===
قال أبو مُطِيع البَلْخِيّ: لا يَحِلُّ للرجل أن يُعْطِي سُؤَّال المسجد، فإنه روى الحسن: «أنه يُنَادِي منادٍ يوم القيامة: ليقم بغيض الله، فيقوم سُؤَّال المسجد». والصحيح أنه إذا كان لا يَتَخَطَّى رِقَاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلِّي، ولا يسأل إلحافًا (^١)، ويسأل لأمر لا بد له منه، فلا بأس بالسؤال والإعطاء. لِمَا روى أبو داود، عن عبد الرحمن بن أبي بكر (^٢) قال: قال رسول الله ﷺ «هل منكم أحد أَطْعَمَ اليوم مسكينًا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل، فوجدت كِسْرَة خبز في يد عبد الرحمن، فدفعتها إليه».
قلت: ليس بصريح في المُدَّعَى، إذ يحتمل أن يكون السائل في طريق المسجد حال الدخول أو الخروج، لوقوع عين السائل على كِسْرَة ولده، وليس من المروءة حينئذٍ منعه. وأمَّا ما استُدِلَّ به على جوازه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُه والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُون الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وهم رَاكِعُون﴾ (^٣) وأن عليًّا أعطى خَاتَمَه لسائل في الصلاة، فلا دَلالَة فيه على كونه في المسجد. هذا، وفي شرح «المُنْية»: يَحْرُم السؤال فيه، ويُكره الإعطاء للسائل فيه، وإلاَّ فلو أعطى مسكينًا في المسجد، فلا يُكْرَه اتفاقًا.
فصلٌ في صَلَاةِ العِيدَيْنِ وتَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ
وكانت صلاة عيد الفِطْرِ في السنة الأولى من الهجرة. وسُمِّيَ عيدًا لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان على عباده. والأصل فيهما ما رواه أبو داود وغيره عن أنس قال: «قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ إن الله قد أبْدَلَكُم بهما خيرًا منهما: يوم الأَضْحَى، ويوم الفِطْر».
ثم صلاة العيد واجبةٌ عندنا في الأصح، - وهو رواية عن أبي حنيفة - لا سنة كما هو قول مالك والشافعي، وبه قال بعض أصحابنا. والأظهر أنها سنة مؤكّدة: أَخْذُها
_________________
(١) إِلحافًا: أَلْحَفَ السائل: ألحَّ بالمسألةِ وهو مستغنٍ عنها. المعجم الوسيط، ص: ٨١٨، مادة (لَحَفَ).
(٢) في المطبوع عبد الله بن أبي بكر، والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في سنن أَبي داود ٢/ ٣٠٩، كتاب الزكاة (٣)، باب المسألة في المساجد (٦٣)، رقم (١٦٧٠).
(٣) سورة المائدة، الآية: (٥٥).
[ ١ / ٤١٥ ]
نُدِبَ يَوْمَ الفِطْرِ: أنْ يَأْكُلَ، ويَسْتَاكَ، ويَغْتَسِلَ، ويَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ،
===
هُدَىً، وتَرْكها ضلالة، لمواظبة النبيّ ﷺ من غير ترك.
وقال أحمد: فرض كفاية، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقيل: صلاة العيد سنّة، لقول محمد في «الجامع الصغير»: عيدان اجتمعا في يوم واحد: الأول سنَّةٌ، والثاني فريضة، ولا يُتْرَكُ واحدٌ منهما. ولقوله ﵊ للأعرابي حين قال له: «هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلاَّ أنْ تَطوَّعَ». وأُجِيبَ عن الأول: بأن محمدًا سمّاها سنّة، لأن وجوبها ثبت بالسُّنَّة. وعن الثاني: بأن الأعرابي من أهل البادية، وهي لا تجب عليهم. ومما يدل على الوجوب قوله ﷿: ﴿ولِتُكَبِّروا اللَّهَ عَلَى ما هَدَاكُمْ﴾ (^١)، فقد فُسِّرَ بصلاة العيد. وقد تواترت (^٢) عنه ﷺ مواظبته لصلاة العيد.
(نُدِبَ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ أنْ يَأْكُلَ) أي يَطْعَمَ الإِنسان شيئًا حلوًا قبل الغُدُوِّ إلى المُصَلَّى، لِمَا روى البخاري عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ لا يَغْدُو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا».
وفي الترمذي، وابن ماجه: «أنَّ رسول الله ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النَّحْرِ حتى يُصَلِّي». ولفظ ابن ماجه: «حتى يرجع». ورواه أحمد، والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» وزاد: «حتى يرجع فيأكل من أضْحِيَتِهِ».
وعن بُرَيْدَة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفِطْر حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمُ يوم الأَضْحَى حتى يصلّي». قال النووي: حديث حسن رواه الترمذي، وابن ماجه، والدَّارقطنيّ، والحاكم بأسانيد صحيحة.
(ويَسْتَاكَ) أي ويُبَالِغ في الاستياك (ويَغْتَسِلَ) لِمَا روى ابن ماجه مِنْ حديث الفَاكِه بن سَعْد: «أنّ رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفِطْر، ويوم النَّحْرِ، ويوم عَرَفة». (ويَتَطَيَّبَ) لأنه يوم اجتماع، فَيُنْدَبُ فيه ذلك كالجمعة.
(ويَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِمَا رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس: «أنه كان ﷺ يَلْبَسُ في العيدين بُرْدَةً حِبَرَةً». رواه ابن خُزَيْمَة، والبيهقي في «سننه» من طريق الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد الأَسْلَمِيّ: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ كان يَلْبَسُ بُرْدَةً حِبَرَةً في كل عيد». والحِبَرَةُ كعِنَبَةُ: نوع من بُرُود اليمن. قال النووي وغيره: إسناده ضعيف. وأخرجه في «المعرفة» عن الحَجَّاح بن أرْطَاة، عن
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١٨٥).
(٢) في المطبوع: توارث، والمثبت من المخطوط.
[ ١ / ٤١٦ ]
ويُؤَدِّيَ فِطْرَتَهُ،
===
أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله قال: «كان للنبيّ ﷺ بُرْدٌ أحمرُ يَلْبَسُه في الجُمُعَة والعيدين». ورواه الطبرانيّ، عن أبي محمد عليّ بن الحسين، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يَلْبَسُ يوم العيد بُرْدَةً حمراء».
والحُلَّة الحمراء: عبارة عن ثوبين من اليمن، فيهما خطوط حُمْرٌ وخُضْرٌ، لا أنه أحمرُ بَحْتٌ، فليكن مَحْمَل البُرْدَة أحدهما. ورواه الطَّبَرَانيّ عن سَهْلِ بن سَعْد قال: «حِيكَتْ لرسول الله ﷺ حُلَّةٌ من أنْمَار صوف أبيض، فخرج ﷺ إلى المَجْلِس وهي عليه، فضرب على فَخِذه فقال: «ألا يرون ما أحسن هذه الحُلَّة فقال له أعرابي: يا رسول الله اكْسِنِي هذه الحِلّة، وكان ﷺ إذا سُئِلَ شيئًا، لم يقل قط: لا، فقال: نعم، فدعا بِمَقَعَّدَتَينِ (^١) فلبسهما، وأعطى للأعرابي الحُلَّة، وأمر بمثلها تُحَاكُ له. فمات رسول الله ﷺ وهي في الحِيَاكة». وفي لفظ: «فتُوُفِّي ﷺ وله جُبَّةُ صوفٍ في الحِيَاكة».
(ويُؤَدِّيَ فِطْرَتَهُ) أي صدقة فِطْرِهِ قبل الصلاة، لِمَا في «الصحيحين» من حديث ابن عمر: «أن النبيّ ﷺ أمر بزكاة الفِطر أنْ تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة». (ولقول ابن عمر: «أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفِطْر أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة) (^٢) . وكان هو (^٣) يُؤَدِّيها قبل ذلك باليوم أو اليومين». رواه أبو داود. ولأن في التعجيل مسارعةً إلى الخير، وتفريغ قلب الفقير للصلاة. ولقوله ﷺ «أغنوهم عن المسألة» (^٤)، ولقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (^٥) أي أعطى زكاة الفِطْر، ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ بتكبير العيد في الطريق ﴿فَصَلَّى﴾ (^٦) صلاة العيد، على ما فسره بعضهم.
_________________
(١) المُقَعَّدُ، كمُعَظَّم: ضربٌ من البُرُود يُجلب من هَجَر. تاج العروس ٩/ ٦٢، مادة (قعد).
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٣) أي ابن عمر، وهو ما نُصَّ عليه صراحة في سنن أَبي داود ٢/ ٢٦٣، كتاب الزكاة (٣)، باب متى تؤدى (١٩)، رقم (١٦١٠).
(٤) أخرجه الدارقطني في سننه ٢/ ١٥٢ - ١٥٣ بلفظ: "أغنوهم في هذا اليوم" والبيهقي في سننه الكبرى ٤/ ١٧٥ بلفظ: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم". وعزاه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الدراية ١/ ٢٧٤ إلى الدارقطني في سننه. ولم نجده في النسخة التي بين أيدينا بهذا اللفظ.
(٥) سورة الأعلى، الآية: (١٤).
(٦) سورة الأعلى، الآية: (١٥).
[ ١ / ٤١٧ ]
ثُمَّ يَخْرُجُ إلى المُصَلَّى
===
(ثُمَّ يَخْرُجُ) ماشيًا لِمَا رُوِيَ: «أن عليًّا لَمَّا قَدِمَ الكوفة، استخلف من يصلِّي بالضَّعَفَة صلاة العيدين في الجامع، وخرج إلى الجَبَّانة (^١) مع خمسين شيخًا يمشي ويمشون»، (إلى المُصَلَّى) أي مُصَلَّى العيد، جاهرًا بالتكبير عند أبي يوسف ومحمد كما في الأضحى، وهو رواية عن أبي حنيفة حكاها الطَّحَاوي عن أستاذه ابن عِمْرَان البَغْدَادِي عنه، ووجهها ظاهر قوله تعالى ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّة ولِتُكَبِّروا اللَّهَ على ما هَدَاكُم﴾ (^٢) . وما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر موقوفًا: «أنه كان إذا غَدَا يوم الفِطْر ويوم الأضحى، يجهر بالتكبير حتى يأتي المُصَلَّى، ثم يُكَبِّر حتى يأتي الإمام». ومرفوعًا: «أن رسول الله ﷺ كان يكبر يوم الفِطْر، من حين يخرج من بيته حتى يأتي المُصَلَّى». وقد وقفه، فلا يضر ضعف رَفْعه لجَزْمِنا بعدم ابتكار ذلك من عنده، لشدة حرصه على متابعة النبي واجتناب مخالفته ﷺ
قال البيهقي: وَوَقْفه هو الصحيح، وأمّا رفعه فضعيف. ولفظه: «أنه ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفَضْل بن عباس، وعبد الله، والعباس، وعليّ، وجعفر، والحسن، والحسين، وأُسَامَة بن زَيْد، وزَيْد بن حَارِثَة، وأيْمَن بْن أُمِّ أَيْمَن، رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فأخذ طريق الحدَّادين حتى يأتي المُصَلَّى، وإذا فَرَغَ رجع على الحدَّادين حتى يأتي منزله». وفي رواية: «يُكبِّر يوم الفِطْر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المُصَلَّى». وكلاهما ضعيف.
وغيرُ جاهر به عند أبي حنيفة في رواية المُعَلَّى عنه. ووجهها أنَّ رفع الصوت بالذكر خلاف الأولى، لمخالفة قوله تعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيْفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ (^٣)، وقوله ﷺ «خيرُ الذِّكْر الخَفِيّ، وخيرُ الرِّزْقِ ما يكفي». رواه أحمد، وابن حِبَّان، والبيهقي، عن سعد، فَيُقْتَصَرُ فيه على مورد الشرع.
وقد ورد الجهر في الأضحى وهو قوله تعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٤)، وقد جاء في التفسير: أن المراد التكبير في هذه الأيام، وليس الفِطْر في معناه حتى يُلْحَقَ به، لاختصاصه بركن من أركان الحج الذي شُرِعَ التكبير فيه عَلَمًا على أفعاله. وفعل ابن عمر مُعَارَضٌ بما رُوِيَ عن ابن عباس: «أنه سمع الناس يكبّرون،
_________________
(١) الجَبَّانة: الصحراء. المعجم الوسيط، ص: ١٠٦، مادة (جبن).
(٢) سورة البقرة، الآية: (١٨٥).
(٣) سورة الأعراف، الآية: (٢٠٥).
(٤) سورة البقرة، الآية: (٢٠٣).
[ ١ / ٤١٨ ]
ولا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ صَلاتِهِ في المُصَلَّى. وشُرِطَ لَهَا شُرُوطُ الجُمُعَةِ وُجُوبًا وأَدَاءً إلَّا الخُطبَةَ.
ووَقْتَهَا مِنَ ارْتَفَاعِ الشَّمْسِ
===
فقال لقائده: أَكَبَّرَ الإِمام؟ قال: لا. فقال: أفَجُنَّ الناس؟ أدركنا مثل هذا اليوم مع النبيّ ﷺ فما كان أحد يكبر قبل الإمام». كذا ذكره بعض الشُّرَّاح. وفيه: أن أثر ابن عباس محمول على إنكار تكبير الناس قبل وقت خروج الإمام.
(ولا يَتَنَفَّلُ) أي وكُرِه التنفل (قَبْلَ صَلَاتِهِ) سواء كان إمامًا أو مأمومًا (في المُصَلَّى) بالاتفاق، وفي البيت عند عامة المشايخ. لقول ابن عباس: «إنَّ رسول الله ﷺ خرج فصلَّى بهم العيد، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها». متفق عليه. وكذا لا يتنفل بعد صلاته في المُصَلَّى عند الجمهور، ويتنفل في البيت، لِمَا روى ابن ماجه، من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلّى ركعتين».
(وشُرِطَ لَهَا) أي لصلاة العيد (شُرُوطُ الجُمُعَةِ وُجُوبًا وأَدَاءً) حتى الإذْن العام (إلاَّ الخُطْبَةَ) فإنها شرط لأداء الجمعة دون العيدين. ولهذا تكون الخُطْبَةُ في العيدين بعد الصلاة، لِمَا في «الصحيحين»، من حديث ابن عمر قال: «كان النبيّ ﷺ ثم أبو بكر، وعمر، يُصَلُّون العيدين قبل الخُطْبَةِ». ولقول ابن عباس: «شَهِدْتُ العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم كانوا يصلّون العيدين قبل الخطبة». رواه الشيخان. ورَوَى الإمام الشافعيّ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللْهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ (^١) قال: «السُّنَّةُ أنْ يَخْطُبَ في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس». قال النووي: ضعيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء (^٢)، والمعتمد فيه القياس على الجمعة. ولو قُدِّمَتْ الخُطْبَة، جاز مع الإساءة، ولا تُعَاد بعد الصلاة.
(ووَقْتُهَا مِنَ ارْتَفَاعِ الشَّمْسِ) قَدْرَ رُمْحٍ أو رُمْحَيْنِ، للنهي عن الصلاة وقت الطلوع. لِمَا في سنن أبي داود، وابن ماجه، بإسناد صحيح على شرط مسلم - كما
_________________
(١) حُرِّف في المطبوع إلى: عبد الله بن عقبة بن مسعود. والصواب ما أثبتناه من المخطوط و"ترتيب مسند الإمام الشافعي" ١/ ١٥٨، حديث رقم (٤٦٣).
(٢) قال الحافظ ابن حجر: ولابن ماجه عن جابر: "خرج رسول الله - ﷺ - يوم فِطر، أو أَضحى، فخطب قائمًا ثم قعد قعدةً، ثم قام". قال الحافظ: وهذا يرُدُّ قول النووي: إِنه لم يرد في تكرير الخطبة يوم العيد شيء … انتهى. من "الدراية" ١/ ٢٢٢.
[ ١ / ٤١٩ ]
إلى زَوَالِهَا، ويُكبِّرُ ثَلاثًا بَعْدَ الثَّنَاءِ، ويُكبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ القِرَاءَةِ
===
قال النووي - عن يزيد بن خُمَيْر - بضم الخاء المعجمة - أنه قال: «خرج عبد الله بن بِشْر - صاحب رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد الفِطْر والأضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: كنّا مع النبيّ ﷺ قد فَرَغْنَا ساعتنا هذه. وذلك حين التسبيح». والمراد به: التنفل.
وأما قول صاحب «الهداية»: من أن النبيّ ﷺ «كان يُصَلِّي العيد، والشمس على قَدْرِ رُمْحٍ أو رُمْحَيْنِ». فغير معروف في كتب الحديث. وأغرب سِبْط ابن الجَوْزِيّ في قوله: إنه متفق عليه.
(إلى زَوَالِهَا) لِمَا رَوَى أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه - واللفظ له - عن أبي عُمَيْر بن أنس قال: «حَدَّثَنِي عُمُومَتي - أي أعمامي - من الأَنصار من أَصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أُغمِي علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء رَكْبٌ من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رَأَوُا الهلال بالأمس. وأمرهم رسول الله ﷺ أنْ يُفْطِرُوا، وأنْ يخرجوا إلى عيدهم من الغد. قال البيهقي: إسناده صحيح. ولو كانت صلاة العيد تُؤَدَّى بعد الزوال، لَمَا أخرها إلى الغد.
والمراد بآخر النهار: ما بعد الزوال، لِمَا صُرِّح في بعض طرقه من رواية الطحاوي، عن أبي عُمَيْر بن أنس بن مالك: «أخبرني عُمُومَتِي من الأنصار: أن الهلال خَفِي على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان في زمن رسول الله ﷺ فأصبحوا صيامًا، فشهدوا عند رسول الله ﷺ بعد زوال الشمس أنهم رأوا الهلال الليلة الماضية، فأمر رسول الله ﷺ بالفِطْرِ، فأفطروا تلك الساعة، وخرج بهم من الغد فصلى بهم صلاة العيد».
(ويُكَبِّرُ) في الركعة الأولى (ثَلَاثًا) زوائد على تكبير الصلاة، رافعًا يديه في كل تكبيرة، وساكتًا بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات، لأنها تُقَامُ بجمع عظيم، فلو وَالَى بين التكبيرتين حصل الاشتباه، وليس هذا التقدير بلازم كما في «المَبْسُوط»، لأن المقصود إزالة الاشتباه، وهو يختلف بكثرة الزِّحَام. وقلته.
(بَعْدَ الثَّنَاءِ) لأنه شُرِعَ عَقِيبَ تكبيرة الافتتاح، فيُقَدَّمُ على تكبيرات الزوائد. (ويُكَبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ثلاثًا زوائد، رافعًا يديه (بَعْدَ القِرَاءَةِ) فعندنا التكبيرات الزوائد في كل ركعة ثلاث، والقراءة في الركعتين متوالية (^١)، هو قول الثَّوْرِيّ.
_________________
(١) أي بأن يكبر في الركعة الثانية بعد القراءة لتكون قراءتها تالية لقراءة الركعة الأولى. أما لو كبر في الثانية قبل القراءة أيضًا، يكون التكبير فاصلًا بين القراءتين. ثم اعلم أن هذه الكيفية للندب، حتى لو أنه كبَّر في أول كل ركعة جاز، لأن الخلاف في الأولوية كما في "البحر"، وأمَّا ما في "المحيط" =
[ ١ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد رَوَى أبو داود في «سننه»، وأحمد في «مسنده»، عن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أبيه، عن مَكْحُول قال: «أخبرني أبو عائشة - جَلِيسٌ لأبي هُرَيْرَة - أن سعيد بن العَاص سأل أبا موسى الأشعري، وحُذَيْفة بن اليَمَانِ: كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفِطْر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تَكْبِيرَهُ على الجنائز. فقال حُذَيْفَة: صدق. فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبِّر في البِصْرَةِ حيث كنت عليهم واليًا». وسكت عنه أبو داود، ثم المُنْذِرِيّ في «مختصره»، وسكوتهما تصحيح، أو تحسين منهما.
وتضعيفُ ابن الجَوْزِيّ له بعبد الرحمن بن ثَوْبَان نَقْلًا عن أحمد وابن مَعِين، مُعَارَضٌ بقول صاحب «التَّنْقِيح» فيه: وثَّقَهُ غير واحد. وقال ابن مَعِين: لا بأس به، ولكن في مسنده أبو عائشة، يقول ابن حَزْم فيه: مجهول. وقال ابن القَطَّان: لا يُعْرَفُ حاله. قلنا: عَرَفَه مكحول، فرواه عنه.
ويُقَوِّيهِ ما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»: أخبرنا سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن أبي إسحاق، عن عَلْقَمَة، والأَسْوَد: «أنَّ ابن مسعود كان يُكَبِّرُ في العيدين تسعًا: أربعًا قبل القراءة، ثم يكبر فيركع. وفي الثانية يقرأ، فإذا فَرَغَ، كَبَّرَ أربعًا، ثم ركع». وأخبرنا مَعْمَر، عن أبي إسْحَاق، عن عَلْقَمة والأَسود قال: «كان ابن مسعود جالسًا وعنده حُذَيْفَة وأبو موسى الأشعري، فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيد، فقال حُذَيْفَة: سَل الأَشْعَرِيّ، فقال الأشعريّ: سَلْ عبد الله، فإنه أقدمنا وأعلمنا. فسأله، فقال ابن مسعود: يُكَبِّرُ أربعًا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيركع، ثم يقوم في الثانية فيقرأ، ثم يُكَبِّرُ أربعًا بعد القراءة».
ورَوَى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: حدثنا هُشيم: أخبرنا مُجَالِد، عن الشَّعْبِيّ، عن مسروق قال: «كان عبد الله بن مسعود يُعَلِّمُنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات: خَمْسٌ في الأولى، وأرْبَعٌ في الأخيرة، ويُوَالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته». والمراد بالخمس: تكبيرة الافتتاح، والركوع، وثلاث زوائد. وبالأربع: ثلاث زوائد، وتكبيرة الركوع. وروى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو
_________________
(١) = من التعليل للموالاة بأن التكبيرات من الشعائر، ولهذا وجب الجهر بها، فوجب ضم الزوائد في الأولى إلى تكبيرة الافتتاح لسبقها على تكبيرة الركوع، وإلى تكبيرة الركوع في الثانية لأنها الأصل. فقد قال في "البحر": الظاهر أن المراد بالوجوب الثبوت لا المصطلح عليه، لأَن الموالاة مستحبة. "رد المحتار" ١/ ٥٦٠.
[ ١ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حنيفة، عن حَمَّاد بن سُلَيْمان، عن إبراهيم النَّخَعِيّ، عن عبد الله بن مسعود: «أنه كان قاعدًا في مسجد الكوفة - ومعه حُذَيْفَة بن اليَمَانِ، وأبو موسى الأَشْعَرِيّ - فخرج عليهم الوليد بن عُقْبَة بن أبي مُعَيْط - وهو أمير الكوفة يومئذ - فقال: إنَّ غدًا عيدكم فكيف أصنع؟ فقالا: أخبره يا أبا عبد الرحمن، فأمره أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن يُكَبِّرَ في الأُولى خمسًا، وفي الثانية أربعًا، وأن يُوَالي بين القراءتين».
وقد رُوي عن غير واحد من الصحابة نحو هذا، وهو أثر صحيح، قاله بحضرة جماعة من الصحابة. ومثل هذا يُحْمَلُ على الرفع، لأنه مِثْل نَقْل أعداد الركعات. وروى ابن أبي شَيْبَة: حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن الحارث قال: «صلى ابن عباس يوم عيد، فكبر تسع تكبيرات: خمسًا في الأولى، وأربعًا في الآخرة، ووَالَى بين القراءتين». ورواه عبد الرزاق وزاد فيه: «وفعل المُغِيرَة بن شُعْبَة مثل ذلك». فعملنا بأثر ابن مسعود لسلامته عن الاضطراب، وموافقة جمع من الصحابة له قولًا وفعلًا في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
وعند الشافعيّ وهو مَرْوِيّ عن أبي يوسف: التكبير في الأولى: سبعٌ سوى تكبيرة الإحرام والركوع. وعند مالك، وأحمد: بتكبيرة الإحرام والركوع، وفي الثانية: خمس سوى تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع.
ولا مُوَالَاةَ بين القراءتين في الركعتين، لِمَا روى أبو داود، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ «التكبير في الفِطْر سبعٌ في الأولَى، وخمسٌ في الثانية، والقراءة بعدهما كلتيهما». زاد الدَّارَقُطْنِيّ: «سوى تكبيرة الصلاة». والحديث من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي. قال ابن القَطَّان في كتابه: الطائفي هذا ضَعَّفَه جماعة، منهم ابن مَعِين. وقال الترمذي في «العِلَل»: سألت البخاري عنه فقال: هو صحيح. ولقول عائشة: «كان النبيّ ﷺ يكبّر في العيدين: في الأولى بسبع تكبيرات، وفي الثانية: بخمس قبل القراءة، سوى تكبير الركوع». رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن لَهِيعَة.
وقال الحاكم: تفرد به ابن لَهِيعة. وقد استشهد به مسلم في الموضعين. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزَنِيّ (^١)، عن أبيه،
_________________
(١) في المطبوع المدني، والمثبت من المخطوط وهو الصواب، لموافقته لما في سنن الترمذي ٢/ ٤١٦، كتاب الصلاة (٢)، باب ما جاء في التكبير في العيدين (٣٤)، رقم (٥٣٦).
[ ١ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن جده عمرو: «أن رسول الله ﷺ كَبَّرَ في العيدين في الأولى: سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة: خمسًا قبل القراءة». قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن شيء رُوِيَ في هذا الباب. وقال في «علله»: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. قال ابن القَطَّان في كتابه: وهذا ليس بصريح في التصحيح، فقوله: هو أصح شيء في الباب: يعني أشبه ما في الباب وأقل ضَعْفًا - يعني عنده ـ، وقوله: وبه أقول، يحتمل أنْ يكون من كلام الترمذي. ونحن وإن خرجنا عن ظاهر اللفظ، ولكن أوجبه أن كثير بن عبد الله متروك.
قال أحمد بن حنبل: كثير بن عبد الله لا يساوي شيئًا، وضرب على حديثه في «المسند» ولم يُحَدّث به. وقال ابن مَعِين: ليس حديثه بشيء. وقال الشافعي: هو ركن من أركان الكذب. وقال ابن دِحْيَة في «العلم المشهور» (^١): وكم حَسَّنَ الترمذي في كتابه من أحاديث موضوعة، وأسانيد واهية، منها هذا الحديث.
وقال الإمام أحمد: ليس في تكبيرة العيدين عن النبيّ ﷺ حديث صحيح، وإنما أُخِذَ فيها بفعل أبي هريرة. وأشار به ما رَوَى مالك في «الموطأ»، عن نافع - مولى ابن عمر - قال: «شهدت الأضحى والفِطْر مع أبي هريرة، فكَبَّر في الركعة الأولى: سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة: خمسًا قبل القراءة». قال مالك: وهو الأمر عندنا. وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة»: حدثنا وَكِيع، عن ابن جُرَيْج، عن عَطَاء: «أن ابن عباس كَبَّر في عيد ثلاث عشرة: سبعًا في الأولى، وستًا في الآخرة بتكبيرة الركوع، كلهن قبل القراءة». فثبت بصحته عن الصحابة، وجود أصل له عن النبيّ ﷺ وإن كانت طرقه ضعيفة، لِمَا مَرَّ من أنه لا يلزم من ضعفها بطلان الحديث في نفسه، كيف وقد عمل به بعض الصحابة، وهو أمر مخالف للقياس، إذ هو من قبيل المقادير.
ثم علماؤنا والشافعيّ يرفعون الأيدي في تكبيرات الزوائد، كتكبيرة الإحرام، خلافًا لمالك - وهو رواية عن أبي يوسف - اعتبارًا بتكبير الركوع. قلنا: الرفع لإعلام الأصم، وتكبيرة الركوع تُؤَدَّى في حال الانتقال، فلا حاجة إلى رفع اليدين للإعلام، كذا قالوه. ولكن يُنْتَقَضُ بتكبيرات الجنازة، حيث قال جمهور علمائنا: إنه لا رفع فيها.
_________________
(١) واسم الكتاب كاملًا: العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور. انظر كشف الظنون: ٢/ ١١٦١.
[ ١ / ٤٢٣ ]
ويُصَلِّي غدًا بِعُذْرٍ. وإذا صَلَّى الإِمَامُ لا يَقْضِيهَا أَحَدٌ. والأَضْحَى كَالْفِطْرِ،
===
ولو فاتته الرَّكعة الأولى من صلاة العيد، فإذا قام يقضيها يقرأ أولًا، ثم يكبر. وفي رواية «النوادر»: يُكَبِّرُ أولًا، ثم (يقرأ) (^١) . ولو أدرك الإمامَ في الركوع، وخشي أنْ يرفع رأسه، يركع ويكبر في ركوعه عندهما، ما دام الإمام راكعًا لأنه قيام من وجه والتكبير واجب، والإتيان بالواجب في محله من وجه، أوْلَى من الإتيان بالسنة في محلها من كل وجه. فقيل: برفع الأيدي. وقيل: بدونها، وهو الأظهر.
هذا، وما رواه صاحب «الهداية»، عن ابن عباس: أنه يكبر في الأولى للافتتاح وخمسًا بعدها، وفي الثانية يكبر خمسًا، ثم يقرأ، غير معروف عنه. وإنما ذَكره ابن المُنْذِر عن الزُّهْرِيّ وغيره. وكذا ما رواه عنه: يُكَبِّرُ في الأولى للافتتاح خمسًا، وفي الثانية: أربعًا، إنما ذكره ابن المُنْذِرِ، عن الحسن البَصْرِي. وعند أبي يوسف: لا يكبر بل يسبح، لأنه محله حقيقة، ولو فاته أول الصلاة مع الإمام كَبَّرَ في الحال ولا يُؤَخِّرُ.
(ويُصَلِّي غدًا بِعُذْرٍ) بأن غُمَّ الهلال، ثم شُهِدَ به بعد الزوال، لِمَا سبق من الحديث، أو شُهِدَ قبله بحيث لا يمكن اجتماع الناس فيه، أو بأن صُلِّيَتْ، ثم ظهر أنهم صَلَّوها بعد الزوال. قيد: «بالغد وبالعذر»، لأنها لا تُصَلَّى بعد غدٍ ولو بعذر، (ولا غدًا بغير عذر، لأنّ الأصل في العيد أنها لا تُقْضَى كالجمعة، إلاَّ أنا تركناه في الغد بعذر) (^٢) للحديث السابق، فيبقى ما وراء (^٣) على الأصل.
(وإذا صَلَّى الإِمَامُ لا يَقْضِيهَا أَحَدٌ) فاتته مع الإمام ولم يدركه، وبه قال مالك، لأن لها شرائط لا قدرة للمنفرد على تحصيلها كالجمعة. وقال الشافعي: يَقْضِي استحبابًا، لأنها صلاة مُؤَقَّتة كسائر الفرائض.
(والأَضْحَى كَالْفِطْرِ) فيما تقدَّم، لِمَا نُقِلَ عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن عمر بن الخطاب قال: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفِطْر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تامٌّ غير قَصْر». قال النووي: ورواه النَّسائي، وابن ماجه، والبيْهَقِي، وقال: لم يسمعه ابن أبي ليلى عن عمر ﵁، وقال النووي: ووقع في رواية صحيحه للبيهقي، عن ابن أبي لَيْلَى، عن كَعْبِ بن عُجْرَة عن عمر. فهو كالفِطْرِ إلاَّ في بعض الأحكام نَبَّهَ عليها بقوله.
_________________
(١) في المطبوع: يركع، والمثبت من المخطوط.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٣) عبارة المطبوع: رواه. والمثبت في المخطوط.
[ ١ / ٤٢٤ ]
لكنْ نُدِبَ الإِمْسَاكُ إلى أنْ يُصَلِّيَ.
ويُكَبِّرُ جَهْرًا في الطَّرِيق، ويُصَلَّى ثلَاثة أيَّامٍ بِعُذْرٍ وغَيرِهِ. ويُعَلِّمُ في خُطْبَتِهِ وثَمَّ أحكامَ الفِطْرَةِ، لا اجْتَمَاعُ يَوْمَ عَرَفَةَ تَشَبُّهًا بالوَاقِفِينَ، ويَجِبُ قَوْلُه: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، لا إِلهَ إلَّا اللَّهُّ، واللَّهُ
===
(لَكِنْ نُدِبَ الإِمْسَاكُ) عن الأَكل والشُّرْبِ (إلى أنْ يُصَلِّيَ) لِمَا تقدَّم من حديث الترمذي، وابن ماجه: «أنه ﷺ كان لا يأكل يوم النَّحْرِ حتى يرجع».
وفي رواية: «فيأكل من أُضْحِيَتِهِ».
وفي «المحيط»: يُسْتَحَبُّ تعجيل صلاة الأضحى، ليتمكن الناس التعجيل بالأُضْحِيَة.
(ويُكَبِّرُ جَهْرًا في الطَّرِيق) أي اتفاقًا لِمَا سبق من الحديث. ويُسْتَحَبُّ اختلاف الطريق في صلاة العيد، لِمَا رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عمر ﵄: «أنه ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق».
(ويُصَلَّى ثلَاثَة أيَّامٍ بِعُذْرٍ وغَيْرِهِ) ولا يُصَلَّى بعد ذلك، لأنها مؤقتة بوقت الأُضْحِية وهو ثلاثة أيام، لكنه يُسِيءُ بالتأخير من غير عذر لمخالفته المنقول. فالعذر في الأضحى لنفي الكراهة، وفي الفِطْر للجواز.
(ويُعَلِّمُ في خُطْبَتِهِ) أي في خطبة الأضحى (تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ والأُضْحِيَةِ) لأَنَّ الخطبة في الأضحى لتعليم أحكام وقته، وأحكام وقته (^١)، الأضحية وتكبير التشريق (^٢) (وثمَّ) أي ويُعَلِّم في خطبة الفِطْر (أحكامَ الفِطْرَةِ) لأنها أحكام ذلك الوقت.
(لا اجْتَمَاعُ) عطف على الإمساك، أي لا يُنْدَب اجتماع الناس (يَوْمَ عَرَفَةَ) في غير عَرَفَاتٍ (تَشَبُّهًا بالوَاقِفِينَ) بعرفات، لأن الوقوف عُرِفَ عبادة مختصة بعرفات، فلا يكون عبادة بدونها. وعن أبي يوسف، ومحمد في غير رواية «الأصول»: أنه لا يُكْرَه، لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس أنه فعل ذلك بالبَصْرَة. وأُجِيبَ بأن ما فعله ابن عباس لعله كان استسقاءً أو دُعَاءً.
(ويَجِبُ قَوْلُه:) مرة، والزيادة مستحبة (اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، لا إِلهَ إلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ
_________________
(١) عبارة المطبوع لتعليم أحكام وقت الأضحية وتكبير التشريق، والمثبت من المخطوط.
(٢) أي تكبير أيام التشريق، وأيام التشريق: هي ثلاثة أيام تلي عيد النحر. سُمِّيت بذلك من تشريق اللَّحم، وهو تقديده وبَسْطه في الشمس ليَجِفَّ، لأَنَّ لحوم الأضاحي كانت تُشرَّق فيها بمنىً. وقيل سُمِّيت به لأن الهَدْي والضَّحايا لا تُنْحر حتى تشرق الشمس: أي تطلع. النهاية: ٢/ ٤٦٤.
[ ١ / ٤٢٥ ]
أكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ عَقِيبَ كُلِّ فَرْضٍ أُدِّيَ بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ عَلَى المُقِيمِ بِالمِصْرِ، ومُقْتَدِيَةٍ برَجُلٍ، وعَلَى مُسَافِرٍ مَقْتَدٍ
===
أكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ) كذا في رواية جابر. قال النووي: رواها الدَّارَقُطْنِيّ بأسانيد ضعيفة. وفي رواية عن جابر موقوفًا: «أنه كَبَّرَ: اللَّه أكبر ثلاثًا». وعن ابن عباس: مثله. ضعيف، ضعفه النَّوَوِي. وأمَّا قول صاحب «الهداية»: إنّ هذا هو المأثور عن الخليل ﵊، فغير معروف، وصَرَّحَ بالوجوب، وهو اختيار فخر الإسلام، وصدر الإسلام، وأكثر الأعلام، لظاهر قوله تعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (^١)، ولأنه من الشعائر، فصار كصلاة العيد، فمستحب رفع الصوت به. وقيل: التكبير سنة. واختاره التُّمُرْتَاشِي لمواظبة النبيّ ﷺ
(مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) لِمَا روى محمد في «الآثار»، عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن عليّ: «أنه كان يُكَبِّرُ بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر». ورواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن شَقِيق عن عليّ ﵁. وعن أبي يوسف آخِرًا: من ظُهر عَرَفَة. وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت.
(عَقِيبَ كُلِّ فَرْضٍ) من أيام التشريق (أُدِّيَ) أو قُضِيَ فيها في تلك السنَةِ (بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ) ويعتبر في كون التكبير عَقِيبَ الفرض، أنْ لا يتخلل بينه وبين الفرض ما يقطع حُرْمَةَ الصلاة، كالخروج من المسجد، والتكلم.
وقَيَّد «بالفرض» احترازًا عن النفل، وعن الواجب كالوتر، والعيد، وركعتي الطواف. وقَيَّدْنا الفرض بكونه من «أيام التشريق» وكونه أُدّي أو قُضِي فيها في تلك السنة، لأنّ مَنْ فاتته صلاة من غير أيام التَّشْرِيقِ فقضاها في أيامها، لا يكبر، لأن القضاء على وَفْقِ الأداء. ومن فاتته صلاة من أيام التشريق، فقضاها في غير أيامه، أو في أيامه في غير تلك السنة، لا يُكَبِّرُ، لأنه واجب فات عن وقته، فلا يُقْضَى كصلاة العيد. وقال: بجماعة، فلا يجب على المنفرد. وقَيَّد الجماعة بكونها «مستحبة»، لأن النساء إذا صلّين بجماعة بإمامهن (^٢)، لا يجب التكبير عليهن.
(عَلَى المُقِيمِ) أي يجب على المقيم (بِالمِصْرِ) ولا يجب على المسافر، ولا على المقيم بالقرية. (ومُقْتَدِيَةٍ) ويجب على امرأة مقتدية (برَجُلٍ، وعَلَى مُسَافِرٍ مَقْتَدٍ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (٢٠٣).
(٢) أي كان الإمام واحدة منهن.
[ ١ / ٤٢٦ ]
بِمُقِيمٍ إلى عَصْرِ العِيدِ. وقالا: إلى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وبه يُعْمَلُ. ولا يَدَعُهُ المُؤْتَمُّ ولَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ.