» على ما نُقِل عن أبي حنيفة حين رأى ابنه حَمَّادًا يناظر في علم الكلام، فنهاه فقال: رَأَيْتُك تناظر في الكلام وتنهاني فقال: كنا نناظر وكأنَّ على رؤسنا الطير مخافة أنْ يَزِلَّ صاحبه، وأنتم تناظرون وتريدون زَلَّة صاحبكم. ومن أراد زَلَّة صاحبه، فقد أراد أنْ يَكْفُر، فهو قد كَفَر قبل صاحبه. فهذا هو الخوض المنهيّ عنه. وهذا المُتَكَلِّم لا يجوز الاقتداء به.
(كَجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَحْدهُنَّ) أي كما كُرِه جماعة النساء بالإمام منهن، لأن اجتماعهن قَلَّمَا يَخْلُو عن فتنة بهن. ولِمَا رُوِيَ عنه ﷺ «بيوتهنّ خير لهنّ لو يَعْلَمْنَ» (^٢)، وبه قال مالك خِلَافًا للشافعيّ.
_________________
(١) مراسيل القرون الأولى، انظر مقدمة في علوم الحديث.
(٢) رواه أبو داود في سننه ١/ ٣٨٢، كتاب الصلاة (٢)، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (٥٢)، رقم (٥٦٧)، بلفظ: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن". اهـ. ولم يأت بقوله: "لو يعلمن"!
[ ١ / ٢٨٣ ]
فإنْ فَعَلْنَ: تَقِفُ الإِمَامُ وَسْطَهُنَّ.
وكَحُضُور الشَّابَّةِ كُلَّ جَمَاعَةٍ، والعَجُوزِ الظُّهْرَ والعَصْرَ.
===
(فإنْ فَعَلْنَ) أي صَلَّيْنَ جماعة (تَقِفُ الإِمَامُ) أي إمامهن (وَسْطَهُنَّ) - بسكون السين وتفتح - في صَفِّهِنَّ، ولا تتقدم عليهن. ويجوز تذكير يقف، بناء على لفظ الإمام، فإنه مصدر بمعنى المفعول، أي المُقْتَدَى به، ويَسْتَوي فيه المذكر والمؤنث، فاندفع قول الشارح: وهو بالمثناة الفوقية في أوّله، لأن فاعله الإمام، وهو مؤنث حقيقيّ. وقد روى عبد الرَّزَّاق، والدَّارَقُطْنِيّ عن رِبْطَة الحَنَفِيَّة: «أن عائشة ﵂ أَمَّتهُنَّ، وقامت بينهن في صلاة مكتوبة». ولفظ الدَّارَقُطْنِيّ والبيْهَقِيّ: «فقامت بينهن وَسَطًا». قال النَّوَوَيّ في «الخُلَاصَة»: إسناده صحيح. وروى عبد الرَّزَّاق، والدَّارقُطْنِيّ، وصحّحه النَّوَوِيّ، عن حُجَيْرَة بنت حُصَين قالت: «أَمَّتْنَا أمّ سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا». قال في «شرح المَجْمَع»: فَعَلَتَا (^١) كذلك حين كانت جماعتهنّ مُسْتَحبة، ثم نُسِخَ الاستحباب.
أقول: الأظهر أن الكراهة محمولة على ظهورهن وخروجهن، والجواز على تسترهن في بيوتهن.
(وكَحُضُور الشَّابَّةِ) أي وكما كُرِه حضور الشَّابة (كُلَّ جَمَاعَةٍ) لخوف الفتنة (والعَجُوزِ) أي وكحضور العجوز (الظُّهْرَ والعَصْرَ) بخلاف الفجر والمغرب والعشاء والعيدين، فإنه لا بأس عند أبي حنيفة بحضور العجوز لها. وعندهما: لا بأس بحضور العجوز للصلوات كلها لعدم الرغبة فيها. ولأبي حنيفة أنَّ قوة الشهوة تُوقِع في الفتنة، غير أن الفُسَّاق في الفجر والعشاء نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون، وفي العيدين لسَعَة الجَبَّانَة عن النساء مُعْتَزِلُون، وكان هذا في زمانه ﵁، وأمَّا في زماننا فَكَثُرَ انتشار الفُسَّاق وقت المغرب والعشاء.
والمختار: منع العجوز عن حضور الجماعة في جميع الأوقات فضلًا عن الشَّابة. لِمَا روى البخاريّ عن يَحْيَى بن سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء، لَمَنَعَهُنَّ كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل. قلت لعَمْرَة: أَوَمُنِعْنَ؟ قالت: نعم». وتقول عائشة ترفعه: «أيها الناس، انْهَوا نساءكم عن لُبْسِ الزينة والتَبَخْتُرِ في المساجد، فإن بني إسرائيل لم يُلْعَنُوا حتى لَبِسَ نساؤهم الزينة، وتَبَخْتَرْنَ في المساجد». رواه ابن عبد البَرّ في «التَمْهِيد».
_________________
(١) أي: عائشة وأم سلمة ﵄.
[ ١ / ٢٨٤ ]
ويَقْتَدِي المُتَوَضّىءُ بالمُتَيَمِّيم، والغَاسِلُ بالمَاسِحِ، والقَائِمُ بالقَاعِدِ،
===
(ويَقْتَدِي المُتَوَضّاءُ) بالهمزة وقد يبدل (بالمُتَيَمِّمِ) عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد، لأن المتوضاء أقوى حالًا. وبناء الأقوى على الأضْعَف لا يجوز. ولهما ما روى أبو داود، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، عن عمرو بن العاص قال: «احْتَلَمتُ في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل، فأشْفَقْتُ إن اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلِكَ. فتيمّمت وصلّيت بأصحابي الصبح، ثم أخبرت النبيّ ﷺ فضحك، ولم يقل شيئًا». وفي البخاري: «وأمَّ ابن عباس وهو متيمّم».
(و) يقتدي (الغَاسِلُ بالمَاسِحِ) لأنّ المسح كالغسل سواء كان على جبيرة أو خُفّ (والقَائِمُ بالقَاعِدِ) الذي يركع ويسجد، وبه قال مالك والشافعي. وقال محمد، وأحمد، وإسحاق: لا يقتدي القائم بالقاعد وهو القياس، لأن اقتداء القائم بالقاعد اقتداء كامل الحال بناقصها. ولِمَا في «الصحيحين» عن عائشة ﵂: «اشتكى رسول الله ﷺ فدخل عليه ناس من أصحابه يَعُودُونَه، فصلى رسول الله ﷺ جالسًا، فصلَّوا بصلاته قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا. فلما انصرف قال: «إنما جُعِلَ الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا».
ولنا أن هذا منسوخ بآخر فعله ﷺ وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخر من فعله عند التعارض، وهو ما في «الصحيحين» من حديث عائشة «أنَّ النبيّ ﷺ أمر في مرضه الذي تُوُفِّيَ فيه أبا بكر ﵁ أن يصلّي بالناس. فلمَّا دخل أبو بكر ﵁ في الصلاة وجد ﷺ في نفسه خِفَّة، فخرج يُهَادَى بين رجلين، ورِجْلَاهُ تَخُطَّان في الأرض. فجاء ﷺ فجلس عن يسار أبي بكر ﵁. فكان النبيّ ﷺ يُصَلِّي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا. يقتدي أبو بكر الصديق بصلاة رسول الله ﷺ ويَقْتَدِي الناس بصلاة أبي بكر».
وليس معنى هذا الحديث أنَّ أبا بكر كان إمامًا للناس، لأن الصلاة لا تصح بالإمامين، ولكن معناه أن النبيّ ﷺ كان الإمام، ولهذا وقف على يسار أبي بكر، وأبو بكر كان يُبَلِّغ الناس. فَسَّر ذلك الرواية الأخيرة في الصحيح وهي: «وأبو بكر يُسَمِّعُ الناس التكبير»، أي تكبير النبيّ ﷺ وإذا كان الأمر كذلك فقوله: «فلما دخل أبو بكر في الصلاة» معناه: أراد دخوله، أو قاربه. وإلاَّ فَلَزِمَ قطع الصلاة بعد شروعها، أو الانتقال بالنيّة كما قال به الشافعيّ. لكن يُشْكِلُ بقول ابن عباس: «لَمَّا مَرِض رسول الله ﷺ خرج، وأبو بكر يصلّي بالناس، فقرأ من حيث انتهى إليه أبو بكر ﵁». رواه
[ ١ / ٢٨٥ ]
والمُومِىءُ بالمومِىءُ، والمُتَنَفِّلُ بالمُفْتَرِضِ. لا بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ.
===
ابن ماجه وغيره. فَيُحْمَلُ على الخصوصية، وأنه ليس التَقَدُّم على الإمام بسائغ إلا في حقّه ﷺ
وذكر البَيْهَقِيّ في «المعرفة»: «أنّ النبيّ ﷺ صلّى الظهر يوم السبت أو الأحد في مرض موته جالسًا، والنَّاس خلفه، وهي آخر صلاة صَلاَّها إمامًا. وصلّى خلف أبي بكر الركعة الثانية صبحَ يوم الاثنين مأمومًا، ثم أتَمَّ لنفسه». وفي «السُّنَنِ الكبرى»: عن عائشة ﵂ قالت: «صلّى رسول الله ﷺ في مرضه الذي تُوُفِّيَ فيه خلف أبي بكر قاعدًا». قال الشافعيّ وغيره: إنْ صحَّت هذه الرواية، كان ذلك مرتين: مرة صَلَّى النبيّ ﷺ وراء أبي بكر، ومرة صلّى أبو بكر وراءه.
والحاصل: أنَّ الناس اختلفوا فيما إذا صلى الإمام جالسًا. فقالت طائفة: يُصَلُّون قعودًا اقتداء به. واحتجّوا بحديث عائشة ﵂، وأنس: «وإذا صَلَّى جالسًا، فصلّوا جلوسًا أجمعون»، وقد فعله أربعة من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وقَيْس بن فَهْد.
وقال أكثر أهل العلم: يُصَلُّون قيامًا، ولا يتابعونه في الجلوس، وبه قال أبو حنيفة والشافعيّ ومن تابعهما. وقالوا بنسخ ذلك الحديث بما قدمنا. وقال محمد: بعدم جواز اقتداء القائم بالقاعد، وادَّعَى أنّ ذلك من خصائصه، وهو الأحوط.
(و) يَقْتَدِي (المُومِيءُ) مِنْ أوْمأ مهموزًا وقد تبدل (بالمومِي) لاستواء حالهما. ويُسْتَثْنَى من ذلك: إذا كان الإمام مُضْطَجِعًا، والمؤتم قائمًا أو قاعدًا، لقوة حال القائم والقاعد على المضطجع. لأن القعود مقصود كالقيام، بدليل وجوبه عند القدرة عليه.
(و) يقتدي (المُتَنَفِّلُ بالمُفْتَرِضِ) لِمَا رَوَى أصحاب السُّنَنِ الأربعة عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يُؤَخِّرُون الصلاة؟» قلت: يا رسول الله ﷺ فماذا تَأْمُرُني؟ قال: «صَلِّ الصلاة لوقتها، فإنْ أدركتها معهم، فصلِّ فإنها لك نافلة».
(لا) يَقْتَدِي رجل (بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيَ). أَمَّا المرأة: فَلِمَا رَوَى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سُفْيَان الثَّوْرِيِّ، عن الأَعْمَش، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يُصَلُّون جميعًا، فكانت المرأة تَلْبَس القَالَبَيْن فتقوم عليهما، فَتُوَاعِدُ خليلها، فأُلْقِيَ عليهن الحيض. فكان ابن مسعود يقول: أخِّرُوهنَّ من حيث أخَّرَهنّ الله، قيل: فما القَالَبَان؟ قال: أَرْجُلٌ من خشب يتّخذها النساء يَتَشَرَّفْنَ
[ ١ / ٢٨٦ ]
وطَاهِرٌ بِمَعْذُورٍ، وقَارِىءٌ بأُمِّيٍّ، ولابِسٌ بَعَارٍ، وَغَيرُ مُومٍ بِمُومٍ.
ولا مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ،
===
الرجال في المساجد. وفي «الغاية»: كان شيخنا الصَدْرُ سُلَيْمَانَ يرويه: «الخمر أمّ الخبائث، والنساء حبائل الشيطان، فأخِّرُوهنَّ من حيث أخَّرَهُنَّ الله». ويَعْزُوه إلى «مسند رَزِين». قال القاضي أبو زَيْد: حيث اسم مكان، ولا مكان يجب على الرجل تأخيرها عنه إلا مكان الصلاة، فلا يجوز الاقتداء بها.
وأمَّا إمامة الصَّبيِّ فقال بعضهم: يجوز اقتداء البالغ بالصَّبيّ في التَّراويح والنوافل المطلقة، لأن كُلاًّ منهما نفل في ذاته. واللزوم بعارض الشروع لا يُخرجه عن أصل وضعه. والمختار: عدم الجواز. لأن نفل البالغ مضمون ويجب قضاؤه بإفساده، ونفل الصَّبيّ غير مضمون، لا يجب قضاؤه بإفساده، فكان نفل البالغ أقوى من نفل الصبيّ. ولو اقتدى صبيّ بصبيّ جاز لأن الصلاة مُتَّحِدَة.
(وطَاهِرٌ) أي ولا يقتدي طاهر، والمُرَاد به: من لا عذر له (بِمَعْذُورٍ) أيْ بمن له عذر من سَلَس البول ونحوه، لأن المعذور يُصَلّي مع الحدث حقيقة، وإنما جُعِلَ حدثه في حكم العدم للحاجة إلى الأداء، فكان أضعفَ حالًا من الطاهر. وكذا لو زال عُذْر المعذور في أثناء الصلاة لا يَبْنِي عليها، لأنها بناء القويّ على الضعيف. وفي المسألة خلاف الشافعيّ وزُفَر. ولو اقتدى معذور بمعذور: إن اتَّحَدَ عذرهما جاز، وإن اختلف لا يجوز.
(و) لا (قَارِاءٌ بأُمِّيَ) وهو: من لا يُحْسِن آية، لقوة حال القاراء. وكذا أُمِّيّ بأخرس، لقدرة الأُمِّيّ على التحريمة، بخلافه. واللفظ فوق الإيماء. (ولَابِسٌ بَعَارٍ وَغَيْرُ مُومٍ بِمُومٍ) بحذف الهمزة تخفيفًا كما في اطْفِ سراجك، وإنما لا يجوز اقتداؤهما، لقوة حالهما على حال العاري والمومي.
(ولا مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ) وبه قال مالك، وأحمد. وأجاز الشافعيّ اقتداءه به، لِمَا في الصحيحين من حديث جابر: «أن معاذًا كان يُصَلِّي مع رسول الله ﷺ عِشَاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيُصَلِّي بهم تلك الصلاة». ولفظ البخاري: «فَيُصَلِّي بهم الصلاة المكتوبة». ولنا ما في «الصحيحين» من حديث أنس ﵁: أنَّ النبيّ ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه».
ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لَمَا شُرع صلاةُ الخوف مع المُنَافِي، بل كان الإمام يُصَلِّي بكل طائفة صلاة كاملة. وأُجِيبَ عن حديث مُعَاذ: بأن النية أمر لا يَطَّلِعُ
[ ١ / ٢٨٧ ]
ومفتَرِضٍ فَرْضًا آخَرَ،
===
عليه أحد إلاَّ بإخبار الناوي. فجاز أنّ مُعَاذًا كان يُصَلِّي مع النبيّ ﷺ بنية النفل، لِيَتَعَلَّم منه سنة الصلاة ويَتَبَرَّك بالصلاة خلفه، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الفرض. ومع وجود الاحتمال لا يتم الاستدلال. ومن المعلوم أنّ حَمْل فعل الصحابيّ على الوجه المتفق عليه، أوْلَى من حمله على المختلف عليه.
وروى أحمد في «مسنده»: أنّ النبيّ ﷺ قال: «إمَّا أنْ تُصَلّي معي، وإمَّا أن تُخَفِّفَ عن قومك». ومعناه: إما أنْ تصلّي الفرض معي، ولا تُصلِّي بهم، وإمَّا أنْ لا تُصلِّي معي الفرض حتى لا ينتظروك. قال ابن تيمية في «المُنْتَقَى» - وهو من أكابر الحنابلة ـ: فيه دَلالة على منع اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنه يدل على أنه متى صَلّى معه امتنعت إمامته - أي للتقسيم الحاصر ـ، وبالإجماع لا تَمْتَنِعُ إمامته لصلاته النفل معه، فَعُلِمَ أن الذي كان يصلّيه مُعَاذ مع النبيّ ﷺ نفل.
(ومُفْتَرِضٍ) عطف على متنفل أي ولا يقتدي مُفْتَرِض بمُفْتَرِضٍ (فَرْضًا آخَرَ) لأن الاقتداء: شَرِكَةٌ في التحريمة المقرونة بالنيّة، وموافَقةٌ في الأفعال البدنية. ولما روى أصحاب «السنن» عن أبي هُرَيْرَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الأئمة ضُمَنَاء، والمُؤَذِّنُون أُمَنَاء. اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين». قال صاحب «الغَريبَيْنِ»: معنى الضمان: الحفظ والرعاية. فمعنى الحديث - والله تعالى أعلم - أن الإمام حافظ، ومراع لصلاة من اقتدى به صحة وفسادًا. وتوضيحه: أنه يَسْرِي فساد صلاة الإمام إلى صلاة المأموم عندنا. وجعله مالك والشافعيّ تَبَعًا له في صورة الموافقة، لا في الفساد والصحة، لقوله ﷺ «إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ به». أي: لِيُوَافَقَ في أَفعاله ويُتَابِعَه فيها. وفيما عدا ذلك، صلاة كل منهما في الصحة والفساد مضافة إلى اجتماع شرائطها وأركانها، وعدم اجتماعهما.
ولنا: ظاهر قوله ﷺ «الإمام ضامن». رواه أبو داود، والتّرمذيّ. وإنما يكون ضامنًا إذا تَضَمَّنَتْ صلاته صلاة المُقْتَدِي، لتصح بصحتها، وتفسد بفسادها. فيكون اتحاد الصلاتين شرطًا في صحة الاقتداء، إلا ما فيه بناء الأخف على الأقوى، كاقتداء المُتَنَفِّل بالمُفْتَرِض على ما لا يَخْفَى. وصريح ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: «أنّ عليًّا ﵁ صلّى بالناس وهو جُنُب، أو على غير وضوء، فأعاد وأَمَرَهم أن يُعِيدُوا. وأنَّ عمر ﵁ صلّى بالناس وهو جُنُب، فأعاد ولم يُعِدِ الناس. فقال له عليّ: قد كان يَنْبغِي لمن يُصَلّي معك أنْ يُعِيدَ، فَرَجَعُوا إلى قول عليّ ﵁.
قال القاسم: وقال ابن مسعود: مثل قول عليّ. وقد رَوَى البيهقِي والدَّارَقُطْنِي عن
[ ١ / ٢٨٨ ]
والإمَامُ لا يُطِيلُهَا،
===
سعيد بن المُسَيَّب: «أنَّ رسول الله ﷺ صَلّى بالناس وهو جُنُب، فأعاد، وأعادوا». والحديث مُرْسَلٌ، والراوي عن سعيد: أبو جابر البَيَاضي: ضعيف.
ويفسد اقتداء مسبوق بغيره مطلقًا. أعني سواء كان مثله أو لاحقًا أو إمامًا. وكذا بعكسه، بأن يقتدي الغير به، لأنه في حكم المقتدي من وجه، وفيه خلاف الشافعي. وأجاز الشافعيّ القضاء خلف الأداء مع الكراهة.
هذا، ولو اقتدى بالإمام في المسجد عن بُعْد يصح إذا لم يَشْتَبِه عليه حال إمامه، لأنَّ المسجد مع تباعد أطرافه كبقعة واحدة. ولو كان على سطح داره بجنب المسجد لا يصح، لاختلاف المكان، إلا إذا كان على رأس الحائط. وفي «الخُلاصَة»: ولو كان على دُكَّان خارج المسجد متصلًا بالمسجد يجوز الاقتداء، لكن بشرط اتصال الصفوف، لأن باتصال الصفوف يصير كبقعة واحدة. فلو كان على الطريق واحد لا يثبت الاتصال، ولو كان ثلاث يثبت، لأن الثلاث جمع صحيح. ولو كان اثنان: قال محمد: حكمهما حكم الواحد. وقال أبو يوسف: حكمهما حكم الثلاث. والله تعالى أعلم.
(والإمَامُ لا يُطِيلُهَا) أي الصلاة بإطالة القراءة ونحوها. لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا صَلَّى أحدكم للناس فَلْيُخَفِّفْ، فإنّ فيهم الضعيف، والسقيم، والكبير. وإذا صلّى لنفسه فَلْيُطَوِّلْ ما شاء». وفي لفظ لمسلم: «الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة». ولقول أبي مسعود الأنْصَارِيّ: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأَتأخر عن صلاة الغداة مما يُطِيلُ بنا فلان. قال: فما رأيت النبيّ ﷺ في موعظة أشدّ غضبًا من يومئذٍ. فقال: يا أيها النّاس إن منكم مُنَفِّرِين، مَنْ صَلَّى بالناس فَلْيُخَفِّفْ، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة». رواه الشيخان، وفي لفظ البخاري: «والمريض». ولقول عثمان بن أبي العاص: «آخر ما عَهِدَ إليَّ رسول الله ﷺ إذا أَمَمْتَ قومًا فأَخِفَّ بهم الصلاة». وفي لفظ: «أُمَّ قَوْمَكَ. فمن أمَّ قومًا فلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فيهم الكبير، وإنّ فيهم الضعيف، وإنَّ فيهم المريض، وإنّ فيهم ذا الحاجة. وإذا صلَّى أحدكم وحده فلْيُصَلِّ كيف شاء». رواه مسلم.
ولقصة مُعَاذ، وقول رسول الله ﷺ «أتريد أنْ تكون فَتَّانًا يا مُعَاذ؟ إذا أمَمْتَ بالناس، فاقرأ بـ: ﴿الشمس وضُحاها﴾، و﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿اقْرَأْ باسْمِ
[ ١ / ٢٨٩ ]
ولا قِرَاءَةَ الأُولَى إلَّا في الفَجْرِ.
ويَقُومُ المُؤتَمُّ الوَاحِدُ عَلى يَمِينِهِ، والزَّائِدُ خَلْفهُ
===
رَبِّكَ﴾ و﴿الليل إذا يَغْشَى﴾. رواه الشيخان. وفي لفظ لمسلم: «فافْتَتَحَ سورة البقرة، فانْحَرَفَ رجل فسَلَّمَ، ثم صَلَّى وحده، وانصرف …» الحديث. وفي لفظ لأبي داود: «يا مُعَاذ: لا تكن فَتَّانًا، فإنه يُصَلِّي وراءك الكبير، والضعيف، وذا الحاجة، والمسافر».
(ولا) يُطِيلُ (قِرَاءَةَ) الركعة (الأُولَى) على قراءة الرّكْعَة الثانية (إلاَّ في) صلاة (الفَجْرِ) لأنها في وقت غَفْلَة، فتُطَال الركعة الأولى ليدركها من أبْطَأَ في حضور الجماعة. ولا اعتبار في الزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات، لعدم إمكان الاحتراز عنه، وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وأمّا عند محمد: فيُسْتَحَبّ تطويل الركعة الأُولى من الصلوات كلها. لِمَا في «الصحيحين» من حديث أبي قَتَادة، واللفظ للبخاريّ: «أن النبيّ ﷺ كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأُولَيَيْنِ بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخْرَيَيْنِ بفاتحة الكتاب. ويُطَوِّلُ في الركعة الأولى، ما لا يُطَوِّلُ في الثانية. وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. وأُجِيبَ بأن الحديث محمول على الإطالة بالثناء والتعوذ. ثم هذا في الفرائض، وأما في النوافل، فإطالة الثانية غير مكروهة.
(ويَقُومُ المُؤْتَمُّ الوَاحِدُ) بالغًا كان أو صبيًا (عَلى يَمِينِهِ) أي يُسْتَحَبُّ أنْ يقف عن يمين الإمام، مساويًا له عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وواضعًا أصابع رجله بإزاء عَقِب الإمام عند محمد، لما روى الجماعة عن كُرَيْب - مَوْلى ابن عباس - عن ابن عباس قال: «بِتّ عند خالتي مَيْمُونَة، فقام رسول الله ﷺ يُصَلِّي من الليل. فَقُمْتُ عن يساره، وأخذني بيميني، فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، فصلّيت معه». وفي رواية: «فجعلني عن يمينه». وفي أخرى: «وأخذ برأسي من ورائي». وفي رواية: بيدي أو عَضُدِي. «وفيه دَلالة على أنَّ أقل الجماعة في غير الجمعة واحد. ويؤيده قوله ﷺ «الاثنان جماعة فما فوقهما». رواه ابن ماجه.
(و) يقوم المُؤْتَمُّ (الزَّائِدُ) على الواحد (خَلْفهُ) أي خلف الإمام لِمَا روى الجماعة إلاّ ابن ماجه عن مَالِك بنِ أَنَس، عن إسحاق بن أبي عبد الله بن طَلْحَة، عن أنس بن مالك: «أنَّ جدته مُلَيْكَة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأُصَلِّي لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسْوَدَّ من طول ما لُبِس، فنضحتُه بماءٍ، فقام رَسول الله ﷺ فَصَففْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وَيَصُفُّ الرِّجَالَ، ثُمَّ الصِّبْيَانَ، ثُمَّ الخُنْثَى، ثُمَّ النِّسَاءَ. فإنْ حَاذَتْهُ في صَلاةٍ مُطْلَقَةٍ مُشْتَرِكَةٍ تَحْرِيمَةً وأداءً: فَسَدَتْ صَلَاتُهُ،
===
فصلى لنا ركعتين. واليتيم هو: ضُمَيْرَة بن سَعْد الحِمْيَريّ مولى رسول الله ﷺ له ولأبيه صُحْبَة».
وعن أبي يوسف: يقوم الإمام بين الاثنين، لِمَا روى مسلم عن ابن مسعود: «أنه صَلّى بِعَلْقَمَة والأَسْوَد، فقام بينهما». قلنا: الأثر دليل الإباحة، والخبر دليل الأفضلية، لقول جابر: «قام النبيّ ﷺ فقمتُ عن يساره فأخذ بيدي، فأدَارَني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جَبَّار بن صَخْر، فقام عن يسار رسولِ الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه»، مختصر من حديث طويل في آخر مسلم. هذا، ولو صَحّ مرفوعًا، ما رُوِيَ عن ابن مسعود وأبي يوسف، فمحمول على بيان الجواز، أو على عذر كضيق المكان.
(وَيَصُفُّ الرِّجَالَ) على قدر مراتبهم (ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ الخُنْثَى) وفي نسخة الخَنَاثَى بفتح أوله جمع خُنْثَى بالضم، كالحَبَالى: جمع حُبْلى. (ثُمَّ النِّسَاءَ) لما روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «لَيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونهُم». وفي رواية «ثلاثًا». والأحلام جمع حُلُم وهو: ما يراه النائم: كَنَّى به هنا عن البلوغ، لأنه سببه. والنُّهَى بضم النون: جمع نُهْيَة بضمها، وهو العقل. سُمِّي به لأنه ينهى عن المناهي، ويعقل صاحبه عن ارتكابها. ولقول أبي مالك الأشْعَري: «إن النبيّ ﷺ صلّى فأقام الرجال يَلُونَه، وأقام الصِّبْيان خلف ذلك، وأقام النِّسَاء خلف ذلك». رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه». «وفي مسند الحَارِث بن أبي أُسَامة»: «أنَّ النبيّ ﷺ كان يَصُفُّهم في الصلاة، فيجعل الرجال قُدَّام الغِلْمَان، والغِلْمَان خَلفهم، والنساء خلف الغِلْمَان».
(فإنْ حَاذَتْهُ) أُنثى عاقلة مشتهاة: في الحال أو في الماضي، لتدخل العجوز، أجنبية منه كانت، أو قريبة له، أو زوجته، بكلها أو ببعضها، بأن كان أحدهما على الدُّكّان (^١) والآخر على الأرض، وحاذى عضوًا منها (في صَلاةٍ مُطْلَقَةٍ) ذات ركوع وسجود، أو بدلهما: وهو الإيماء (مُشْتَرَكَةٍ تَحْرِيمَةً وأداءً فَسَدَتْ صَلَاتُهُ).
اعلم أنَّ المُدْرِك - وهو الذي أتى بالصلاة جميعها مع الإمام - بانٍ تحريمته على تحريمة الإمام، وأداؤه على أدائه. واللاحق - وهو الذي فاته من آخر الصلاة بسبب نوم أو سَبْقِ حَدَث - بانٍ تحريمته على تحريمة الإمام حقيقة، وأداءه فيما يقضي على أدائه
_________________
(١) الدُّكَان: الدَّكَّة المبنية للجلوس عليها. النهاية: ٢/ ١٢٨.
[ ١ / ٢٩١ ]
إنْ نَوَى إمَامَتَهَا، وإلَّا فَصَلاتُها.
===
تقديرًا، لأنه التزم متابعته في أول الصلاة بالتحريمة.
ولهذا لا يقرأ فيما يقضيه، ولا يسجد بسهو فيه، وتبطل صلاته بتبدل اجتهاده في القبلة. والمسبوق - وهو الذي فاته الإمام أول الصلاة - بانٍ تحريمته على تحريمته، وليس بانيًا أداء ما يقضيه على أدائه، بل هو منفرد فيه، ولهذا يقرأ فيه، ويسجد للسهو، ولا تبطل صلاته بتبدل اجتهاده في القبلة.
وفي «المحيط»: رجلٌ وامرأة قاما يقضيان ما سُبِقَا به، فتحاذيا لم تفسد صلاته، لأنهما لم يَشْتَرِكا في صلاة واحدة، لأنَّ المسبوق فيما يقضي منفرد. وإنْ أدركا أول الصلاة، ونَامَا أو أحدثا، ثم قاما يقضيان ما سُبِقَا به، فتحاذيا فسدت صلاته، لأنهما لاحقان. واللاحق بمنزلة المُصَلِّي خلف الإمام.
وإنما تفسد صلاة الرجل بالمحاذاة دون صلاة المرأة، لتركه التَقدُّم الذي أُمِرَ به فيما رَوْيَنَاه عن ابن مسعود وهو: «أخِّرُوهنَّ من حيث أَخَّرَهُنَّ الله». لأنه المخاطب بها دونها. ولِمَا في حديث أنس السابق من أنه صُفَّ هو واليتيم وراء النبي ﷺ والعجوز من ورائهما. ولولا أنَّ المحاذاة مفسدة، ما تأخَّرَت العجوز عنهما، لأنَّ الانفراد خلف الصف مكروه. وهذا وجه الاستحسان، وفيه بحث ظاهر إذ الظاهر أنَّ انفرادها لبيان الأفضل، وحينئذٍ لا يكون مكروهًا في حقها فتأمل.
وأمّا عند مالك والشافعيّ فلم تَفْسُد صلاته أيضًا، وهو القياس اعتبارًا بصلاتها، حيث لا تفسد لأن المحاذاة تقوم بهما. ولو كانت علة الفساد - وهي قائمة بهما - لكان الحكم - وهو الفساد - ثابتًا في حقهما، إذ الاستواء في العلة، يقتضي الاستواء في المعلول. ولَمّا لم تَفْسُد صلاتها، دَلَّ أنها ليست بمفسدة لصلاته.
وأمّا محاذاة الأمرد فَصَرَّح الكل بعدم إفسادها إلا مَنْ شَذّ. ولا مُتَمَسّك له في الرواية، لِمَا صَرَّحُوا به، ولا في الدراية لتصريحهم بأن الفسادَ في المرأة غير معلول بعروض شهوة، بل هو لترك فرض المقام. وليس هذا في الصبيّ.
(إنْ نَوَى إمَامَتَهَا) إذا ائْتَمَّتْ محاذية، لأنه يلزمه الفساد من جهتها، فلا بد له من التزامه. كالمقتدي لا بد له من نية الاقتداء لَمَّا لَزِمَه الفساد من جهة إمامه. (وإلاَّ فَصَلاتُها) وإن لم ينو الإمام إمامتها، لا تُفْسِد صلاته، بل تُفْسد صلاتها، لأنها لم يصح اقتداؤها، فلم تكن قراءة الإمام قراءة لها، فتبقى صلاتها بلا قراءة. ولم
[ ١ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يشترط زُفَر نية (^١) إمامتها مُطْلَقًا.
ويُشْتَرَطُ في المُحَاذَاة: أنْ لا يكون بينهما حائل، ولا فُرْجَة. وأدنى الحائل في الطول: مثل مُؤْخِرَة الرَّحل (^٢) أو مقدمته، لأنه أدنى أحوال الصلاة: القُعُود، فقدَّرْنَا الحائل به، وهو قدر ذراع بغِلَظ أُصْبَع. وأدنى الفُرْجَة: ما يقوم فيه شخص.
وفي «النوازل»: قوم صَلَّوا على ظهر ظُلَّة في المسجد، وقدَّامهم وتحتهم النساء: لا تجزيهم صلاتهم، لأنه تَخَلَّل بينهم وبين الإمام صف النساء، فمنع اقتداءهم. وإن كان بحذائهم من تحتهم نساء أجزأهم، لأنه ليس بينهم وبين الإمام نساء، وبينهم وبينهن حائل - وهو ارتفاع المكان - فلا تتحقق المحاذة، كما لو كان بينهما حائط. وفي «الغاية»: ويُشْتَرَطُ أنْ تكون جهتهما واحدة. ولا يُتَصَوَّرُ اختلاف جهتهما إلاَّ في ليلة مظلمة، أو الكعبة أي داخلها، أو حولها. ويُشْتَرَطُ أنْ تكون المحاذاة في ركن كامل.
وأمّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «أخِّرُوهُنَّ من حيث أخَّرَهُنَّ الله». فغيرُ معروفٍ رَفْعُه. وأغرب منه أنه جعله من المشاهير، وهذا خلاف ما عليه الجماهير.
والحاصل: أنه لا يصح رفعه، لكنّه ثبت عن ابن مسعود وقفه. رواه الطَّبَرانِيّ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرَّزَّاق، عن الثَّوْرِيّ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مَسْعُود قال: «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يُصَلُّون جميعًا، وكانت المرأة إذا كان لها الخليل تَلْبَسُ القَالَبَيْنِ، تَطَّاوَلُ بهما لخليلها، فألْقَى الله عليهن الحيض. وكان ابن مسعود يقول: أَخِّرُوهُنَّ كما أخَّرَهُنَّ الله. قلنا لإبراهيم: ما القَالَبَان (^٣)؟ قال: قُبْقَابًا من خشب». وإسحاق بن إبراهيم هذا: هو الوَبَري، وأبو مَعْمَر: عبد الله بن سَخْبَرَة (^٤) الأزدي. وقد قال تقي الدين بن دقيق العيد: إنه حديث صحيح. والحديث مع كونه موقوفًا لا دَلَالة له فيه إلاَّ على الاستحباب، فأخِّرُوهُنَّ عن الرجال كتأخّر الأطفال وَفْقَ ما ثبت في الأحاديث المرفوعة. وعلى تسليم أنَّ الأمر للوجوب
_________________
(١) في المطبوع: نيته.
(٢) مُؤْخِرَة الرحْل: الخشبة التي يستند إليها الراكب من رَحْل البعير. النهاية ١/ ٢٩ بتصرف. والرَّحْلُ: ما يوضع على ظهر البعير للركوب. المعجم الوسيط ص ٣٣٥، مادة (رحل).
(٣) ورواية الزيلعي عن "المصنَّف": قيل: فما القالبان؟ قال: أرْجُلٌ من خشب يتَّخِذُها النساء، يتشرَّفن الرجال في المساجد. انتهى. "نصب الراية" ٢/ ٣٦.
(٤) حُرِّفت في المطبوعة إلى: عبد الله بن الشجر الأزدي. وفى المخطوطة إلى: عبد الله بن الشَّخَّير الأزدي. والصواب ما أثبتناه. انظر "المغني في ضبط أسماء الرجال". ص ٢٩٧. و"تقريب التهذيب"، ص ٣٠٥، رقم (٣٣٤١)، و"سير أعلام البنلاء" ٤/ ١٣٣.
[ ١ / ٢٩٣ ]